نعيمي وجحيمها بقلم امل نصر ج10

❈-❈-❈

تحت المظلة الخشبية الكبيرة في الحديقة، إجتمعت الأسرتين بجلسة عائلية حيث الهواء الطلق ومشاهدة تريح العين للون الأخضر أمامهم وتبهج الروح برائحة الزهور المنبعة من الأحواض القريبة للعديد من الأنواع المختلطة بين المصرية بالأنواع المعروفة والغربية بالأنواع النادرة منها، عامر والذي اندمج مع رقية ظل قريبًا بمقعده الخشبي بجوار مقعدها المتحرك والذي حصلت عليه بعد أن تيسر الحال قليلًا مع خالد في عمله الجديد، فأتى به إليها قبل أن يضع قرشًا في تشطيب شقته، ولمياء رغم تحفطها الدائم، كانت جالسة بالقرب منهم تتابع وأبصارها على الجميع خصوصًا هذا المتعوس الذي يجلس في الناحية الأخرى، وعينيه لم يرفعها عن زوجته التي اندمجت مع خالها في حديث مطول بحماس ولهفة بينهما لم تفتر لثانية رغم إشتراك خطيبته معهما أحيانًا، بقلب ألأم أشفقت عليه، وعلى حزمها معه طوال الأيام الماضية، واضعة صحة الزوجة وحفيدها نصب أعينها، ولكن وبنظرة للبؤس المرتسم على وجهه تشعر أنها زادت من الضغط عليه، لعدة لحظات قليلة لم تتعد الثواني ولكن ومع تذكرها لصحة الحفيد التي كانت مهددة بتعب والدته، وهي في أشد الإشتياق إليه، اشتد عزمها على المواصلة وقسى قلبها لتصرف نظرها عنه وتلتف للحديث المرح بين عامر حبيبها ورفيق عمرها، ورقية هذه المرأة الراضية وروحها الرائعة رغم جلوسها قعيدة منذ سنوات كما علمت من جاسر .

– شوفتي بقى يا ست رقية اهو احنا بقى لما بنتجمع في العطلات النادرة بنقعد هنا ونشوي بقى، طعم الأكل وهو مشوي في الهوا اللي بيرد الروح ده بيبقى يجنن.
تفوه بالكلمات عامر وهو يلوح بكفيه لها على الأجواء حولهم، قابلت كلماته رقية باستخفاف تجيبه:
– إنت قصدك على الفراخ المحمرة دي ع الفحم واللحمة اللي بتتحط في سياخ زيها، والنعمة ولا بتخش في زمتي بنكلة حتى، كذا مرة الواد خالد يجيبلي منها ويقولي هتعجبك ياما وطعمها حلو ياما دا انا شريها بالشئ الفلاني من المطعم الفلاني، اتشجع كدة وانا باكل في الأول ومكملش حتتين واسيبهم، أنا ميدخلش في دماغي غير الحتة اللي تبقى متمرغة في الدهن والسمن البلدي.
أنهت رقية لتجد عامر افتر فاهاهه وظهر على وجهه شغفه بالحديث ليردف لها:
– انت بتتكلمي جد؟ طب ماانتيش خايفة على صحتك من الدهن الكتير ده ولا السمن البلدي؟ دا فظيع .
– بس حلو واللي يتعود على الأكل بيه ميضرهوش أبدًا،
يا راجل دا كفاية انها بتخلي للأكل ريحة ولا الطعم إيه بقى مقولكش، الطور اللي قاعد هناك دا ، مهما يبعد ولا يجيب أكل من برا ، ماييرهوش غير اللقمة البيتي بتاعتنا، واهو ماشاء الله ربنا يحرصه، لكن البت الهبلة دي، عودت نفسها ع النواشف، من صغرها وهي ماكلش دي يا ستي ودي تقيلة على معدتي يا ستي، لما بقت زي ما انت شايف كدة، بتتعب على اقل حاجة.
قالتها في إشارة لابنها وحفيدتها لتكمل بعدها:
– بس انا وصيت نوال على أكل الواد وهي قالتلي انا هاعمل زي ما انتِ بتعملي يا خالتي بالظبط والسمنة البلدي مش هتخلى من بيتي أبدًا.
انبهر عامر بشدة وارتسم الطعام وهذه النوعية التي تذكرها رقية أمام عينيه حتى شعر بالرغبة الشديدة لنتاوله على الفور متناسيًا مرض قلبه، أما لمياء والتي شدها الحديث فقالت سأئلة بدهشة بعد أن خطفت نظرة سريعة نحو نوال الجالسة برزانة رغم ابتسامتها كأستاذة بالفعل :
– هي نوال كمان بتحب النوعية دي من الأكل التقيل؟
أجابتها رقية بضحكاتها :
– لأ طبعًا ولا كانت تعرفه، بس انا بقى خلتها تتعود على الأكل ده لما كانت تيجي عندي زيارات وعلمتها عليه، لحد اما بقت متستغناش عنه حتى وهي في بيتهم ووسط أهلها، انا قاعدة وانتِ قاعدة اهو البت دي هيتبرى منها ابوها قريب .
سمع منها عامر وانطلق ضاحكا بصوته المجلل لفت انتباه الجميع حوله وهو يقهقه حتى أدمعت عينيه، ليردف اَخيرًا بعد توقفه لزوجته:
– انا كمان يا لميا، نفسي قوي في الأكل التقيل ده.
تبسمت إليها لمياء بابتسامة صفراء ترد على كلماته:
– يا حبيب قلبي، طب انت مش واخد بالك، من كلام الست رقية؟ دي بتقولك اللي متعود عليه، انت بقى متعود عليه؟
كشر بوجهه لها ليعود إلى رقية التي رفعت كفيها في الهواء إليه قائلة:
– أنا بقى متعودة بقى عليه

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *