الفصل الثالث والعشرون على طرف تخته القديم كان جالسًا بقدميه المثنية لجواره وهو مستند بكتفه على القائم .. يدخن سيجارته شاردًا في مايحدث معه الاَن وهذه المصائب التي حلت فوق رأسهٍ دفعة واحدة.. الايكفي ظهور عصام المتعجرف وبحثه في الماضي بالتقرب مرة أخرى من علاء والعب بعقله.. حتى تأتي هذه الملعونة لتقلب الطاولة فوق رأسهِ وتزيده همًا فوق همومه.. لقد تناسها ونسي أيامها بعلاقته مع نرمين لكن بظهورها الاَن اعادت الاحداث بعقلهِ وكأنها الاَمس.. تتوالى بذاكرته المشاهد واحدة تلو الأخرى دون توقف.. بداية من عودته من عمله في هذا اليوم الفارق في حياته حينما رأها تدخل السيارة مع هذا الطاووس الذي لم يكره في حياته اكثر منه.. فاشتعلت النيران بقلبه.. ود لو يوقف السيارة فيسحبها من ذراعها كي تخرج من جواره.. لكن بأي حق وهو يعلم تمام العلم انها لن تقبل.. تحركت اقدامه نحو ورشة ابيها كي يخبره بما حدث وتتلقى هي وهو عقابهم .. لكن على اَخر لحظة هداه شيطانه لتغير وجهته لمكانٍ اَخر! وقد ارتسمت بعقلهِ خطة لضرب عدة عصافير بحجر واحد .. وكانت أمينة صديقة شقيقته والتي عملت بفضل وساطته لها عند عصام.. هي اداة لتحقيق هدفه ومعرفة جميع مايحدث بداخل الشقة.. وقد سارت خطته على أكمل مايريد حتى هذا اليوم حينما اتصل بها للترتيب في ساعة الحسم التي بناءًا عليها تنجح خطته! "" كانت أمينة بداخل المطبخ الرخامي تهمس غاضبة في الهاتف وعيناها تراقب لخارجه نحو الجالسين بوسط الصالة الواسعة . - أاجله ساعتين ازاي ياعم انت؟ بقولك هايشرب قهوته ويمشي على طول . وصلها صوته المنزعج: - يابت اتصرفي.. شغلي عقلك بأي فكيرة تخليه يستنى على ما يوصل علاء من جيشه دا ركب القطر وخلاص هانت . - ايوة يعني هاقوله إيه عشان يستنى وما يخرجش صاح عليها هادرًا: - انتي غبية يابت انتي؟ كام مرة هافضل أعيد وازيد في الكلام عشان تفهمي . - ماتزعقش فيا ياسعد حرام عليك.. انا بنفذ كل اللي بتقوله لكن في دي بقى هاتصرف ازاي يعني؟ أضربه بقى على راسه مثلًا عشان يفضل مستني وما يخرجش ؟ صمت قليلًا قبل ان يتكلم بحماس: - بت ياامينة انا خلاص هاقولك تعملي إيه بعد ماجبتيلي انتي الفكرة من غير ما تدري . - فكرة ايه ياسعد مش فاهمة؟ - مافيش وقت عشان اشرحلك.. المهم بقى انك تستنى كدة على على القهوة اللي على النار دي.. شوية كدة على ما انا اوصلك. - وايه دخل القهوة بس ياسعد؟ انا مش فاهمة حاجة. - عنك مافهمتي.. نفذي اللي بقول عليه وانا في ظرف دقايق هاكون عندك من الباب الخلفي بتاع المطبخ وهافهمك نعمل ايه؟ - احسن تتأخر ياسعد؟ - ياغبية هاتأخر فين بس وانا موجود اساسًا قريب منك براقب البيت.. اخلصي اقفلي ياللا وانا هاوصل الصيدلية واطلعك على طول . - صيدلية ايه ياسعد؟ - اقفلي يابت بلا غباوة بعد نصف ساعة . لطمت بكفيها على وجهها تخاطبه بجزع وهو واقف امامها بوسط الصالة في شقة الدكتور عصام - يانهار اسود يانهار اسود.. انت حطيتلهم ايه في القهوة؟ دول باينهم ماتوا؟ يامصيبتك السودة يا أمينة يامصيبتك السودة. هتف عليها بغضب وهو يجثو بركبته على الأرض التي استلقى عليها عصام دون إرادته قبل ان يصل لباب الخروج بفعل المنوم - بس يازفتة انتي دول ماماتوش ولا حاجة.. تعالي بس ساعديني عشان نشيل الزفت ده ندخلوا أؤضته ونيمه على سريره. قالت بترجي وهي تفرك كفيها ببعضهم: - أوعى يكون مات ياسعد وحياة الغالين عندك ياشيخ هتف بصوت خفيض مابين أسنانه: - يابت ماتبقيش غبية وافهمي بقى.. دا منوم.. يعني مش سم عشان يموته.. هاستفاد ايه انا بموته بس؟ تعالي ساعديني وماتقليقيش هما اَخرهم ساعتين ولا حاجة وتلاقيه قام زي القرد.. تعالي يالا ساعديني نشيله مع بعض ربنا يهديكى . اذعنت لأمره مضطرة فجثت على ركبتيها تساعد برفعه من اقدامه وهو من رأسه واكتافه.. فسألته وهي تومئ برأسها نحو فاتن المستلقية لا حول لها ولا قوة على الأريكة الاَثيرة: - ودي هانشيلها بردوا ولا هانسيبها مكانها؟ رد بحزم وهو يرفع لأعلى ثقل عصام : - نفس الأمر بس هاندخلها اؤضتها . وقد كان.. بعد ان أنهوا مهمة حمل عصام قاموا بنقل فاتن هي الأخرى لغرفتها.. ولإكمال الخطة خرجت امينة من الباب الرئيسي ليراها حارس العمارة بشكل طبيعي للذهاب الى منزلها.. وخرج هو من الباب الخلفي بناءًا على اتفاقه مع أمينة ولكنه توقف بوسط الدرج.. ولم تطاوعه قدماه للنزول.. فنزل بجسده جالسًا بإرهاق.. يفرك بأطراف اصابعه على جبهته المتعرقة.. لا يستطيع السيطرة على تفاعل جسده منذ ان حملها بيداه الإثنتان وشعر بنعومة جسدها الفاتن كاإسمها.. يريد ازاحة مشهد رؤيتها عن رأسهِ وهي نائمة على فراشها وقد كشفت بلوزتها عن جزءٍ كبير من كتف ذراعها الغض ولا يستطيع.. يبتلع ريقه بصعوبة حتى اصبح جسده يرتجف.. ثم مالبث ان ينهض مستقيمًا لينحي عقلهِ جانبًا عن التفكير .. وصعد مسرعًا ليفعل ما أملاه على رأسهِ شيطانهُ وغريزته الدنيئة دون تقدير العواقب.. لم يشعر بعظم ما يفعله من خطأ غير بعد وقتٍ طويل.. وقد نال ما تمناه وارق مضجعه لياليٍ طويلة في أحلام النوم او اليقظة.. نهض عنها ينظر بصدمة لأثار جريمته عليها.. زحف يبتعد عنها بأعين متسعة بذهول من نفسه.. فهذا لم يكن مدرجًا في خطته ولكنه حدث؟ فما العمل الاَن والوقت لقرب وصول علاء يمُر؟ نهض عن التخت فجأة وقد حسم أمره واتخذ القرار! فلتبدوا جريمة مكتملة.. لكن لا رجعة للخلف مرة أخرى . ارتدي ملابسه بسرعة ورفع من الغرفة كل اثر يدل على حضوره ثم حملها هي وخرج بها لغرفة عصام يضعها بجواره.. فنزع عن عصام ملابسه هو الاَخر ..وبعد ان جذب عليهم غطاء الفراش تحرك بظهره للخلف يلقي نظرة أخيرة قبل ان يستدير ينوي الخروج ولكنه تفاجأ بأمينة التي كانت واقفة على باب الغرفة المفتوح كتمثال اسمر شاحب وعينان كبيرتان اتسعتا بشدة تتحرك مقلتيهم باضطراب .. شفتيها منفجرتان بصدمة .. اقترب منها يدفعها بعنف لخارج الغرفة.. ويغلق بابها بسرعة.. استفاقت من صدمتها فهجمت عليه تمسكه من تلابيب قميصه صارخة تسب وتشتم : - ياحيوا....... ياابن الكل...... بكف يده اطبق على فمها يمنع وابل الشتائم واليد الأخرى دفعتها للخلف فشل حركتها بذراعه ليهدر بصوتٍ مخيف اظهر قبح قلبه : - صوتك دا مايطلعش يابنت محاسن.. واسمعي مني اللي جاي دا كويس قوي.. عشان انا وانتي في مركب واحدة.. هاتعملي مصدومة هاتعملي بريئة! انتي ملطوطة معايا في كل اللي حصل.. يعني المصيبة عليا وعليكي. زامت تحت كفهِ المطبقة على فمها بقوة.. تحرك رأسها بنفي واعتراض ودمعاتها تتدفق من عيناها بعجز فضغط يهزها بعنف وقسوة مشددًا بقوله: - بلاش دور المسكنة والصعبنيات دي عليا انا ياروح امك.. ماحدش كان ضربك علي ايدك يابت. فوقي كدة واصحي.. خليكي حلوة ونفذي للاَخر اتفاقك معايا.. عشان اللي هايضرني هايضرك واللي هايسري عليا هايسري عليكي.. فهمتي بقى ياحلوة ولا نعيد في الكلام من تاني؟ هزت رأسها تومئ بقهر فنزع كف يده عن فمها وذراعهِ عنها وحينما هدأت حركتها سألها بخشونة: - ايه اللي رجعك على هنا تاني؟ همست بضعف: - رجعت اَخد تليفوني اللي نسيته في اؤضة الدكتور عصام - طب خوشي انجري ياللا هاتيه وشوفي ناسية ايه تاني وراكي مش ناقصين مصايب.. وحاولي تنجزي بسرعة عشان قطر علاء قرب يوصل "" عاد من الذكرة الأبدية في رأسه لحاضره الاَن وهو يتنفس بعمق.. يحاول استيعاب الأمر والتفكير بروية لحل ما.. فحينما فاجئته الليلة على حين غفلة بهذه المعلومات الجديدة.. لم يجد أمامه سوى وضعها تحت عيناه الاَن وضمان سيطرته عليها .. فلتبقى في هذه الشقة لبعض الوقت حتى يجد الحل الجذري لكل مشاكله ! ............................ بعد يومان . صعدت فجر لسطح البناية التي تقطن بها وهى تحمل على كتفها سجادة متوسطة الحجم ولكنها كانت تلهث من ثقلها.. تتقدم بخطواتها البطيئة بها نحو حافة السور الخرساني لتلقيها عليه.. ولكنها تفاجأت بالسجادة وهي تسحب من ذراعيها وانتزعت منها بحركة سريعة للأعلى.. استدارت مجفلة لتجد علاء يحمل السجادة بذراعه وكأنها لا تزن بيده شئ.. - خضتني ياعلاء.. مش تتكلم طيب ولا تديني اشارة قبل ماتسحبها كده قالتها وهي تضع يدها على صدرها تهدئ ضربات قلبها السريعة.. فتحرك يتجاوزها نحو السور الخرساني وهو يتكلم بجمود: - وانتي طالعة بيها لوحدك ليه مش تخلي حد يساعدك؟ ردت وهي تقف بجواره وتساعد في فرد السجادة معه : - يساعد مين ياعم؟ هو انا عيلة صغيرة ولا دي اول مرة اشيل السجادة فيها يعني وانشرها هنا عالسطح . اللتفت اليها مضيقًا عيناه يسألها بغموض: - وفي كل مرة برضوا بتتطلعي بالبيجامة دي؟ القت نظرتها على بيجامتها ذات الرسوم الكارتونية فسألته بعدم فهم: - مالها يعني البيجامة؟ هي يمكن تكون قديمة شوية وشكلها مبهدل بس يعني انا بنضف هالبس ايه بقى.... - مش دا قصدي انها مبهدلة ولا قديمة..بل بالعكس بقى دي حلوة عليكي بزيادة ودا اللي مضايقني.. عشان دا سطح عمارة وفي ناس تانية سكانين معانا فيها فتحت فمها لترد واقفلته مرة أخرى تخفض عيناها خجلًا وهي لا تدري بأي إجابة تجيبه - ممكن يابنت الناس ماتطلعيش بيها تاني؟ يااما تنشريها في البلكونة تحت ردت ببرائة : - البلكونات في شقتنا مابتوصلهاش الشمس كويس.. واحنا متعودين اساسًا ننشرها هنا عشان احنا اَخر دور .. دا غيرر ان البيجامة واسعة... - لا محزقة . - نعم! رد بتصميم وجرأة: - محزقة يافجر.. وطرف البنطلون اللي مشمراه دا مخلي رجليكي باينة منه. شهقت خجلة لتسدير وتبتعد عنه ولكنه تصدر لها كالمرة السابقة.. رفعت عيناها اليه تسأله بدهشة: - في إيه ياعلاء؟ هو انت هاتعملها تاني برضوا معايا زي المرة اللي فاتت؟ قال ببساطة وعيناه تحاصر عينيها: - المرة اللي فاتت انا كنت بوقفك عشام اعرف إجابة لأسئلة محيراني.. بس المرة دي انا موقفك عشان وحشتيني ومش عايزك تمشي وتسيبيني. فتحت فمها بعجز غير قادرة على الرد فتابع هو: - بتبعدي ليه عني وتختفي كل ما تشوفيني؟ دا غير البلكونة كمان اللي حرمتي ما توقفي فيها؟ تحركت للخلف لتبتعد عن مرمى سهام عينيه وردت بتوتر: - عادي يعني؟ الأيام اللي فاتت اصلًا انا كنت مشغولة. أجفلها سائلًا: - هو انتي زعلتي عشان الكلمتين اللي قولتهملك في بيتنا.. انا اَسف لو كنت زعلتك . هزت رأسها ترد نافية: - انا مزعلتش انا بس ..... استغربت واحترت . - احترتي؟ قالها ثم سألها: - طب ليه تحتاري؟ دول كلمتين كانوا في قلبي نحايتك وانتي تستاهلي . - مش موضوع استاهل ولا من قلبك.. الحكاية بس! سألها بحيرة: - بس ايه يافجر ماتكملي.. وقولي اللي في قلبك . صمت مضيقًا عيناه قليلًا بتفكير ثم قال: اشاحت بعيناها عنه غير قادرة على النطق.. لتزيد من حيرته وهو ينظر نحوها صامتًا هو الاَخر ولكن بتساؤل ثم مالبث ان تكلم قائلًا: - فجر هو انتي مأثرة معاكي قصتي القديمة مع فاتن ؟ اومأت برأسها موافقة... قال هو: - طب ليه يافجر ودا موضوع قديم وانتهى من سنين؟ سألته هي : - طب والحب اللي كان مابينكم.. انتهى كمان من قلبك؟ دي حتى كانت قصة حبكم اسطورية وانا نفسي كنت شاهدة عليها مع فاتن. ارتفعت زاوية فمه بشبه ابتسامة: - وافرضي يافجر كانت جميلة ورائعة في نظرك كمان.. بس ربنا مكتبش لنا نصيب مع بعض.. يبقى الدنيا تقف على كدة.. - طب دي ماتعتبرش خيانة مني. - تبقى خيانة لو هي عايشة؟ لكن دي توافها الله.. وانا وانتي عايشين يبقى ندفن اللي في قلوبنا ليه؟ صمتت عن الرد مرة اخرى ليجفلها قائلًا : - تتجوزيني بافجر؟ برقت عيناها وانعقد لسانها عن الرد او الأستفسار عن صحة ماسمعته .. فأكمل هو : - انا عارف اني بفاجئك بطلبي ده.. لكن انا راجل دوغري وبحب ادخل البيت من بابه.. تسمحيلي ياابلة فجر ادخل بيتكم من بابه؟ .................................. لولولويي اطلقتها سحر بصوت عالي قبل ان توقفها فجر بكف يدها على فمها . - اكتمي الله يخرب بيتك هاتفضحينا . ازاحت سحر كف صديقتها قائلة بمرح : - فرحانة يابنتي .. اعبر عن حبي ازاي بس ياناس؟ - ماتعبريش دلوقتي ولا تتنيلي.. استني لما يحصل بجد . - ليه بقى؟ مش بتقولي انك وافقتي وهو أخد ميعاد من والدك عشان يجيب والده ويجي يطلبك . ابتسمت فجر تسعيد هذه اللحظات المجنونة.. حينما اومأت له برأسها موافقة ولكنه اصر لسماعها من فمها صريحة ..فردت موافقة على استحياء .. ليقفز بفرح كانه طفلٍ صغير وينزل مهرولًا لأبيها يطلبها مرة أخرى .. بمفاجأة اصابت والديها حينما سألوها واجابت بنعم.. وحدث بعدها كل شئ سريعًا.. حينها دلفت اليها زهيرة تضمها وتحضنها بدموع الفرح والسعادة. - انتي يابت انتي روحتي مني فين؟ عادت فجر من شرودها ترد بقلق : - سرحت في اللي حصل النهاردة ياسحر .. بصراحة ماقدراش احط عيني في عيون والدي ووالدتي من الكسوف. اطلقت سحر ضحكة بصوت عالي استفز فجر قبل ان ترد : - ههههه حاسة ان مشاعرك بقت مكشوفة قدامهم صح ؟ ودي حاجة مش متعودين عليها من الابلة فجر؟ لكزتها بقبضتها حانقة: - صح في عينك.. هو انتي هاتعملي زي الزفتة شروق دي كمان.. اللي واخداني السليوة بتاعتها النهاردة ضحك ومسخرة . علت سحر ضحكتها مرة أخرى : - ههههه ياعيني عليكي يافجر.. دا انتي هاتشوفي ايام عنب معانا بكسوفك ده.ههههه. لكزتها فجر مرة اخرى وقد اصبح وجهها كقطعة حمراء من الخجل .. سالتها سحر : - ماقولتليش بقى.. هو والده هايجي امتى بالظبط يطلبك رسمي؟ - بكرة ان شاء الله بعد المغرب . ............................ ماخرجتش خالص! انت متأكد من كلامك ده؟ كان هذا سؤال حسين لحودة والذي اجابه بتأكيد : - والنعمة زي ما بقولك كدة ياحسين باشا..من ساعة ما دخلت العمارة ماخرجتش منها تاني نهائي.. رغم مرور كذا يوم على كدة. قال حسين بتحذير : - حوودة .. اوعة يكون البت بتخرج وانت سهيت عنها .. ازعل منك بجد والله. رد حودة وهو يلوح بكف يده في الهواء: -والنعمة ماحصل ياحسين باشا.. دي حتى خضار مابتجبيش رغم ان سوق الخضار قريب منها .. الزفت سعد دخل عندها مرتين بالاكياس وبعدها مراحش تاني واكنها حابسها. تنهد حسين وهو يطرق بيده على مقود السيارة المتوقفة.. فقال وهو يجز على اسنانه - ابن ال.... بس ماشي ..اكيد برضوا هاوصلها ..خليك انت مستمر في المراقبة ياحودة مع الرجالة اللي معاك .. ابوس ايدك ماتغفلش عن أي حركة ماشي . رد حودة بحماس: - اكيد طبعًا ياحسين باشا.. خليك متأكد وحط في باطنك بطيخة صيفي . ................................ صاحت عليه في الهاتف وهي تهز أقدامها بتعصب : - بقولك زهقت وعايزة اخرج ياسعد.. انت هاتفضل قافل عليا بالمفتاح كدة لحد ما اموت بقى واعفن في الشقة؟ صاح عليها من مكانه بحزم - اترزعي واصبري لحد ما اشوفلك صرفة يابنت انتي انا مش ناقصك. صرخت هي: - لحد امتى بقى؟ دا انا هكمل اسبوع من غير ما اشوف الشارع ودي عمرها ماحصلت . رد باستهزاء: - طبعًا يااختي انتي هاتقوليلي؟ ماانا عارف دا كويس . مش وش بيوت ابدًا. اصابتها الكلمة في كرامتها.. بلعتها داخلها وهي ترد عليه بتماسك: - الله يسامحك يابن الاصول ..انا مش هارد عليك وهاصبر زي ما بتقول.. بس بقى ياحبيبى الأكل قرب يخلص من البيت.. يعني ابعتلي حد بالتومين يأما تيجي بنفسك ولا انت عايزني اموت من الجوع بقى. رد بغضب: - اتنيلي استنيني هاجيبلك النهاردة اكل وتومين.. عايزة حاجة تاني يااختي؟ اقفلي بقى عشان انا قرفت. وبدون استئذان انهى المكاملة مما اثار استيائها وحنقها اكثر .. فركت بيديها وهي تسب وتلعن عليه - ماشي ياسعد ال..... ربنا يوريني فيك يوم. ظلت على وضعها هذا لعدة لحظات حتى نهضت اَخير مقررة تسلية وقتها بعمل أي شئ في هذه الشقة المتواضعة والتي تذكرها بشقتها .. بدأت بالصالة ثم اتجهت لغرفة النوم تنظف الأتربة العالقة بها.. رفعت السجادة الباليه عن الارض واتجهت لتغير ملائة الفراش .. فتفاجئت ونزع كيس المخدات .. فصدر سقوط شئ ما امامها على الأرض.. دنت تتناوله فتوسعت عيناها وانفرج فمها بابتسامة ساخرة وهي تتلاعب بهذا القرط النحاسي الكبير بشكله المعلوم اليها جيدًا . تمتمت وابتسامتها ازدادت اتساعًا : - اه يا نرمين ال...... طب والنعمة كان قلبي حاسس.. ماهو على رأي المثل البيض المنشش يدحرج على بعضه! بس ياترى بقى جوزك عارف ؟ الفصل الرابع والعشرون ولا حتى في أحلامه كان يطمح ان يتم الأمر بهذه السرعة.. فمنذ أسبوعٍ واحد فقط كان يتمنى ان تخرج له من شرفتها فيُملي عينه بالنظر إليها.. كم من ليلة مرت عليه وأرقه السهر في التفكير بها.. كم حرقه الشوق ليرى ضحكتها التي رأها مرة او مرتين فقط لكنها فعلت بعقلهِ الاَفاعيل حتى كاد ان يصيبه الجنون بها.. حتى بعد أن وافقت على طلبهِ بعد عذاب.. حتى وهو يأخذ المباركة من أبيها بتحديد موعد مع والده للأتفاق على خطوبة رسمية أمام الناس فتأتي المفاجأة من أبيه الذي اقترح اختصار الوقت بعقد قران ابنيه الأثنين على الأختين متعشمًا بهذا بالتقارب الذي حدث بين العائلتين في هذه الفترة القليلة وتوطد العلاقة بينهم.. وكانت المفاجاة الأكبر حينما رحب ابيها ووافقت هي في الجسلة امام الجميع.. ليأتي هذا اليوم المبارك ويعقد قران أخيه أولًا على شروق ثم يأتي دوره ليعقد على حبيبته التي كانت جالسة امامه في الصالة التي توسطت المنزل بجوار شقيقتها العروس ايضًا ووالدتها ووالدته وبعض النسوة من الأقارب والجيران.. فالحفل صغير واخُتصر على عدد قليل من المدعوين على حسب الاتفاق.. على ان يتم الحفل الكبير بعد انتهاء شروق من اختباراتها الاَخيرة في الدراسة حينما وضع كفه في كف العم شاكر يبدوا أن الرجل قد شعر برجفته فقال متفكهًا: - إيدك باردة اوي يابني.. هو لدرجادي الوضع يخوف؟ صدحت الضحكات العالية من المدعوين القلائل بصخب.. حتى علاء نفسه ضحك رغم تعرقه وتوتره.. ثم جاءت اللحظة الحاسمة.. فحبس انفاسه وهو يراها تدنو على الدفتر الكبير وتوقع بيدها الصغيرة عليه.. كانت دقاته قلبه العنيفة تقفز في صدره قفزًا من سرعتها وهو يراقبها.. فرغم كل ما يحدث الاَن كان ينتابه الخوف من تراجعها المعتاد معه لاَخر لحظة.. حينما رفعت رأسها إليه بابتسامتها الساحرة وانطلقت الزغاريد الفرحة من الأحباب لأعلام الجميع باتمام المهمة وان فجر شاكر عبد المنعم أصبحت زوجة رسمية لعلاء ادهم المصري.. كاد قلبه ان يتوقف من الفرحة وهو يتلقى المباركات من أبيها وأبيه وشقيقه حسين والمدعوين من الرجال .. حتى اقتربت زهيرة منهم بدموع الفرح تُعانق ابناءها بعد أن تم فرحها أخيرًا بزواجهم بأجمل الفتيات واقربهم الى قلبها رغم قصر المدة التى عرفتهم فيها ولكنها علمتهم جيدًا وعلمت أخلاقهم . اخرجها من حضنه علاء ليقبل رأسها فضحك من قلبه على هيئتها الباكية: - هههه إيه ياام علاء دا وقت بكى برضوا؟ قالها وهو يمسح بإبهام كفيه الإثنين الدموع العالقة وجنتيها . ردت هي بصوتٍ مشحون بالعواطف: - فرحانة اوي ياحبيبي بيكم.. أخيرًا ربنا حقق امنيتي وشوفتك عريس . هزها حسين فجأة بعد ان لف ذراعها كتفها قائلًا بمرح: - فرحانة بيه هو بس ياأم علاء؟ وانا ايه بقى؟ نسيتيني؟ لكزته بقبضتها الصغيرة على كتفه قائلة بحزمٍ محبب: - بس ياواض بلاش غلاسة..انتوا الاتنين أكيد طبعًا فرحنالكم.. بس بقى فرحتي بعلاء ماتتوصفش عشان دا البكري واللي غلبني سنين طويلة لحد ماربنا اخيرًا هداه . قالت الاَخيرة بتأثر واضح ارتد أثره على علاء الذي قربها منه يقبلها مرة أخرى على رأسها عدة قبلات.. جذبها فجأة حسين نحوه بملكية : - إيه ياعم هي امك وحدك ؟ ماتسيب شوية للناس الغلابة. صدرت ضحكة زهيرة النادرة من قلبها وابنها حسين يقبلها على رأسها ووجنتها بصبيانية امام علاء الذي اصابته عدوى الضحك من والدته.. فتوقفت ضحكته فجأة على صوت أبيه الذي اتى نحوهم ناهرًا حسين بوجه عابس: - ابعد شوية عن امك ياض وبطل شغل عيال.. الناس بتبص عليكم . خبئت ابتسامة زهيرة وهي ترى زوجها شديد القرب منها هي وابنها الذي قربها أكثر يلف ذراعهِ حولها قائلًا بمزاح: - ومالوا ياابو علاء؟ خليهم يبصوا براحتهم واحد فرحان وبيبوس في امه اللي زي القمر فيها حاجة دي؟ تجاهله ادهم وهو يحدق بزهيرة عن قرب بأعين مشتاقة فخاطبها قائلًا : - مبروك ياام العرسان.. ربنا يفرحك بولادهم كمان . اجابته بتماسك وأعين متهربة وهي تتملص من حسين : - الله يبارك فيك ياابو علاء ويفرحك انت كمان.. معلش بقى عن اذنكوا عايز اشوف الضيوف. تركها حسين تذهب امام نظرات ابيه التي تعلقت عيناه بها وتحرك فمه دون صوت وكأنه يناجيها للتوقف حتى ابتعدت.. أصابه الإحباط فذهب هو أيضًا عائدًا لجسته مع شاكر .. تبادل حسين نظراته مع أخيه علاء الذي كان مراقبًا بصمت.. فانتقلت عيناه بتشفي نحو نيرمين الواقفة بإحدى الزويا مع جارة قديمة لهم وهي تغلي من الغيظ . ............................. وفي الجهة الأخرى كانت فجر هي الأخرى لم تستوعب الأمر بعد.. هزتها سحر التي كانت جالسة بجوارها وهي تضحك بمرح : - إيه يابنتي مالك؟ إصحي كدة وفوقي وانا بكلمك . رمشت بعيناها وهي تهز برأسها: - افوق ازاي بس ياسحر؟ والنعمة مامصدقة اللي بيحصل دا كدة وبالسرعة دي. دا اول امبارح بس كنت بستخبي واتهرب منه عشان مايشوفنيش ولا اشوفه وقبلها بسنين طويلة ما كنتش بكره في حياتي حد قده.. النهاردة بقى بقيت مراته! لا بجد انا حاسة اني في غيبوبة. ردت سحر بمشاكسة: - غيبوبة ايه بس ياكهينة؟ هو انتي هاتعمليهوم عليا يابت؟ يعني لما وافقتي على كتب الكتاب ماكنتيش دريانة ياقطة . ضحكت فجر وهي تبرر: - والنبي ياشيخة انا لحد الاَن ما اعرف ازاي دا حصل؟ كل اللي فاكراه ان عمي أدهم كان موجود عندنا هو وعلاء وحسين بيتكلموا في الخطوبة ونده علينا انا وشروق نسلم عليهم ونقعد معاهم.. فجأة لقيته بيسألني وياخد رأيي في علاء.. طبعًا انا اتكسفت ومعرفتش اجاوب بس مع الإصرار هزيت دماغي بالموافقة.. وكانت هي الإشارة ياستي.. لقيت الراجل بيقول لابويا.. احنا بدل الفرحة نخليها فرحتين وبدل الخطوبة نخليها كتب كتاب للعريسين على البنات واحنا اهل وعارفين بعاضينا.. لقيت بقى والدي ووالدتي والحجة زهيرة بيرحبوا بلهفة وحسين وشروق كمان الفرحة مش سايعاهم.. فضل بقى علاء يبصلي برجاء وكاني هاكسر قلبه لو رفضت .. من غير تفكير لقيت نفسي بهز دماغي وقبلت.. وعنها بقى نزلنا تاني يوم جبنا الشبكة وادي اليوم التالت أهو بقيت مراته! انت نفسك صدقتي؟ جذبتها سحر ترد عليها وهي تعانقها بسعادة: - اصدق ياحبيبتي وماصدقش ليه بقى؟ ربنا يكتبلك الفرح والهنا ياروح قلبي . بادلتها فجر التهنئة: - وانت كمان ياحبيبتي.. ربنا يتمم فرحتك انتي و رمزي على خير وتتجوزوا قريب بقى وافرح فيكي.. هو فين صحيح مجاش معاكي ليه؟ - مين هو اللي مجاش ياعنيا؟ هو يقدر ؟ دا انا بس سيبته يدور على مكان يركن فيه عربيته ونزلت اجري عشان احصل كتب كتابك.. دلوقتي ان شاء الله يجي يبارك ويهني ونتصور انا وهو معاكي انتي والمعلم علاء.. دي هاتبقى ذكرى حلوة قوي قالت فجر بتشتت - طبعًا هاتبقى ذكرة حلوة أكيد.. بس دا تسميه إيه دا اللي بيحصل معايا ياسحر؟ لأن انا بصراحة مش فاهمة. أومأت سحر بعيناها ورأسها عن اقتناع: - دا بقى اسمه النصيب ياحبيبتي عشان تفهمي بقى وتفوقي.. واتعلمي بقى من المحروسة اختك هي ومقاصيف الرقبة أصحابها وشوفي بيعملوا إيه . قالتها وهي تشير بيدها نحو شروق الجالسة بالقرب منهم على مقعد وحدها وحولها عدة فتيات أصدقائها يتبادلن معها التقاط صور السيلفي بعدة أوضاع.. غير عابئين بنظرات الجميع حولهم.. ولا نظرات حسين التي تراقب اصدقائها بحسد للقرب منها في هذه اللحظة المهمة لهم وهو محاصر بعدد من أصدقائه واقاربه.. يستعجل التملص منهم للذهاب اليها . ........................ إيه يا حبيبتي هو انتي سرحتي مني؟ التفتت نيرمين على محدثتها مجفلة فسألتها بتشتت: - نعم يااا...هو انتي كنتي بتقولي حاجة؟ ردت المرأة وهي تهدهد في ابنها الصغير النائم برأسهِ على كتفها وهي تحمله على ذراعها: - انا ام مروان و ساكنة في الشقة اللي فوق.. هو انتي لحقتي تنسيني؟ دا انتي كنتي سرحانة بجد بقى وماخدتيش بالك من كل الكلام اللي قولتهولك . ردت بسأم وابتسامة مصطنعة: - معلش ياام مروان متأخذنيش يااختي.. اصلي حاسة بصداع كدة ودوخه.... قاطعتها بلهفة: - انتي بتقولي دوخة؟ معقولة يكون عملتيها وحملتي؟ طب خلي بالك بقى من صحتك اليومين دول.. دي العيال بتجي بوجع القب. ردت عليها نيرمين مستنكرة: - حامل دا إيه ياستي انتي كمان؟ دي شوية دوخة كدة وهايروحوا لحالهم.. يعني لا حامل ولا زفت. لوت المراة شفتيها وهي تتقرب منها وتهمس همسًا بالنصائح لها: - طب شدي حيلك بقى ياناصحة واتشطري عشان تلحقي تجيبلك حتة عيل قبل ما الراجل يفلسع..يعني الشر بره وبعيد.. اصل الزمن دلوقتي ياحبيبتي مش مضمون.. واديكي شايفة بنفسك نظرة جوزك ناحية ضرتك. توسعت اعين نيرمين بجزع من فراسة المراة والتي بدت و كأنها تقرأ افكارها بخبث.. وتابعت المراة بنفس الهمس: - ماتبصيلش كدة ياحبيبتي بخضة.. دي حكاية باينة زي عين الشمس.. وضرتك زي ما انتي شايفة كدة حلوة ومش باين عليها سن.. دا اللي يشوفها وهي واقفة مع خالتي سميرة يديها هي السن الاصغر.. دا غير انها متحامية بولادها الرجالة اللي بكرة يورثوا الجمل بما حمل مع بنات سميرة وتطلعي انتي من المولد بلاحمص لو ماخلفتيش عيل يشاركهم في الورث. هبط قلبها بداخل صدرها وهي تتخيل سيناريو ما سيحدث بعد وفاة زوجها من زهيرة وابناءها..الكارهين لوجودها من الأساس.. فتعود هي لحياة الفقر والعوز مرة أخرى! استفاقت من شرودها على صوت رجاء والدة سحر وهي تهتف على أبراهيم الجالس بجوار السماعات: - في إيه ياعم هيما؟ ماتشغلنا أغنية فرايحي خليها تفرفشنا كدة وتهيصنا عايزين نرقص دا احنا في فرح ياحبيبي . - من عنيا ياخالتي رجاء.. أحلى اغنية لأحلى رجاء . قالها إبراهيم ليصدح بعدها أغاني مهرجانات خاصة بالأفراح اشعلت الأجواء.. لترقص رجاء في الوسط وشروق وصديقتها يحاوطنها يصفقن بكفوفهن ويرقصن معها.. أمام سحر التي كانت تنظر اليها بيأس مع فجر التي كانت تضحك لها بمرح لإغاظتها. ................................ بعدها بقليل جلس علاء بجوارها على اَريكة ضمتهم هما الأثنان فقط.. ليلبسها خاتم زواجهِ بها ومعها محبس اخر من الذهب و أسورة جميلة زينت رسغها.. ليصدح صوت الزغاريد من النساء والفتيات التي اللتفت حولهم يشاهدن ويلتقطن الصور لهم بفرح تحول لهمهات منبهرة لرؤيته وهو يقبل كفها دون ان يأبه بهم ولا لخجلها الذي انعش قلبه بالفرحة بها أكثر .. اقبلت عليهم سحر وخطيبها رمزي بالتهنئة والتعارف مع علاء واللتقطت بعض الصور الجميلة لأربعتهم .. مما اثار غيرة حسين الذي سحب شروق من يدها لينحشرا بجوارهم على الاَريكة مما أثار امتعاض علاء الذي كشر بوجههِ لهم فبادله حسين النظرة بكل برود وفاجأه بقلبة سمجة على وجنته مسحها علاء بقرف فانطلقت ضحكات شروق بقهقه هي والفتيات أصدقاءها والمدعوين..وازدادت اللحظات الجميلة لتسجلها عدسات الكاميرات.. فتجفلهم سميرة فجأة برشة من الملح منعًا للحسد تسير امتعاض الجميع وثناء زهيرة التي كان قلبها ينبض بسرعة خوفًا من كم الفرح الكبير الذي أتى بعد سنواتٍ طويلة عجاف. تحول وجه حسين فجأة وهو يومئ بعيناه لعلاء نحو مدخل الباب ويهمس: - دعيته ليه ياعلاء؟ احنا مش قولنا قاعدة عالضيق وخلاص؟ أجفل علاء لحدة شقيقه فرد بدهشة هامسًا هو الاَخر: - وافرض عالضيق ياحسين؟ مدعيش انا بقى صاحبي؟ قال الاَخيرة وهو ينهض قائمًا ليستقبل سعد الذي تنقلت عيناه بين صديقه وبين الجميلة ذات الثوب العسلي والذي تناسب مع لون عيناها وانعكس على بشرتها فزادها بياضًا ونضارة .. وقبل ان يصل اليهم تفاجأ بحسين الذي جذبها من يدها وابتعد بها عن مرمى عيناه.. حاول التماسك وهو يعانق علاء يهنئه ويغتصب الإبتسامات ليخفى بها اشتعال صدره من الداخل.. لقد فاجأه علاء حينما هاتفه في الظهيرة يخبره بعقد قرانه هو واخيه على الشقيقتان.. كالعادة ذهبت لغيره ولم يجد الفرصة للتقرب منها.. كالعادة حظه العسر يحول بينه وبينها.. وكالعادة يكبت مشاعره من داخله ليظهر العكس في الظاهر ............................ صدحت بعض الاغاني الخاصة لمحمد منير بناءًا على رغبة علاء الذي نسق مع ابراهيم لإذاعتها من السماعات.. فسحب فجر من يداها يراقصها عليها لتتمايل معه هي بخجل.. يعبر بيداه وجسده وفمه يردد مع كلمات الاغنية مايعبر عما بداخله ناحيتها.. فهو يعشق اغانيه ويعشق كلماتها . دلف حسين يشاركهم الرقص مع شروق واشتعلت الأجواء.. حتى انهم سحبوا سميرة وزهيرة أيضًا التي كانت تتمايل بخفة لظروف مرض ظهرها وعظامها.. بعبائتها التركواز وكأنها عادت طفلة صغيرة .. وقد خففت الفرحة عنها المها وتعبها.. غافلة عن اعين أدهم المصري الذي ارتكزت أبصاره عليها بحسرة وندم .. انسته طعم الفرحة بزواج أبناءه الاثنان.. اما نيرمين فكان بداخلها بركانِ يغلي من التجاهل وهي تشعر بقزمها وضاَلتها بينهم .. علاء الذي تمنته حتى الموت وهو لم يعيرها ادنى اهتمام ها هو الاَن يرقص مع هذه الفتاة القصيرة بفرحة لم ترها على وجهه طوال سنوات معرفتها به.. حسين وهو يراقص شروق وعيناه تحاصرها ولا ترى غيرها وكأنها قطعة منه.. مشاعر جميلة حرمت منها.. وضاعت سنين عمرها بين شقاء في العمل وعلاقات خفية مع اشخاص استغلوها فيرحلوا بعد أن تنتفي حاجتهم منها ..ثم الزواج برجل بعمر اباها وقد ظنت ان الدنيا فتحت لها ابواب الهناء.. وها هو ايضًا يبدوا انه قد مل منها .. حتى سعد الذي لطالما كرهته وكرهت علاقتها به.. لم يكلف نفسه حتى النظر اليها وكأنها ليست جميلة ولا تستحق الأهتمام كهاتين الفتاتين الملعونتين.. او حتى هذه المرأة العجوز التى خطفت قلب زوجها واعادت اليه الحنين اليها رغم بساطة ما ترتديه وتزين به وجهها.. سعد والذي كان ممسكًا بكوب العصير يتناول منه وكانه العلقم بحلقه مع مراقبته لهم ولفرحهم.. انتبه على ورود مكالمة منها تجاهلها في البداية ولكن مع رؤيته لرسالتها انتفض خارجًا من المنزل وذهب اليها بسرعة . ................................ فتح بمفاتحه باب الشقة ليدلف داخلها بسرعة هاتفًا عليها . - انتي يازفتة انتي هببت إيه في الشقة؟ خرجت اليه أمينة مهرولة من المرحاض : - انا مهببتش حاجة ياعنيا؟ سباكة الشقة بتاعتك هي اللي مصدية وقديمة. تسمر مكانه وهو ينظر إليها ولم يعي ماتقوله.. شعرها الحريري الأسود كان مبتلًا وبشرتها النضرة دومًا كانت ندية بشكل لافت ..عبائتها الخفيفة اظهرت امتلاء خفيف حوط جسدها برشاقة بعد النحافة الشديدة قبل ذلك.. ابتلع ريقه وهو يسألها ببعض الهدوء : - هي إيه بالظبط اللى مصدية؟ عشان انا اتخضيت لما شوفت رسالتك. لوحت بيداها نحو المرحاض: - انا بكلمك عن حنفية الحمام ياسعد .. دي باظت مني ومرداياش تتقفل.. بقالي ساعة عمالة احاول فيها وانشف بالمساحة عشان الشقة ماتغرقش. تقرب منها حتى اشتم رائحة الصابون في شعرها فسألها: - هو انتي واخدة حمام؟ ارتدت للخلف منتفضة وقد رأت اشتعال الرغبة في عينيه.. فصاحت عليه تجفله: - واخدة حمام ولا عني ماكنت متزفتة حتى.. انت مالك؟ مش تسمع الأول انا بكلمك في إيه؟ اظلمت عيناه وتبخرت رغبته بها في الهواء فقال مزرءًا: - على أساس إني ميت في جمالك يااختي؟ دا انا بس كنت بجبر بخاطرك. قالت ضاحكة بسخرية: - ههه كتر خيرك ياشيخ ياسعد..خش ياخويا الحمام وشوف حنفيتك لا تغرق الشقة وتقع على اصحابها هي مش ناقصة . جز على فكه غيظًا منها قبل ان يتحرك نحو المرحاض فهتف ساخطًا : - يخرب بيتك ياشيخة بهدلتي الدنيا .. يخرب بيتك ياشيخة لوت شفتيها ولم ترد على سبابه وشتائمه وراقبته وهو يشمر بنطاله ويخلع قميصه في الأعلى ليضعهم على كنبة صغيرة في صالة الشقة قبل ان يدلف للحمام .. ويقوم بأعمال التصليح . أجفلها مناديًا : - هاتفضلي واقفة كتير كدة مكانك وتعمليلي فيها هانم؟ اخلصي يابت اعمليلي كوباية شاي . تحركت متاففة لتفعل ما أمرها به ولكنها توقفت فجأة على صوت هاتفه.. تناولته وقبل ان تهتف منادية عليه لتنبيهه استوقفها الأسم الغريب .. رددته بدهشة: - ن م .. ايه ده ؟ هو عامل اختصارة للأسماء . دققت جيدًا في الرقم الذي لم يكن غريبًا عنها ..فتذكرت صاحبته على الفور فمصمصت شفتيها مستنكرة.. همت بتركه حتى لا تتسبب لنفسها بمشاكل معه.. ولكن مع انتهاء المكالمة صدر صوت رسالة قادمة في الهاتف بتطبيق الوتساب بنفس الرقم .. لم تقوى على حجب فضولها نحو رؤية الرسالة.. فقرأت ( عايزة اشوفك ضروري ياسعد .. انا عارفة انك مستغرب .. بس انا محتجالك قوي .. فاضي بكرة اجيلك الشقة؟ ) قضمت نعيمة على اطراف اظافرها بتوتر وهي تراقب نحو المرحاض وانشغال سعد في تصليح صنبور المياه.. فكتبت ترد باقتضاب: ( تعالي)! تبسمت بانتشاء وهي تمسح الرسائل .. وتعود بنظرها مرة أخرى تراقب قبل ان تذهب نحو المطبخ وتفعل ما امرها به. الفصل الخامس والعشرون خطت لداخل المنزل خلف زوجها وحريق صدرها مازل لم يهدأ ولم ينطفئ بعد.. بل ازداد اشتعالًا وهي تراقب تجهم زوجها وشروده معها طوال عودتهم بالسيارة.. وتجاهله لإحاديثها المتقطعة معه.. حتى افقدها حماسها وفرحتها المصطنعة امامه بزواج ابناءه لكسب وده .. ولكن طفح الكيل ولم تعُد بها قدرة على الصمت.. رمت حقيبتها على اقرب مقعدٍ وجدته امامها.. تهتف عليه متخصرة قبل ان يصل الى الممر المؤدي لغرفته. - هو في إيه بالظبط؟ انا عايز افهم. استدار على صيحتها مجفلًا يسألها عاقدًا حاجبيه : - تفهمي إيه يانيرمين؟ وليه الزعيق ده أساسًا؟ اقتربت منه تردف بحدة: - ما انا بسألك ياحبيبي عشان شايفاك مش معايا ولا حاسس بيا خالص وانا معاك . زفر يرد عليها بسأم : - شكلك كدة فاضية ولا زهقانة وعايزة تتسلى بكلام فارغ وانا ماعنديش وقت ليكي وعايز انام . قالها وهم ان يستدير عنها ولكنها اجفتله صائحة بغير سيطرة: - لدرجادي معدتش طايقني ياأدهم.. حتى كلمتين معايا مش متحمل تسمعهم.. هو انا لدرجادي بقيت تقيلة على قلبك. اظلم وجهه بالغضب واحتدت عيناه نحوها فهتف عليها بغضب. - في ايه يابت مالك؟ هو انتي اتنجننتي ولا عقلك ساح منك.. معنديش دماغ انا لدلع النسوان على اَخر الليل دلوقتي انتفضت داخلها من صيحته الهادرة.. فهي أعلم الناس بشدة ادهم المصري وقسوته لحظة الغضب.. تدفقت عيناها بالدموع علّها تساعدها قليلًا بمواجهته، ضغطت على عيناها بكفيها تستدعي البكاء بحرقة وصوت شهقاتها تصدر بصوت عالي.. رقت ملامح أدهم قليلًا رغم حنقه منها فقال ببعض الهدوء: - يابنت الناس هو انتي حد قرب منك عشان تنصبي المناحة دي دلوقتي؟ انا بصراحة مش فاهمك . رفعت اليه عيناها المغرقة بالدموع ترد ببكاء: - انا اللي معدتش فاهماك ياادهم.. دا انت كنت احن عليا من ابويا اللي اتحرمت منه وانا صغيرة.. ماكنتش بتعز عليا حاجة حتى لو طلبت عيونك. سألها مضيقًا عيناه بتفكير: - اه وايه اللي حصل بقى ؟ ردت بمسكنة: - اللي حصل هو انك كرهتني باين ولا مليت مني؟ عيونك اللي فضحتك النهاردة وانت بتبص على مراتك القديمة خليتني احس بقيمتي عندك كويس اوي.. واعرف اني ماليش قيمة وسطكم انت وعيالك ومراتك.. طب انت حنيت لها..ذنبي ايه انا عشان تبعد عني وتحسسني اني كنت السبب في فرقتك عن مراتك حبيبتك وعيالك أشاح بعيناه عنها صامتًا لايجد ردًا على كلماتها التي اصابت الحقيقة بداخله ولكنه يأبى الإعتراف فتابعت بمكر وهي تتقرب منه واضعة يدها على ذراعه فقالت بنعومة - انا مقصديش افرقك عنهم ولا اكرهك فيهم.. انا يس مش عايزاك تبعد عني ياأدهم.. حتى لو هاترجع لهم.. دا انا مقطوعة من شجرة وماليش غيرك في الدنيا دي كلها.. انت اهلي وانت نتسي كلها. ربت بكفها على كف يدها التى وضعتها على ذراعه قائلًا بلطف: - انا مبعدتش عنك يانرمين ولا هابعد ياستي.. فبلاش تنكدي عليا وعلى نفسك وشيلي الفكر دا من دماغك.. انا النهاردة كان فرح ولادي فشئ طبيعي اني اسرح ولا اتلهي عنك . كذاب.. تعلم انه جيدًا انه كاذب ولكنها قررت مسايرته لتصل لغرضها : - طيب ما انا كمان كنت مبسوطة اوي بفرحهم النهاردة ولولا اني عارفة بوضعي معاهم لكنت رقصت ودرمغت الدنيا... بس بقى انا عارفاهم مش طيقاني ولا هايقبلوا بفرحتي معاهم .. مع اني ربنا العالم اني بعتبرهم زي اخواتي واكتر.. وامهم بقى الله يسهلها . رفع حاجبه بشر وهو يسألها : - قصدك ايه يانيرمين على امهم بالجملة الاَخيرة دي ؟ عادت لخوفها من غضبهِ مرة أخرى فقالت بتردد؟ - انا مقصديش حاجة وحشة طبعًا ياادهم.. انا بس اقصد على قسوتها معاك وتكبرها عن الصلح. نزع يدها بعنف ليذهب عنها: - اللي بيني وبينها مالكيش دعوة بيه يانرمين.. خليكي في نفسك انتي وبس . قال الاَخيرة من بين اسنانه قبل ان يستدير ولكنها جذبته من ذراعه توقفه: - طيب ماشي خليني في نفسي وبس ياادهم انا قابلة.. بس بقى انا نفسي اخلف عيل منك.. التف اليه برأسه قائلًا : - وماتخلفي يااختي انا مانعك . قالت بلهفة: - حلو اوي يعني هاتقبل تروح معايا عندك الدكتور بكرة؟ ابتسم بزاوية فمه يقول: - واروح ليه عند الدكتور ياحبيبتي؟ انا راجل سبق لي الخلفة قبل كدة.. يعني ماعنديش عيب.. شوفي انتي بقى نفسك.. ايه اللي مانع عندك؟ سقطت يدها عنه بصدمة وذهب هو من أمامها غير مبالي تأثير كلماته عليها.. كتمت انهيارها وهي تضرب بقبضتيها على جانبيها وعلى وشك الانفجار.. لقد رأتها في عيناه.. ادهم المصري لم يعد يريدها حتى لو انكر ذلك.. الشعور بالخطر كاد ان يذهب بعقلها.. دون ان تدري تناولت هاتفها تطلب رقمه تبتغي المشورة لإنقاذها.. حينما لم يجيب على المكالمة..لم تتردد في ارسال رسائلها اليه وكان جاوبه رسالة بكلمة واحدة ( تعالي) هدأت انفاسها قليلًا لانتظار الصباح.. ولكن عاد اليها شعور الحسرة حينما تذكرت وضعها هي الاَن مع الرجل العجوز.. ووضع العرسان الشباب الذين خرجوا ليحتفلوا مع عرائس الهنا وحدهم بحرية ومباركة الجميع.. ابتعلت مرار حلقها وهي تهمس بغل: - يعني انا بس اللي اتكتب عليا الغلب والحظ المنيل. .................................. بداخل السيارة التي كانت تصدح بأغاني المهرجانات وكانها هي الأخرى مهرجان بالأصوات العالية الصادرة من داخلها.. كان حسين في المقعد الخلفي مع محبوبته يردد لها الكلمات خلف المطرب بصوته الغالي وهي تشاركة أيضًا: بهوايا إنت قاعدة معايا عينيك ليّ مراية، يا جمال مراية العين خليك لو هتمشي أناديك، إنت ليّ أنا ليك احنا الإثنين قاطعين تسيبيني أكره حياتي وسنيني هتوه ومش هلاقيني، وهشرب خمور وحشيش وتجيني تلاقيني لسه بخيري، مش هتبقي لغيري أيوه أنا غيري مفيش . صاح عليهم من الأمام وهو جالس خلفه المقود يقود بيدٍ السيارة واليد الأخرى ممسكة بكف فجر الجالسة بجواره على المقعد الاَخر : - لم نفسك ياض انت وهي.. صوتكم وحش ويصحي الميتين . ردت شروق وهي تضحك بمرح : - الله ياعم علاء مانفرحش يعني بنفسينا ونهيص واحنا النهاردة عرسان . ردد خلفها حسين: - ايوة صح ياعم علاء.. احنا عرسان ومن حقنا نفرح ونسمع الناس اللي ماشية كمان في الشارع عشان تفرح معانا. هتف علاء متصنع التذمر رغم سعادته البادية على وجهه: - عما الدبب يابعيد .. انتوا الاتنين ارخم من بعض وما جمع اللي اما وفق. انفجر الثلاثة في الضحك حتى فجر التي كانت تخبئ فاهاها بكفها وشعور الحرج يكاد يقتلها مع وضع كفها الضاغط عليها بكفه فوق ركبته.. القى اليها نظرة سريعة بوجهه المبتسم قبل ان يعود اليهم . - يعني مش كفاية قبلنا بيكم تركبوا معانا وتكتموا على نفسنا.. كمان بتصدعونا بأصواتكم النشاز ؟ رد حسين وهو يلف ذراعهِ على كتف شروق: - بصراحة ياباشا احنا كنا محتاجين الخروجة دي.. عشان انا والبنية بقالنا فترة كبيرة مخرجناش.. واهو كمان عشان مانسيبكمش لوحدكم .. انتوا برضوا لسة جداد وما لحقتوش تاخدوا على بعض . - وانتوا بقى اللي خدتوا بعض! قالها باستنكار قبل ان يهتف حازمًا : - شيل ايدك من على كتفها ياض . رد حسين بغمزة: - لما تسيب انت كف عروستك ياحبيبي ابقى ارفع انا دراعي عن عروستي . قهقهت شروق وهي تدفن رأسها بكتفه بسعادة انعكست على وجه حبيبها.. واثارت سخط علاء،الذي تمتم في الأمام . - عيل بارد وغتت ومراته نسخة منه . لعب حسين اليه بحاجبيه يغيظه.. وهو تجاهله حينما سمع همستها الخجلة بمرح: - خلاص سيبهم وملكش دعوة بيهم .. هما فعلًا شبه بعض على فكرة. - وانتي حتة مني وحبيبتي . قالها وهو يرفع كفها الى فمه يقبلها.. ولكنه انتفض على صيحة حسين : - ايوة بقى عالرومانسيات احنا كدة هانغير . تناول زجاجة مياه فارغة يدفعه لخلف عليه هاتفًا بغيظ: - ابو شكلك ياشيخ .. دا انت فعلًا عيل غتت. . قالها علاء وانفجرا الثلاثة مرة أخرى في الضحك حتى اصابته العدوة منهم.. وشاركهم. ................................... توقفت السيارة امام مدينة الملاهي الشهيرة.. فترجل الشقيقان منها اولًا قبل السيدات .. نظر علاء للواجهة الكبيرة المضيئة فقال بامتعاض: - يعني برضوا دا كلام ياجدعان.. عايزني وانا في سني ده اركب مراجيح ولعب عيال .. هو دا برضوا الوقت الحلو بالنسبالكم ؟ ردت شروق بحماس ولهفة والتي غطت كتفي فستانها بسترة حسين: - لعب عيال ايه بس؟ دا جوا دنيا تانية ياعلاء وربنا.. ناس كتير كبيرة وصغيرة الكل فيها بيقضي وقت حلو وجميل. - ردد خلفها حسين : - فعلًا ياعلاء المكان جوا هايبسطك بجد.. ثم ايه حكاية سنك دي؟ هو انت عجزت ياعم؟ دا انت حتى في عز شبابك ياراجل. التفت اليها يسألها : - ايه رأيك؟ ندخل مع جوز المجانين دول ولا نخلع منهم احنا ونروح حتة تانية تكون هادية ؟ قالت بابتسامة : - خلاص بقى.. مدام المجانين اختاروا النهاردة نوافق احنا ونخلي الحتة الهادية وقت تاني . كاد قلبه ان يخرج من صدره من فرط السعادة التي يشعر بها وهو ينظر الى وجهها الجميل وهي تجيبه بخجل .. وقد انعكست الاضواء المبهجة على وجهها الملائكي ذو الزينة المتقنة وفستانها الزهري فزادتها تألقًا وجمالًا .. ذكرته بأميرة قد رأها قبل ذلك في إحدي افلام ديزني. خرج من شروده على صيحة شروق وهي تدفع شقيقتها للأمام فاجفلتها منتفضة : - ماتتحركي بقى يابت وبلاش تناحة.. انت هاتفضلي لازقة مكانك كدة كتير؟ تحرك امامها ملوحًا بقبضته بجدية مصنطعة: - شيلي ايدك من عليها وماتزوقيهاش ولا تضربيها.. انا على اَخري اساسًا منك وانت وعريس الهنا بتاعك . ارتدت للخلف مقهقة بشقاوة فجذبها حسين اليه.. يقف لأخيه : - في ايه ياعم؟ انت هاتضربنا بجد ولا ايه؟ امال لو عرفت ان العزومة كلها على حسابك النهاردة هاتعمل ايه بقى....اجري ياشروق اجري. قال الاَخيرة وهو يجذبها من يدها للهروب من علاء الذي استوحشت ملامحه امامهم بمزاح .. واصوات ضحكاتهم تسبقهم في العدو . التفت الى حبيبته التي كانت تضحك على مشهد الاثنان بمرح ..فرد كفهِ اليها قائلًا : - انتي هاتفضلي واقفة مكانك بجد ولا إيه؟ مش ياللا بقى عشان نحصل المجانين دول . وضعت كفها بكفهِ بابتسامتها الجميلة.. ليتابعا سيرهم خلف شقيقهِ وشقيقتها.. الى داخل مدينة الملاهي حيث يحتفل الأربعة بمناسبة عقد قرانهم . ................................ وبداخل إحدى المطاعم وعلى طاولة وحدهم بإحدى الزوايا المختصرة بالمحل.. توقفت عن تناول طعامها بملامح واجمة تسأله: - عايزني اسافر معاك ؟ رد بدهشة: - ايوة يا سحر تسافري معايا.. فيها إيه بقى؟ صمتت قليلًا تستوعب قبل ان ترد : - فيها كتير طبعًا يا رمزي.. بقى عايزني اسيب امي وشغلي واسافر كدة لبلد معرفش فيها حد وغريبة عني كمان؟ - البلد دي فيها شغل جوزك ياسحر.. يعني فيها اكل عيشه وبكرة بإذن الله.. هاتبقي بلد ولادنا لما ناخد الجنسية من عندهم . - كمان عايزني افضل هناك انا وعيالي لما تاخد الجنسية ؟ - وفيها ايه ياسحر لما نعيش فيها ونكبر ولادنا هناك؟ البلد متقدمة والتعليم فيها مستوى تاني.. دي حلم لناس كتير وفرصة الشباب بتموت نفسها عشانها . اشاحت بعيناها عنه صامتة وقد ذهبت شهيتها لتناول الطعام بغير رجعة.. سألها رمزي : - هو لدرجادي القرار صعب عليكي ياسحر؟ انا افتكرتك هاتنبسطي بالعيشة هناك . التفت ترد عليه: - لا يا رمزي انا لايمكن انبسط في بلد غير بلدي ولا مكان مش موجودة فيه امي.. برغم كل عمايلها معايا اللي بتحرق دمي.. بس مقدرش اسيبها . سألها بتجهم : - يعني هو دا اَخر كلامك ياسحر معايا؟ ومافيش بقى فرصة حتى عشان تفكري ؟ ........................... حينما عادوا اَخيرًا بعد سهرة طويلة في قضاء وقتهم الممتع بداخل مدينة الملاهي.. بتجربة الالعاب المعروفة بها او التنزه وتناول المثلجات.. امام البناية السكنية الموجود فيها شققهم .. تركهم حسين على مضض للعودة بسيارته الى منزله مع والده وزوجة والده نيرمين .. صعدت قبلها شروق تسبقها الى منزلهم.. اما هي فكانت تصعد الدرج بخطواتٍ متمهلة معه .. تنظر بسعادة للدبٍ القطني الكبير بين ذراعيها والذي ابتاعه لها لتتذكر المناسبة. سألها بدهشة: - مكنتش اعرف ان الحاجات دي هاتعجبك زي بقية البنات. ردت بابتسامتها الرائعة: - بصراحة وانا كمان.. طول عمري بشوف الحاجات دي مع البنات واقول عليها تفاهات.. بس منك انت حسيتها لها طعم حلو اوي . اشرقت ملامح وجهه بأثر كلماتها وسألها: - انا مش عايز ابقى غلس بس انا نفسي اسألك يافجر .. هو انتي عمرك ما حبيتي ولا حتى عجبك حد ؟ شددت بذراعيها على الدب داخل أحضانها وهزت رأسها بنفي قبل ان ترد: - عمري ياعلاء .. اصل انا دايمًا عندك فكرة مقدسة للرومانسة وهي انها ما يصحش تبقى غير مع واحد بس والواحد دا لازم يبقى الحبيب .. والحب الحقيقي اكيد ما بيبقاش بالسهولة اللي تخلينا نلاقيه في طريقنا كتير .. عشان كدة بصراحة انا مكنتش مصدقة مشاعري في البداية ناحيتك . توقف مذهولًا من كلماتها التي اصابت قلبه في الصميم ..ود لو يحتضنها ويعبر عن ما يجيش بصدره نحوها بالفعل وليس الكلام . - وقفت ليه مكانك؟ مش ناوي تدخل الشقة تطمن خالتي زهيرة بقى برجوعك ..دي زمانها قلقانة عليك عشان اتأخرنا . اكتشف انه في الدرجة التي قبل الأخيرة وهي تخطته لتصل إلى شقتهم . لعن حظه لأنه لم يتمكن من تنفيذ ما يشعر به لوحت له بكفها وهي على باب منزلهم : - إيييه بقولك اتحرك ياعلاء.. هو انت سرحت في إيه بالظبط ؟ التفتت لتقرع جرس منزلهم حينما وجدته يتحرك بخطواته نحو شقتهم ولكنها شهقت متفاجئة حينما باغتها بقلبة سريعة على وجنتيها قبل ان يذهب من امامها سريعًا غامزًا بعيناه . توسعت عيناه و رأسها ملتفة للخلف نحوه تتبعه وهو يدلف لداخل شقتهم التي فتحها بمفتاحه فاارسل اليها قبلة في الهواء مع ابتسامة متسلية بمكر.. قبل ان يختفي بداخلها تزامنًا مع فتح باب شقتها .. التفتت فجر راسها بحدة على هذا الصوت الذي سمعته يناديها بمرح على مدخل باب منزلهم: - الابلة فجر بنفسها وصلت اَخيرًا ! جحظت عيناها بصدمة وهي ترى اخر شخص تتوقع رؤيته في هذه الليلة بالذات؟ بلعت ريقها وخرج صوتها باهتزاز : - سميرة ! جذبتها الفتاة لداخل شقتهم واغلقت الباب لتعانقها بمحبة واشتياق قائلة: - ايوة سميرة بنت عمتك ياخاينة انتي.. بقى بتتخطبي وتكتبي كتابك من غير حتى ماتفكري تتصلي بينا؟ اختفت الكلمات من ذهنها.. لاتدري بما تجيبها وهي غير قادرة حتى على تصنع الابتسامة.. كل ما استطاعت ان تفعله هو انها اومأت لها برأسها فقط .. وسمحت لها تجرجرها لداخل شقتهم وهي تعلم تمام العلم بما ينتظرها بالداخل! - بنت خالي فجر اخيرًا جات ياما. قالتها سميرة وهي تخطو الى داخل غرفة المعيشة والتي اجتمع بها جميع افراد الأسرة للترحيب بشقيقة شاكر وابنتها في زيارة لا تتكرر سوى مرة او مرتين في العام .. ولكن ان تأتي في هذه الليلة مخصوص .. هذا ماجعل البرودة تجتاح فجر بزعر .. وهي تشعر امامهم بزواجها من علاء بخيانة لذكرى فاتن بمجرد النظر لعمتها.. تقدمت بأطراف مرتعشة نحو المرأة التي وقفت لاستقبالها ..وقالت بغموض: - اَخيرًا بقى وصلت الابلة فجر عشان نسلم عليها ونشوف وشها! ............................. في اليوم التالي وبداخل شقة سعد كانت أمينة بداخل المطبخ تصنع لنفسها شطيرة من الجبن وتضع بداخلها شرائح من قطع الخيار ..لتناول وجبة افطارها والساعة قد اتمت العاشرة صباحًا حينما سمعت بصوت باب الشقة الذي فُتح بمفتاحه.. خرجت منه وهي تخمن عودة سعد رغم دهشتها التي لم تطل كثيرًا وتحولت لابتسامة عريضة شملت وجهها .. وهي تراها تخطوا لداخل الصالة الصغيرة وبيدها تحمل عدة اكياس لم تتبين ما بداخلها سوى الفاكهة.. كانت غافلة عنها . فتكلمت أمينة بمرح وهي تستند بكتفها على الحائط تجفلها : - نورتي الشقة يامدام نيرمين . سقطت الأكياس من يداها الاثنتان وانتقلت عيناها تنظر نحوها برعب تتمتم قاطبة حاحبيها: - أمينة ! كتفت ذراعيها امامها ترد : - ايوة امينة يا عنيا ..عاملة ايه انتي بقى؟ ياااا مدام نيرمين؟ الفصل السادس والعشرون تسمرت اقدامها عن التحرك وهي تنظر نحوها باضطراب، وكأنها لا تعي ولا تستوعب ان كان ما تراه الاَن هذا حقيقة أم خيال.. أمينة ابنة خالتها صديقة الطفولة وايأم الشقاء.. تقف أمامها وداخل شقة سعد بملابس بيتية مريحة.. وكأنها ! خرج صوتها اَخيرًا بتلجلج: - انتي.. انتي إيه اللي..جابك هنا وو..لابسة ليه كدة؟ تجاهلت أمينة الرد عليها لتتحرك نحوها.. تتمختر بخطواتها حتى اقتربت منها لتقف أمامها وتحدق بعيناها صامتة مع هذه الإبتسامة العبثية المستفزة التي لم تفارق وجهها.. ونيرمين تبتلع ريقها بترقب.. لتباغتها امينة فجأة وهي تدنو للإسفل تلتقط الأكياس المبعثرة على الأرض .. فقالت فجأة وهي ترفعهم وترى ما بداخلهم . - ياحلاوة ياولاد.. دي فرخة مشوية وفاكهة وازازة بيرة كمان...لزوم الجو . قالت الاَخيرة بغمزة من عيناها اثارت سخط نيرمين فجعلتها تغمض عيناها وهي تقبض يداها وتشيح بوجهها عنها ..فلاحقتها امينة مقهقهة بالضحك: - ههههه بتصرفي على سعد يانيرمين؟ هههه بتصرفي على سعد يا منيلة.. يخيبك بنية.. طب استنضفي طيب ههههه استدارت لها نيرمين بغتة تمسكها من تلابيب ملابسها قائلة بشراسة : - وانتي بروح امك بقى بتعملي ايه بقى هنا عشان افهم بس؟ قهقهت امينة بصوت عالي قائلة بمرح لتغيظها: - انا واحدة جوزها محبوس في قضية برشام.. والدنيا ملطشة معايا يعني ماحدش هايستغرب عليا اي فعل اعمله.. لكن انتي ياقمر ياللي واخدة الراجل الغني الكبارة.. جاية هنا ليه بقى؟ وكمان صارفة ومكلفة..لدرجادي ياروحي الشوق غالبك؟ صاحت تهزهزها بعنف: - مالك انتي ومالي يازفتة؟ بتضحكي وتتمسخري عليا ولا أكنك قفشتيني معاه في اؤضة النوم.. اشحال ان ما كنت انا اللي طبيت عليكي في شقته وانتي قاعدة ومريحة فيها ولاكنك صاحبته ولا عشيقته؟ في إيه يابنت محاسن؟ على اَخر الزمن كمان هايطلعلك صوت؟ يكونش نسيتي ياختي شغلة امك؟ اختفى العبث من وجه أمينة وهي تنزع كفي نرمين عن ملابسها بعنف فقبضت على رسخها بقوة .. تقول : - ايوة انا بنت محاسن يانيرمين وعارفة شغلة امي كويس اوي ومش ناسياها.. بس انا ياحبيبتي مش على راسي بطحة عشان اخاف ولا اكش.. عكسك انتي ياحلوة.. ياللي لعبتي ودورتي على حل شعرك ايام الفقر عشان تطولي فرصة كويسة.. وحصل.. ووصلتي للي انتي عايزاه.. دلوقتي بقى ايه حجتك عشان تخوني الراجل الكبارة جوزك مع سعد؟.. قالت الاَخيرة بقرف.. ونيرمين انعقد لسانها واتسعت عيناها زعرًا من هذه المجنونة التي أتت إليها في أشد أوقاتها صعوبة. ............................. زهيرة وهي جالسة بجواره على طرف الفراش تهزهزه بيداها وصوتها يهتف عليه ليستقيظ من غفوته العميقة على مايبدوا من عدم استجابته لها: - علاء باشا.. انت ياحلو.. ياعريس ياقمر انت .. ماتصحى ياولا تعبت قلبي. فتح اجفانه بغتةً وأشرق وجهه بابتسامة مرحة وهو يتناول كف يدها يقبلها: - الف بعد الشر عليكي ياست الكل من تعب القلب . لكزته بقبضتها حانقة: - يعني انت صاحي من زمان بقى وبتستهبل عليا يازفت انت؟ خرجت الاَخيرة بشهقة وقد فاجئها بنهوضه على حين غرة يلف ذراعه على كتفها ويقبل وجنتها .. ويقول: - طب واصحى انا ليه بقى واتحرم من الدلع بتاعك..ها.. قوليلي كدة يازوزو.. قوليلي . على صوت ضحكاتها وهي تحاول التملص من ذراعيه: - ايوة ياخويا اعملهم عليا.. بكرة تستكفى بحضنها ودلعها هي بنت سميرة دي. - والنبي ولا الف واحدة يغنوني عن دلع انتي ياست الكل ياقمر . ازدادت ضحكاتها ولكنها اجفلته: - طب خلاص بقى واض سيبني عايزة اقوم .. صاحي ياخويا فايق ورايق.. باين عليها السهرة كانت صباحي مع حبيبة القلب على التليفون بعد مارجعت من مشوارك متاخر. نزع ذراعه عنها وقال بجدية: - ابدًا والله ياامي.. دي حتى ما ردت على أي اتصال مني.. معرفش ليه؟ نهضت من جواره وهي ترد : - تلاقيها بس تعبت ونامت.. قوم انت بس وصحصح دا النهاردة الجمعة.. ودي مش عادتك تتأخر كدة في النوم . - ليه هي الساعة كام ؟ - الساعة عشرة ياحبيبي . قالتها وهي تتحرك للخروج وهو نهض مجفلًا يتناول هاتفه: - يانهار ابيض.. كل دا سيباني نايم ياامي؟ طب الحق اتصل بيها اشوف مالها دي؟ مارنتش ليه هي كمان؟ خاطبته زهيرة قبل ان تخرج من غرفته : - علاء.. ماتنساش ياحبيبي بعد ماتخلص كلامك في التليفون مع فجر تتصل باخوك.. عايزاه يجيني سألها : - عايزاه في ايه ياماما؟ قالت بقلق : - يعني مش حاجة بعينها.. انا بس عايزاه يجي وخلاص. اومأ بسبابته على الناحيتين من وجهه بابتسامة حنونة: - من عنيا الجوز .. ليكي عليا لو مجاش بنفسه اسحبهولك انا من قفاه بابتسامة انارت وجهها: - تسلملي عيونك ياروح قلبي . ............................. وفي الشقة المجاورة وبداخل غرفتها.. اتاها اتصاله وكأنه نجدة من السماء لتنهض من جوار ابنة عمتها.. التي كانت نائمة بجوارها على الفراش.. سارت على أطراف اصابعها حتى دخلت الشرفة.. اجابته بصوتٍ خفيض : - ايوة ياعلاء.. صباح الفل والورد ياحبيبي . - ................. - عارفة وربنا عارفة.. بس اعمل أيه بقى؟ ما انت ماتعرفش اللي حصل؟ - ............... - عمتي ياعلاء.. وصلت امبارح وانا مكنتش قادرة اتنفس حتى من الإحراج وانا معاهم.. ربنا وحده اللي عالم الليلة دي عدت عليا ازاي؟ - .................. - ازاي بس ياعلاء؟ ماكنش ينفع طبعًا ارد عليك انت بالذات وانا متحاصرة بوجودها حواليا.. دي نظراتها غريبة اوي ناحيتي.. - ...................... - حاضر ححاول طبعًا.. بس انت ماتزعلش مني ياروح قلبي. - روح قلبك برضو ياأبلة فجر؟ انتفضت فجر وهى ترى ابنة عمتها امامها على باب الشرفة.. والتي تابعت بغمزة من عيناها. - هو انت بتكلمي حبيب القلب ؟ هزت رأسها بتوتر وهي تنهي المكالمة سريعًا..ثم التفتت لها قائلة : - هو انتي صحيتي من امتى ياسميحة؟ ضيقت الفتاة عيناها وردت بابتسامة ماكرة: - بتقفلي السكة في وش خطيبك يافجر عشان ماسمعش كلامكم وكمان عايزة تلهيني؟ - ألهيكي! قالتها فجر بتعجب من سماجتها .. فسميحة ابنة عمتها هذه والتي تزوجت عن عمر السادسة عشر وهي تشبه شقيقتها الراحلة في بعض الملامح الدقيقة بوجهها ولكن ليست برقتها ولا رقيها.. تعاملها بتبسط ولا تراعي فرق العمر بينهم والذي يتعدي السبع سنوات.. تزعجها منذ الأمس بالأسئلة الفضولية والأحاديث الخاصة.. وكأن بزواجها قد قفزت لعمرها واصبحت صديقتها فجأة ! - سكتي وسرحتي في إيه تاني ياابلة فجر؟ هو لدرجادي كلامه حلو؟ قطبت فجر حاجبيها دهشة واستنكار قبل ان ترد ببعض الحكمة: - هو انتي مش متجوزة برضوا ياسمحية؟ يعني أكيد جربتي؟ زمت سميحة شفتيها بحنق تجيبها: - ياختي هما شهرين بس اللي اتخطبت فيهم وكنت ساعتها انا بجهز نفسي وهو بيجهز الشقة.. بالعافية كنا بنشوف بعض خطف كدة وبعد الجواز.. هما برضوا شهرين وسافر ياختي على الخليج وسابني .. يعني مالحقناش حتى نعرف بعض. رقت ملامح فجر نحو الفتاة التي في عمر الطالبات بمدرستها.. ولكنها لم تستطع كبح السؤال الذي يلح بداخلها منذ الأمس : - معلش ياسميحة في سؤالي.. بس انا بصراحة كان نفسي اعرف.. هي فاتن ماتت ازاي؟ ردت سميحة بعفويتها : - الله يرحمها اختي يارب ويبشبش الطوبة اللي تحت راسها.. انا عرفت من امي انها ماتت بحمى شديدة.. اصل انا كنت صغيرة اوي ساعتها لما شوفت امي بتسحب فاتن وهي تعبانة مش،قادرة تفرد طولها.. وخرجت بيها توديها المستشفى وبعدها بقى مارجعتش على بيتنا غير بكفنها. التمعت عيناها فجر وهي تتذكرها وترسم بعقلها هذا المشهد وكانها تراه امامها وتشعر بألمها.. انتفضت فجاة على صيحة سميحة: - برضوا مش هاتحيكيلي عريسك كان بيقولك إيه؟ حدقت اليها بجزع .. هذه الفتاة المزعجة لا تشبه فاتن على الإطلاق ولا حتى بالملامح. .............................. بملامج متجهمة اقترب من ابيه الذي كان يتحدث في الهاتف وهو جالس على إحدى الاَرائك وعيناه مثبتة على شاشة التلفاز . - صباح الخير ياابو علاء . التفت اليه أدهم ونحى الهاتف عن أذنه بعد ان استأذن محدثه في الناحية الاخرى قبل ان يرد ببشاشة : - صباح الفل ياحبيبي.. لابس كدة ورايح فين ؟ رد بغموض : - ورايا مشوار مهم عايز اعمله.. المهم بقى انا حاسس الجو هدوء يعني؟ هو انت مافيش حد معاك؟ رد أدهم بابتسامة: - لا مافيش حد معايا ياحسين باشا.. نيرمين استأذنتي تزور واحدة قريبتها عيانة . اومأ برأسه بملامح مغلفة لا توحي بشئ.. تابع ادهم : - ماتتأخرش بقى في مشوارك ياحسين.. عايز اقعد معاك يابني شوية.. دا النهاردة الجمعة . - تحرك للخلف وهو يتحدث بوعد : - اخلص بس مشواري ياابو علاء وانا هاجيلك واقعد معاك قعدة طويلة كمان بس اخلص مشواري . ترك ابيه يكمل مكالمته واستدار هو للخروج.. بوجه جامد.. يتصاعد الغضب من كل خلية بجسده.. يريد التأكد بنفسه من صدق المعلومات التي اخبره بها حودة.. وبعدها لا يلومن المخطئ الا نفسه على حصد نتائج أفعاله: قبل دقائق . - استيقظ حسين على صوت هاتفه المزعج ينبئه بورود مكالمة.. رد بصوت ناعس . - الوو .. ايوة ياحودة عايز ايه عالصبح ؟ وصله الصوت الاهث : - ايوة ياحسين باشا.. في حاجة مهمة اوي عايزة اقولهالك . اعتدل عن الفراش بجذعه قائلًا بلهفة : - معلومات إيه ياحودة..هي البت دي خرجت ولا الواد سعد عمل حاجة تاني ؟ رد الاَخر بقلق: - لا دي ولا دي ياحسين باشا.. دا حاجة غريبة كدة انا مستغربلها وو.. قاطعه بحدة : - انت لسه هاتوقوق... ماتخلص قول يابني انت في إيه؟ - بصراحة كدة بقى انا شوفت الست نيرمين داخلة العمارة اللي فيها شقة سعد.. واما راقبتها لقيتها بتدخل شقة سعد بعد ما فتحتها بمفاتح كام معاها في شنطتها ! انتفض واقفاً عن الفراش فقال بحزم: - انت متأكد من كلامك ياحودة ؟ - والله ياباشا زي ما بقولك كدة .. هو انا هتوه عنها ؟ تأجج صدره بالغضب وعقله يدور فى عدة سيناريوهات..فقال : - اسمع ياحودة .. انا عايز اعرف البت دي بتعمل ايه في الشقة فاهمني؟ - ازاي بس؟ هو انا هاعرف منين بقى ؟ قال مشددًا وهو يتحرك بغير بغرفته كالأسد الحبيس : - اتصرف ياحودة ولا شوف أي طريقة.. انا عايز اعرف البت دي دورها ايه مع الكلاب دول.. وليك عليا ازودك بالفلوس اللي تغنيك عن الشغل والمرمطة. .............................. وفي الجهة الأخرى . وقف حودة بوجه ملثم يترقب حركة الأشخاص الخفيفة في هذه المنطقة النائية.. خلف البناية القديمة المتشققةو الموجود بها شقة سعد.. يبحث عن منفذ يمكنه من الصعود والدخول بداخل الشقة.. لقد وعده حسين بالمال الوفير الذي سيمكنه من تأسيس مشروع جديد يعيش بعائده .. ولكن هذا رغم اغرائه يأتي بالمرتبة الثانية لديه.. فهو متشوق لكشف حقيقة سعد مع هؤلاء النساء . ويبدوا انه قد وجد الطريقة ! بخفة الفهد تسلق على إحدي مواسير الصرف مستغلًا عدم ثقل وزنه.. حتى تمكن من الصعود الى الشرفة الإسمنتية.. سقط بداخلها ولحسن حظه كانت نافذتها مفتوحة.. دلف من خلالها بحرص الى داخل غرفة النوم .. مشطها سريعًا بعيناه فانتبه على هذه الأصوات الصادرة عن قريب.. خطى بخطواته حتى اصبح خلف الباب الذي فتحه بمواربة ليرى هاتان المرأتان واقفتان بوسط الصالة الضيقة .. جذبه حديثهم فتناول هاتفه ليتقط الصور ويسجل ثم يرسل الرسائل تباعًا لحسين الذي طلب منه ان يتابع معه مايحدث لحظةً بلحظة. .................................. وعند نيرمين التي هدرت على امينة حانقة وهي تدفعها للخلف: - ماتحلي بقا عني يابت.. مالك انتي باللي بعمله ولا اهببه مع سعد؟ إيه ياعنيا؟ رجعتي تحنيلوا تاني بعد مارماكي زي الكلبة زمان . صدرت ضحكة ساخرة من امينة وهي ترد: - احن لسعد؟! طب بذمتك انتي مصدقة نفسك وانتي بتقوليها؟ سعد دا كان فترة وعدت من حياتي وانا صغيرة.. لما كنت زي الغرقانة بدور على قشاية تسندني وتخرجني من جو امي والرجالة اللي كانت داخلة خارجة عندها.. مكنتش لسة عرفت الدنيا على حقيقتها.. سعد ياحبيبتي كان بيضحك عليا بكلامه المزوق والناعم وانا من هبلي كنت فاكراه هايتجوزني في حلال ربنا ويبعدني عن امي وقرفها .. لكن انتي بقى ياعنيا .. ايه حجتك عشان تمشي معاه في سكته هاا؟ هزت رأسها بعدم احتمال وهي تنفي : - سكة مين يامجنونة انتي؟ انا مش فاهمة انتي عملالي تحقيقي ليه اساسًا ؟ هو انتي لدرجادي الغيرة قتلاكي من ناحيتي؟ لدرجادي بتحقدي عليا عشان انا اتجوزت راجل غني واستريحت وانت فضلتي في المرمطة والفقر.. ايه ذنبي انا ان كنتي اتجوازتي واحد بياع البرشام ورد سجون؟ كل واحد بياخد اللي يستحقه.. انا ربنا خلقني حلوة وجميلة وانتي ربنا خلقك وجمالك على قدك.. ايه ذنبي فيها دي بقى ؟ صدرت ضحكة امينة بصوت عالي ورقيع مستهزئة بما قالته: - هو انتي لسة برضوا فيكي الانعرة الكدابة دي يانيرمين ؟ فاكرة زمان لما كنتي تلبسي الدهب الصيني قدام الناس وتقولي دا حقيقي.. ولا افكرك احسن بالحلق الكبير النحاس اللي كنتي بتفتخري بيه قدام البنات في المصنع.. على اساس انهم هبل ومايعرفوش الفرق .. فاكرة الحلق يانيرمين . قالت الاَخيرة وهي تخرجة من جيب عبائتها البيتية .. وتلوح به امامها. جحظت عيناها نيرمين وتدلى فكها بعدم تصديق .. همت لتتناوله ولكن امينة ابعدته عن مرمى يديها .. وهي تقول بمرح: - عارفة يانيرمين .. لما لقيته في كيس المخدة وانا برتب اوضة النوم جوا .. استغربت قوي.. انه لسه عايش معاكي.. بس اسغربت اكتر لما عرفت انك ماشية مع سعد بقالك سنين.. ههههههه . رفعت نيرمين يدها نحو القرط تريد تناوله بانهيار فتلاعبت بها امينه وهي تبعده عنها باستمتاع وتابعت: - الا قوليلي صح؟ هو انتي عرفتي توقعي الراجل الكبير دا ازاي؟ ها؟ ومين دلك على سكته اساسًا ؟ سعد برضوا؟ ههههه هتفت عليها بتشجنج : - كفاية بقى ياامينة والا وديني لاكون حاكية لعلاء عالسر اللي بينك وبين سعد! توقف امينة فجأة عن ماتفعله تسألها بصدمة وعدم تصديق: - سر إيه ؟ انا مافيش بيني وبين سعد أسرار . ردت نرمين وقد شعرت أنها قد اصابت هدفها : - لأ في؟ والسر الخطير دا هو اللي خلاكي تقبلي تتجوزي البرشامجي.. وخلى سعد يقطع صلته بيكي.. اوعي تفتكري اني مكنتش فاهماكي.. اينعم انتي وسعد ماحدش فيكم كان نطق بحرف.. بس انا ولبنى اخت سعد ..فهمناها لوحدنا لما اختفيتي فجاة عن الشغل عند البيه اللي اسمه عصام صاحب علاء .. لبنى اخت سعد حكتلي بنفسها انها في مرة سمعت اخوها وهو بيحذرك وينبه عليكي في التليفون عشان ماتعتبيش بيتهم تاني ولا تعتبي الشارع حتى عندهم ..لعلاء ولا الدكتور عصام حد فيهم يشوفك وساعتها هاتروحي في داهية . تسمرت امينة مكانها وشحب وجهها ليقارب صفار الموتى.. فقالت بصعوبة وهي تحاول ابتلاع ريقها الجاف : - بقولك ايه يابت انتي.. ماتحاوليش تلعبي عليا وتخترعي قصص من عندك .. انا ماعنديش قصص ولا حكاوي عشان اخاف منها . هذه المرة ضحكت نيرمين وهي تنظر نحوها بتشفي وقد تبينت الحقيقة وصدق تخمينها من هيئة غريمتها المزرية .. فقالت بميوعة: - ماشي ياعنيا زي ما تحبي.. اصل بصراحة انا معرفش حقيقة السر دا ايه بالظبط.. بس طبعًا لو روحت لعلاء وبلغته بكلام لبنى اخت سعد اللي عدى عليه سنين.. وبلغته بعنوانك انتي هنا .. اكيد طبعًا هايفتكر ويعرف ولا انتي إيه رأيك؟ عند هذه النقطة رفعت امينة راية الاستسلام .. فمدت اليه كفها مفتوحة كي تتناول قرطها وقالت بصوت محذر وخارج بصعوبة: - خدي حلقك واطلعي من هنا يانيرمين.. وحسك عينك الكلام دا يطلع قدام حد تاني.. عشان ساعتها ياحبيبتي ..انا هافضحك قدام جوزك وابلغه بعلاقتك بسعد ولو حصلت اجيبله تاريخك كله واسماء الرجالة اللي مشيتي معاهم . ابتسمت نيرمين بانتصار وهي تتناول القرط .. فتحركت للذهاب بخطواتٍ بطيئة وواثقة .. وقبل ان تصل للباب اوقفتها امينة وهي تهتف باسمها: - نيرمين .. نصيحة ليكي ياريت كمان ماتوصليش اللي حصل ده لسعد .. عشان ساعتها انتي اللي هاتتأذي بجد. لوت شفتيها بسخرية وهي تنظر اليها بصمت دون ان تريحها ولو بكلمة.. ثم ما لبثت ان تتحرك فتصل الى مقبض الباب لتفتحه.. فكانت الصدمة التي جعلتها تتمنى لو انها تهذي او أن ماتراه هو من وحي خيالها فقط.. همست بغير تصديق . - حسين !!! الفصل السابع والعشرون أغمض عيناه وتنهد بسأم وهو يستمع لإلحاح أخيه عليه في الهاتف بعد ان رد على اتصاله اَخيرًا.. بعد عدة اتصالات منه كان قد تجاهلها في خضم انشغاله مع رسائل حودة وسماع التسجيلات .. حتى انه تجاهل اتصالات شروق بهِ واكتفى بإرسال رسالة موجزة لها على تطبيق الوتساب يخبرها انه سيحاول الاتصال به لاحقًا لانشغاله مع أحد الأشخاص.. قال بتعب: - يابني خلاص بقولك هاجي ان شاء الله.. بس مش لازم يعني يكون على الغدا.. سيبني بس افضى شوية كدة من المشوار اللي في ايدي.. وبعدها اشوف بقى. - ........................ - ياحبيبي ابوس ايدك سيبني دلوقتي انا مش فاضي.. هاتصل بيك بعد شوية ..... خلاص ياعلاء ياحبيبي فهمت..... طمنها بس انت وقولها اني جاي النهاردة.. على العشا تمام ماشي........ ما انا كدة كدة كنت عايزك في كلام مهم ....... هو دا وقته؟ بقولك مشغول يابني اما شوفك هاقولك ..........سلام بقى الله يخليك. انهى مكالمته سريعًا رغم شعوره بتعجب أخيه وارتيابه.. ولكنه مضطر لضيق الوقت بيده خصوصًا بعد اطلاعه على الرسالة الاَخيرة لحودة! صفق باب سيارته يغلقه بقوة بعد ان ترجل منها.. ثم سار بضع الخطوات القليلة نحو المبني القديم.. بعد أن صف السيارة بجواره.. اعتلي الدرج المتهالك بخفة وسرعة حتى وصل امام الشقة الموصوفة له من حودة في الطابق الأول في الجهة اليمين.. وقبل ان يطرق بقبضته على باب الشقة.. رفع هاتفه ليرى اَخر التسجيلات المرسلة من حودة.. استمع لهذا الحوار الاَخير بين نيرمين وامينة وقبل انتهاء التسجيل بثواني قليلة..رفع رأسه نحو الباب الذي فُتح بغتةً.. فرأى نظرة نيرمين الجذعة بعد أن تفاجأت به.. اعتلت شفتيه إبتسامة متهكمة وهو يخاطبها: - ايه يامدام مش هاتقوليلي اتفضل؟ حينما ظلت على تسمرها وفمها الذي يفتح ويغلق دون النطق ببنت شفاه.. دفعها هو للداخل ودلف خلفها يغلق باب الشقة بملامح متجهمة أرعدتها فارتدت للخلف بخطواتها حتى اصطدمت بأمينة التي كانت واقفة بمحلها في وسط الصالة محدقة عليهم بدهشة.. لتفاجأ بحسين الذي كان يخطوا للداخل خلف نيرمين التي مازلت ترتد للخلف بظهرها: - أنتي بقى أمينة ياروح امك ؟ قطبت حاجبيها مذهولة من حدته بالرغم من عدم معرفتها بهِ.. نقلت نظرها باستفسار نحو نيرمين التي التصقت بالجدار خلفها.. فاأجفلها هادرًا : - انطقي يابت . انتفضت مرتعبة فردت على الفور : - ايوة يابيه انا أمينة.. بس هو انت مين بالظبط يعني؟ ظابط ولا شرطة؟ جز على فكه وهو يقترب بوجهه منها ينفث دخان من حريق صدره الغاضب ..فانتقلت عيناه نحو نيرمين يسألها بسخرية : - إيه يامدام.. انتي مكسوفة ما تعرفيها انا مين؟ طب اعملي بالعيش والملح اللي أكلتوه مع بعض في المصنع ولا حتى أيام شقاوتك.. قبل ما توقعي الراجل الكبارة في حبالك وتخليه يتجوزك بخبرتك الواسعة.. وبعدها برضوا تحني لأصلك تخونيه مع سعد الكل........؟ لطمت بكفيها على خديها وقد تأكد إليها استماعه لحديثها مع أمينة.. ولكن كيف هذا؟ رفعت عيناها نحو اعلى الحوائط لترى ان كان هناك كاميرا خفية.. لتفاجأ بخروج أحد الأشخاص من غرفة النوم ملثم الوجه.. غريزيًا اتجهت عيناها بشراسة نحو أمينة الواقفة محلها كتمثال حجري .. فاغرة فاهها بصدمه بلاحول لها وقوة ..استفقن الاثنتان على صيحة حسين : - اصحي انتي وهي معايا انا معنديش وقت ليكم . خرجت نيرمين من صمتها تدافع عن نفسها بصوتٍ مهتز: - الكلام اللي سمعته من البت دي ياحسين انا بريئة منه.. دي واحدة غيرانة وحاقدة عليا.. زيارتي من الأساس النهاردة كانت فخ من تخطيطها وانا والنعمة مااعرف حتى ان دي شقة سعد .. اصل يعني لو هاخون جوزي صح لا سمح الله.. فينه هو دا اللي خونته معاه؟ هز رأسه بنظرة مزدرءة قبل ان يتجه لحودة الذي اظهر وجهه فانصعقت نيرمن : - الواض دا راح فين ياحودة؟ رد حودة بعد أن نظر بطرف عينه نحو الاثنتان: - الواض سعد من الفجرية كان في دمياط بيجيب نقلة خشب لورشته.. اخَر الأخبار اللى وصلتني من مازن هي انهم وصلوا القاهرة.. وهما دلوقتي واقفين قدام محطة بنزين يمونوا العريية النقل ويريحوا شوية في الاستراحة هناك اقتربت منه نيرمين وهي تتحدث بدفاعية مستغلة المعلومات الاَخيرة : - اهو قالك بنفسه اهو انه من الفجرية برة البلد.. يعني انا بريئة اهو من التهمة الزور وكلام البت دي بت الحرام.. دي شايفة الناس كلها أوساخ زيها هي وامها . نزل حسين بانظاره للإسفل نحو الأكياس المرتمية على الأرض قبل ان ينقلها مرة أخرى نحو نيرمين بابتسامة ساخرة ذات مغزى .. قبل ان يقول لها من بين أسنانه : - عارفة يابت ال..... لولا بس ان عندي اللي اهم منك وعشان انتي خلاص كمان بقيتي كارت محروق ومن النهاردة هاترجعي لمكانك الطبيعي في اقرب مقلب زبالة.. لكنت انتظرت عشان اشهد عليكي العمارة كلها مع الكل.... بتاعك بس ملحقوقة.. اخلص بس من اللي في إيدي دلوقتي ..اخلصي ياللا غوري من وشي . انتفضت من صيحته التي خرجت فجأة فأجفلتها.. لدرجة انها وقفت محلها غير مستوعبة.. فاطلق صيحة اخرى أشد حزمًا وحسمًا : - غوري بقولك دلوقتي انا مش فاضيلك . وقتها لم تشعر بقدميها التي انطلقت كالريح نحو الباب الخروج.. مما جعل امينة المصعوقة يخرج صوتها اَخيرًا بتشتت: - هو انتوا جاين لمين بالظبط ؟ لم ينطق حسين وهو ينظر اليها بغموض فخرجت الإجابة من حودة الذي كان يلعب بهاتفه: - احنا جاينلك انتي ياحلوة عشان نسجل معاكي لقاء تليفزيوني.. ها نسجل بقى ونقول اكشن؟! ............................ خرج علاء من غرفته ليجلس حول السفرة على احدى مقاعدها بغرض تناول طعام افطاره من بعض الاصناف الموجودة عليها.. ولكنه كان واجما بحيرة.. لا يدري سببًا لهذا القلق الذي شعر به من وقت انتهاء مكالمته السريعة مع شقيقه... نبرة صوته كانت منفعلة و غريبة عن طبيعته الهادئة والرزينة.. هذا بالإضافة لهذه الجملة الغريبة عن اخباره بكلامٍ مهم .. ترى مالذي يشغلك ياحسين وسوف تفاجئني به؟ - رد عليك ؟ - همممم ارتفعت عيناه نحو والدته وقد استفاق من شروده : - بتقولي حاجة ياامي ؟ تبسمت زهيرة بارتياب وهي تجلس امامه وتضع عن يدها طبق الجبن... ترد: - ايه اللي واخد عقلك ياحبيبي ومخليك تنسى حتى اكلك؟ ارتفع حاجبيه باستيعاب فتبسم بتصنع رغم اضطرابه قائلًا وهو يتناول قطعة من الخبز يضعها بطبق الفول: - عريس جديد يا أمي ..وشئ طبيعي إني اسرح في عروستي . قطبت حاحبيها وارتسم على وجهها عدم التصديق .. فقالت : - قالك ايه اخوك ؟ - قالي انه هايجي على العشا. ردت زهيرة بتذمر : لسة كمان هايقعد للعشا؟ انا كنت عايزاه يجي على الغدا يابني . رد علاء بابتسامة وهو يضع اللقيمة بفمه : - وفرقت ايه بس ياست الكل ان كان عشا ولا غدا ؟ مش المهم بقى انه يجي؟ اومأت زهيرة برأسها وهي تدعي تناول الطعام دون.. شهية تذكر وهذا لعدم شعورها بالإرتياح .............................. امام احدى الكافتريات الشعبية بجوار احدى محطات البنزين كان جالسًا على مقعدٍ بلاستيكي .. يتناول افطاره من شطائر الفلول والفلافل الموضوع على المنضدة الخشبية التي توسطت الجلسة بينه وبين سائق الشاحنة المحملة بالأخشاب.. صدح هاتفه باتصالها اصدر بفمه صوت قرقعة بسأم وهو يتجاهل الرد.. ولكنها حاولت مرة واخرى حتى اثارت اهتمام السائق معه: - ماترد يامعلم سعد لاحسن تكون مكالمة مهمة ولا حاجة! رد عليه بملامح الملل : - ياعم ولا مهمة ولا حاجة.. دي بس زن نسوان فاضية للرغي والكلام الفاضي . على صوت ضحك الرجل قبل يرد بمرح : - وافرض ياعم ان كانت نسوان فاضية ولا حتى رغاية.. هو في حد طايل في الزمن ده؟ رد يا سعد باشا وماتتكسفش.. انا هاقوم بقى اوسعلك الجو و ادخل الحمام جوا.. وانت بقى عيش وخد راحتك..ها . قال الاَخيرة بغمزة وهو ينهض من ثم تحرك ذاهبًا امامه.. رفع سعد حاجبه بانتشاء وهو يرد على اتصالها : - ايوة يانرمين.. عايزة ايه ؟ وصله صوتها الباكي : - ايوة ياسعد انا اتخرب بيتي وكله من بوز الأخص البت امينة . اعتدل في جلسته يسألها بعدم استيعاب: - امينة مين يازفتة؟ هو انتي بتقولي ايه بالظبط ؟ هتفت تشهق بالبكاء: - بقولك امينة ياسعد اللي انتي متاويها في بيتك ولا اكنها عشيقتك؟ الزفتة جرجرت رجلي وخلتني اروحلك الشقة عندك النهاردة وفتحت معايا في كلام جديد وقديم عن سيرتي معاك ومع الرجالة اللي مشيت معاهم قبلك.. وكل اتسجل عند حسين اللي طب علينا فجأة مع الواد حود....... - بس الله يخرب بيتك . خرجت منه بمقاطعة هادرة وقد انتفض من جلسته واقفًا.. وتابع: - ممكن بقى تفهميني اللي حصل بالظبط؟ وبالراحة وبإيجاز عشان افهم.. والمهم دلوقتي بقى قولولي انت بتكلميني من فين؟ سحبت نفسٍ طويل تحاول التماسك قبل ان ترد اخيرًا: - انا واقفة في شارع السوق اللي القريب من بيتك. ............................. بعد قليل وبداخل سيارة النقل الكبيرة التي كان يقودها بسرعة عالية كالبرق رغم حمولتها الثقلية .. بعد ان استمع لشرحها الوافي لما حدث وأجفتله بالأهم وهو مشاهدتها لحسين وحودة خارجين من مبنى شقته وامينة مسحوبة كالشاه لتذهب معهم بالسيارة.. لم يمتلك رفاهية التفكير بعدها وهو يتناول سلاسل مفاتيح السيارة وقبعة راس السائق الذي لم ينتظر خروجه من غرفة المراحيض العمومية بهذه المنطقه.. قفز سريعا بدخلها في الأمام خلف عجلة القيادة وذهب بالسيارة دون سائقها.. كل ما كان يدور بعقله هو ايقافهم عن الوصول لوجهتهم.. لو علم علاء بما فعله قديمًا او عصام او أدهم المصري؟ وما ادراك ما ادهم المصري؟ ستكون نهايته حتمًا بالإضافة الى ضياع كل ما تمكن من بناءه في السنين الفائتة.. الايكفي له سرقته حلم عمره بالإرتباط بها أو بشبيهتها لايهم.. كان على علم بخط سيرهم الاَن لمعرفته الدقيقة لوجهتهم والطرق المؤدية لحارتهم.. في بعض اللحظات الفاصلة لايمكن التنبؤ بأفعال الفرد حينما يكون مهدد.. لايمكن تنبؤ فعل الفرد ليتمكن من النجاة.. ولابد له من النجاة.. ولا يوجد حلُ اَخر . وكانت الفرصة حينما رأى السيارة التي يعلمها جيدًا اَتية من مسافة قريبة في الجهة العكسية.. لم يتردد حينما زود السرعة اكثر والتف بها في اول فرصة وجدها امامه في الطريق .. كان من الجميل في الأمر هو ان قيادة سيارتهم كانت عادية وطبيعية لدرجة مكنته للحاق بهم حتى اصبحوا على مرمى بصره فهدئ من سرعته قليلًا حتى على اقترب نسبيًا منهم .. رأسه مازلت مغطاة بقبعة رأس السائق وهو الاَن قريبًا منهم ولابد من تحين الفرصة.. والتي ما ان شعر بقربها لم ينتظر.. حينما التفت سيارة حسين امامه لتقطع طريقًا اَخر لم يتنظر وقتًا اَخر لاستغلال هذه الالتفافة وقد تلاشى عقله وضربات قلبه تنافس في سرعتها السيارة والتي زاد مرة اخرى من سرعتها بشكلٍ هستيري مكنه من صدم السيارة الكبيرة حجمًا ووزنًا بالسيارة الصغيرة بشكل اجفل ركاب السيارة و قائدها الذي لم يتمكن حتى من الاستيعاب عندما وجد نفسه ينقلب مع السيارة والاَخرين لعدة مرات بشكل عنيف ادى لتدمير السيارة للقضاء على من بداخلها! ............................ منذ الأمس وهي تشعر بنفسها كالحبيسة داخل غرفتها .. تتجنب اللقاء بعمتها.. من وقت ان تفاجأت بزيارتها وهي لا تفارقها النظرة الغامضة منها.. رغم تعاملها بشكل طبيعي مع الجميع ان كان أخيها شاكر او زوجته أو حتى شروق.. اما هي فلم ترتاح لهذا الوجه الملغف بالغموض.. يقلقها حتى ابتسامتها.. ترى كيف تراها الاَن؟ خرجت من شرودها على صوت فتح باب غرفتها دون طرقه. كشرت فجر بوجهها نحو شقيقتها التي دلفت منه: - مش تخبطي يازفتة انتي ..هي وكالة من غير بواب؟ ردت شروق بروتينة وهي تجلس بجوارها: - هو انا دخلت عليكي وانت عريانة مثلًا يافجر؟ ما انتي بكامل هدومك أهو؟ فغرت فجر فاهها تود توبيخها بالكلمات ولكن اجفلها هذا السكون على وجه شقيقتها وعيناها المضطربة.. سألتها باقتضاب: - مالك ؟ ردت شروق: - مش عارفةيافجر.. بس مضايقة اوي ؟ حسين مش راضي يرد على أي اتصال مني وفي الاَخر قفل السكة في وشي. - معقول؟! طب ليه يعني؟ دي حتى مش عاويدوا؟. هزت شروق رأسها باضطراب وقالت بقلق: - لا هي حصلت مرة او مرتين لما كنا نتخانق مع بعض واشد انا عليه في الكلام .. بس انا مش فاكرة خالص اني اتخاقت معاه المرة دي . ربتت فجر على ذراعها تطمئنها بابتسامة: - خلاص ياقمر.. يبقى أكيد عنده حاجة ضروري شغلاه.. واول مايفضى هايرن عليكي يطمنك. تنهدت بثقل وهي تفرك يديها: - يارب يافجر يارب . أشفقت فجر على شقيقتها التي بدا على وجهها القلق جليًا.. فغيرت دفة حديثها : - ماقولتليش صح ياشروق؟ هي عمتك بتتعامل كويس معاكي . - اه طبعاً عادي وايه اللي هايغيرها معانا مثلًا؟ رفعت اليها عيناها فجأة تسألها بانتباه: - صحيح يافجر هو انا ليه حساكي لازقة هنا في الأوضة وما بتخرجيش كعادتك .. تضحكي وتهزري معاها؟ لوت شفتيها وقالت بتوتر: - عادي ياشروق يعني؟ انا بس ماليش مزاج ثم ان سميحة بنتها قايمة بالواجب معايا وبزيادة .. دي صدعتني بحكايتها مع جوزها وحماتها ام لسان طويل . اشرق وجه شروق بالضحك: - يعني عليكي ياغلبانة؟ بس ماتنكريش ان دمها عسل اومأت برأسها فجر بيأس: - هي فعلًا دمها عسل بس رزلة جدًا وزنانة قوي.. الا صحيح هي مش بتغلس عليكي زي انا ؟ نهضت من جوارها ترد بثقة : - هي مين يابت اللي تغلس عليا ؟ هو انا عندي وقت ولا مرارة للعيال دي زيك؟ - ياجامد . - امال يابنتي ؟ قالتها بثقة وهي تفتح باب الغرفة فاتفاجأت بها أمامها: - عمتي ! اعتدلت فجر منتفضة وهي تنظر نحو وجهها الباسم وهي تخطوا لداخل الغرفة : - ايوة عمتك ياروح عمتك .. انتي بقى عاملة ايه؟ لم تتعجب فجر من احتضان عمتها لشروق فالطالما كانت تعشق تفاصيل وجهها والتي تذكرها دائمًا بابنتها الفقيدة بهذا الشبه الكبير بينهم .. حتى برغم عشقها لفجر والتي تُشك باستمراره الاَن بعد زواجها من علاء.. ولكن تظل مكانة شروق المميزة بقلبها طوال الوقت.. اجفلت من هذه النظرة الغريبة نحوها : - ابلة فجر .. مختفية ليه ياعروسة؟ ردت ببلاهة من توترها: - هممم... مختفية ازاي بس ياعمتي ما انا موجودة اهو؟ ازداد اتساع ابتسمامتها الغامضة مما تسبب في زيادة قلقها ..والذي تحول لجزع وهي تستأذن من شروق للخروج من الغرفة.. كي تتركهم وحدهم .. جحظت عيناها فجر وهي تشاهد شقيقتها تنسحب من الغرفة تاركة عمتها معها وحدها بالغرفة وتغلق الباب عليهم خلفها.. ابتعلقت ريقها وهي ترى عمتها تجلس بجوارها على طرف التخت.. تهز بأقدامها مع هذه الابتسامة الغريبة والملازمة وجهها.. ثم قالت: - حابسة نفسك عني ليه من امبارح يابت ؟ اومأت بكفها على صدرها قائلة بصدمة: - انا ياعمتي؟ ليه بس بتقولي كدة؟ حدقت اليها بنظرة ذات مغزي .. جعلت فجر تخفض عيناها عنها باضطراب .. ولا تقوى على النظر اليهم .. وقبل ان تستمع لكلمة أخرى منها انتفضت من الصرخة التي اتت اليهم من خارج الغرفة.. بل ومن خارج الشقة نفسها ..خرجت وعمتها معها بجزع لترى الجميع خرج قبلهم نحو مصدر الصوت والذي كان صادرًا من الشقة المقابلة لهم : - علاء . صرخت بها وهي تسرع بخطواتها اليهم ..فرأت زهيرة المرتمية على الأرض مغشيًا عليها ..وعلاء ابنها يحاول أفاقتها ووالدتها التى دنت هي الاَخرى بجواره لمساعدته.. تسأل: - في ايه يابني حصل إيه ؟. رفع انظاره اليهم جميعًا بوجهٍ شاحب هاربة منه الدماء: - ابوس ايديكم ياجماعة حد يجي يفوقها ويراعيها .. انا عايز اللحق بسرعة اخرج واروح لاخويا؟ سألت شروق على الفور: - ماله حسبن ياعلاء؟ وانتوا ترحلوا فين؟ اطرق بوجه وخرجت كلماته بصعوبة: - اخويا عمل حادثة! هذه المراة الصرخة خرجت من فجر .. جزعًا على شقيقتها التي سقطت هي الأخرى مغشيًا عليها! .......................... بعد اقل من نصف ساعة تقريبًا .. كان بداخل المشفي يعدوا مع شاكر وابنتيه بخطواتٍ مسرعة ومتماسكة رغم.. رهبة الحدث .. وصعوبته بعد تمكنه من الوصل بمعجزة الى المشفى .. تاركًا والدته المريضة برعاية سميرة.. وصل الى قسم الإستعلامات بالقسم يسأل احدى العاملات : - لو سمحتي كنت عايزة اسأل عن حسين المصري وحودة عرفان. ردت العاملة وهي تنظر بإحدى الدفاتر أمامها: - اللي جم في الحادثة حضرتك ؟ اومأ برأسه دون النطق ببنت شفاه : ردت الفتاة بعملية : - حضرتك هما وصلوا في حالة صعبة اوي .. واحد في العمليات دلوقتي مع نخبة من الدكاترة تحت اشراف الدكتور عصام . - الدكتور عصام !! - ايوة حضرتك والتاني بقى؟ سألها بتوجس ماله التاني؟ قالت بأسف : - للأسف تعيش انت .. والبقاء لله. الفصل الثامن والعشرون الإنتظار وما أمرها من كلمة.. حينما يتعلق الأمر بأعز أحبابك.. وانت مسلوب الإرادة.. قليل الحيلة نحو ما تتمناه وترجوه من الله في هذه الأوقات العسيرة.. هي مجرد لحظات او اوقات تفصلك عن المعرفة.. ولكن مع شدتها ومرارتها تمُر عليك وكأنها دهرًا كاملًا من العمر. جالسًا محله على إحدى المقاعد المخصصة للزوار في المشفى.. من وقت أن سمع الخبر وأتى الى هنا بخطواتٍ مسرعة بجوار غرفة العمليات منتظرًا.. وهو على وضعه هذا.. منكمش على نفسه بالمقعد الذي يبدوا وكأنه التصق به.. فلم تقوى اقدامه على حمل جسده.. يبتلع في ريقه الذي جف من الخوف وهو يردد بلسانه الأيات والأدعية.. علّها تساعده على الثبات وفك الكرب.. شعر بكف العم شاكر وهي تطبق على كتفهِ بمؤازرة .. فالقى نحوه نظرة خاوية قبل ان ينقلها سريعًا نحو محبوبته الجالسة أمامه بصف اَخر للمقاعد بقلبٍ ملتاع وحزين تؤازر هي الأخرى شقيقتها التي لم تجف دماعاتها بعد من وقت ان استفاقت من غشيتها وتحاملت على نفسها كي تأتي معهم إلى هنا.. نقلت فجر انظارها نحوه والتقت عيناها بعينيه.. فاَلمتها هذه النظرة الضائعة منه لها ودت من قلبها لو استطاعت معانقته للتخفيف عنه في هذا الحدث الجلل وطمأنته أن كل هذا سيمُر وسيصبح كل شئٍ بخير.. - علاء يابني اخوك ماله؟ صدحت بصوتٍ عالي بعض الشئ و مرتعش رغم خشونته من قلب للممر .. انتقلت نظرات الجمبع على صاحب الصوت والذي كان أدهم المصري.. يتقدم نحوهم بخطواتٍ مثقلة و بملامح جزعة وكأنه ازداد في العمر سنواتٍ أخرى.. يسير بجواره سعد! وهو يدعي مراعاة الرجل من السقوط ! نهض شاكر عن مقعده يتلقف صهره من يده ليجلسه ويطمأنه: - إطمن ياحج أدهم ان شاء الله خير رد أدهم برجاء وهو يستسلم لسحب شاكر نحو الجلوس على اقرب المقاعد امامه: - ابني ماله ياشاكر.. ابوس إيدك تقولي الحقيقة . شدد شاكر على ذراعه وهو يجلسه : - ياسيدي طمن قلبك هو بس دلوقتي في اؤضة العمليات والدكاترة ان شاء الله يلحقوه . نظر اليه أدهم بأعين ملتمعة وكأنه يلتمس منه الصدق قبل ان يتجه نحو ابنه الجالس بالقرب منه يخاطبه بتوسل: - أخوك هايبقى كويس ياعلاء صح.. حسين جدع ومش هايرضى انه يزعلني ولا يتعب قلبي بالقلق عليه . اومأ له علاء برأسه صامتًا لايقدر على النطق ولو بكلمة قبل ان يرفع عيناه نحو سعد الذي ربت بكفه على كتفهِ بمؤازرة .. أومأ له برأسه وعاد ليطرق برأسه للأسفل وعاد لانكماشه.. تنهد سعد بصوتٍ عالي يدعي الأسى وهو يجلس بجواره هو الاَخر صامتًا يواكب الحدث.. وجدها أمامه جالسة بجوار شقيقتها.. تبكي بحرقة وجهها الجميل البيضاوي مرقط بالإحمرار من أثر البكاء.. تنهد بداخله وهو يتسأئل عن فرصته معها الاَن وقد أوشك غريمه على الإنتهاء.. لقد رأى بنفسه حطام السيارة التي دهسها بالسيارة ذات الحمولة الثقيلة.. مشهدها ينبئ باستحالة نجاة من بداخلها .. إنه حتى لا يدري كيف تمكن من التصرف بهذه السرعة.. انه لم يوقفهم وحسب.. لقد قضى عليهم جميعًا وضرب ٣ عصافير بحجر واحد.. ولكن مهلًا.. لماذا يشعر ان هناك شئ غير مظبوط! استفاق من نشوته وهو يتذكر كلمات علاء الذي هاتفه باستغاذة لكي يخبر والده بخبر حادث شقيقه مع الملعون حودة.. لعدم قدرته هو على الكلام ومواجهة صدمة أبيه .. ولكنه لم يذكرها! هل خجل ام تناسى ذكرها أمامه .. ابتلع ريقه بتوتر وقد اكتنفه شعور بعدم الراحة.. نهض فجأة معتذرًا من جوارهم .. وذهب فورًا نحو استعلامات المشفى .. وقف امام الفتاة المنشغلة بالرد في الهاتف.. يطرق بقبضته على الخشب المثقول لتبيهها: - لو سمحتي ياأنسة . أشارت له بيدها لينتظر ولكنه ازداد طرقه بعصبية: - لو سمحتي بقى أفضيلي . حدقت اليه الفتاة بحدة وهي تزيح على الهاتف عن إذنها: - نعم ياحضرت عايز إيه ؟ - عايز اعرف عدد المصابين في حادثة حسين أدهم المصري؟ نفخت الفتاة بنزق وهي تتناول الدفتر أمامها تبحث.. ثم مالبثت ان ترفع رأسها قائلة : - هما اتنين بس اللي دخلوا المستشفى من الحادثة دي ..واحد متوفي والتاني دخل العمليات فورًا بأمر الدكتور عصام اللي شافه اول واحد ردد بدهشة : - الدكتور عصام!! طب والبت ؟ سألته بحدة : - بت مين؟ قال وهو يشدد على أحرف كلماته: - انتي متأكدة من كلامك ده؟ زفرت حانقة: - حضرتك دا اللي مقيد عندي في الدفتر.. وانا ماعنديش رد تاني.. قالتها واستدارت برأسها تنهي الجدال معه و تكمل مكالمتها في الهاتف ..شتم بداخله صلف الفتاة معه وتجاهلها له.. قبل أن يتحرك مبتعدًا وعقله يكاد ان ينفجر من التفكير متسائلًا : - يعني هاتكون غارت فين بس بت ال...... دي .. اتخطفت يعني ولا داستها عربية تانية غيرها؟ زفر حانقًا وهو يتحرك ذاهبًا للإنتظار معهم خارج غرفة العمليات ونية العزم بداخله في ازدياد... لقد سار في طريقه ومهما كانت العوقب والصعوبات سيتخطاها كما.. وسيصل الى وجهته مهما كانت النتائج ............................... وبعد ساعات طويلة خارج غرفة العمليات.. حينما خرج اليهم عصام ومعه بعض الأطباء.. تسارعت نحوهم الخطوات حتى علاء انتفض اَخيرًا من جلسته يسأل بلهفة : - إيه الأخبار ياعصام طمني؟ ربت عصام على ذراعهِ يتكلم بإرهاق : - خير ياعلاء ان شاء الله.. خير . - يعني حسين حالته إيه دلوقت؟ خرجت من عدة افواه بأصواتٍ متعصبة وقلقة. تنهد يشير اليهم بكفيه ألاثنتان : - ياجماعة اهدوا كدة وافهموني ابوس إيديكم.. عملية حسين كانت خطيرة.. وانا مقدرش افتي ولا اتكلم دلوقتي بحاجة غير بعد ما نطمن عليه بعد ٢٤ ساعة.. يعني دلوقتي ارجوكم بس تكثفوا الدعاء الفترة دي عشان بس ماتحصلش تطوارت تعقد الموضوع معانا. قال الاَخيرة بصوت خفيض ومتوتر.. زادت من جزع الجميع ..وتابع هو: - هما دلوقتي هايخرجوه على غرفة العناية صدرت اصوات شقات عالية .. فاردف هو بعجالة - ياجماعة ارجوكوا منكم ان تمسكوا نفسكم شوية وتحافظوا على ثباتكم عشان المرحلة دي حرجة وهاتبقى صعبة الجميع معلش يعني.. عن اذنكم . قالها وتحرك على الفور متهربًا من صعوبة الموقف . سعد والذي كان شديد التركيز مع كل كلمة قالها عصام.. تكلم بخبث ليلهي عقله قليلًا : - ودا ماله ده مش طايق يرد على حد فينا.. هو ماعندوش دم البعيد عشان يحس بحرقة قلبنا على حسين . خرج الرد من خلفه بحمائية من طبيب شاب : - مين حضرتك اللي معندوش دم؟ دا لولا الدكتور عصام ما لحق الحالة بسرعة.. لكان الله اعلم هايحصل ايه معاه.. ما انت لو شوفت الدكتور جوا في اؤضة العمليات وشوفت المجهود الجبار اللي عمله مكنتش اتكلمت من الأساس. جز على فكه بغيظ وهو يرى رد فعل الجميع وهما يتأسفون للطبيب الشاب المدافع بتعصب عن رئيسه ................................. بعد قليل وقف أربعتهم خلف الزجاج العازل لغرفة العناية المشددة.. بعد انسحاب أدهم المصري الذي لم يتحمل رؤية ابنه على هذه الحالة وتبعه شاكر القلق على صحة الرجل الكبير.. علاء و الذي طار ثباته في الهواء وتساقطت دماعته على رؤية شقيقه الغائب عن الوعي .. رأسه ملفوفة بالأربطة الطبية والتي احاطت العديد صدره و بعض اعضاء جسده الأخرى.. معلق بيده الانانبيب الطبية والموصلة بالأجهزة الحيوية .. كانت فجر تربت على ذراعه كي تدعمه بوجه مغرق بالدموع وبنفس الوقت محتضنة شقيقتها التي على نشيج بكائها الحارق ..تكلم سعد وهو ينظر بطرف عينه نحوها: - مش كدة ياجماعة.. احنا لازم نمسك نفسنا شوية.. البكا مافيش منه فايدة.. كلنا قلوبنا محروقة بس لازم نتماسك.. هدي اختك ياابلة فجر .. لا تجرالها حاجة.. دي لساها صغيرة على وجع القلب.. ولا إيه ياعلاء . مسح بكفه على جميع وجهه.. يجفف دماعته وينشد القوة وهو يرد : - عندك حق ياسعد احنا فعلًا لازم نتماسك.. عشان انا عارف اخويا قوي وعنيد.. وان شاء الله مش هايخذلني ولا يخذل حبيبته. عض بداخل فمه على باطن وجنته من كلمات علاء المستفزة ولكنه مضطر التصنع : - طبعًا ياحبيبي امال ايه؟ ربنا يطمنكم عليه.. - مين فيكم اللي يخص المريض؟ التفتت الرؤس نحو الرجل الذي تقدم اليهم بالحلة الرسمية يكررها: - مين فيكم ياخوانا قريب المريض؟ تقدم نحوه علاء يرافقه سعد الذي يريد الإطلاع على كل شئ ! - انا حضرتك علاء المصري اخو المريض حسين المصري. رد رجل الأمن بعملية - طيب احنا كنا عايزين نسالك شوية أسئلة... قاطعه بلهفة: - قبل اي سؤال ياسعادة الباشا.. انا عايز اعرف منكم قدرتوا تقبضوا على اللي عمل كدة ولا لأ. رد الرجل وهو يمط شفتيه ويهز رأسه بالنفي: - للأسف احنا عرفنا من اقوال الشهود ان اللي قام بالحادثة دي.. كان سايق عربية لنقلة خشب كبيرة.. جري بيها بسرعة.. ومن ارقامها الموصوفة عرفنا ان صاحب العربية بلغ النهاردة بسرقة عربيته . - يعني اللي عمل كدة كان قاصد اخويا بقى مش موضوع حادثة عادية في الطريق. خرجت منه هادرة حارقة بأعين جاحظة بصدمة.. - ابن ال...... وديني لادور عليه وما هارحمه. ازدرد ريقه الذي جف بصعوبة من هيئة علاء الذي توحشت ملامح جهه وهو لم يراعي حتى وجود رجل الأمن امامه.. والذي رد كالعادة بتحذير : - بلاش كلامك ده يااستاذ علاء لا يعرضك للمسؤلية القانونية.. احنا اكيد هانوصل للفاعل وساعتها بقى القانون هاياخد مجراه. اومأ علاء برأسه رغم عدم اقتناعه.. اردف رجل الأمن: - طيب ممكن بقى تيجي معانا عشان نتأكد من صفة الشاب المتوفي في الحادثة . ود سعد لو يسأله بفمه عن الملعونة أمينة ووجودها في السيارة وقت الحادث ولكنه لم يقدر.. وتابع مسيره مع علاء نحو ثلاجة الموتى ......................................... خرج من الحجرة الباردة يجر اقدامه للتحرك بصعوبة.. يكاد ان يشعر بذهاب انفاسه عن صدره.. من وقت ان رأى الفتى اليافع جثة هامدة واكد هويته لرجل الأمن.. رأسه تدور في السيناريو الأسوء لو كان شقيقه مكان الفتى.. ما اصعبه من أحساس وأخيه الاَن بين الخالق.. يدعو داخله بتوسل الى الله الا يحدث هذا وينجيه.. دماعته المحتبسة تحرق مقلتيه وهو يدعي الثبات امام البشر المترقبة والمنتشرة في هذا المحيط. ربت على ظهره سعد للمرة التي لاذكر عددها.. وهو يلقي بكلمات التهوين على اسماعه وهو يومئ له برأسه.. مقدرًا شهامته وعدم تركه ولو لحظة في هذا الوقت العصيب! أجفل فجأة على رسغ يده وهو يجذب بشدة من فتى صغير لا يتعدى عمره الثامنة عشر يخاطبه بوجهٍ مغرق بالدموع والكلمات خارجة منه بصعوبة ما بين شهقاته: - وحياة النبي ياعم علاء خليهم يدخلوني عشان اشوف صاحبي.. ماهم دخلوكم انتوا اهو.. هي جات عليا يعني؟. سأله بعدم استيعاب: - انت مين يا حبيبي؟ ومين دا اللي عايز تدخلوا؟ - انا مازن ابن سيد صاحب مخبز العيش في الشارع اللي وراكم .. وصاحبي هو حودة.. حودة اللي كان مع عم حسين اخوك في الحادثة. اومأ برأسه متفهمًا قبل ان يرد على الفتى بإشفاق: - يابني بس انت صغير اوي وهما مش بيدخوا اي حد وخلاص . - كلمهم ياعم علاء .. هما اكيد هايسمعوا كلامك . رد عليه سعد ما بين اسنانه: - ماقالك ياض انت صغير وهما مش بيدخلوا حد يعني لازم تكون قريبه او يخصك.. هي غلبة وخلاص . تجاهله مازن عن قصد وهو يتناول كفه يود تقبيلها ولكن علاء رفعها على الفور مما اثار سخط الاخر.. فقال بتوسل : - وحياة الغالين عندك لا تخليهم يدخلوني.. انا راجل وهاتحمل.. يعني مش هاعملهم مشاكل ولا اجيب عليهم مسؤلية.. ربنا ينجيلك عم حسين يارب. ........... ............ بعد دقائق وبعد ان تمكن الفتى من اقناع علاء الذي تصرف مع عمال الحجرة اشفاقًا على الفتى وتقديرًا لرجولته رغم صغر سنه ووفاءه النادر لصديقه .. كان واقفًا امام جثة صديقه بشجاعة نادرة ومع ذلك ينوح بصوت عالي وهو يقبل رأسه: - صاحبي....... يا صاحبي......... هاتوحشني ياحبيبي..........والنعمة ما هنساك وهافضل فاكرك طول حياتي............ اخذ فترة يشهق بغير توقف .. قبل ان يكمل: - اطمن ياحبيبي على خواتك البنات ووالدتك.... والنعمة ما هخليهم يحتاحوا لحاجة ورقبتي هاتفضل دايمًا سدادة في أي حاجة يحتاجوها....... وعد عليا ياحبيبي لاكمل اي طريق مشيت فيه لوحدك او مشيتوا انا معاك...... وانت عارف ومتأكد من صدق أي كلمة بتخرج من صاحبك..........صاحبك ياحبيبي .. ياحبيبي ياغالي. حينما انهى اخيرًا الفتي لقاء صديقه خرج يسير بداخل اروقة المشفى يكفكف دمعاته...وقد افرغ من ضيق صدره شحنة كبيرة ببكاءه ...كان قد وصل الى القسم الموجودة بهِ غرفة حسين.. حينما تلقى اتصال والدته: - الو يامّا ...... ربنا يرحمه يارب انا لسه مخرجتش من المستشفى............يامّا والنبي انا مافيا حيل للكلام دلوقت .......... حاضر يامّا مش هاتأخر ........... لا يامّا انا مضمنش انا هارجع امتى عشان انا دلوقتي عندي شغل..........مافيش حاجة انتهت يامّا بموت حودة... انا لسة شغلي ما وقفش! قال الاَخيرة وانظاره متجهة بتصميم نحو الجالسين بالردهة الواسعة في المشفى ................................ فتحت اجفانها لتُبصر هذا الضوء الأبيض القوي .. تأن بألم من جميع جسدها .. تتناثر الاصوات كثيرة حولها دون توقف .. حركت رأسها بصعوبة نحو هذا التجمع الكثير لأُناس تغدي وتروح ولا تعلمهم.. توقفت عيناها نحو المرأة الجالسة بالسرير الطبي بجوارها والتي انتبهت عليها هي الأخرى فقالت بحماس: - ايه ده؟ اخيرًا صحيتي يابنت الناس.. حمد الله على سلامتك يااختي. رفرفرت برموشها قليلًا تستوعب اين هي.. نزلت انظارها نحو جسدها الممدد على التخت الطبي.. تفاجأت بهذه الأربطة الطبية والملتفة حول ذراعها المستند فوقها .. فقالت بصوت متعب: - هو انا من امتى هنا؟ وليه حاسة بجسمي كله واجعني؟ هو حصل ايه؟ ردت المراة وهي تقضم قطعة من الفاكهة التي بيدها وهي تتفحصها بتركيز: - هو انا مش شايفة حاجة تانية متربطة في جسمك غير دراعك.. والباقي بس يدوبك خدوش في وشك وأكيد هايكون في منها كتير في جسمك.. وتلاقي دا اللي تاعبك.. بس انا سمعت من الممرضة ان عملية دراعك كانت صعبة واخدت شرايح ومسامير كتير.. دي العضم كان متفتفت حسب ما سمعت.. هي دي واقعة ولا حادثة؟ اغمضت عيناها وقد اعادت المرأة بكلماتها كل ما كانت قد تناسته في غيببوتها المؤقتة. وقت الحادث "" كانت في المقعد الخلفي ترجتف بداخلها من ما سوف يحدث معها على اثر هذه الاعترافات التي اعترفت بها بكل سهولة امام هذان الشخصان والذي علمت ان احدهم يكون شقيق علاء المصري .. تبكي بصمت وهي منتظرة حدوث الأسوء معها.. ورغم تسلميها من داخلها ان هذه هي النتيجة الطبيعية لخطئها.. ولكنها كانت ترتجف من رأسها حق اخمص قدميهًا.. الفتى الشاب يتلاعب في الهاتف مع هذا المدعو حسين: - دا احنا كدة بالأعترافات دي ياحسين باشا هنوديه في داهية على طول من غير كلام . رد حسين : - اهم حاجة عندي دلوقتي ياحودة ان اكشفه قدام والدي وعلاء المغشوش فيه وفاكره صاحبه كمان! مصمص حودة بشفتيه: - ونعمة ربنا انا عارفه من الاول وس...... عشان ياما شوفته مع نسوان لامؤاخذة ...ويجي قدام الناس يعمل نفسه شريف وابن اصول كمان.. ياخد اوسكار في السفالة وقلة الأصل. ضحك حودة وضحك معه حسين هو الاَخر.. وكانت الاَخيرة في كل شئ.. فقد وجدت نفسها امينة تنقلب من مكانها مع انقلاب السيارة والذي تكرر لعدة مرات مع صراختها وصراخات الجالسين بالمقاعد الأمامية حتى شعرت بالنهاية.. قبل ان يتوقف انقلاب السيارة اَخيرًا وتشعر امينة بأنها محتجزة في هذه المسافة وعدة الاَم لا تحمل بجسدها وذراعها اسفل جسدها وهي ما عادت تشعر به وكأنه تخدر وقتها ولم تعي مابهِ.. حتى انتبهت على الأصوات الكثيرة لبشر لاتعلمهم .. حتى شعرت بنفسها وهي تجذب بجسدها الهزيل من عدة ايادي .. حتى أخرجوها من السيارة والأصوات تزداد في ترددها بكلمات الأسي على الشابين المغرقين في دمائهم بالجزء الأمامي من السيارة والذي نال النصيب الأكبر من التدمير.. والقليل من يردد بكلمات أخرى على اسماعها بالقرب منها حتى استفاقت لتعي جيدًا وضعها.. فهتف الرجل العجوز ومعه عدة شباب حولها: - الحمد لله اهي واحدة فاقت .. عقبال الباقي يارب .. ترددت كلمات اليأس من الشباب التي تحاول اخراج الشابين مع بعض الأدعية لنجاتهم حتى سمعت بأحدهم وهو يهتف بصوته: - خلاص ياخوانا الأسعاف قريبة من هنا قربت توصل ومعاها البوليس ان شاء الله عشان يعاين. بمجرد سماعها اسم الشرطة انتبهت بداخلها غريزة النجاة فقالت بتوسل للرجل العجوز : - ابوس ايدك ياعم روحني.. لو البوليس وصل انا هاتفضح. قال شخص بالقرب من الرجل: - تتفضحي ليه ياست؟ هو انت عاملة غلط ؟ دي حادثة. بيدها السليمة تمسكت بقماش قميص الرجل العجوز: - والنبي روحني ابوس ايدك.. انا ركبت معاهم بحسن نية لكن بقى لو الخبر اتنشر هايقولوا مرات فلان كانت مع جوز الرجالة اللي عملوا الحادثة.. دا غير اني هادخل في سين وجيم كمان.. ربنا يستر على ولاياك يارب. اقتنع الرجل العجوز فخاطب الشباب المشغولة في محاولاتهم الحثيثة لإخراج الجسدين المكومين في الجزء المدمر بالسيارة. - الست عندها حق ياشباب.. هي مش عايزة حد يجيب سيرتها ..انا هاخدها وواديها على اقرب مستشفى. قال احدهم بعدم اكتراث : - خدها ياعم .. يعني هايبقى موت وخراب ديار. فقال الاَخر وهو يرفع هاتفًا محمولًا بيده: - طب التليفون دا بتاعك ياست ولا بتاع الشباب ؟ حدقت بالهاتف فتذكرت انه يخص الفتى الصغير والذي كان يتلاعب به.. يبدوا انه سقط من يده للخلف وقت ارتطام السيارة.. تذكرت تسجيلات اعترافها عليه .. فاأومأت له برأسها موافقة بدون تفكير.. وضعه الرجل على حجرها فقالت بتذكر لهاتفه الحقيقي والصغير والموجود بحافظتها: - طب والنبي كمان هات البوك بتاعي دور عليه عندك هتلاقيه "" رجعت لحاضرها تتسائل بجذع امام المرأة: - التليفون بتاعي؟ و البوك الكبير خدوهم مني ولا راحوت على فين بس؟ لاحقتها المراة بالرد على عجالة: - ياحبيبتي ماتقلقيش .. انا شايفه الممرضة بنفسي وهي بتحطهم تحت المخدة في الناحية اليمن . مدت يدها السليمة تبحث حتى اخرجت الاثنان .. تنهدت بارتياح وهي تضع هاتف حودة وكأنه تضمه داخل احضانها.. اجفلت على قول الممرضة التي أتت اليها : - حمد الله عالسلامة ياامينة.. عاملة ايه دلوقت؟ اومأت برأسها صامتة دون رد. فقالت الممرضة : - طب ياحبيبتي .. انتي ماتعرفيش حد قريبك بقى يجيلك ويشوف حساب المستشفى؟ حكم الراجل اللي وصلك.. دفع جزء صغير من الحساب ومشي ومحدش شافه تاني . سهمت بشرود ولم تنطق ايضًا فكررت الممرضة: - ياست امينة عندك حد تتصلي بيه يجيلك؟ ماينفعش سكوتك ده. توترت وهي تنظر لهاتف حودة بيدها قبل ان ترفع انظارها نحو الممرضة الشابة تسالها: - انا تليفوني فاصل شحن ممكن تتصلي انتي من تليفونك . اخرجت الممرضة هاتفها من جيب سترتها فسالتها بعملية: - اهو ياستي مليني الرقم وقوليلي اسم صاحب الرقم ! الفصل التاسع والعشرون بمن تتصل؟ بوالدتها التي تهتم بالفتيات الاَتي تسرحهن في أعمالها المنافية أكثر من أهتمامها بابنتها ولو مر على غيابها بالأشهر! وما العجيب في ذلك؟ فالفتيات سيعُدن عليها بالمنفعة.. أما ابنتها المنبوذة عديمة الفهم كما تصنفها دائمًا فما الفائدة التي ستعود من ورائها؟ لأول مرة تحسد الفتيات على أختصاصهم باهتمام والدتها دونًا عنها. ام تتصل بسعد! منبع الفساد والسبب الأساسي في خطيئة حياتها وهي تعلم تمام العلم انه لن يمُر اعترافها بسرهم الأكبر مرار الكرام.. وهي أدرى الناس بغدره وسواد قلبه.. اذن بمن تتصل؟ وزوجها حبيس السجن واخواته الفتيات لن يعيرنها اهتمام ولو وجدنها حتى جثة مرمية أمامهم في الطريق سيتخطينها ويعبرن الطريق دون ذرة من ضمير حي منهم نحوها.. لم تدري بشرودها سوى من صيحة الفتاة الممرضة عليها: - ياست أمينة..سرحتي في إيه بس؟ ماتمليني أي رقم تعرفيه وخلصيني بقى. انتبهت فجأة تجيب الفتاة وقد هداها تفكيرها بمن تتصل بها: - طب اتملي الرقم اللي هقولك دلوقتي! ..................... في المسجد الصغير والمحلق بالمشفى الكبير .. كان جالسًا مربعًا اقدامه.. فمه لا يكف عن التمتمة بالأدعية والأذكار والمسبحة العقيق بيده..وكأنه انفصل عن العالم لصالح قضيته الأساسية.. وهي استجابة الخالق لدعواته بشفاء ابن قلبه حسين.. خاطبه شاكر والذي اتعبه ظهره من كثرة الجلوس: - وبعدين يا أدهم ... هانفضل هنا لحد أمتى؟ دي الدنيا ليلت علينا. رفع إليه عيناه المضطربة يرد بكلمات بالكاد تُسمع: - روح انت ياشاكر.. انا مش متعتع من هنا غير لما ربنا يستجيب لدعايا وابني يفتح عنينه. رد شاكر بغير تصديق : - ياابو علاء ماينفعش كلامك ده.. تعالى روح معايا ريح جتتك عشان تقدر تقف في الأيام الجاية . قال بحسم رغم ألمه - مافيش أيام جاية ياشاكر ولا في راحة لجتتي طول ما أبني كدة بين الحيا والموت.. مافيش حاجة هاتريحني غير وانا بقربه وبدعيله مكاني ده.. رد شاكر بأسى: - طيب لو فرضنا عمال المسجد سمحولك تبات هنا.. انت نفسك هاتتحمل نومة الأرض. - مش لو عرفت اغمض عيني من الأساس.. دا لو حصل يبقى زادت عليا نومة الأرض قالها بصوت مبحوح من ثقل ما يشعر به وصورة ابنه في العناية المشددة التي لم يتحملها لا تفارق ذهنه.. انعقد لسان شاكر عن الرد ولم يقوى على الجدال مرة اخرى معه..فالمُصاب اكبر من طاقة الجميع. ..................... ........... وبداخل المشفى كان علاء يتحدث مع سميرة في الهاتف ليطمئن على صحة والدته وبجواره فجر وشروق التي غلبها التعب وغفت على كتف شقيقتها : - يعني هي كويسة دلوقتي ياخالتي؟ وصله الصوت المضطرب: - ان شاء الله تبقى كويسة يابني.. طمن قلبك انت. - طب اديهاني اكلمها - ماينفعش ياحبيبي الدكتور اداها حقنة مهدئة وهي نايمة دلوقتي.. ان شاء الله لما تصحى يارب نسمع خبر حلو عن حسين عشان تقدر تقوم وتيجي بنفسها. - يااااارب ياخالتي يارب - طيب ممكن تديني فجر لو قاعدة جمبك ياحبيبي . - اه ممكن طبعًا.. اتفضلي أهي معاكي. تناولت فجر منه الهاتف وردت عليها: - ايوة ياماما.. ايه الأخبار؟ ردت سميرة بصوتٍ خفيض حتى لا يصل سماعه الى علاء: - الحمد لله يابنتي.. بس الست تعبت قوي معايا النهاردة بعد ما مشيتوا وهي تصرخ وعايزة تروح لابنها لحد أما وقعت من طولها.. ولولا الدكتور عطاها مهدئ.. ربنا العالم مش بعيد كان راحت فيها لاقدر الله . هزت رأسها وهي تجاهد لعدم اظهار تأثرها وحزنها أمامه حتى لا تزيد من همه : - طب انتي اتصرفتي ازاي دلوقتي؟ - والله يابنتي ماعارفة اقولك ايه ؟ عمتك الله يكرمها ساعدت معايا شوية في مراعية الست لكنها فجأة سابتني وخرجت قال في مشوار مهم لناس قرايبها رغم انها ماخدتش بنتها الرغاية معاها! - يعني هاتكون راحت فين يعني؟ هي تعرف حد في البلد غيرنا؟ خرجت منها بهمس قبل ان تجفلها والدتها سائلة : - انتوا مش ناوين ترجعوا بقى دي الساعة داخلة على احداشر ؟ - مش عارفة ياماما دلوقتي اصبري كده شوية. بعد ان انهت المكالمة واعطته الهاتف.. خاطبها هو وقد فهم فحوى كلمات والدتها الاَخيرة: - على فكرة يافجر خالتي عندها حق ..انتوا اتأخرتوا فعلًا ويدوبك بقى تروحوا ماينفعش قاعدتكم هنا لحد دلوقتي. لم تسمع أي حرف من كلماته فقد كانت مأخوذة بهذا الألم المرتسم على وجهه وهو يدعي الثبات أمامها وامام الجميع.. دون ان تنطق ببنت شفاه اجفلته فجأة تتناول كف يده الكبيرة تطبق عليها بكفيها الصغيرتين.. تومئ له بعيناها وصوتها الدافى الحنون: - خليك مطمن انه ان شاء الله هايبقى كويس وهايقوم من تاني على رجليه. رغم دهشته من جرأتها وفعلتها الغير متوقعة.. غمره إحساس الراحة والسعادة المؤقتة رغم صعوبة الموقف . وكأنه بهذا التواصل البسيط بينها وبينه قد ضمن شفاء اخيه ونهوضه مرة أخرى على قدميه ..دون أن يدري اطبقت كفه الحرة على إحدى على كفيها الملتفين حول كف يده الأخرى.. ليرفعهم اليه ويقبلهم الاثنتان.. في تعبيره عن امتنانه لها ولدعمها .. فخرج صوته بصعوبة: - انا مش عارف اشكرك ازاي يافجر.. مجرد احساسي بقربك جمبي في اللحظة دي.. خفف عليا كتير قوي وربنا. التمعت عيناها بدموع تحاول جاهدة لمنع سقوطها أمامه فتفقده صموده حتى الاَن أمامها. - احم احم.. مساء الخير. ارتفعت عيناهم الاثنان نحو عصام الذي تهرب بعيناه عنهم في رسالة واضحة منهم.. أشعرتهم بالحرج وقد استفاقوا اَخيرًا انهم جالسين في ممر المشفى وعرضة للنظرات الفضولية من البشر حولهم .. سحبت فجر كفها فجأة بحرج لم يعترض علاء وقد انشغل فورًا بالسؤال: - ايه الأخبار ياعصام ؟ اخويا عامل دلوقتي؟ رد عصام : - خير ان شاء الله.. بس احنا لازم ننتظر مرور اربعة وعشرين ساعة على ما يفوق تدخلت فجر : - طب هو احنا لازم نصبر اربعة وعشرين ساعة ماينفعش يفوق قبل كدة؟ رد بتمني: - والله ياريت.. بس دي فترة تقريبة عشان بصراحة لو مافاقش بعد كدة ممكن المدة تطول وماحدش فينا يعرف امتى دا هايحصل بالظبط؟.. انا بس بوضحلكم الصورة. تمتمت فجر بالدعاء اما علاء فقد شحب وجهه خوفًا ان يحدث هذا.. استيقظت شروق على اصواتهم ترفع رأسها على قول عصام : - انا مش عايز ازعجكم ياجماعة.. بس انا شايف انكم تروحوا ترتاحوا شوية.. قعدتكم هنا مافيش منها فايدة رد علاء بحمائية: - انا مش متعتع من هنا غير لما اخويا يفوق. - يا حبيبي قعدتك مافيش منها لازمة... قاطعه بحدة: - بقولك مش منقول ياعصام . - ايه مالكم؟ هو انتوا بتتخانقوا ولا إيه ؟ قالها شاكر الذي أتى إليهم .. فكان الرد من عصام الذي تنهد بتعب وهو يضع كفيه بجيبي سترته الطبية: - انا بس بقولهم ان مافيش داعي لقعدتهم كدة وتعبهم.. ويروحوا دلوقتي يرتاحوا شوية.. فيها غلط دي؟ - لا يابني مافيهاش غلط.. الدكتور بيتكلم صح.. قوم معايا ياعلاء يابني مش كفاية والدك اللي مرضاش هو كمان يسيب مكانه في مسجد المستشفى. قالها شاكر بحزم وكان الرد من علاء ببعض اللطف: - معلش ياعم شاكر اتفضل انت وروح البنات معاك.. عشان انا مش هاقدر اروح الليلادي خالص. ردت شروق بانغعال: - وانا كمان مش هاروح وهافضل جمب حسين . رد علاء : - روحي انتي دلوقتي ياشروق وتعالي الصبح.. على الأقل انت هناك هاتاخدي فرصتك كويس عشان تصلي وتدعيلوا من قلبك .. دا اللي محتاجه مننا دلوقتي . اقتنعت بكلمات علاء ونهضت لتذهب مع أبيها شدد شاكر على ذراع علاء قائلًا : - بإذن الله نيجي بكرة وتبلغنا انت بالبشرى ..ربنا يعينك يارب ويقويك. اومأ له علاء برأسهِ.. القى شاكر نظرته نحو ابنته الأخرى التي ودت لو تُعترض على ترك حبيبها وحده الاَن في محنته ولكن منعها الحياء .. فنهضت بصعوبة وعيناها لا تترك عيناه الملاحقة لها حتى ابتعدت. عصام والذي كان مراقبًا بسعادة بداخله استقرار صاحبه وعثورهِ على الحب اخيرًا بعد! استفاق يجلي من رأسه الجرح القديم فقال مخاطبًا صديقه القديم: - انا كمان مش هاسيب المستشفى الليلادي ياعلاء.. لو عوزت اي حاجة مني انا في مكتبي قريب من هنا.. ............................... يابت بطلي هبل واهمدي شوية كدة على ماشوفنا إيه أخرتها . تفوه بها وهو يسير في طرقات المشفى.. وصله صوتها المرتعش في الهاتف: - يعني اصبر لحد امتى بس؟ لما يفوق وبقى ويفضحني قدام أبوه؟ دا كان أدهم يدبحني.. ولا انت مش عارفه؟ - عارفه اكتر منك ياختي.. دي عشرة عمري كله مش سنة جواز زيك. - طيب لما هو كدة عايزني استني تاني ليه؟ دا انا بموت في الدقيقة يجي مية مرة وانا مستنية في اي وقت الاقي ادهم دخل عليا يبلغني ان ابنه فاق وعرف الحقيقة منه. زفر متأفافًا قبل ان يرد: - مش هايلحق يانيرمين.. وخليكي متأكدة من كدة ..عمليه دماغه دي صعبة يعني على ما يقدر يفوق عايز وقت وانا بقى في الوقت ده هاعرف اللحق واتصرف . تكلمت بعد ذلك عدة كلمات لم تصل لذهنه فقد تشتت عقله برؤيتها في الناحية الأخرى تسير مع والدها وشقيقتها نحو الخروج من المشفى ..تنهد بثقل وهو يُمني نفسه بقرب الوصول اليها حينما يتخلص من غريمه.. اجفل على صرخة في أذنه: - روحت فين ياسعد انا بكلمك؟ اخرج من فمهِ سبة قبيحة لها قبل ان يرد عليها من بين اسنانه - وطي صوتك ياهبابة انتي.. ولا انتي عايزة تفضيحينا ؟ قال ماشافهومش وهما بيسرقوا شافوهم وهما بيتخانقوا. - ما انا بصراحة خوفت لما انت مرديتش عليا . - لا ياختي ماتخافيش واطمني.. المهم بقى كنتي بتقولي إيه؟ - كنت بسألك.. معرفتش بقى الزفته امينة راحت فين؟ اخرج سبة اخرى : - بت ال...... دي كأن الأرض انشقت وبلعتها.. وانا هاتجنن عشان اعرف مكانها. .................................. - الف سلامة عليكي ياحبيبتي والنبي دا انا مقدرتش اتحكم في أعصابي من ساعة ما سمعت من البت الممرضة باللي جرالك. اومأت لها بابتسامة باهتة على وجهها الشاحب وهي مستلقية على التخت الطبي والجالسة على طرفه الأخرى: - تشكري ياحبيبتي.. ربنا ما يحرمني منك .. ومعلش يعني ان كنت تقلت عليكي في حساب المستشفى .. ما انا بصراحة مالقتش حد غيرك ابلغه بمصيبتي وباللي جرالي.. ما انتي عارفة اللي بيني وبين والدتي بقى. قالت الاخيرة بخزي اثار اشفاق الأخرى والتي ردت: - عارفة ياامينة من غير ما توضحي.. انا وانتي غلابة زي بعض والدنيا لطمتنا ياما .. الا قوليلي صح.. هي حادثتك دي كانت في ايه بالظبط؟ عربية صدمتك ولا حاجة تانية؟ انكرت على الفور : - لا طبعًا عربية إيه بس؟ دا انا كنت دايخة وانا بنزل سلالام المترو وفجأة ياختي وقعت متخرشمة ماحستش بنفسي الا هنا بعد ما ولاد الحلال جابوني ودفعوا جزء من حساب العملية - اه يا حبيبتي الف سلامة عليكي يارب.. ينعل ابو الفقر اللي بيبهدل فينا كدة.. بس كمان الحوادث دي بتبقى قضاء وقدر من عند ربنا مالهاش دعوة بغني ولا فقير .. زي مثلًا ابن الحاج ادهم المصري.. حسين اللي كتب كتابه امبارح .. النهاردة ياختي نسمع انه عمل حادثة والعربية اتقلبت بيه مع واض غلبان من حارتنا اسمه حودة مسكين ياعيني بيسعى على رزق امه واخواته البنات الصغيرين بعد ما اتوفى ابوه وساب واحدة فيهم كانت يدوب حتة حمرا.. اهو مات هو كمان وسابهم ..ادي حال الدنيا بقى . دون ان تشعر تساقطت دماعتها بأسى على الفتى الصغير الذي رأته بنفسها في أشد اوقات شدتها وكان مع الشاب الاَخر مصدر تهديدٍ لها وذهب في غمضة عين.. انتبهت عليها الأخرى : - امينة.. هو انتي بتعيطي ياختي ؟ يقطعني ياحبيبتي عشان نكدت عليكي وانتي فيكي اللي فيكي. مسحت بابهامها على وجنتيها وسألت: - طب و الشاب التاني يالبنى اخباره ايه بقى؟ - لا ما التاني كمان حالته حالة.. خرج من اؤضة العمليات يدوبك من تلت اربع ساعات كدة .. وبيقولك حالته خطيرة وهو دلوقتي بين ايدين ربنا بس اللي قادر ينجيه.. مصمصت بشفتيها واصدرت بفمها اصوات استهجان وهي تتابع: - لا وايه ياختي مضروبة الدم نيرمين اللي هي مرات ابوه ولا باين عليها خالص.. طبعًا وهي هايهمها في إيه ؟ كانت امه يعني؟ دي تلاقيها فرحانة ان هاتنزاح نمرة من اللي هايشركوها الورث في يغمة الراجل الكبير جوزها. قطبت حاحبيها وهي تتمتم مع نفسها الأسم نيرمين وعقلها تصدر بداخله اشارات الإرتياب والتحذير . اجفلتها لبنى : - انت سرحتي في إيه ياامينة؟ ردت منتبهة: - لا ياحييبتي مش في حاجة مهمة يعني.. بس انتي ماقولتيش جيبتي فلوس المستشفى منين؟ اوعي تكوني بلغتي سعد او حتى والدتك لا تقول له هي كمان؟ - لا ياحبيبتي ماتخافيش انا عملت زي ما نبهتي عليا بالظبط.. ماردتيش ابلغ مخلوق .. وان كان على حساب المستشفى فانا اتصرفت من فلوس جمعية كنت قبضاها قريب.. والحمد لله انها حكومي يعني الدفع فيها حاجة رمزي . - تسلميلي ياغالية ربنا ما يحرمني منك .. انا بس اقوم على رجلي وهاتصرفلك فيهم.. بس وغلاوة النبي عندك ماتبغلي حد بحادثتي حتى امي نفسها .. مش مضمونه. تمتمت الاَخيرة من غير صوت وهي تعنيها تمامًا. ............................. نظر نحوه وهو يتقدم بخطواته اليه قائلًا : - رجعت تاني ليه يابني بس ؟ رد عليه بابتسامة وهي يقترب ليجلس بجواره: - امال يعني عايزني اسيبك لوحدك هنا؟ دا انا حتى ما يجنيش نوم ! رد علاء بتأثر : - ياحبيبي ما انت واقف معايا اليوم كله؟ كان واجب برضوا تريح جتتك شوية وتيجي الصبح. تغيرت ملامح سعد بحمائية مصطنعة : - ليه بقى هو انا غريب ؟ دا حسين دا يبقى اخويا الصغير .. يعني مصابك مصابي ولا ايه رأيك ياعم علاء؟ اومأ برأسه اليه بامتنان قائلًا: - طبعًا ياحبيبي اخوك امال ايه؟ ربنا يقومه بالسلامة يارب عشان يشكرك بنفسه بابتسامة جانيية متهكمة غفل عنها علاء : - لا ياسيدي انا مش عايز شكر انا بس عايزوه يقف على رجليه من تاني . ربت علاء على فخذه والتفت للأمام وهو يتمتم بالدعاء: - يااارب يااارب. تمتم هو الاخر بصوته قبل ان يسأل علاء: - في اخبار جديدة عن صحته او حد طمنك بأي جديد. حرك رأسه بالنفي وكلماته تخرج بصعوبة: - عصام بيقول انه في ظرف اربعة وعشرين ساعة لو مافقش يبقى لاقدر الله حصل الأسوء ودخل في غيبوبة وساعتها يبقى الله اعلم هايقوم منها أمتى ؟ رد متحاملًا على عصام : - ماتكررش الكلام دا ياعلاء..اخوك ان شاء اكيد هايقوم منها .. هو افتكر نفسه دكتور صح دا كمان؟ دلوعة امه اللي ورث مستشفى عالجاهز . التفت اليه علاء محدقًا باندهاش مما اثار ارتباك الاَخر: - بس عصام دكتور بحق ياسعد .. ولا انت نسيت كلام الدكاترة زمايله عن اللي عمله مع حسين؟ قال بتوتر متهربًا بوجهه عن اعين علاء الثاقبة نحوه: - لا طبعًا مانستش.. بس انت قولت بنفسك .. زمايله او بمعنى اصح اللي شغالين عنده.. ومين يشهد للعروسة؟ حينما ظل علاء صمته تابع : - انا قولتلك سابق قبل كدة.. لا يمكن هاسامح البني ادم ده على اللي عمله زمان ولو انت صدقت براءته .. فانا ياحبيبي ماصدقتش.. دا لساتوا بتاع نسوان بدليل نظراته النهاردة ناحية البنات...... -بس ياسعد.. قالها بمقاطعة حادة انهت الحديث بينهم .. ليشيح علاء بوجهه عنه ويستمر على وجومه هذا لفترة استمرت لقرابة الساعتين والاَخر جالس بجواره صامتًا ..يترقب لحظة غفوته .. والتي لم تأتي ولكنه نهض فجأة قائلًا: - انا تعبت من كتر القعدة وعايز اصلي ركتين تهجد لربنا. رد عليه بحماس مستغلَا الفرصة: - طب انزل ياحبيبي على مسجد المستشفى وانا هافضل مكاني مستنيك. ولو في أي جديد هابلغك. اومأ اليه برأسه وقبل ان يتحرك شدد عليه: - ارجوك ياسعد والنبي.. تبلغني على طول حتى لو الخبر تافه. - طبعًا ياحبيبي من عنيا. كاد قلبه ان يرقص فرحًا وهو يتابع ابتعاد علاء حتى اختفى .. تحرك بخطواته يمينُا ويسارُا يتتبع حركة البشر في هذه الساعة المتأخرة من الليل.. حتى اطمئن لهدوء المنطقة التي يريدها.. سار بحرص حتى دلف لغرفة العناية المشددة ينظر بتشفي نحو المستلقي بداخلها على التخت الطبي وهو بين الحياة والموت.. تبسم بزاوية فمه وهو يخرج حقنة من داخل جيب بنطاله .. جهزها حتى امتلئت بالهواء واقترب يبحث عن وريدٍ بجسده متاح حتي يتمكن من ايقاف الدماء عن المخ والقلب وينهي مهمته اَخيرًا بموته .. وجد اخيرًا ساعده الأيمن خالي ويصلح للبحث.. بمجرد ان دنى برأسه تفاجأة بضربة قويه بشئ ثقيل وقوي وقبل ان يتمكن من رفع رأسه بُوغت بأخرى اسقطته ارصًا وقد اظلمت الدنيا بعيناه ولم يشعر بعدها بشئ ! الفصل الثلاثون لقد أقسم ان يكمل المشوار.. اقسم الا يكرر خطئه مرة اخرى بعد ان سهى قليلًا عن مراقبته وفوجئ بعدها بفاجعة الحادث الأليم.. والذي راح ضحيته صديق عمره وبقي حسين وحده بين يدي الله في صراع البقاء.. هو لايعلم الحقيقة كاملة ولكنه يعلم جيدًا بحقيقة هذا الثعبان ذو الواجهة الناعمة من كلمات صديقه الراحل وبما لمسه هو نفسه اثناء مراقبته طوال الأيام السابقة.. قبل ان يغفل عنه لدقائق فقط عند محطة الوقود .. حينما ابتاع بعض الأشياء من محل البقالة الكبير والملحق بالمحطة.. متكلًا على دلوف السائق المرافق له في غرفة المراحيض العامة.. ليخرج بعد ذلك ويفاجأ باختفاء السيارة الكبيرة واختفاءه معها وظل فقط السائق الذي كان يسب ويلعن بأفظع الشتائم .. حتى تحدث في الهاتف وهدئ بعدها وكأن شيئًا لم يكن.. وقتها فقط شعر بالخطر.. هذا الخطر الذي رأه بعد ذلك بعيناه وهذا الثعبان يتسحب بقدميه ناحية غرفة العناية في هذا الوقت المتأخر من الليل ورأسه تدور يمينًا ويسارًا بدليلٍ واضح على سوء نيته.. مما جعله يترك موقعه بوسط الدرج الرخامي والذي جلس يستريح عليه اَخيرًا.. بعد رحلة تهروبه من عمال المشفى بين الطوابق.. سار بخفة خلفه ليتبع خطواته.. ثم توسعت عيناه بجزع وهو يراه من خلف الحاجز الزجاجي وبيده الحقنة التي كان يملؤها بالهواء.. توقف عقله عن التفكير بأي شئ سوى إيقاف هذا المجرم.. ليجد نفسه يتناول سلة القمامة الوحيدة التي وقعت عليها عيناه وقتها.. وعلى اطراف أصابعه سار بداخل الغرفة التي دلفها وبعزم شديد رفعها في الهواء ليضرب بقاعدتها القاسية على خلف رأسه وتبعه بضربة أخرى اقوى من سابقتها ..اسقطته مغشيًا عليه قبل ان يتمكن حتى من رؤيته.. بصق بفمه مخرجُا سبة وقحة قبل ان يقترب من حسين فخاطبه بلهجة حازمة ولوم: - ماتقوم بقى ياعم حسين وفوق عشان ترجع الفيران دي لحجورها من تاني ..قوم بقى وكفاياك ياعم . ثم دون أي كلمة اخرى أخرج سلة المهملات سريعًا ليضعها قرب الباب ثم سحبه من اقدامه ليخرجه منها نهائيًا وتركه بالردهة الصغيرة خلف الغرفة بعد ان تناول الحقنة ووضعها بجيب سترته.. خطا سريعًا عائدًا لمكانه وسط الدرج في انتظار من يأتي . لم يشعر بدخول الهواء داخل صدره سوى بعد ساعة تقريبًا من الزمن بعد أن رأى الفتاة الممرضة وهي تتقدم نحو الغرفة والتي خرجت بعدها بقليل مهرولة بجزع لتأتي ببعض العمال واصداقائها الممرضات . ........................... حينما عاد علاء من صلاته التي وصلها بصلاة الفجر تعجب من مجموعة البشر الملتفة حول شئ معين.. شعر بالخوف يجتاح قلبه وهو يسرع بخطواته حتى وصل اليهم.. ابعد بيده اثنان من الأشخاص وهو يسأل بتوجس: - في إيه؟ إيه اللي حصل؟ تفاجأ بسعد والذي ارتفعت اليه عيناه غريزيًا إليه وإحدى الممرضات تطبب له رأسه وتربطها بالشاش الطبي. سأل علاء بجزع وهو يحدق لهذا الجرح الواضح خلف رأس سعد : - إيه عورك كدة؟ حصلك إيه بالظبط ياسعد ؟ اعوج فمه وهو يطرق برأسه بإحباط بعد فشل مخططه وتكلفت إحدى الممرضات بالإجابة: - الاستاذ صاحبك لقيته مرمي جمب غرفة العناية المركزية بتاعة المريض اللي يخصكم . توسعت عيناه بصدمة وهو يتسائل بعدم استيعاب: - ازاي يعني؟ انا مش فاهم حاجة.. وقعت على دماغك يعني ؟ ما ترد ياسعد . سبقه احد العمال برد متحذلق: - وقع دا إيه؟ دا شكله خد ضربة شديدة على نفوخه من ورا.. ولا انت مش واخد بالك يااستاذ من مكان الإصابة فين؟ حدق علاء بتفحص نحو ما أشار الرجل على رأس سعد في الخلف مكان الإصابة وبأطراف اصابعه حركها قليلًا فصرخ عليه سعد : - اااه ما بالراحة ياعلاء أخي.. انت مش واخد بالك من التعويرة. - معلش ياعم اسف..بس انا كنت بشوف حجم الإصابة. هم ليرد عليه مرة أخرى ببعض الكلمات التي تُظهر حجم ضيقه ولكن احتدت نظراته فجأة نحو هذا الذي أتى اليهم لاهثًا يسأل : - الف سلامة عليك ياسعد.. هو انت اللي حصلك دا حصل أزاي؟ اظلم وجهه وهو ينظر اليه بأعين مشتعلة واشارات الشك برأسه تدور نحوه.. ثم من دون أن ينطق ببنت شفاه نهض يتجاهله وهو يخاطب علاء : - انا رايح الحمام . ذهب على الفور امام نظرات التعجب من الإثنان والصمت الذي قطعه عصام: - انت معرفتش ماله؟ هز علاء راسه نافيًا: - لا معرفش انا واصل حالًا لإني كنت بصلي الفجر في الجامع اللي تحت . - وانا بصراحة عيني غفلت على كنبة المكتب و... لم يكمل جملته وذلك لأنه تفاجأ بأحد ألأشخاص من إداري المشفى يستأذنه: - دكتور عصام لو سمحت ممكن كلمة. استأذن ليذهب للرجل من علاء الذي عاد للجلوس على مقعده من الأمس في انتظار إفاقة شقيقه.. ليضاف إليه ايضًا انتظار سعد ومعرفة ماالذي أصابه؟ .............................. بداخل غرفة المراحيض الخاصة بالمشفى وقف امام المرأة الكبيرة المعلقة بالحائط يغسل بحرص من ماء الصنبور على جانبي وجهه اثار الدماء التى نزلت على رقبته و لوثت قميصه ايضًا.. وحريق مشتعل بداخله مما حدث له منذ قليل وأجهض خطته وما كان ينتوي فعله .. عقله يشير نحو هذا العصام ولكن مع مساحة قليلة من التفكير.. ان كان هو بالفعل فما الذي منعه من كشفه امام علاء بل وفضحه أمام المشفى جميعها أيضًا وهو مديرها وله السلطة بالقبض عليه وتسليمه للشرطة.. إذن فمن هذا الذي فعلها؟ من الذي رأه واكتفى بضربه فوق رأسه؟ فجأة انتابه شعور الخطر الكبير وقد ذهب منه إحساس الأمان بداخله لغير رجعة .. ولابد من التصرف! .......................... حدق بالشاشة امامه لدقائق بأعين متسعة قبل أن يتجه بأنظاره نحو هذا الفتى الصغير.. والواقف بجوار رجال الأمن بثقة وعدم خوف من نتائج مافعله. - ايه ده إيه ده؟ إيه يابني ده؟ جبت الجبروت دا منين عشان تعمل دا كله لوحدك ولا انت معاك شريك؟ أجابه بجرأة: - انا لوحدي و معايش حد ؟ - كمان !! قالها باستهجان قبل أن يخاطب رجال الأمن وجميع الموجودين داخل الغرفة من موظفين بغرفة الكاميرات بالإضافة إلى رئيسهم : - وانتوا بقى كنتوا نايمين ولا إيه ظروفكم بالظبط؟ عشان عيل زي ده يستغفلكم ويبات في المستشفى لا وكمان يجيب لنا مصيبة؟ دافع كبيرهم قائلًا: - يا دكتور عصام الولد زي ما انت شوفت بنفسك..كان بيتهرب من مكان لمكان وجسمه الصغير مساعده..لكن اهو قدرنا بالكاميرات نجيبه ونعرف مكانه. توعدهم بحزم وهو يطرق بقبضته على خشب المكتب المثقل: - ماشي ماشي خلي تبريرك دا لبعدين انت والبقية في التحقيق ان شاء الله . - وهما ذنبهم إيه عشان تجازيهم؟ انا اللي غلطت تبقى تحاسبني أنا . صاح بهى الفتى مما جعل عصام يفقد البقية من أعصابه: - وانت كمان ليك عين ياولد انك تدافع وتتكلم بعد ماعملت مصيبتك لما كنت هاترتكب جريمة قتل بضربك لسعد بالطريقة الغبية دي وفي نص الليل كمان .. ولا انت ماشوفتش شكلك في الكاميرا حالًا وانت بتجره زي القتيل . هتف حانقًا: - امال كنت عايزيني أشوفوه وهو بيحاول يقتل عم حسين بحقنة الهوا واتفرج زي الأهبل بقى واقعد ساكت؟ قطب حاجبيه يسأله بعدم تصديق: - يقتل مين ياولد؟ هو انت بتخرف ولا اتجننت؟ - انا مابخرفش ولا اتجننت وادي الحقنة أهي وشوف بنفسك. قال الأخيرة وهو يضع الحقنة بعنف على المكتب الصغير.. بعد أن اخرجها من سترته .. مما جعل عصام ينظر لها جاحظ العينين لعدة لحظات قبل أن يستدرك نفسه مخاطبا وكيل المشفى: - نعيم اقفل علينا باب الأوضة دي حالًا دلوقتي وانت يابني عايزك تشرحلي كدة وبهدوء انت بتقول إيه بالظبط عشان افهم ................................ في منزل شاكر بداخل غرفتها وبعد أن ادت فرضها بصلاة الفجر استقامت فجر وهي ترفع معها سجادة الصلاة .. وفور ان استدارت اجفلت لوجود سميحة ابنة عمتها واقفة بجوار الباب .. خاطبتها وهي تخلع عنها رداء الصلاة ( الإسدال) : - واقفة عندك ليه؟ ماتدخلي . تحركت بتثاقل لداخل الغرفة لتجلس بجوارها على التخت وهي ترد عليها : - انا بس مستغرباكي يعني.. امتى لحقتي تنامي ؟ وامتى لحقتي تصحي؟ ردت بابتسامة باهتة وهي تشد الغطاء عليها وتستند بظهرها على قائم السرير: - يابنتي انا ملحقتش انام اساسًا عشان اصحى؟ دا احنا على ما وصلنا امبارح بالليل واطمنا على خالتي زهيرة كانت الساعة واحدة وعلى مادخلنا البيت وصلينا انا وشروق كانت الساعة مقربة على تلاتة.. بعدها بقى حطيت راسي عشان اعرف انام معرفتش أبدًا أو يمكن أكون غفلت نص ساعة وماحسيتش بيها.. المهم اني قومت بدري ذي ما انتي شايفة كدة وصليت الفجر .. انتي بقى ايه اللي مصاحيكي بدري ؟ لوت شفتيها وهزت كتيفيها تقول: - مش عارفة والنبي يابنت خالي.. ولا يمكن عشان نمت بدري امبارح لما لقيت البيت هس هس ومافيش حد غيري عشان اكلمه وابراهيم اخوكي قاعد على شاشة الكمبيوتر بتاعه في أؤضته.. قال وانا اللي قولت اني هاخد السبوع هنا معاكم رغي طول الليل والنهار .. قوم تيجي الحادثة المنيلة دي.. عشان تعرفي بس اني حظي الزفت مرافقني على طول .. حتى هنا. ردت عليها فجر برقة: - ليه بتقولي كدة بس يابنتي ؟ ادعي انتي ربنا يعديها على خير وبعدها نرغي ونحكي معاكي للصبح.. بس انتي مقولتليش يعني..هي والدتك مباتتش معاكي امبارح ليه؟. - لا ياستي .. ماهي باتت مع عمتي سميرة عند الست،حماتك العيانة.. ربنا ياخد بإيدها يارب.. دي هي نفسها رجعت متأخر كمان يدوبك قبلكم بساعة. قطبت بحيرة: - قبلنا بساعة؟! ليه يعني واليوم كله امبارح قضته فين بقى؟ تنهدت بيأس قائلة: - مقالتش يافجر ولو سالتها هاتقولي أي كلام .. امي اساسًا اتغيرت من ساعة اختي ما اتوفت زيها زي ابويا .. بس على الاقل هي بتتعامل كويس معانا غيرش بس لما تفتكر اختي وتدخل اؤضتها وتقعد فيها بالساعات وماحدش فينا يقدر يقرب ولا يخبط عليها.. اما ابويا بقى فدا في ملكوت تاني .. دايمًا سرحان وضحكته مطفية .. حتى في عز فرحته بيا.. اخواتي الصبيان بيحبوا بعض عشان فاهمين بعض وانا بحس اني غريبة وسطيهم.. اصلها حلوة اوي لما تبقي اختك هي صاحبتك.. ياما كان نفسي يبقالي اخت اكبر ولا اصغر مني احكي واتحاكى معاها زيك انتي وشروق كدة.. على قد ما هي زي القطة النفرية لكن تتحب من اول قعدة.. ارتسم الحزن جليًا على ملامح وجهها اشفاقًا على ابنة عمتها الصغيرة التي حُرمت من شقيقتها الكبرى والتي كانت لها هي قديمًا خير صديقة.. ربتت على ذراعها وقالت بحنان: - انا صاحبتك واختك وحبيبتك ياستي.. مبسوطة بقى؟ تبسمت لها سميحة وهمت ان ترد ولكن استوقفها نداء شاكر من خارج الغرفة: - يافجر انتي و سميحة انا سامع صوتكم.. و مدام صاحين يابنات اطلعوا ياللا حضروا الفطار عشان اللحق مشوار المستشفى . ................. ................... لماذا لم يفكر فيه سابقًا ؟ لماذا غفل عنه كل هذه السنوات في خضم بحثه عن الحقيقة.. متناسيًا بكل غباء الوجه الاَخر لسعد الذي رأه هو فقط في عدة مواقف صغيرة اثناء دراستهم بالجامعة.. والتي كان يستغل فيها بكل حنكة ومسكنة طيبة علاء وعاطفة الحماية نحوه.. كيف تمكن عقله الغبي من نسيان نظراته المكشوفة نحو فاتن حبيبة صديقه؟ كيف صدقه حينما أنكر معرفته بأمينة الطرف الاَخر في الجريمة وهو من أتى بها؟ كيف غفل عن المستفيد الوحيد للتفرقة بينه وبين علاء وبين علاء وحبيبته السابقة فاتن؟! - سرحت في إيه ياسعادة الدكتور؟ استفاق من شروده ينظر بأعين شاردة نحو هذا الفتى الصغير الذي تمكن بشجاعته من كشف الستار اَخيرًا عن اللغز الذي أرق مضجعه لسنوات طوال .. مسح بأطراف اصابعه على ذقنه بتوتر وقال: - بقولك إيه يااامازن ..مستعد انت بقى تشهد بالكلام ده قدام علاء أو الحج ادهم المصري؟ - واشهد قدام المحكمة كمان لو حصل.. لهو انا جبان عشان اضيع حق اصحابي؟ اومأ برأسه له قبل ان ينتقل لوكيل المشفى المتبقي الوحيد معهم في الغرفة بعد أن اخرج جميع الموظفين: - اسمعني يانعيم عايزك تراجع الكاميرات وتنبه على العمال ينتبهوا قوي على غرفة حسين في الايام اللي جاية وتاخد بالك من مازن وتجيبلوا فطار وتشوفله مكان يريح فيه و... - انا مش هافضل هنا انا عايز اخرج عشان اخد بالي من عم حسين . قالها مقاطعًا لعصام الذي هتف عليه حانقًا : - بس بقى يابني وافهم ان المهمة دلوقتي بقت على المستشفى كلها. فتح مازن فمه ليجادله مرة اخرى ولكن أوقفه طرق الباب وأحد الأطباء يهتف من الخارج - يادكتور عصام حالة المريض بتاع حادثة امبارح الاستاذ حسين فاق من البنج ! ............................... في شقة علاء التي اقتحمتها شروق هاتفة بصوتها العالي : - خالتي زهيرة ياخالتي .. انتي فين ياخالتي زهيرة ؟ خرجت سميرة مجفلة من المطبخ وبيدها كوب زجاجي ممتلئ بإحدى المشروبات الساخنة : - مالك يابت بتزعقي كدة ليه ؟ ردت شروق بلهفة وهي تتجه نحو غرفة نوم المرأة وخلفها فجر ايضًا: - حسين فاق ياماما حسين فاق . حينما فُتح الباب فجأة وجدوا زهيرة واقفة بوسط الغرفة وهي مستندة بجسدها الضعيف على ذراعي عمتهم فوزية.. متسمرة بوجه رخامي وكأن سماعها للخبر من خارج الغرفة اصابها بالتخشب.. كررت شروق على مسامعها بهدوء : - حسين فاق ياخالتي زهيرة وان شاء الله هايبقى كويس . هطلت دماعتها بغير تصديق وهي تنقل عيناها نحو فجر تلمتمس الصدق منها ..فرددت هي أيضًا بتأكيد : - صدقيها ياخالتي زهيرة .. علاء اتصل بينا دلوقتي حالًا وبشرنا وقال لنا نيجي كمان نبشرك عشان مستنيكي تيجي مع والدتي على هناك.. هاتقدري تيجي تروحي تشوفيه ياخالتي ؟ لم تستطع النطق سوى انها فتحت ذراعيها لتستقبلهم بعناقها ودموع الفرح انطلقت منها بشهقات ومنهن أيضًا داخل أحضانها .. مسحت فوزية بإبهامها الدمعات التي سقطت متأثرة ببكائهن أما سميرة القوية دائمًا فكانت تكرر بكلمات الحمد مترافقة ايضًا بسقوط دموعٍ عزيزة قلما تخرج منها. ............................... قبله فوق رأسه الجريحة وواحدة أخرى فوق جبينه استمرت للحظات قبل ان يقبل كفه ايضًا وصوته الأجش خارج بصعوبة من فرط مشاعره نحو ابن قلبه الذي نجا واستفاق اخيرًا : - حمد الله على سلامتك ياحبيبي.. الف الف حمد الله على سلامتك . اومأ له بعيناه ورد بصوت بالكاد خارج منه: - الله يسلمك ياوالدي . ردد خلفه بصوت خرج بارتعاش: - ياحبيبي.. وحشني صوتك قوي يانور عيني ربنا مايحرمني منك يارب . صدر صوت عصام من خلفه : - كفاية بقى ياعم أدهم عشان مانتعبوش اكتر من كدة. رفع رأسه يرد عليه : - يعني ما ينفعش افضل دقيقتين كمان معاه؟ جاء الرد من علاء والذي كان واقف من البداية متكتفًا باستمتاع وهو يراقب ادهم المصري الرجل المهيب والمشهور بقوته.. وهو الاَن في اضعف حالاته بجوار شقيقه الذي استفاق اخيرًا بمعجزة: - ماخلاص بقا ياوالدي مش عايزين نبقى طماعين كفاية اننا اطمنا عليه . تحرك ادهم مضطرًا يقبل كف ابنه مرة أخرى قبل ان يبتعد عنه: - عندكم حق انا مش عايز ابقى طماع و كفاية عليا انه فاق للدنيا والباقي بعد كدة يجي بالصبر .. الف حمد ليك يارب..الف حمد. نظر علاء نحو أخيه قبل أن يخرج معهم فهمس اليه باسم حودة ..اومأ له بتوتر يرجوا الا يكشف كذبته: - كويس ياخويا اطمن.. كويس ان شاء الله . هم ليتهرب ولكنه همس بإسمها هذه المرة فأشرق وجه علاء ليطمئنه بابتسامة اعادت الدماء الى وجهه: - اتصلت بيها ياعم وزمانها جاية في السكة مع فجر وابوها .. دي فرحتها بسلامتك ماتتوصفش ......................... بعد ان خرج الثلاثة من غرفته تنهد علاء ارتياحًا ومعه والده الذي لم يكف لسانه عن الحمد .. أجفلهم عصام قائلًا: - طب ياجماعة انا كنت عايزكم تيجوا معايا على مكتبي في موضوع مهم . تكلم ادهم بقلق: - اوعى يكون في حاجة خطر على حسين . اسرع نافيًا : - لا ياعم أدهم .. حسين ماشاء الله وضعه لحد الاَن كويس اوي.. بس انا كنت عايزكم في حاجة تانية خالص. - حاجة إيه يعني؟ قالها علاء بعدم تركيز فقد انشغل برؤية حبيبته التي كانت خارجة من المصعد فهرولت اليه بفرحة استقبلها معانقًا إياها حتى ارتفعت اقدامها عن الارض .. خرج صوتها بتلجلج وارتباك لعدم توقعها فعلته هذه امام الجميع: - الف...الف ..حمد على سلامة حسين . انزلها مضطرًا باستحياء حينما رأى هذه النظرة الحازمة من ابيها والذي ردد من تحت اسنانه : - حمد على سلامة حسين ياعم علاء . ضحك أدهم يشاكسه والتفت هو لحبيبته التي زحف اللون الاحمر على وجنتيها وهي مطرقة عيناها للأرض بخجل فزجرتها شروق كالعادة تدفعها: - ودا وقته ده؟ انا عايزة اشوف خطيبي . عض على أسفل شفته غيظًا وهو يكور قبضته نحوها مما اثار ضحكة عالية لأدهم فخاطبها مابين ضحكاته: قدمي لقدام شوية يابنتي مع والدك وفجر واسبقوانا.. واحنا دقيقتين كدة وراجعين لكم . تحرك شاكر ومعه ابنتيه نحو غرفة حسين .. وتحرك الثلاثة في رواق المشفى في اتجاه غرفة مكتب عصام الذي لم يكن منتبهًا لكل أجواء البهجة والمرح من حوله.. وسألهم : - امال سعد راح فين يا علاء؟ اصل يعني مش شايفه . هز بكتفيه يرد بعدم معرفة: - معرفش .. فجأة اختفى في وسط المعمعة اللي حصلت لما الدكتور بشرنا بفوقان حسين . تمتم عصام بداخله عليه بسبة وقحة وهو يتوعده: - ماشي ياسعد ال..... حسابك جاي جاي.. هاتروح فين يعني؟ رواية عينيكي وطني وعنواني. بقلم أمل نصر.