نعيمي وجحيمها بقلم امل نصر ج12

❈-❈-❈

في صباح اليوم التالي .
ولجت زهرة للغرفة المزينة بالرسوم الكرتونية والألوان الزاهية، وقعت عينيها في البداية على التخت الصغير لطفلها المنتظر قبل أن تذهب نحو النائم على السرير الاَخر، ليُشرق وجهها مع رؤية الابتسامة الرائعة على هذا الوجه الطفولي وهو ينظر لها وكأنه كان ينتظرها، فهتفت به مبتهجة وهي تقترب لتجلس بجواره:
– يا صباح الغمزات، يا صباح الجمال كله، أيه يا عم ميدو الحلاوة دى؟
اعتدل جالسًا بجزعه يتلقى قبلاتها على غمازتيه كما تفعل شقيقته، ورد يجيبها:
– صباح الفل يا أبلة زهرة.
رددت وهي تضمه إليها وتزيد بتقبيله على شعر رأسه في الأعلى:
-يا حبيب الابلة انت يا ميدو ياقمر، صاحي بدري ليه بقى؟ وراك مشوار ؟ ولا انت منمتش كويس؟
خرج سؤالها الاَخير بقلقٍ تبدد مع اجابته البسيطة:
-لا طبعًا نمت، بس انا متعود ع الصحيان بدري عشان المدرسة ولا انتي ناسية؟

نفت برأسها ضاحكة لترد وهي تقبله مرة أخرى على رأسه:
-شكلي كدة فعلا ولا بايني فقدت الذاكرة…. لكن قولي يا ميدو.
تطلع إليها باستفهام في انتظار قولها، وهي فكرت قليلًا قبل أن تسأله بتردد:
-بصراحة كنت عايزة أسألك، حاسس بأيه النهاردة؟ لسة خايف برضوا؟
نفى برأسه لها، فقالت متابعة بتشكك:
-يا راجل، يعني مش قلقان بعد اللي حصل امبارح…. من كاميليا؟
اجاب بعفويته:
– لأ مش قلقان، عشان كاميليا اتكلمت معايا من الاول، وقالتلي لو حصل أي حاجة في الفرح متخفش عليا، انا عاملة حسابي .
تبدلت ملامحها للذهول التام وهي تُعيد بأسألتها:
-إنت بتتكلم بجد؟ يعني كاميليا قالتلك كدة فعلًا؟
-والله ما بكدب، دا حتى في يوميها خدتني وفسحتني وخلتني شوفت ماما.
سمعت منه لتتوسع عينيها وتدلى فكها بصدمة قبل أن تسأله متلهفة:
-إنت روحت وشوفت ماما؟! طب ازاي؟ وهي فين؟ انا عايزاك تحكيلي كل حاجة دلوقتي يا ميدو، ماشي؟

❈-❈-❈

خرج من سيارته بعد أن توقف بها أمام العنوان المذكور، فتسمر قليلًا أمام اليافطة المدون عليها بالخط العريض على المبنى الضخم، اسم المؤسسة، دار الأمل لرعاية كبار السن، ليتمتمه بداخله وتزداد بعقله الحيرة، ثم ما لبث ان يتحرك نحوه بخطوات مسرعة، حتى يصل لنهاية لهذه الألغاز.
في الداخل وبعد أن سأل في الاستعلامات، وصل إلى الغرفة المنشودة ليطرق على بابها بحرج، قبل أن يصله ندائها من الداخل:
-ادخل .
دفع الباب بتردد، يلقي بتحية السلام قبل أن يرى من بالدخل، وتُعلمه هي عن مكانها بالرد على تحيته:
-وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، اتفضل يا طارق.
التف نحو مصدر الصوت، ليجد امرأة جالسة على مقعدها المريح أمام النافذة الزجاجية الكبيرة بوسط الحائط، لم يتبين وجهها جيدًا مع انعكاس ضوء الشمس عليه، فظهر له غطاء الرأس وجزء من مما تريديه في الأعلى من جلباب بيتي، تابعت بندائها إليه حتى يكف عن تحديقه بها من محله:
-ادخل بدل وقفتك دي وانت تشوفني كويس.
كلماتها زادت من حرجه، تحمحم ليرد وهو يخطو إلى داخل الغرفة نحوها:
– معلش انا اسف، بس دي اول مرة ادخلك يعني و…
قطع كلماته فور أن توقف أمامها وظهر له وجهها بصورة أوضح، فانقبض قلبه وابتلع ريقه بصعوبة، لا يصدق ما يراه أمامه، فقد كانت المرأة صورة طبق الأصل من ابنتها، فتذكر قول كاميليا قبل ذلك عن الشبه الكبير بينهم، ولكن هذه المرأة هيئتها خالفت كل توقاعته، فهي بالفعل تُشبهها، ولكن كنسخة باهتة، شاحبة بشدة، نحيفة، مريضة!
-إيه مش هتسلم عليا؟
قالتها لتُخرجه من شروده، فاقترب على الفور يصافحها مع قوله:
– للمرة التانية انا بعتذر، اَسف بجد.
بادلته المصافحة تقول مبتسمة:
-يا سيدي انا عايزاك تقعد، وكفاية بقى اعتذرات .
اومأ صاغرًا على مطلبها فتناول المقعد خلفه ليُقربه منها، ثم جلس أمامها، ليقول بتوتر:
-أنا بتأسفلك للمرة الألف على اسلوبي معاكي دلوقتي، وطريقة ردودي الناشفة دايمًا في التليفون، بس انا عايزك تعذريني، كاميليا ولا مرة لمحت لي عن مكانك هنا .
ردت بابتسامة تطابقت مع بهتان وجهها الذابل:
-وكنت عايزها تلمحلك ازاي؟ ولا تقولهالك بشكل مباشر كدة، إن والدتها اللي سابت جوزها وولادها بطفلها اللي عمره سنة، وراحت بأنانية اتجوزت الراجل اللي كان حلم عمرها وهي صغيرة، وبعد ما عاشت معاه في الدلع وافتكرت ان الدنيا ضحكت لها، جالها ال…..
توقفت متنهدة بقوة قبل أن تكمل:
-المرض اللعين، عشان ياخد منها جمالها اللي كانت فرحانة بيه، وتشوف بقى جزاءها من الراجل اللي ضحت بالدنيا كلها عشانه، ويضحى هو بيها ويرميها مع اول امتحان، ومايبقاش ليها لازمة معاه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *