المطارد بقلم امل نصر ج3

وبداخل العيادة في الردهة الفسيحة الخاصة للإنتظار ، سألت ثريا الفتاة الممرضة وهي جالسة بجوار وردة والخادمة سيدة في انتظار دورهم :
– لو سمحتي هو احنا دورنا في الكشف مطول ولا أيه ؟
– لسة في كشف واستشارة قبلكم ياهانم .
قالت الفتاة وهي تجيبها فتدخلت رويدا التي كانت تراقب من قريب .
– لو المريضة تعبانة هاتيها تستريح جوا في اوضة الاستراحة ياهانم ، اصل الدكتور قدامه ساعتين على مايخلص ، ما انتوا الجلسة العلاجية بتاخد في ايده وقت .
سمعت ثريا واقتربت برأسها نحو وردة تهمس لها :
– انت تعبانة ياوردة تروحي معاها في الاستراحة ؟ ولا هاتقدري تنتظري معانا هنا دورك ؟
رمقتها وردة بنظرة غير مبالية كعادتها فردت ثريا :
– خلاص لما تتعب هانبقى نقولك .
عادت رويدا للخلف نحو الحائط التي كانت مستندة عليه من البداية ، وارسلت نظرة ذات مغزى نحو من تراقب خلف الباب في غرفة الاستراحة ، استمر الانتظار لمدة تعدت النصف ساعة ووردة مازالت على جلستها ، وثريا تلعب بهاتفها بغير انتباه والخادمة سيدة تتطلع هي الأخرى للفرصة حتى اصاب الجميع الاحباط، وبحركة جريئة من يمنى، خرجت فجأة من الغرفة بصورة طبيعية اجفلت رويدا صديقتها وعمها يونس الذي تتبعها بدهشة وهي تقترب من وردة ومعها ثريا حتى اذا و
صلت اليهم ، م
تكعبلت قدميها في السجادة بتصنع حتى كادت ان تسقط على وردة لولا انها تماسكت ، ولكن سقط من يدها علبة العصير على فستان وردة .
– يانهار اسود ، انا اسفة ، اسفة جدًا سامحيني
هتفت بها يمنى وهي تنشف بمنديلها الورقي بقعة العصير الكبيرة التي لوثت الفستان ، أجفلت وردة ومعها الخادمة سيدة التي كانت تساعد هي ايضًا و ثريا التي هتفت بجزع :
– نهار ايه دا اللي بتتكلمي عنه ، وانتِ غرقتي فستان البنت .
بررت يمنى قائلة :
– معلش ياهانم ، اصلي اتكعبلت في السجادة وكنت هاقع عليها بس الحمد لله سندت نفسي ، ودي حاجة غصب عني ، بس ملحوقة هاتيها جوا معايا تنشف الفستان تحت المروحة في الاستراحة ، على ما يجي دورها .
– تيجي فين معاكي ؟ وهي تعرفك منين أساسًا ؟
هدرت بها ثريا فهتفت من خلقها سيدة :
– هاقعد انا معاها ياست هانم ، وانتِ استنينا هنا .
تبسم يونس من مكانه وهو يرى نجاح خطة يمنى في اقناع المرأة ، اما صالح فقد كان يشعر بتوقف دقات قلبه وهو يرى شقيقته وهي تقترب من الغرفة بصحبة يمنى والخادمة سيدة ، حتى اذا دلفن اليه بداخل الغرفة ، صفق بابها على الفور ، وازاح الغطاء عن وجهه ، كي ينظر لها جيدًا فشقيقته اصبحت فتاة ناضجة ، اختفت عن وجهها استدارت الطفولة ، ونحت وجهها الأبيض الجميل ، لتزداد انوثة وجاذبية ، يشعر انه طولها ازداد قليلًا ، كما يبدوا انها فقدت الكثير من وزنها ، ولكنه يشعر بأنها لا تعرفه !.
– وردة ، انا اخوكي ياوردة .وردة .
كرر يهتف باسمها عدة مرات بلهفة وشوق ، وهي تنظر اليه بخواء وعدم ادراك ، يكاد ان يق*تله الشوق في ضمها اليه لكنه لايستطيع ، ردد بترجي وهو يومي بكفه نحو صدره اليها :
– بصيلي كويس ياوردة ، انا اخوكي ، بصيلي كويس يا بت ابوي يمكن تعرفيني .
ربتت على ذراعيه يمنى بتهوين مرددة :
– معلش اعذرها ، ماانت عارفها تعبانة .
رددت خلفها الخادمة سيدة ترحب به :
– كيفك ياولدي عامل ايه ؟ انا سيدة فاكرني .
– التفت صالح الى المرأة يجيبها :
– فاكرك والله يا خالتي ، ونفسي اختي كمان تفتكرني .
رويدا التي كانت تراقب بتركيز اردفت قبل أن تجر قدميها للمغادرة ، كي تظل في الخارج وتراقب :
– اصبر عليها يااستاذ ، علاج الحالات اللي زي دي بتاخد وقت في العلاج ، ودي ماكنتش بتتكلم خالص ، حمد لله ان ربنا فك عقدة لسانها اَخيرًا ….
رد صالح بانتباه سريعًا :
– يعني هي بتتكلم ؟ طب ما بترودش عليا ليه؟
قالت سيدة بتاثر وشفقة على حاله
– بترد بس كلامها بيطلع في النادر قوي .
أصاب صالح الإحباط بقوة ، فعاد بجسده ليسقط على الأرض جالسًا ، وقد ارتخت اقدامه ولم تقوى على تحمله ، قبضة قاسية اعتصرت قلب يمنى وهي تنظر الى حزنه وعجزه عن التواصل مع شقيقته الوحيدة وهي امامه وعيناها تقابل عينيه ، ولكنها لا تبدوا انها تعلمه ولا تشعر بوجوده من الأساس ، حتى انها ابتعدت لتجلس على التخت بلا مبالاة ، اقتربت منها يمنى بمحاولة يائسة تضع كفها على ظهرها وشعرها بتدليل :
– بسم الله ماشاء عليكي ياوردة ، دا اخوكي ظلمك لما قال جميلة ، عشان انتِ مش جميلة وبس ، لا ، دا انت تقولي للقمر قوم وانا اقعد مطرحه.
استجابت وردة الى تدليلها بابتسامة رائعة ، خطفت قلب شقيقها واسعدت يمنى التي ، تابعت نحوها:
– شعرك جميل قوي تقليل وناعم كدة ، انت عاملة زي البنات اللي بيجوا في الاعلانات .
نهض صالح ليجلس امام شقيقته على عقبيه ، ليتابع حديث يمنى ، واستجابة شقيقته معها ، حتى هي بدأت تنتبه له ونظرت له مطولًا قبل ان تجفل معه على دلوف رويدا السريع الى داخل الغرفة نحوهم وخلفها يونس ايضًا ، تردد .
– بسرعة يا جماعة لموا نفسيكم وروحوا ، الست اللي برة ابنها البيه جه فجأة وقاعد معاها دلوقت .
هدر صالح بغضب :
– ودا ايه اللي جابة ده دلوقت ؟
اجابته سيدة ببخوف :
– بيجي معانا احيانا ياولدي لما يبقى عايز يطمن على حالتها بنفسه من الدكتور، حن عليك ياولدي قوم بسرعة ، لاحسن حد يشوفك واروح انا في داهية معاك .
تسمر صالح مكانه ، لا يريد المغادرة مع شعوره باستجابتها في النظر اليه ،وكانها بدأت تستوعب حضوره ، حتى اقترب منه يونس يوقفه على اقدامه بقوة :
– مش وقت الضعف دلوقت ، قوم معايا شد حيلك ، خلينا نمشي وننفد بجلدنا، على الاقل يبقالنا فرصة في شوفتها مرة تانية .
انتبه صالح على كلمته فصحح يونس :.
– قصدي تشوفها انت يعنى .
نهض صالح مستلسمًا لسحبه بصعوبة وعيناه لا تفارق شقيقته ؛ التي تعلقت هي الأخرى به وكأنها بدأت تستوعب وجوده ، رغم عدم تفوهها بكلمة واحدة، توقف صالح امام الباب بنزل الغطاء على وجهه خاطبها قائلا :
– راجعاك تاني ياورة ، راجعلك ومش هاسيبك تاني ، بس اظبط ظروفي وارجعلك بابنت ابوي.
– طب يالا بقى جر اتسحب بهداوة واستناني على باب السلم الخلفي وانا راجعلك .
تمتم بها يونس وهو يربت على كتف صالح بتشجيع ، فتحرك الاَخر يمسك بالمقبض ، وقبل ان يفتح الباب القى نظرة اخرى نحوها ونحو يمنى بأعين تغشاها الدموع من تحت النقاب ، بعد خروج صالح التف يونس نحو يمنى التي تسمرت محلها من الحزن:
– دقيقيتين بالظبط وتنزلي عشان تحصلينا ، لو حسيتي بأي قلق اتصلي على طول .
اومأت له يمنى وقبل ان يخرج يونس استدار مخاطبًا وردة :
– انا ماشي ياقمر ، ماشي وهاسيبك ، ااه بس لو الوحد يعتر على واحدة في نص حلاوتك ، يخرب بيتك ياصالح .
………………………



