نعيمي وجحيمها بقلم امل نصر ج10

❈-❈-❈
على إحدى مقاعد الإنتظار بالمشفى كانت جالسة تتابعه وهو يقطع الطرقة الصغيرة ذهابًا وإيابًا دون هوادة، وقد تبين خطورة وضع الفتاة بعد ان أجمع الأطباء بصحة التشخيص الأولي لضرورة إجراء سريعًا لأستئصال الزائدة الدودية قبل أن تنفجر بها ويتفاقم الوضع، ليأخذ القرار نيابة عنها وعن الإتصال بأحد أقاربها ويوقع بنفسه على الإجراءات.
حتى الاَن لا يستوعب عقلها جرأته في القيام بهذا الفعل ، وكأن الفتاة يخصه أمرها بشدة، بداية من حملها على ذراعيه ثم إمضاء الإقرار الروتيني لإجراء العملية، ثم هذا القلق الكبير في انتظار خروجها من غرفة العمليات
– يارب يارب .
تمتم بها في أثناء سيره بالقرب منها،
فخرج صوتها إليه بمؤازرة رغم احتقانها من الداخل:
– براحة شوية يا طارق، وخلي عندك أمل في الله.
التف إليها يردد برجاء:
– ونعم بالله يا كاميليا ونعم بالله .
هتف بها واستند بجسده على الحائط المجاور لها يغمض بكفه عينيه وقدمه في الأسفل تهتز بعصبية ودون هوادة، ليرتد فعله عليها بانفعال لم تقوى على إخفاءه فهتفت به:
– على فكرة الموضوع مش مستاهل القلق دا كلها ، دي عملية عادية جدًا وبتتعمل كل يوم .
إرتفعت عينيه إليها محدقًا بغضب ليسألها بحدة:
– هي ايه اللي عادية وبتتعمل كل يوم يا كاميليا؟ هي تسريحة شعر ولا منوكير هتحطه في أيديها؟ دي واحدة قاعدة في اوضة العمليات وبين إيدين ربنا.
حدته المفرطة جعلتها تكمل بلهجة على وشك البكاء :
– انا بحاول اهديك يا طارق مش قصدي تريقة ولا تهكم، ثم أني بصراحة كمان مستغربة الوضع ، ازاي يعني احنا اصحاب الشغل اللي نبقى معاها في حاجة زي؟ لازم أهلها يعرفوا عشان يجيوا ويشوفوا بنفسهم دي بنتهم .
تنهد قانطًا ورأسه للسماء قبل أن يعود إليها بقوله:
– لينا ملهاش حد يا كاميليا غير والدتها ، ودي ست مريضة سكر بنسبة عالية، يعني ممكن تدخل في غيبوبة من الخوف عليها بمجرد ما تسمع بس .
سهمت قليلًا باستيعاب امتزج بدهشتها لمعرفته لأدق التفاصيل عن هذه الفتاة، ويبدوا أن الأمر بينهم قد فاق توقعها، ولكن جيد ! فهو يستحق من تهون عليه والفتاة شخصية رائعة وتستحق شخص رائع مثله،
شعرت باهتزاز كرسيها بعد سقوطه بثقل جسده على الكرسي المجاور لها ، فتكتفت بذراعيها تدعي عدم الإنتباه رغم شعورها بدفئ مفاجئ وصوت أنفاسه الهادرة بتوتره يصل إلى أسماعها بصخب؛ تتمنى الا يتوقف ولا يذهب هذا الدفء ولا أن ترحل من أنفها رائحة عطره وقد اشتاقت لها بشدة.
توقفت عن هذيانها وهذه الأفكار الغريبة لترتفع كفها على رأسها بتعب وصداع قوي ألم بها فجأة ودون استئذان.
ويبدوا أن هيئتها لفتت انتباهه بجوارها أو أنه كان يفعل مثلها بالمتابعة، فسألها:
– إيه مالك يا كاميليا؟ هو انتِ كمان حاسة نفسك تعبانة ولا انت مش متحملة جو المستشفيات؟
– لاا ما تشغلش نفسك…
قالتها وهي تحرك رأسها بنفي لتصطدم عينيها بخاصتيه وقد تفاجأت بقرب وجهه منها وهو يتطلع إليها بقلق، تمالكت لتشيح بوجهها عنه متحمحمة، ثم تتكوم على نفسها بتشبيك كفيها على حجرها، يلفها الإرتباك وسهام عينيه المسلطة عليها تزيدها تشتتًا، انتفضا الإثنان على فتح باب غرفة العمليات أمامهم وكان السبق لطارق ليصل إلى الطبيب ليطمئن على وضع لينا.



