نعيمي وجحيمها بقلم امل نصر ج10

❈-❈-❈

خرجت بعد انتهاء دوام عملها من الشركة، لتجده واقف بجوار سيارة رئيسه، يعطيها ظهره بتعمد لعدم النظر إليها ، وقد بدا واضحًا انه انتبه على خروجها ليأخذ حذره سريعًا كباقي الأيام السابقة، من وقت معروف عمله معها بإنقاذها مرتين، الأولى كانت بإنقاذها وسمعتها من براثن الخطيئة والوقوع فيها على غير وعيها، والثانية بفعل شقيقته حينما ذهبت معها تؤازرها في مواجهة والديها.
تذهب وتجئ أمامه ولا مرة حدثها أو ناكفها كعادته، أو حتى يلقى على مسامعها من هذه الاغاني الممتزجة بغزله، وهي التي ظنت بأنه سيأخذها فرصة ليزيد على أفعالها معها، ولكن لماذا يكتنفها الحزن الاَن وقد رحمها مما كانت تضيق به سابقًا؟ لماذا تشعر وكأن شيئًا ما ينقصها؟! وكأن بتجاهله لها قد ترك فراغًا لم تحسبه من قبل!
حسمت قرارها هذه المرة مبادرة لفك هذا الجمود ، وجسرت نفسها لتقترب وتحدثه رغم وقوفه مع صديقه عبده السائق .
– السلام عليكم ممكن كلمة يا إمام .
أجفل من فعلتها حتى أن لسانه انعقد عن الرد والذي تكفل عبده به باستيعاب سريع :
– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، طب انا هروح اجيبلي حاجة اكلها يا صاحبي ومش هتاخر .
القى كلماته الرجل وهو يغادر من جوراهما ليخرج صوت إمام اَخيرًا بعد أن تحمحم يجلي حلقه:
– اهلا وسهلًا، احنا تحت الخدمة .
لهجته الرسمية وعدم النظر لعينيها مباشرةً مع هذا التجاهل المسبق جعلها تبتلع غصة مريرة بحلقها ، وقد تأكدت من صدق التخمين الذي طرأ برأسها فخرجت كلماتها بصعوبة:
– انا نزلت في نظرك صح؟
سألها متفاجئًا:
– ليه بتقولي كدة؟ هو انتِ شوفتي مني حاجة تأكد كلامك ده؟
أومأت برأسها وقد غشت عينيها سحابة خفيفة من الدموع على وشك النزول، لتردف بصوت مبحوح:
– مش لازم تقول ولا تبين، رد فعلك نفسه واجتنابك حتى النظر إليا، يأكد الفكرة اللي في دماغي، بس انا ممكن تكون فيا كل العبر ، إلا ان اكون هاملة او ساهلة، والدليل إن انتِ شوفته بنفسك، لما حطولي في العصير اللي يقدر يلغي عقلي لما ما قدروش يميلو دماغي .
اَلمه عن حق ان يراها بهذا الضعف أمامه، حتى ان قلبه كان يصرخ بداخله لكي يربت على حزنها ببعض الكلمات المهونة كي بثبت لها بالفعل انه يعلم بصحة ما تتفوه به بدون قولها ، ولكن كرامته الاَبية الجمت لسانه عن الرد ، فليس هو من يقبل على نفسه باستغلال معروفه لكن يصل لغرضه او مثل ما قالت وبدون أن تدري بإصابة الحقيقة، أن يأخذها فرصة.
أوقفت شروده بقولها الاَخير:
– على العموم انا جيت اقولك بنفسي اللي محشور في زوري، وانت حر بقى، سلام .
أنهت لتتحرك دون أن يوقفها ليزداد يقينها اكثر بما رأته في عينيه، ولكنه أجفلها فجأة بالنداء بإسمها من خلفها:
– غادة.
التفت إليه ناظرة بتساؤل، ليجيبها بكلمات محددة وغير متوقعة منه:
– وقت ما تحتاجيني ولا تعوزيني في أي وقت انا تحت أمرك، ماتتكسفيش من طلبك ليا في أي شئ، انا اعتبرتك في مقام خلود دلوقتِ .
أومأت برأسها بحركات غير مفهومة له مع صدمتها بكلماته المفاجئة ثم ما لبثت أن تلتف سريعًا لتطلق سراح دموع في أقصى خيالها لم تظن ان سيأتي هذا اليوم لتهطل منها بسبب سماعها لهذه الكلمات منه، يبدوا أنها أصبحت منبوذة من الجميع، صديقاتها التي خسرتهم في الركض خلف السراب، ثم هو وقد ظهر معدنه الحقيقي معها في أشد أوقاتها احتاجًا .

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *