المطارد بقلم امل نصر ج3

– عشان انا قولتلك من الأول وانت مصدقتنيش .
قالت علية وهي واقفة معه في احدى زوايا الشارع ، فتابعت وهي تتمعن بوجهه المظلم أمامها :
– من ساعة ماحطت السلسلة في ايدي وقالتلي رجعيها لكرم ، وانا قلبي حس من وقتها ، فاكر قولتلك ايه ساعتها ؟
اجابها بجمود وهو يتلاعب بالسلسال :
– قولتيلي انها اكيد بتفكر في واحد غيرك ، وانا بغبائي مصدقتش ، حتى لما حظرتني ومنعت تقابلني ، برضوا كنت بكدب نفسي واقول ان ابوها هو اللي ضاغط عليها .
قالت متصنعة الأسى عليه :
– انت صعبان عليا ياكرم ، في الاول كانت بتضحك البنات عليك على هيامك بيها ، وبعد قعدت تتسلي بيك ، ولما لقت غيرك رمتك من طول دراعها ، ولا اكنها كانت تعرفك ، طب بزمتك هي بتديك فرصة حتى تكلمها ؟
نفى برأسها مرددًا :
– لا طبعاً ، دي بتدخل المدرسة ومابتطلعش منها غير وقت الأنصراف وهي متحاوطة بكذا بنت ، تعدي عليا ولا اكنها شافتني .
تابعت في بث فحيحها :
– ناصحة يابني وعارفة بتعمل ايه كويس ، ياريت بس دا يبقى درس ليك عشان تعرف اللي بيحبك على حق وبين اللي بيتسلى بيك .
اومأ برأسه لها ثم سألها :
– انتِ متعرفيش هي اتخطبت لمين ؟
اجابته على الفور :
– عرفت انها اتخطبت لابن عمتها وهاتتجوز في اسوان .
………………………..

في وقت لاحق
كانت تلملم ادواتها الدراسية داخل الحقيبة ، بعد انتهاء َاخر اختبارتها، وسط الجلبة التي يفعلنها الفتيات حولها تهليلًا بمرح على انتهاء السنة الدراسية ، وهي تشاركهم بسعادة :
– ايه ياندى ؟ مبسوطة انتِ طبعُا عشان هاتخلصي وماتجيش المدرسة تاني .
قالت رضوى صديقتها بمشاكسة فردت ندى بدون تحفظ :
– طبعًا يا حبيبتي وماتبسطتش ليه ، وانا هاقلع البدلة الزفت دي والبس بقى واتأنتك براحتي في البس الموضة ولا ازكر في مزاكرة تاني ولا زفت .
– لا وهاتتجوزي .
اكملت رضوى بمكر فردت ندى بمرح :
– ايوة يااختي هاتجوز ودي حاجة عيب مثلًا ، ولا انتِ مش هاتتجوزي ياقطة ، قولي يعني لو مش هاتعمليها .
– ياختي هاتجوز خلاص ، دا انت بقيتي حقنة .
قالت رضوى بضحك فهمت ندى ترد ولكنها تفاجأت بدوي هاتفها بهذا الرقم الغريب مرة اخرى ، فتجاهلته كالعادة منذ ان افترقت عن كرم وحظرت رقمه وهي تتجنب التحدث لكل الأرقام الغريبة ، احتياطًا وحذر، ولكن هذه المرة تبع الاتصال برسالة الى هاتفها ، فتحت لترى فحواها بفضول ، فتوسعت عيناها بفزع وهي تكتم شهقة امام صديقتها من هول ما رأته ، من قراءة الكلمات عرفت بهويته التي اثبتها برسالة ، كي تنفذ مطلبه ؟!
…………………………..
وعند يمنى التي كانت تخلع عنها ملابس العمل بغرفتها التبديل الخاصة بالممرضات انتبهت على اصوات الجلبة في الخارج ، التي تتحدث عن زيارة مهمة لأحد الاشخاص بالمشفى ، قبل ان تدلف اليها صديقتها صفاء تخبرها :
– شوفتي يا يمنى مين جاي يتبرع للمعهد النهاردة والمدير والدكاترة عامليلوا قلبان ؟
مطت شفتيها ترد بعدم اهتمام وهي ترتدي سترتها :
– سمعت ياستي ، بيقولوا واحد غني قوي جاي يتبرع للمستشفى عادي يعني وبتحصل كل يوم .
– لا ياحبيبتي مش عادي ولا بيحصل كل يوم ، ماهو انتِ ماتعرفيش من هو الضيف .
قطبت يمنى على حديث صديقتها المبهم فسألتها :
– ليه بقى ؟ مين هو الضيف؟
– تعالي شوفي بنفسك وانتِ تعرفي .
قالت صفاء وهي تجذبها من ذراعها تسحبها لخارج الغرفة ، فسألتها يمنى باستفسار :
– يابنتي طب فهميني الأول ، بدل ما انتِ جراني كدة زي البهيمة.
– ياحبيتي بعد الشر عليكِ ما تبقي بهيمة ، انتِ بس اصبري وهاتفهمي لوحدك .
قالت صفاء وهي تستمر بسحبها رغم اعتراضها ، حتى توقفت بها امام احدى قاعة ضخمة للإجتماعات ، كان يقف بها المدير وصف من الاطباء مع مجموعة مهمة من الرجال وفي الوسط …..
توسعت عيناها وتلاحقت انفاسها مع التسارع الشديد لنبض قلبها ، لقد علمته رغم التغير الشامل لهيئته ، وهو يرتدي حلة باللون الكحلي القاتم ، وفوق اكتافه العريضة عباءة بنية زادته هيبة ، بشرته الخمرية ازدادت توهجًا ورُقيًا ؛ وكأنه لم يقضي يومًا واحد بالسجن او طريدًا بالجبل ، يقف بينهم ومدير مشفاها يشرح له باستفاضة عن احد الامور الخاصة بالمشفى ، انتابتها الحسرة وهي تشعر بالتقزم بفقرها وتواضع مستواها امامه ، لم تقوى على الصمود اكثر من ذلك ، ارتدت اقدامها للخلف وخرجت مسرعة دون اخبار صديقتها التي هرولت خلفها مندهشة ، حتى دلفت خلفها من الباب الجانبي الذي تراصت امامه السيارات ، توقفت يمنى بجوار احدى السيارات تطلق العنان لدموعها اخيرًا ، وشهقت تبكي بحرقة ، ربتت على ظهرها صفاء مهونة :
– يا بنتي مالك ؟ ايه اللي جرالك بس ؟ وليه البكا ؟
اخذت نفسها قليلًا قبل ان تجيبها :
– شوفته وقلبي وجعني يا صفاء ، الفرق بيني ومابينه فرق السما والأرض ، انا ماليش حق اني افكر فيه اصلًا .
– ماتقوليش كدة يايمنى ، انت تعرفي ربنا كاتب ايه .
قالت صفاء بتأثر على حال صديقتها ، ردت يمنى بتصميم :
– لأ لازم اقول وافوق نفسي ، امي كانت عندها حق .
– كان عندها حق في ايه ؟
سمعتها بالصوت الأجش وانتفضت ترفع رأسها نحوه ، فوجدته حل محل صديقتها وكفه على ظهرها ، انتفضت تبتعد عنه وقالت بجزع :
– انت ايه اللي جابك ؟
– جايلك انتِ ياقلب صالح .
اردف بها ، فقالت هي بعدم تصديق :
– بلاش كلامك دا لو سمحت ، ماينفعش .
– هو ايه اللي مينفعش ؟
سألها بابتسامة ساحرة فردت هي بارتباك :
– أهو ماينفعش وخلاص ، هو انت مش شايف نفسك .
ازداد اتساع ابتسامته وهو يقترب وهي ترتد حتى التصقت ظهرها بالسيارة التي خلفها ، مال برقبته نحوها يردف :
– انا شايفك انتِ ودا كفاية عليا .
ردت بنبرة عاتبة :
– بس انت مسألتش عليا ولو مرة واحدة طول الشهور اللي فاتت .
– هما شهرين بس على فكرة وعليهم ٧ ايام زيادة عشان يبقى الحساب مظبوط ، بس عشان تعرفي يعني ، ما فيش يوم عدى عليا فيهم من غير مااشوفك ولا اعرف فيهم اخبارك اول باول .
ازداد اتساع عينيها وهي تحدق به فتابع :
– يمكن ماتصدقنيش ، بس انا كنت قاصد يايمنى ان اقسى عليكِ وعلى نفسي ، لحد اما ادبر اموري كلها ، بحيث لما ارجع اشوفك تشوفي صالح القديم ، مش المجرم والمطارد .
– بس انت بقيت حاجة كبيرة قوي ، انا حتى ماجرأش حتى ان احلم بيك .
– لا ما هو ماعدتش في حلم خلاص ، كل اللي جاي هايبقى حقيقة .
سألته عن مغزي كلماته :
– يعني ايه ؟
– يعني تتحركي ياحلوة على عربيتي عشان اروحك معايا وتفهمي من ابوكي بنفسك .
قال وهو يتحرك ممسكًا بكفها ، فرددت بعدم استيعاب :
– يعني ايه برضوا؟ انا مش فاهمة حاجة :
– ماتردي عليها انتِ ياصفاء وفهميها .
قال مخاطبًا صديقتها فردت الأخرى بضحكة من القلب :
– يابنتي ما يبقاش مخك ضلم ، بيقولك انه كلم ابوكي ، محتاجة تفسير اكتر من كدة ايه عشان تفهمي ؟
تبسمت بخجل وقد وصلها مقصد صديقتها فنظر هو اليها بحنان ، ولكنها استدركت نفسها تحاول نزع يدها عنه بارتباك :
– صح ازاي انت واخدني من ايدي كدة ، انا ماينفعش اركب معاك وحدينا .
– ومين قال بس ان انتوا لوحديكم ؟ وانا روحت فين بس ؟
التفت يمنى لمصدر الصوت فوجداتها امامها بجمالها الخلاب ، ضحكت تردد بعدم تصديق :
– وردة ! انت كنتِ فين وظهرت امتى ؟
– والله انا هنا ياحبيبتي من اول الفيلم ، بس انتِ ياروحي هاتاخدي بالك ازاي بس ؟
نظرت اليها يمنى مبتسمة بامتنان فاقتربت منها وردة تعانقها بحب مرددة :
– انا هاروح معاكي بنفسي لحد والدك عشان تعرفي وتصدقي ان صالح خطبك منه من قبل حتى ما يطلع من بيتكم .
– معقولة !
اردفت بها بذهول فردد وهو يدفع الاثنتان لداخل السيارة :
– والله ياستي معقولة ونص كمان ، يالا بقى عشان الراجل مستنينا .
بداخل السيارة حركت رأسها لا تصدق انها لا تحلم وهي مازالت لا تستوعب ما يحدث ، من خارج النافذة لوحت لها صديقتها بكفها بمرح ، عادت بأنظارها للداخل اصطدمت بعيناه الجميلة بالمرأة الأمامية وهو يدير محرك السيارة ويخاطبها :
– تحبي نشغل حاجة واحنا ماشين ؟.
سبقتها وردة في الرد :
– شغل أي اغنية عالية ياصالح ، يمكن تفوق .
– لا بقى انا هاشغل اغنية رقيقة زيها ، وتفوق براحتها عليها .
قال صالح قبل ان يدير بمذياع السيارة اغنية لإليسا وسعد مجرد ” من اول دقيقة” فاندمجت يمنى مع صالح مع كلمات العشق المعبرة عما بداخل الاغنية .
………………………..
وعودة لندى التي خرجت مهرولة لخلف المدرسة فوجدته مستندًا بجسده على جزع الشجرة ينظر لها باسترخاء، هدرت :
– ايه اللي انت باعتهولي عالتليفون ده ؟ انت اتجننت .
تحركت بخطواته نحوها قائلًا ببرود :
– يعني لازم ابعتلك الصور عشان تحسي على دمك وتيجي ، صنف ما يجيش غير بالعين الحمرا .
– تفبرك صورتي على حريم عريانة عشان اجيلك غصب ، ياواطي ياقليل الأصل .
قالت وهي تدفعه بقبضتها على صدره ، فتلقفها يقبض عليها بكفه الغليظة مرددًا بفحيح :
– الفضيحة دي اقل حاجة تتعمل مع واحد خانت حبيبها وراحت لواحد غيره ياخاينة
هتفت وهي تحاول نزع يدها من كفه :
– حبيبي مين يامجنون ؟ انا لا حبيتك ولا زفت ، دا كان هبل وعبط مني لما كنت فاكراك بني ادم وبعقلك ، مش مجنون وعايز يلبسني حبه بالعافية ، اوعى كدة سيبني يامجنون .
كلماتها الغاضبة كانت تنزل على ذهنه المشتت وكأنها تصب الزيت على النار فتزيده غضبًا وجنونًا :
– بقى انا مجنون انا ياندى ؟ انا مجنون؟ انا ها خليكي تشوفي المجنون ده هايعمل ايه ؟
قال جملته وقبل ان تستوعب ، وجدته بكفه الحرة منديل ابيض كتم بها انفاسها برائحة غريبة حاولت المقاومة ولكن الرائحة القوية جعلتها تفقد الوعي ولم تشعر به وهو يرفعها على كتف ظهره يدخلها داخل سيارته في المنطقة الخالية دون ان يشعر به احد….
……………………………….

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *