نعيمي وجحيمها بقلم امل نصر ج10

❈-❈-❈

وإلى زهرة التي كانت في طريقها إلى الخروج للحديقة، بعد أن أشرفت على قائمة الطعام الذي سيقدم بعد قليل، لتفاجأ بقبضة حديدية على رسغها وتجذبها للخلف، وقبل أن يصدر صوت شهقتها وجدته يحذرها بسبابته ، أومأت لتستسلم مضطرة لسحبه حتى دخل بها لغرفة المكتب، ليخرج صوتها اَخيرًا:
– في إيه يا جاسر؟
اقترب برأسه منها يحدجها بنظرة مخيفة وهي تتراجع للخلف برأسها على قدر ما تستطيع وقد حاصرها بينه وبين الجدار خلفها ليهدر مع أنفاسه المتهدجة بنبرة هادئة مريبة:
– اتقي شري يا زهرة انا على اَخري .
– وانا عملتلك إيه؟
قالتها بعفوية قبل أن تنتفض على ضر؟؟؟؟؟به للجدار خلفها بكف يده:
– ما تسأليش وتستفزيني، تسمعي الكلام وبس .
أومأت رأسها بمهادنة لتجتنب شره:
– حاضر حاضر.
سمع منها ليتبع بقوله:
– بقك دا ما يتفتحش بالضحك تاني أبدًا سامعة؟
– عايزني مضحكش خالص؟!
سألته بدهشة ليردد لها بإصراره:
– أيوة ما تضحكيش خالص.
اومأت تطيعه حتى تنتهي وقفتها، ليُكمل كازًا على أسنانه من الغيظ:
– وإياكِ اَلاقيكي لازقة جمب خالد، تروحي في أي حتة بعيد عنه فاهمة ولا لأ؟
عادت لعفويتها:
– بس دا خالي؟
– ما تقوليش خالي ولا زفت، تسمعي كلامي دلوقت وانتِ ساكتة.
أومأت مرة أخرى بعدم اقتناع، لتردف بسؤالها:
– في أوامر تانية؟
تسمر يطالع وجهها الجميل باشتياق وبداخله يود أمرها بألا تتجمل أكثر في عينيه، ألا تزداد فتنة بوضعها الجديد بحمل طفله، ألا تبتعد عنه ولا تخاطب أحد غيره، وألا يبتسم ثغرها الجميل لسواه أبدًا.
– مش كفاية بقى يا جاسر اتأخرنا عن الناس برا.
قالتها تفيقه من شروده، ليهدر غاضبًا:
– مالكيش دعوة بالناس.
للمرة الألف تومئ بمهادنة لهذا المجنونة حتى يفك حصاره عنها فقد طالت وقفتهم:
– حاضر تمام، مش هاتبعد شوية بقى خليني أمشي ولا اقولك انا عايزة اروح للحمام.
– إيه؟
– عايزة اروح الحمام يا جاسر.
اخيرًا شعرت بدخول الهواء لصــ درها، بعد إبتعاده عنها، لتتحرك مبتعدة عنه بحذر، حتى اقتربت من باب الغرفة تذهب سريعًا من أمامه وقد نجحت بحيلتها للهرب منه، فتتركه يضـ,ـرب بكفه على الجدار خلفه، ليخرج غضبه المكبوت .

❈-❈-❈
توقفت أمام اللوحة المدون عليها باللغة الفرنسية إسم الكافيه الذي وصفت عنوانه بالدقة إليها في رسائل الهاتف، تطلعت بها لدقائق وهي تفكر بالأنسحاب والتراجع عن اللقاء بهذه الأفعى، مع شعور الخوف الذي يعتريها بقوة من المقابلة، أو الذهاب إليه لطلب النجدة، كي يحميها، فعل في المرة السابقة، وتؤازرها شقيقته الحنون برقتها، ولكن ومع تذكرها لقوله لها في الصباح، حينما أخبرها أنه تحت أمرها في أي طلب، كما أخبرها أيضًا أنها في مقام شقيفته!
عند خاطرها الاَخير، هزت رأسها لتستفيق من أفكارها وتحركت لتدخل وتواجه ما ينتظرها .
ولجت إلى داخل المكان الفاخر متوجهة على الفور لسؤال النادل عنها كما أخبرتها، ليسحبها الرجل معه حتى توقف بها أمام طاولة المذكورة في إحدى الجوانب المختصرة
مائلة بجلستها على الطاولة، مريحة مرفقها على السطح ، وبين إصبعيها سيجارة تدخن بها، لتعتلي زواية فمها ابتسامة نكراء أصابت غادة بالإشمئزاز منها، وقد رأت بها الوجه الحقيقي لهذه الحيــ ة، فجلست بدون تحية تسالها بقرف فور انصراف النادل:
– أفندم عايزة أيه بقى مني؟ مش كفاية اللي عملتوه معايا إنتِ واخوكي؟
– واحنا إيه اللي عمالنا؟
قالتها لتقطع كلماتها فجأة وتطفئ سيجارتها في المطفئة قبل أن تتابع:
– احنا ملحقناش نعمل أي شئ يا قلبي، بعد ما دخل شجيع السيما بتاعك وضر.ب لنا كرسي في الكلوب، وبوظ كل حاجة
حدقت بها غادة بصدمة تتأمل هذه الملامح الشيطــ انية، المرأة التي كانت تظنها في يوم من الأيام صديقتها، ترى الاَن اَخيرًا وجهها الحقيقي دون رتوش أو تزيف لمعدنها الصدئ وهي تخبرها بكل بساطة عن ما خططته لها كلقمة سائغة لإخيها، فخرج صوتها بأنفاس متهدجة:
– يعني انتِ كمان عندك البجاحة وبتعترفي بنفسك ع اللي كنتِ هتعمليه فيا انتِ واخوكي بعد اللي حطيتهولي في العصير؟ قد كدة شرف الناس ملوش قيمة عندكم ؟
حدجتها ميرفت بنظرة مستخفة ترد بلهجة هادئة لم تتخلى عنها:
– لأ يا غادة مالوش قيمة عندي، عشان أكيد كنت هراضيكِ بقرشين، بس بعد ما تنفذي اللي هطلبه منك .
عادت غادة برأسها للخلف ترفرف بأهدابها تستوعب السهولة التي نطقت بها الكلمات، وشبه ابتسامة غريبة ارتسمت بذهول اكتنفها لهذه النوعية التي تراها ولأول من البشر، فردت ساخرة:
– وكمان كنتِ هتديني قرشين تراضيني بيهم؟ دا إيه الكرم دا يا ست ميرفت؟ دا انتِ يتعملك تمثال يا شيخة .
خرجت الاَخيرة بغيظ لم تأبه به الأخرى لتزيد بضغطها:
– اتريقي براحتك يا غادة، بس عايزة افكرك يا قلبي بالسبب اللي خلاني اطلبك النهاردة مخصوص، بعد ما بعت الصور.
تذكيرها بالصور أعاد إليها الخوف الذي كانت تناسته للحظات قليلة، لتحدق بها باستفهام يشوبه الأرتياب، التقطته ميرفت لتكمل بفحيح:
– ايوة يا غادة، تفتكري كدة لو فيدوهاتك دي وانتِ بتتطوحي وتهلفطي بالكلام الأهبل في حضن اخويا اللي طبعًا هعرف اتصرف ومجبش شكله، لو وصلت لأهلك أو للناس في الحارة عندكم، هيقولوا عليكِ إيه ساعتها؟ لأ وصورتك ماسكة الكاس كمان، دي إثبات رسمي…
– انت عايزة إيه؟
هتفت بها غادة قاطعة بحدة استرسال الأخرى، وقد برعت في زرع الفزع بقلبها من مجرد التخيل، فتابعت بنفس الحدة:
– هو إنتِ حكايتك إيه بالظبط؟ تلفي عليا وتصاحبيني وتعملي خطط عشان توقعيني، لا وتمسكي عليا صور وحاجات، انا عايزة افهم؟ هو انتِ شغالة مع المنظمات اياها دي اللي بتوقع البنات؟ انا قولت من الأول انت شكلك قــ وادة.
زجرتها بنظرة محذرة غاضبة رغم سخريتها من التخمين المبالغ فيه:
– بطلي قلة أدب… واسكتي بقى عشان انا هجيبلك من الاَخر.
صمتت برهة تتابع وجه غادة المترقب لتردف بكشف أوراقها:
– انا لا تبع منظمات ولا الكلام الأهبل بتاعك، انا كل يشغلني هو بنت خالك وجوزها.
هتفت غادة بارتياع مرددة الأسم، وكأنها تتأكد من مقصدها:
– زهرة!
تبسمت لها الأخرى تُظهر أنيابها للتأكيد على قولها:
، أيوة زهرة، عايزة اعرف أيه سرها مع الضلمة اللي قولتي عليها، والتعابين، والبني اَدم ده بتاع البرشام حكايته أيه معاها؟
سمعت غادة لتشهق لاطمة على خديها بعنف سأئلة برعب:
– يا نهار اسود….. وانتِ مالك بالحاجات دي؟ هو انتِ عايزة تأذيها بجد؟
تبسمت لها بجانبية ساخرة تؤكد مرة ثانية بهز رأسها:
– اه يا غادة عايزة أذي جاسر الريان باذيتها هي، وانت هتساعديني زي ما كنتِ بتساعديني كل الأيام اللي فاتت دي، بداية من المطعم لو تفتكري؟
قالت الأخيرة بغمزة متابعة الشحوب الذي بدا على وجهه الأخرى، وقد افتر فاهها بالصدمة حتى ظنت أنها تجمدت محلها، لتتابع الطرق على الحديد الساخن:
– انتِ بتكرهيها زي ما انا بكرهها وبكره جوزها.
– انا مبكرهاش .
هتفت بها سريعًا غادة وقد انفك جمودها عقب استيعاب الصدمة لتكمل باكية:
– انا عمري ما كرهتها، انا كنت بس بغير منها عشان هي واخدة محبة الكل وانا لا، عندها أهل وانا معنديش رغم ان انا اللي معايا الأب والأم وهي لأ، في أي مكان نمشيه مع بعض تختطف العيون نحوها حتى لو لابسة شوال، وانا اكون لابسة واشيك وأحلى منها، ومحدش يشوفني، انا عمري ماكرهت بنت خالي ولا هرضى أبدًا بأذيتها، منك لله يا بعيدة منك لله.
أنهت لتدخل نوبة من البكاء الحارق مع تذكرها لكل ما مضى، باستغلال هذه المرأة لها في أذية أقرب الناس إليها، وهي تسير معها كالبهيمة المغمضة عينيها.
انتظرت عليها قليلًا ميرفت تتابع بكاؤها بسخرية صامتة حتى ضافت بها لتُصمتها بضر.ب سطح الطاولة بينهم، بكف يدها هادرة بهمس
– كفاية بقى اقفلي الحنفية دي وبطلي فضايح……
أجفلتها لتوقف غادة عن البكاء مضطرة فتابعت لها:
– انا معنديش وقت للفرجة كدة كتير، خلصي بقى وانجزي، مين بتاع البرشام ده؟ وايه حكاية الضلمة والتعابين؟
ضغطت بعينيها الباكية غادة ترفع رأسها إلى السماء تلتمس القوة، لتعود إليها تقول بحرقة:
– هو إنتِ جنسك إيه يا شيخة؟ إيه اللي ما بينك وبين جاسر الريان يخليكِ تغلي بالشكل ده على واحدة حبها؟ ذنبها إيه تاخدي انتقامك من جوزها فيها؟ وغرضك أيه بمعرفتك عن الحاجة اللي بتخوفها؟
استطاعت ميرفت السيطرة على غضبها بصعوبة رغم براكين الحمم التي تسري بداخلها وقد ضغطت غادة بكلماتها على جرح قلبها الملتهب ولن يلتئم الإ بجر.ح مثله وهي مُصرة على فعل ذلك مع جاسر الريان، تمالكت فخرج صوتها بحزم:
– ملكيش دعوة باللي غرضي فيه، انتِ تجاوبي وانت ساكتة.
توقفت غادة عن البكاء لترد بقوة:
– تعبك هيجي على فشوش، عشان لو بخصوص الضلمة والتعابين فدا كان بسبب حادثة قديمة وأكيد نسيتها دلوقت، وأما بقى فهمي بتاع البرشام، فدا راجل بلطجي وهربان من حكم قضية للمخــ درات، وان شاء الله يتقبض عليه قريب .

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *