المطارد بقلم امل نصر ج3

وفي المقعد الخلفي يوجد ندى التي كانت ما زالت على صدمتها تبكي بحرقة داخل حضن شقيقتها ، غير انها استفاقت اكثر واستطاعت تحريك جسدها قليلًا عن الأول ، يمنى كانت تربت على ظهرها وتلمس على شعرها بحنان ، لتبث داخلها الأطمئنان :
– خلاص بقى اهدى كدة مدام ربنا ستر .
– مش قادرة، كل مل افتكر اني كنت هاضيع في لحظة و…….
ازدادت شهقاتها وشقيقتها لا تمل من تهدئتها والربت على ظهرها بحنان، حتى هدأت قليلًا لتنزع نفسها من حضن يمنى وتسألهم :
– لكن انتوا عرفتوا ازاي ؟ مين اللي قالكم ؟
– اسألي صالح هو اللي عنده كل المعلومات ، انا عرفت على اَخر لحظة .
قالت يمنى فرد صالح من جهته :
– انا عيني ماتشالش من على حد فيكم من ساعة ما طلعت من بيتكم ، وخصوصًا انت يا ندى ؛ عشان انا قلقت عليكي من ساعة ماسمعتك وانت بتكلمي الواد ده في الجنينة ، وبعد ما سمعت الكلام اللي قالوا لوالدك ، عرفت إنه فيه شئ مش مظبوط .
تطلعت اليها يمنى، تتمعن بالنظر اليها جيدًا وهي تسألها :
– هو انتِ كنتِ ماشية مع الواد ده صح ؟
اطرقت برأسها ندى واجأبت بخزي :
– والله ماكانت علاقة بالمعنى المعروف ، انا فتحلته سكة للكلام معايا ، عشان اثبتلي انه عايزني في الحلال ، يعني مش بيتسلى بيا ولا بيضحك عليا ، هو بس تصرفاته كانت غريبة وخلتني اشك فيه في الاَخر .
اومأ لها صالح وهو ينظر اليهل في المراَة قائلًا :
– مش معنى انه عايزك في الحلال يبقى انسان ملاك ، كرم دا انا سألت عنه وعرفت بمشاكله النفسية مع والده ووالدته التي رمته واتجوزت وسابت البلد ، مش ماتت زي ماهو كان مفهمك ، الواد ده سبق له دخول المصحة برضوا لما اتسبب لخطيبته بعاهة مستديمة لما فسخت خطوبتها معاه .
شهقت ندى بفزع امام يمنى التي وقع قلبها من الخوف :
– يانهار اسود ، يعني ممكن انا كمان بعملي عاهة مستديمة ، يالهوي عليكي يا ندى ، دا انا الموت عندي اهون .
– اهدي اهدي ،
اردف حازمًا وأكمل :
– انا عملت اتصالاتي وهو خلاص مش هايشوف الشارع تاني ، دا غير اني هابعده عن الصعيد نهائي ، عشان تبقي برضوا مطمنة .
رددت يمنى بارتياح :
– الف شكر ليك ياصالح ، اقسم بالله ماعارفة اوفي جميلك ده ازاي،
ضحك بمرح مرددًا لها في المراَة وهو يدير محرك السيارة :
– هههه تتجوزيني .
تبسمت يمنى بخجل فخاطبته ندى بقلق :
– طب انا كنت عايزة اطلب منك طلب ..
قاطعها مردفًا :
– عارفوا ومش محتاج تنبيه ، ابوكِ ولا والدتك ولا حتى عيد خطيبك أو سمر اختك الصغيرة ، ماحدش هايحس ولا يعرف بشئ ، خلاص دي صفحة وانقفلت ، ماشي يا ندى ؟
اومأت له برأسها ببعض الارتياح فاتجه هو نحو شقيقته يضم كفها الصغيرة بداخل كفه الكبرى ، ليطمئنها ويشاكسها :
– وانتِ ياوردتي ، ايه ياقمر؟ ليكون عقلك سرح من تاني ، لا والنبي دا انا مصدقت .
رفعت بيدها كفهِ اليها تقبلها وترد :
– لا ياحبيبي اطمن وشيل من على ضهرك حملي ، انا خلاص والحمد لله ، بقاوم ضعفي ومرضي بنفسي ، يعني مش هاسمح لشئ يرجعني للخلف من تاني .
– ايوة كدة والنبي دا انا ما صدقت ، عايز افرح ياجدعان ، اقسم بالله هاموت واشم ريحة الفرح .
قال مهللًا بصوت عالي ، جعل الفتيات يضحكن بمرح ، فقام بتشغيل المذياع على اغنية شعبي لتشع جوا مليئًا بالمرح والفرح .
– النهاردة فرحي ياجدعان ، عايز كله يبقى تمام
………………………
حينما عادوا الى البلدة بالسيارة الفارهة التي جذبت انظار الجميع في البلدة الفقيرة ، تفاجأت الفتيات بتغير وجهة السيارة التي سارت نحو طريق اًخر .
في البداية تسائلت يمنى بحرج :
– صالح ، مش ده الطريق اللي مودي على بيتنا.
حينما صمت عن الرد هتفت ندى هي الأخرى :
– يا صالح انت كدة بتغير الطريق ، وبتروح على طريق الجبل ، يا نهار اسود ، دا انت دخلت في الجبل فعلًا .
مع ازياد القلق بينهم وصمت صالح المريب ، التفت اليهم وردة بجذعها قائلة بفكاهة :
– اصل احنا ناوين ناخدكم ونتاويكم هنا في قلب الجبل .
مع نبرتها الغريبة صمتن الفتيات بدهشة والتزمن أمكنتهم في انتظار التوضيح ، حتى ظهرت النتيحة حينما تباطئت السيارة والمرور داخل منطقة خضراء امتدت على طول الطريق ، قطبت يمنى متسائلة :
– ايه الزرع ده ؟هو احنا فين بالظبط ؟.
التف اليها بنظرة سريعة يرى رد فعلها ثم أكمل طريقه ، حتى توقف امام منزل جميل في وسط الخضرة ، تحاوطه الزهور من كل الجهات ، صعقت الفتيات حينما رأين والدبهما ويونس وسمر والصغير محمد ، امام المنزل .
توسعت عيناها يمنى بدهشة وشقيقتها تهتف بمرح :
– انتوا عملتوا ايه يامجانين ؟
توقف بسيارته فجأة فترجلت الفتيات سريعًا نحو والديهم يتسائلن :
– في ايه ؟ ودي ارض مين بالظبط اللي انتوا قاعدين فيها ؟
اجابهم سالم بفخر :
– احنا في ارضنا يا بت ،يعني مش ارض حد غريب .
– ازاي يعني ؟ وكيف يابوي ؟
– ياختي ازاي دي احنا منعرفهاش ، لو عايزة تعرفي اسأليه هو وراكي .
قالتها نجية وحينما التفت اليه يمنى وجدته يبتسم لها بآشراق فقال مشاكسًا :
– تسألني ازاي بقى ؟ دي نستني اساسًا وسط الجمال ده .
استدركت بذكائها تسأله :
– معقولة انت اللي عامل كل ده ؟ طب ازاي ؟
– تعالي وانا افهمك ازاي .
قال لها وهو يشير بيده اليها ، فنظرت لوالدها باستفسار ، اومأ برأسه لها موافقًا ، فتحركت تضع كفها الصغير داخل كفه ليسحبها ويبتعد عنهم.



