نعيمي وجحيمها بقلم امل نصر ج10

الفصل الخامس والخمسون
لا يشعر بالألم سوى من مر به .
ومن يرى مصائب الخلق تهُن في نظره مصائبه
كانت تذرف الدمعات بلا توقف، تمسح بالمنديل الورقي ولا يجف السيل المتدفق بغزارة لمدة طالت لما يقارب النصف ساعة، حتى جعلته يزفر قائلًا:
– ماتخلنيش اندم اني قولتلك يا كاميليا.
ضغطت بعينيها قليلًا تحاول تمالك نفسها حتى تمكنت من الرد اَخيرًا بصوت متهدج من فرط ما تشعر به:
– أصلها صعبت عليا أوي ، والغريبة ان ما يبانش عليها خالص .
تنهد طارق يجيبها بكلمات قاصدًا كل حرف منها:
– ماهي مش دايمًا المظاهر بتبين معادن الناس يا كاميليا، ممكن اللي تفتكريه دهب يطلع قشرة، أو إن تبهرك لمعة الماس جميلة قدامك وفي الاَخر تطلع إزاز يجرحك.
وصلها مغزى كلماته لتتوقف الدموع على الفور فرفعت رأسها إليه لتواجه خاصتيه بعينيها وتجيبه مباشرة وبدون مواربة:
– ومين قالك ان اختياري كان بناءًا عن إعجاب بمظاهر أو انبهار .
ضيق بعينيه يستوعب كلماتها ليسألها بحيرة يكتنفها غضب مستتر:
– أمال كان بناءًا على إيه يا كاميليا؟
أسبلت أهدابها ثم رفعتهم سريعًا لترد بشبه ابتسامة غير مفهومة:
– ما فيش فايدة من الكلام يا طارق، عشان انا عارفة إني مهما شرحت ماحدش فيكو هيفهمني.
– عشان كدة بنتفذي اللي في دماغك على طول من غير ما تحكي ولا تاخذي رأي حد؟ حتى لو كانت زهرة أقرب الناس إليكِ؟
تفوه بسؤاله ولم ينتظر كثيرًا حتى أجابته:
– زهرة بريئة وطيبة جدًا، ومشاعرها مش حمل العقد اللي جوايا، أنا اتكيفت على الوحدة حتى لو سط الناس كلها، اسراري جوا قلبي وما فيش داعي أن ازيع بيها.
بهزة خفيفة برأسه اومأ لها بتفهم ليكمل بقوله:
– ومع ذلك بتحكي لوالدتك !
هذه المرة اعتلت وجهها إبتسامة حقيقية رغم الأضطراب الذي ظهر في صوتها:
– قالتلي صحيح على اتصالك بيها، بس هي إيه ذنبها يا طارق؟ العيب فيا انا ، انا المعقدة…. هي مالها؟
برقت عينيه بشدة وتدلى فكه بدهشة قاربت الذهول ليردف بعدم تصديق:
– مالها ازاي يعني؟ هو انتِ بتهزري ولا بتتكلمي جد؟ مش هي دي الست اللي حكيتلي عنها برضوا ؟ ولا و
دوكها كانت واحدة تانية؟
– لأ هي يا طارق.
قالتها كإجابة عن سؤاله ثم تابعت بتنهيدة من العمق:
– بس برضوا أمي، يعني مهمها حصل ما بينا وانا شيلت في قلبي منها، دا مش هينفي صلة الدم اللي مابيني وبينها .
زفر يلتف عنها بتعب، فهذه المرأة تبدوا وكأنها بحر من الألغاز لا ينتهي أبدًا، مهما حاول واعتقد أنه وصل لفك شفرتها وفهمها، يعود لنفس نقطة البداية.
– هي لينا بتكتب شعر؟
قالتها لتأخذه من شروده، بإعادة جذب انتباهه لها، هز برأسه كاستفسار لعدم تركيزه في ما تفوهت بها، فتابعت بإعادة السؤال:
– بسألك عن لينا لو بتعرف تكتب شعر، أصلي اتفاجأت بورقة وقعت منها الصبح، كنت فاكراها من اوراق العمل، لكن لما قريت استعجبت بصراحة.
رغم علمه بتهربها من الحديث بفتح غيره ولكنه ابتسم على السيرة ليرد بمرح:
– وتلاقيكِ افتكرتيها كتباهولي انا او انا كاتبهولها صح؟
أومات بخجل لم تستطع إخفاءه، وقد زحف اللون الوردي على وجنتيها على الفور، فقال بابتسامة متسعة وقد اسعده ما يتخفى خلف حيائها من غيرة بدت من رد فعلها:
– لا انا راجل شاعر عشان اكتب، ولا هي بتعرف تجمع كلمتين على بعض حتى.
– أمال إيه؟
سألته باستفسار تشوبه حيرة التقطها هو ليردف ضاحكًا:
– ما هي دي بقى الخيبة التقيلة اللي صاحبتنا عايشة فيها، الهانم هتمو.ت على واد شاعر أهبل كدة، هتجنن واعرف بتحب فيه أيه؟ دا لا شكل حلو ولا هيئة كويسة أو حتى بيعرف يفكر أساسًا، طب انتِ قريتي الشعر بتاعه:
عادت إليها ضحكتها الجميلة والتي دائمًا ما تنجح في إسعاده رغم كل ما يراه منها، لتقول:
– بصراحة في البداية كنت متغاظة قوي ومخدتش بالي عشان كانت نظرة سريعة، لكن بعدين لما قرأت تاني بتركيز، كنت بضحك في مكتبي زي العبيطة ، تشبيهات للحبيبة غريبة جدًا
أكمل على قولها بعفويته:
– اسكتي يا ختي اسكتي، دي شايفاه حاجة محصلتش قبل كدة، وان طريقته في الشعر دي بكرة يتسجل معاها في التاريخ على إنه نابغة عصره أو كفلتة من فلتات الزمان .
– كا أيه؟
رددتها خلفه لتنطلق في موجة من الضحك بلا توقف، لتصيبه عدوى الضحك هو الاَخر معها، في مشهد عجيب جمع بين البكاء والقلق ثم الضحك المفرط الذي ينسى معه الإنسان همه، متخليًا ولو لدقائق عن واقعه البائس .





