الفصل الواحد والستون حينما يتوجع صدرك بالأحزان وتضيق عليك الأماكن، فابحث عن القلوب الطيبة؛ هي الوحيدة التي بيدها أن تحتويك وتخفف عنك، فما أحوجنا إلى فرد منهم في وحدتنا . ❈-❈-❈ في منزل صديقه القديم وبعد ان فاض به من كل شئ، قادته أقدامه إلى هنا، فربما دفء المشاعر الصادقة يهون عليه ما يشعر به الآن. -مفاجاة حلوة اوي دي يا طارق، نورتنا يا حبيبي. هتفت إليه أنيسة بكلمات تفيض بالمودة الصادقة بالفعل، فبرؤية طارق او جاسر الذي يأتي نادرًا نظرًا لمشاغله الكثيرة، ينتعش قلبها هي بتذكر فقيدها، براحة تسكنها انه مازال يحيا بقلوبهم مثلها. طارق والذي كان يجاهد للتصرف بطبيعية معها، حاول الرد بابتسامة مصطنعة: -الله يحفظك يا خالتي، هو انا غريب يعني عشان ترحبي بيا؟ دا انا صاحب بيت زي ما بيقولو. ردت إليه أنيسة بتأكيد: -طبعًا يا حبيبي، دا بيتك ومطرحك، ربنا ما يحرمني من دخلتك عليا، انت ولا جاسر كمان، دا انا بشوفتكم بتتردلي روحي وبحس انه حبيب قلبي لسة عايش ما بينا كمان. قالت الأخيرة بنبرة باكية، لحقها طارق بفطنته كالعادة: -لا لا بقولك ايه يا انيسة، مش عايزين بكا الله يخليكي، المرحوم جوا قلوبنا دايما بالفرحة، لأنه كان بيحب الفرح، ولا انتي نسيتي؟ نفت برأسها ومسحت بأبهامها الدمعة التي تساقطت سريعًا لترد مبتسمة: -لا طبعًا ولا عمري هنسى.... قطعت بنتهيدة من العمق لتكمل بتأثر: - دا كان طول الوقت ضحك وتنطيط، ولا بيزعل ولا وشه يكشر على أي حاجة، كان ابن موت زي ما بيقولوا، الله يرحمه بقى ردد خلفها بالترحم على صديقه، ثم قال ليغير مجرى الحديث، ويخرج المراة من كاَبتها: -مقولتليش بقى، البت اللي عاملة فيها عيانة دي، خفت ولا لسة؟ -عاملة فيها عيانة! صاحت بها لينا من مدخل الغرفة، وقد أتت بالصدفة الآن، لتكمل وهي تلج بخطواتها لباقي الغرفة امام ابتسامة والدتها التي توقعت الشجار الاَتي بين الاثنان: -يعني اكون عاملة عملية وقاطعين حتة من جسمي، وانت برضوا بتتصرف بأنانية رئيس العمل اللي ميهموش غير الإنجاز في عمله، حتى لو على حساب الموظفين الغلابة اللي زيي. سمع طارق لمحاضرتها ليرد باستخفاف واستنكار: -قطعوا حتة من جسمك؟! دي زايدة يا اما، انتي هتعيش عليا، ما انتي زي القرد اهو قدامي ياختي . شهفت امامه تخمس بكفيها: -الله اكبر ، الله اكبر، انتي هتجيب أجلي بعينك المدورة دي فيه ايه يا عم؟ هتف يرد بوجه عابس: -في إيه انتي؟ اتعدلي يا بت، بتخمسي وتكبري على أساس اني هحسدك يعني؟ على ايه يا ختي بلا حسرة، خليني ساكت احسن صاحت لينا بوالدتها: -شايفة يا ماما، عمايل الظالم المفتري ده؟ ضحكت انيسة لترد وهي تنهض من جوارهم: -حتى لو شايفة، برضوا مش هرد عليه، انا هروح اعمل حاجة سخنة نشربها، وانتوا ناقروا واخبطوا في روس بعض مع نفسكم. قالتها وتحركت للخارج على الفور، فهتفت لينا من خلفها: -ست جبانة . اطلقت انيسة ضحكة عالية ولم تلتفت لها، وتكفل طارق بالرد: -لمي نفسك ومتغلطيش ع الست الطيبة، بدل ماجيب حقها بجزا محترم تاخديه في الشغل عندي . شهقت مستنكرة: -عايز تنقص من مرتبي عشان هزار خفيف مع أمي هنا في البيت؟ اجاب طارق بامتعاض: - عشان عارفك مادية حقيرة، والقرش بس هو اللي بيجيب النتيجة دوغري معاكِ . قضمت على شفتيها تغمغم بغيظ وهي تدعي الزوق: - الله يسامحك، مش هرد عليك عشان انا مؤدبة. -مؤدبة اوي . قالها ساخرًا بابتسامة لم تصل لعينيه، استدركت لينا لحالته الغريبة في ادعاء المزاح، بوجه متغير، لتفاجأه بسؤالها: هو انت زعلان عشان كاميليا هتتجوز؟ رد بخشونة: - انتي ليه بتقولي كدة؟ حد قالك ان في ما بينا حاجة مثلًا؟ اجابته بكل سهولة: -لا طبعا محدش قالي، بس انت أي حد يشوفك جمبها هيعرف قد ايه انت بتحبها، وهي كمان نظرتها ليك، بتفضح قوي اللي جواها. سمع منها طارق ليغمض عينيه بتعب فكلماتها كانت تزيد من عذابه بتأكيد ما يشعر به ويعلمه جيدًا بداخله، فتمكن من الرد اَخيرًا: -تحبني او تكرهني بقى، هي اختارت بعقلها اللي شايفاه يناسب، يعني خلاص. - معقولة، يعني هي تكون بتحبك وتختار غيرك؟ قالتها لينا بعدم استيعاب، ليزيد هو بقوله: -دي بعتتلي دعوة الفرح مع خطيبها. ردت لينا بغضب: - ياه لدرجادي هي قلبها قاسي، طب وانت هتعمل أيه؟ اجابها بتحدي: هحضر طبعًا، مش هي عايزة كدة، انا بقى هوريها إن ميهمنيش. قالها واحتدت عينيه بنظرة قاسية في الفراغ أمامه، وكأنه يرى صورتها الآن، صمتت قليلًا لينا تأثرًا لحالته، قبل ان تقول اَخيرًا: -انا حاسة قوي بيك، لاني بحب وعارفة، والنعمة لو نيازي عملها لكون فاتحة كرشة هو وعروسته في فرحهم، ولا يهمني من حد. خرج من شروده على كلماتها ليطالعها بنظرة غريبة قبل ان يرد عليها: - دا مين دا اللي هتفتحي كرشه؟ انتي بتغيري على الواد ابو فروة ده؟ هتفت غاضبة بوجهه: - متقولش عليه ابو فروة، نيازي جميل على فكرة، وانا عجبني كدة. كز على أسنانه ليهتف بها: -مين اللي عاجبك عشان شكله الجميل؟ انتي بتتكلمي على الواد العبيط ده؟ غوري يا بت من وشي متخلنيش اتعصب عليكي. صاحت هي بدورها: - انا قاعدة في بيتنا على فكرة يعني مينفعش تطردني؟ تناول إحدى الوسادات يرفعها امامها بتهديد: - طب اخفي من قدامي في أي أوضة هنا، انا عفاريت الدنيا بتنطط في وشي دلوقتي يا لينا. تخصرت بتحدي صائحة: - طب مش متحركة من مكاني يا طارق ها. لوح بكفيه في الهواء امامها يريد خنــ قها، فرأسها العنيد دائمًا ما يذكره بالآخرى، ولكنه انتبه على الضحكة العالية لأنيسة وهي تعود إليهم بصنية الحلويات والمشروب الساخن متمتمة: -مفيش فايدة فيكم، عاملين زي ناقر ونقير، يعني حرام تبقوا عاقلين في الدقايق اللي اغيبها عنكم . تناول طارق احد أطباق الحلويات سريعًا، يغمغم بضيق قبل يتناول منها: -بت مستفزة، دايما تعصبني. ردت من خلفه مستنكرة وهي تتطلع اليه وهو يتناول في قطع الكيك بشهية: - لا وانت اسم عليك باين عليك زعلان اوي؟ رمقها بنظرة غاضبة فسبقته أنيسة في الرد بعفويتها: -بس يا بت متبصيش لاخوكي، كل يا حبيبي وميهمكش منها. خطف طارق نظرة سريعة نحو لينا المحتقنة منه، ليغمغم لأنيسة: -تسلم ايدك يا سوسو، الكيكة حلوة اوي . - بالهنا والشفا يا حبيبي. قالتها انيسة لتزيد من غضب ابنتها التي دائمًا ما ينتابها غيظ طفولي من اتفاقهم الدائم عليها. ❈-❈-❈ - مكنتش متخيل اني هنبسط اوي كدة النهاردة. قالها كارم هامسًا بجوار أذنها القريبة من رأسه وهو يراقصها على انغام اغنية رومانسية انطلقت في فقرة مخصصة للعروسين وبعض الازواج او العشاق والمخطوبين، ردت كاميليا هامسة هي الأخرى: - وانا كمان مكنتش اتوقع انك هتيجي من الأساس اجاب مقربًا رأسه منها في الأمام: - ما انا فعلا مكنتش عايز اجي عشان العريس دا اللي معرفوش، بس لما افتركت ان انتي هتحضري فضيت نفسي مخصوص وجيت متأخر زي ما شوفتي كدة، انا عايزة ماسبكيش لحظة لحد اما يجي ميعاد فرحنا اللي بعد ايام ده، متتخيليش انا منتظرهم على شوق ازاي؟ أومأت تسبل أهدابها عنه مبتسمة بصمت رغم شعورها بعدم الارتياح للمسات كفه على ظهرها، مدعية التجاهل، والذي كان يصله هو كتجاوب ليزيد بضمه لها وهمساته مع تمايلهم على النغمات الهادئة: -كاميليا انتي ساكته ليه ومبتروديش؟ سألها لترفع رأسها إليه، فتجيبه وهي تقابله بالنظر بخاصتيه: -ما انا مستمعتة بالجو الرومانسي بتاع الاغنية، ودا يغني عن الكلام اساسًا. تطلع إليها صامتًا لعدة لحظات بنظرات غامضة، لم تفهم مغزاها إلا عندما اقترب برأسه ليهمس بجوار اذنها بصوت مغوي: -واللمسة تغني أكتر، بكرة لما يجي ميعادنا هخليكي تعرفي الحكاية دي كويس، ولو حابة.... نروح من دلوقتي عشان بصراحة بقى انا نفسي بجد. كتمت شهقة بداخلها لتخفي هذه القشعريرة التي سرت مع همسته، لتجده عاد بالنظر إلى عينيها مرة أخرى يردف برجاء: -إيه رأيك لو نروح دلوقتي، وانا هخليها لمسات بس عشان انسيكي بيها اللمسات اللي فاتت. جاهدت لاغتصاب ابتسامة وهي تجيبه بتماسك مزيف: -فيه أيه يا كارم؟ دي كلها أيام قليلة بس اللي فاضلة على ميعادنا، مش قادر تصبر يعني؟ -بصراحة لأ قالها وتنهد بقوة ليردف وهو يزيد بضمها إليه: -بس عشان خاطرك استنى. صمتت تدعي التقبل وهي تكتم انفاس الإعتراض بداخلها مع كل ما يقوم به للفت انظار الجميع نحوهما، متعمدًا اظهار انسجامهم كعاشقين، مشهد اثار استياء جاسر الذي كان يراقبهم من محله ونيران من الغضب تشتعل بداخله منهما، حتى انعكس عليه الغضب نحو زهرة التي كانت تراعي ميدو الصغير وتقوم بأطعامه بجوارها، ليُجفلها بجذبها من ذراعها فجأة: -في إيه يا جاسر؟ سألته مستغربة هيئته الغاضبة، لتجده اقترب منها يهدر بنظرة مخيفة كازًا على أسنانه: -سيبي الواد ده وانتبهيلي شوية . أومات له بخوف قبل ان تذهب لميدو تحدثه بمرح: - ميدو يا حبيبي ايه رأيك تقعد هنا ما تتحركش من مكانك على اما اشوف عمو عايز ايه؟ ولا اقولك تقعد شوية مع البت صفية وخواتي الصغيرين احسن؟ - هقعد مع صفية والعب مع البنات. قالها ميدو وذهب على الفور نحو المذكورة لتستقبله مرحبة بالقبلات، فلاحقتها زهرة بقولها: - خلي بالك منه يا صفية. اومات لها الأخرى بالموافقة، ليزداد احتقان جاسر في الهتاف بها: - في إيه يا زهرة ؟ ما تعمليلوا baby sitter احسن. اشارت إليه ليُخفض صوته ثم ردت بهدوء: -إهدي شوية، ليه العصبية دي؟ الناس هتاخد بالها مننا . هم ليعلوا بصوته ولكن تدارك لما قالته، فهمس بغيظ: - ما انتي بصراحة تحرفي الدم، قعدالي تدلعي وتراعي في اللي اسمه ميدو ده واخواته قاعدين في الفرح على كيفهم، واحدة مهيصة مع أصحابها والتانية عملالي فيها رومانسيات مع خطيبها. ردت بلهجة معاتبة: -طب وفيها إيه يا جاسر لما اراعيه؟ اعتبرني بدرب نفسي يا سيدي عشان البيبي اللي جاي، ثم إن اخواته اللي انت بتعلق عليهم دول يعني مالهم؟ ماهي واحدة عايشة سنها في الهزار مع أصحابها والتانية بترقص مع خطيبها... - واحنا بقى عواجيز الفرح، اللي قاعدين لمراعية الأطفال. قالها بمقاطعة أجفلتها، فردت بابتسامة مستترة: -إيه يا جاسر؟ دي مش طبيعتك على فكرة، هو انت إيه اللي معصبك بالظبط؟ أجابها على الفور بانفعال: -مش معبراني، سيباني من اول الفرح، مرة مع ستك تهزروا وتتودودو، ومرة تانية مع العيل ده اخو السنيورة اللي منسجمة مع خطيبها، ولا اكنها على علاقة معاه بقالها سنين. ذهبت بعينيها زهرة نحو ما يرمي إليه ثم عادت تحدثه بمهادنة: -طب يا حبيبي سيبك انت منهم دول ومتزعلش نفسك، وقولي بقى ايه يرضيك؟ -نرقص. -نعم . كرر بلهجة اشد تصميمًا: -بقولك قومي معايا دلوقتي، نقوم نرقص رومانسي زي الناس دي فاهمة ولا لأ؟ سألته ببعض الحرج: -طب والبيبي يا جاسر، وشكلي وانا حامل كدة، دا مفيهوش أي نوع من الرومانسية يعني عشان تبقى عارف. نهض يتناول كفها يقول بإصرار: -مالكيش دعوة بحد، انا عايزك كدة، قومي يالا . انصاعت تستجيب لمطلبه على مضض لخجلها، فتحولت لضحكة مرحة، حينما توقفت الاغنية وانتهت الفقرة، لتهتف ببلاهة: - الأغنية وقفت. - هشغل غيرها . -قالها وتحرك على الفور من جوارها، دون ان تعلم وجهته وسط الزحام، ثم تفاجأت بهتاف مقدم الحفل: -طب يا جماعة الفقرة هتبقى رومانسية برضوا، لكن هتبقى خاصة بجاسر باشا الريان ومراته بس قالها الرجل مشددًا على كلمته الاخيرة لتتحول جميع الرؤس نحوها، وتزداد هي حرجًا مع مشهده وهو يقترب منها ليتناول كفها ويتحرك بها نحو الساحة التي توسطت القاعة ليلف ذراعه نحوها ويراقصها، فاقتربت هي من رأسه لتهتف بخجل شديد: -دي عملة برضوا تعملها فيا يا جاسر؟ حرام عليك الناس كلها بتبص علينا . كتم ضحكته بصعوبة ليرد عليها بحزم: -ومدام عارفة ان الناس كلها بتبص علينا، يبقى اندمجي كدة وانسجمي معايا، وياريت تخلي الناس كلها تشوف ابتسامتك، ابتسمي ياللا. حاولت ان تفعل كما أمرها، ولكن ومع شعورها بالنظرات المصوبة نحوهم، عادت إليه بنبرة باكية: - مش مسامحاك عليها دي يا جاسر، وربنا ما مسحاك. لم يقوى بعد ذلك كتم ضحكته المجلجلة ليخبئ رأسها في كتفه، مرددًا: -معلش هبقى اصالحك بعدين. استمرت الفقرة بالرقص الهادي للاثنين، بعد ان سرقا الأضواء عن الجميع، واختلفت النظرات الموجهة نحوهم، ما بين حاسدة، ومعجبة، ومشبعة بالحب من الأحباب، مع بعض الهمزات واللمزات الخبيثة. وفي الجانب الاَخر، كانت غادة مازالت واقفة مع إمام، حتى شردت مع نظرة جاسر والذي كان معروفًا لديها كمدير شركتها الصارم والمتجهم الوجه دائمًا، يحتوي زوجته الاَن ويراقصها بفرحة تبدوا ظاهرة على وجهه دون خجل من هيئتها كامرأة حامل، وهي تبدوا بخجلها المعروف، تخبئ رأسها بحلته وكأنها تحتمي به من عيون الجميع حولها، زهرة والتي دائمًا ما كان ينتابها الغيظ منها ومن إدعائها التواضع كما كانت تظن، وتتهمها انها قليلة الطموح بفكر ضعيف، تراها اليوم امرأة أخرى، قواها العشق، بعد أن من الله عليها به دون سعي منها او جهد استفافت من شرودها على نداء إمام بإسمها، فالتفت إليه بأعين متسائلة، فوجدته يسألها بقلق -سرحانة في إيه يا غادة؟ حركت كتفيها تجيبه: -عادي يعني متخدتش في بالك انت. رد بحدة واضعًا كفيه في جيبي بنطاله: -ازاي يعني مخدتش بالي وانت عينك متشالتش من ع الباشا ولا مراته. تطلعت لملامحه الخشنة وقد زاد عليها جمود هيئته وهذه النظرة التي تطل من عينيه، ليصلها مغزي ما يرمي إليه، فردت بشبه ابتسامة: - مش اللي في بالك يا إمام، أنا خلاص عقلت ومعدتش بفكر في اللي بيدور دماغك انت دلوقت. لم يجيبها ولكن ظل صامتًا يطالعها بنظرة متشككة، فتابعت هي له بنبرة صادقة وقد تكتفت بذراعيها: -عارفة ان عندك حق أنك متصدقش، وعلى فكرة، انا نفسي مكنتش اتخيل إن يجي عليا اليوم واكلمك بالعقل ده، من غير ما يستفزني منظر بنت خالي وهي بترقص مع جوزها الباشا الكبير... بس هقولك على حاجة يا إمام ودي لا يمكن تشك فيها، انا بنت بلد وامي على قد قسوتها وتفكيرها الغلط، لكن اهم حاجة زرعتها فيا، هي ان شرف الواحدة مننا غالي أوي وميتعوضتش ولو بكنوز الدنيا، شوف انت بقى، لو مكنتش انقذتني وربنا ماردتش بستري في ليلتها، كان هيبقى إيه إحساسي لما اصحى الصبح والاقي نفسي..... أوقفت فجأة لتقضم شفتها السفلى وتحتجز دمعة على وشك الظهور، لتردف: -انا لو قعدت عمري كله اوفي جميلك مش هعرف يا إمام، الإنسان مبيحسش بطعم الحياة غير لما يبقى على وشك إنه يفقدها، انا بقى معرفتش قيمة نفسي غير بعد ما حسيت بفضل ربنا عليا لما نجاني قبل ما أضيع: تبسم لها إمام رافعًا حاحجبه ليردد بإعجاب: -شاطرة يا غادة،اهو انا اتأكدت دلوقتي بس انك عقلتي، لما قولت عن قيمة نفسك، عشان فعلا انتي غالية، وغالية عند اللي يصونك. صمت قليلًا يحاول السيطرة على لسانه، وعدم التهور، ويبدوا انها فهمته لذلك فاجئته بقولها: -لو عايز تتجوزني قول، لأن إن كان عليا أنا موافقة. رد يسألها بذهول: -اتتي بتتكلمي جد يا غادة؟ -والله بتكلم جد، بس انا عندي مشكلة صعبة اوي. قالتها والتفت عيناه هو نحو ما تنظر إليه، ليتفاجأ بنظرة إحسان النارية المسلطة عليهم، فعلم ما تقصده على الفور. ❈-❈-❈ بعد انتهاء الحفل وفي شقتهم الجديدة وقد فضلا قضاء اول ليلة بها، ثم السفر صباحًا لقضاء شهر العسل في إحدى المدن الساحلية، وبتصرف حامل المسؤلية دائمًا لم يقوى على تجاهل الاتصال بوالدته والاطمئنان عليها بنفسه، والتي سوف تقضي هذه الأيام مع سمية وبناتها، نظرًا لصلة القرابة التي تجمعها مع محروس والد زهرة: -ايوة يا أمي، يعني انتي كدة تمام ومش ناقصك حاجة؟..... يا ستي بطمن عليكي حرام يعني...... بلاش قباحة يا رقية، عيب عليكي انت ستة كبيرة وبطلي ضحك بقى الله يرضى عنك....... تاني يا أمي، برضوا بتضحكي، طب اقفلي بقى عشان انا مش فاضيلك اساسًا..... ماشي يا ستي كملي ضحك براحتك. اغلق الهاتف يغمغم بالكلمات الحانقة على والدته والتي لا تمل من مشاكسته حتى في يوم كهذا، استدار بجسده ليلتف نحو غرفته، فتسمر بوقفته، وقد تعلقت عينيه على من تتصدر على مدخلها، وهي ترتدي مئزرها الأبيض الشفاف، ليُظهر ما ترديه من منامة قصيرة بالأسفل وما دونها أيضًا بسخاء، شعرها البني الرائع اطلقته بحرية، وابتسامة وجهها الصبوح تزيدها روعة وهي تخاطبه بدلال: -أطمنت بقى على خالتو رقية؟ ضحك يردد خلفها بمكر: - اه اطمنت على خالتو رقية، ودماغي دلوقتي بقت فاضيية من أي حاجة تشغلها. ردت بابتسامة ازدادت اتساعًا: -طب كويس، عشان انا كمان كدة اطمنت . - يا جمالو. قالها ثم صفق بكفيه ليقول بمرح وهو يقترب منها: -يا ما شاء الله ع السرعة، مسافة الوقت اللي انا كلمت فيه والدتي، الأستاذة لحقت تغير فستانها وتلبس كمان اا..... دا عشان الحر صح؟ قهقهت ضاحكة لتجيبه وهي تلوح بكفيها: -اه فعلًا دا الجو حر قوي. - يا شيخة! تفوه بها ثم لف ذراعيه ليضمها بقوة واشتياق سنوات كثيرة مرت في معايشة هذا الحلم الذي طال انتظاره، وهي لم تكن اقل منه، لفت ذراعيها حوله مشددة هي الأخرى، وزادت بقبلة على وجنته جعلته يلتف برأسهِ إليها، يخاطبها بإجفال: -ايه دا يا أستاذة؟ انتي اللي بتسبقي برضوا؟ ردت تجيبه باقتناع: -مش انت حلالي، يبقى خلاص بقى هتكسف من إيه؟ طالعها بذهول صامتًا للحظات قليلة قبل ان يفاجئها برفعها من أسفل ركبيتها ليحملها بين ذراعيه، شهقت هي من فعلته، فرد هو متبسمًا بمرح: -مش انتي جيبتي سيرة الحلال، يبقى نخش بقى بقلب جامد، مش كدة ولا أيه؟ اومأت براسها له تضحك بمرح، ليكمل هو بابتهاجه نحو غرفتهم مرددًا بالمزاح الذي جعلها تقهقه من جديد: -توكلنا على الله. ❈-❈-❈ بعد عدة أيام قليلة كان الميعاد المنتظر لحفل الزفاف الفاخر بمدعويه والأشياء التي اعدها كارم به لأبهار الجميع، حتى يصبح هذا الحفل كما خطط له سابقًا، حديث الناس لأيام قادمة. بغرفتها وبعد أن تزينت وارتدت الفستان الأبيض الذي أتت به من ارقى دور الازياء الباريسية كما اشترطت عليه من قبل، لتبدوا بالفعل كالأميرات، وجمالها الساحر يفتن كل من يراها، كانت تطالع هيئتها في المراَة بعد ان انتهت من كل شئ واصبحت جاهزة. - ها أيه رأيكم بقى الفستان لايق عليا؟ قالتها مخاطبة الفتيات من خلفها، شقيقتها وغادة ومعهن زهرة التي ردت بأعين يملأها الحب: -انتي قمر اصلا والفستان وكأنه مرسوم عليكي... صمتت قليلًا ثم أكملت بمغزى: - بس الاهم انك تبقى انتي مرتاحة فيه. بادلتها ابتسامة صامتة ولم تُجيب، فتدخلت غادة تقول بانبهار: -جملية اوي يا كاميليا، تقولي للقمر قوم وانا اقعد مطرحك. ردت إليها بابتسامة ودودة: -تسلميلي يا غدود ربنا ميحرمني منك، عقبالك . هتفت غادة مهللة: -ايوة والنبي ركزي عليها دي، دا انا خلاص فاض بيا يا جدعان، ونفسي ابقى عروسة بقى، ادعولي ربنا يهدي العاصي. مازحتها كاميليا: - ياولد دا شكل الحكاية فيها إن وحوارات، ايه يا غدود؟ اعترضت غادة بصوت ضاحك: -ما انا قولت ربنا يهدي العاصي، هو انا لازم افسر يعني، انتوا بس ادعولي بالتساهيل. -يا ستي ربنا يسهلك قالتها كاميليا قبل ان تفاجأ بقول شقيقتها رباب التي تحدثت بمرح: -تجنني تجنني يا احلى اخت في الدنيا، انا لازم النهاردة اتصيت على حسابك، عشان الناس كلها تعرف ان اختي قمر، تعالي هنا، قالتها وهي تقترب منها بالهاتف وتوجه الكاميرا نحوهما. تبسمت لها كاميليا باضطراب وهي تقبل التصوير معها للحظات قليلة قبل ان تزيح الهاتف، وتقول لها: -تمام بس متنزليش أي حاجة دلوقتي، غير بعد الفرح ما ينتهي. ردت رباب هاتفة باعتراض: -وليه بقى التأخير؟ دا انا عايز انزل دلوقتي حالًا في الإستوري، ولما يبتدي الفرح بجد، انزل بقى في الفيدوهات، وان شالله حتي اعمل بث مباشر، انا عايزة كل البنات في الكلية يشاورو عليا بصفتي أخت العروسة صاحبة الفرح اللي يجنن ده. صمتت كاميليا بملامح واجمة فكلمات شقيقتها التي تلقيها بمرح ولا تلقي لها بالًا، كانت تزيد من عبء ما لا تُطيق حمله، تدخلت زهرة لتُنقذ الموقف: -ما تسمعي كلام اختك يا رباب، ولا انتي عايزة حد ينشها عين يجيب أجلها لا قدر الله في عز فرحتها. رددت خلفها رباب بارتياع: -ينشها عين! قصدك تتحسد يعني؟ يانهار اسود . استغلت زهرة لتزيد بقولها: -اه طبعًا ولا انتي فاكراني بهزر كمان في الحاجات دي؟ اهدي يا قلبي وسيبي كل حاجة تيجي لوقتها. بدا على وجه رباب الاقتناع وانعكس ذلك على كاميليا ببعض الارتياح، أما غادة فعقبت مستنكرة لزهرة: -ينشها عين! دي كلمة تقولها مرات راجل له قيمته زي جاسر الريان، هو انتي يا بنت انتي مش ناوية تتقدمي أبدًا؟ بقى دي لغة واحدة جوزها رجل اعمال؟ ردت مستجيبة للمزاح: -ولا حتى زوجة كمسري، انا كدة يا بنتي، دي لغتي وانا فخورة بيها، حد له عندي اعتراض؟ - لا طبعًا يا أختي خدي راحتك. قالتها كاميليا لتشارك معهن المزاح، وتدخلت أيضًا رباب ليتبادلن الضحكات والأحاديث المرحة حتى سمعن طرق الباب، قبل ان تلج منه والدة كارم ومعها بعض الفتيات من عائلتهم، فهللت لها المراة بمرح: -بسم الله ماشاء الله، أيه الحلاوة دي، تجنن يا بنات، ولا إيه رأيكم؟ قالتها المرأة وانطلقت اصوات الفتيات والنساء بكلمات الإعجاب نحو كاميليا وهي تدعي الاستجابة لهم، حتى دلف إليهن كارم، بهيئته المبالغ فيها في الأناقة لينتشر الهرج وتتبعهما كاميرات الهواتف، حتى احتضنها لتبدوا الصورة ما أجملها، قبل أن يقبلها على جبهتها ويتناول ذراعها ويخرج بها، خرجت الفتيات من أقاربه ومعهن والدته وشقيقتها، فلم يظل سوى زهرة ومعها غادة التي سألتها على الفور: -هما كدة على طول نازلين؟ مش برضو لسة الوقت بدري ع الفرح؟ أجابتها زهرة: - دول رايحين يعملوا سيشن في الفندق هنا، وبعدها هترجع تاني هنا ع الاوضة، روحي انتي حصليهم انا مش هقدر امشي وراهم عشان ظروفي. فهمت غادة ما تلمح به زهرة عن حملها، فهمهت بالدعوات قبل أن تستأذنها بعجالة: -حبيبتي ربنا يقومك بالسلامة يارب، ارتاحي انتي، وانا هخرج بسرعة بقى عشان احصلهم واشوف الحاجات العليوي دي بقى . ضحكت لها زهرة وهي تتابعها حتى خرجت، لتخلو الغرفة بعد ذلك عليها وحدها. ❈-❈-❈ - يا بني قولتلك مكنش لازم تيجي خالص النهاردة . هتف بها جاسر نحو صديقه الذي دلف معه داخل القاعة الفخمة بعد أن أصر على أن يحضر معه، فرد طارق وعينيه تجول في المكان وعلى هذه الأشياء المبالغ فيها: - متحاولش معايا يا جاسر، انا مصمم اني افوق من الوهم اللي عايش فيه، ودا مش هيحصل غير لو دوست على قلبي أو كويته بالنار، واظن ان مافيش اقوى من كدة كوي زفر جاسر يحرك رأسه بقنوط، من وضع صديقه ومن وضع هذه المجنونة التي قبلت بغيره، انتبه على رؤية كارم وهو يترك مجموعة من الرجال الذين تبدوا على وجههم صرامة الرتب العالية، وأقترب بابتسامته ليصافح جاسر الذي هنأه على مضض، ثم ازداد اتساع ابتسامته وهو يصافح الاَخر: - طارق باشا، نورت الفرح، بجد أسعدتني بمجيتك. رد طارق يهنئه بتماسك يحسد عليه: -انا اللي اسعد، الف مبروك. رد كارم: - الله يبارك فيك عقبالك. أهداه طارق ابتسامة صفراء، ولحق جاسر حتى لا يخرج الأمر عن السيطرة: -طب نسيبك احنا تستقبل بقية المعازيم، يالا بينا طارق. قالها وسحب المذكور من ذراعه نحو أحد الطالاوت الكبيرة ليجلس عليها معه، رد طارق بحريق اشتعل بصدره: -الواد دا مستفز جدًا يا جاسر، متعمد يحسسني ان في ما بيني وما بينه طار بايت، مش عارف انا ايه حكايته معايا. رد جاسر بحزم: -انا نبهت عليك من الاول متجيش، لكن انت اللي مصر تعذب نفسك، انا بقول بقى نص ساعة كفاية عليك وتروح. حرك طارق رأسه بالنفي قائلًا بإصرار: -انا مش متحرك من هنا، غير بعد ما اشوفها واحط عيني في عينها وانا بباركلها عشان تعرف ان انا كمان بايع مش هي بس. التوى ثغر جاسر ليعقب على قوله بعدم رضا: -وهتستفيد إيه يعني بعدها؟ غير ان عذابك هيزيد؟ بصراحة انا قرفت منكم انتو الاتنين، ومشتفش حد في غباءكم. بشبه ابتسامة ادعاها طارق، رد وهو يطوف بعينيه على أرجاء القاعة: - بس ايه الجنان ده؟ الواد ده مجنون بالمظاهر. انتبه جاسر لما يشير إليه صديقه وعقب هو الاَخر بدهشة: -دا حقيقي على فكرة، من زمان وانا اعرف عنه الصفة دي، بس مكنتش متخيل أنها للدرجاي ❈-❈-❈ في الجزء الاَخر من الحفل، تسمر الرجل محله يتطلع على شاشة هاتفه بعدم تصديق، من وقت أن جائته هذه الرسالة منذ دقائق، وهو كالتائه، يعيد ويكرر القراءة، ويتطلع بالرقم جيدًا فهذا رقم ابنته، والرسالة منها كما تخاطبه، إذن كيف يمكنه ان يستوعب هذا؟ -أيه يا عمي؟ مش كفاية كدة بقى، عشان تطلع للعروسة على اتفاقنا، ولا اطلع اجيبها انا ولا إيه؟ هتف كارم فور وصل إليه، فنهض الرجل من محله ليرد بارتباك: -والله يا بني انا كنت طالع من شوية، لكن الرسالة دي هي اللي لخبطتتني، بس ان شاء الله خير وانا هتأكد بنفسي. اوقفه كارم فجأة ليسأله بارتباب: -رسالة إيه؟ قالها وانتبه فجأة على الهاتف الذي مازال ممسكًا به والد كاميليا، فتناوله ليقرأ التالي: "والدي العزيز، متزعلش مني يا حبيبي، إنت أكتر واحد عارف إني قد المسؤلية وعمري ما هربت من حملي اللي شيلته من قبل ما اكمل العشرين، بس انا النهاردة مكانش قدامي حل تاني، والظرف المرة دي كان فوق طاقتي، سامحني يا والدي، انا سيبت الفرح وهربت" رفع كارم رأسها عن الهاتف يسأله بأعين تطلق شررًا وعقل يرفض التصديق: -يعني إيه الكلام ده؟ دي قاعدة فوق في الجناح بالفستان الأبيض، واحنا من شوية كنا بنصور السيشن، إيه الهزار السخيف ده؟ - هو فعلًا هزار سخيف وانا طالع اجيبها بنفسي . قالها والد كاميليا وهو يتحرك باضطراب، ورد كارم ليسبقه: -وانا لسة هستناك؟ انا طالع اشوف بنفسي. قالها ليعدوا بخطواته مسرعًا نحو جناح عروسه في الطابق الثاني من الفندق، بدون حتى ان ينتبه لمن يهتف عليه بإسمه، بشكل اثار انتباه جاسر وطارق أيضًا. وصل إلى الجناح في الطابق الثاني ليفاجأ بهذه الحالة الغريبة من السكون، وحالة الذهول المسيطرة على معظم من بالغرفة، رباب شقيقة كاميليا والتي كانت تبكي بصمت وزهرة في جانب وحدها مع ميدو الصغير صامتة، أما غادة فكانت مع بقية الفتيات أقارب كارم، تكتنفها معهن حالة من الذهول الشديد، هتف بهن بتوجس وغضب وابصاره نحو رباب وزهرة : -إيه مالكم في إيه؟ فين كاميليا؟ لم تجيب واحدة ممن يقصدهن، وردت فتاة من إحدى أقاربه: -والله ما نعرف يا كارم، احنا كنا بنهيص هنا معاها بعد السيشن، فقامت هي من وسطنا وقالت هدخل الحمام، سيبناها وقعدنا نرقص مع بعض، ولما طالت المدة، خبطنا كتير، وفي الاخر فتحنا لما ملاقيناش رد ولقينا ده. أشارت بكفها نحو الفستان الأبيض والملقى على فراش التخت، والذي ما أن وقعت عليه عينيه، تهدجت أنفاسه وتلاحقت بتسارع شديد ليقترب ويتناول قماش الفستان، بأعين جاحظة تشتعل بنيران الإنتقام، وقد تأكد من مغزى الرسالة التي أرسلتها لأبيها، ليهدر نحو الجميع كازًا على أسنانه: -انا عايزة افهم، الكلام دا حصل ازاي؟ يعني إيه تدخل وتغير فستانها وانتوا ماتشوفوهاش ولا اكنكم عميتوا؟ ردت غادة: - يا استاذ كارم، رغم اني لحد دلوقتي أنا مش مستوعبة، بس يعني عشان تفهم اللي حصل، اولا حمام الجناح هنا قريب من مدخله، واحنا هنا كنا بترقص ع الاغاني وبنهيص، هي بقى غيرت وخرجت ازاي؟، بصراحة انا مش فاهمة. صاح بها بعدم اقتناع: -انتي مش فاهمة ودول مشافوش حاجة، اسأل مين انا بقى؟ رفعت رأسها رباب تقول من بين بكاءها: -والله يا كارم، انا مش فاهمة هي عملت كدة ازاي؟ دي مش شخصية كاميليا أبدًا. اقترب برأسه منها يقول من تحت: -انتي مش مصدقة على اختك، وانا مش قادر استوعب، يبقى الحل إيه بقى؟ شهقت رباب وعينيها زاغت حول الفتيات ثم ردت بحرج وهي تخرج له ورقة من حقيبتها وتضعها بكفه: -انا لقيت الورقة دي يا كارم مع الفستان، واسفة إني قريتها. سمع منها ليطالع المكتوب في الورقة الموضوعة بيده: " كارم باشا ازيك، معلش بقى، عشان مش هقدر اكمل في المسلسل السخيف ده، عندك الفستان قلعته بصراحة عشان مش مرتاحة فيه، وعقد الالماظ شوفلك واحدة... ترضى تقيدها بيه" انهي قراءة الكلمات ليزأر بصوته كوحش بري اخاف الفتيات فهممن بالخروج ولكنه صاح على الجميع: - ولا واحدة رجليها هتعتب برا الجناح دلوقتي فاهمين؟ تكومن الفتيات حول بعضهن بارتياع يغمغمن بصوت خفيض خوفًا من هيئته، فتجاهل هو ليتناول الهاتف سريعًا ويتصل على رقم يعرفه: -ايوة يا أمين سيب أي حاجة في أيدك وتعلالي حالا ع الجناح بتاعي، من غير ماتحسس بيك اي حد..... بسرعة الله يخليك. انهى المكالمة ليفاجأ بزهرة التي وقفت وبيدها لم تترك ميدو، لتقول باعتراض: - انا لازم اخرج حالا، جوزي بيرن عليا وعايزني انزله سمع منها وتطلع إليها بصمت فاغرًا فاهه لعدة لحظات قبل أن يقترب منها ويرد نحوها مضيقًا عينبه: -زهرة هانم مرات جاسر بيه، مش غريبة دي ان انتي الوحيدة، اللي قاعدة ساكتة ومش باين عليك أبدًا انك زعلانة من اللي عملته صاحبتك؟ الفصل الثاني والستون -نعم! قصدك إيه بالظبط؟ هتفتت بها بتحدي غير عابئة بغضبه ولا بهذه الهيئة الخطرة التي بدت على وجهه بوضوح وهو يقترب منها حتى أصبح أمامها مباشرة، ليُطالعها بتفحص وقراءة جيدة، حتى عاد بالسؤال بنبرة هادئة ومريبة: - ما انا بسألك يا زهرة عن صاحبتك، هو انتي تعرفي هي راحت فين؟ ردت وعينيها تواجه خاصتيه بقوة: -وانا برضوا سألتك قصدك ايه بالسؤال ده؟ ولا انت شاكك من الأساس اني هربتها؟ رد على ثقة استنتجها بذكائه الحاد: -انا مش شاكك، انا متأكد يا زهرة انك هربتيها. -وانا معنديش مرارة للظنون بتاعتك دي، ولا عندي أي حاجة تجبرني اتحمل الكلام الفارغ ده، انا ماشية. قالتها وتحركت على الفور نحو المغادرة، توقف هو قليلًا خلفها يستوعب الهيئة الجديدة لهذه المرأة التي تزوجها جاسر، وهي ضعيفة، منكسرة، تخشى من ظل خيالها، تبدوا الاَن كنمرة شرسة تكشر بأنيابها بكره في وجهه هو وبهذا اليوم، بعد فعل صديقتها، على خاطره الاخير، استفاق ليهدر بها قبل أن تصل لباب الغرفة بصوت زلزل اركان الجناح الواسع، حتى انتفضت الفتيات من هيئته ليلتصقن ببعضهن، وهو يعدوا بخطواته الواسعة ليصل إليها في ثوان قليلة، ليتبع بأعين مشتعلة بسعير من الجحيم: -انا دلوقتي بس اتأكدت إن انتي اللي ساعدتيها، صاحبتك راحت فين يا زهرة؟ ردت بحدة غير اَبهة به: - وانا بقولك إني مش قابلة تحليلك ولا أسئلتك دي، وابعد بقى عن طريقي، بدل وديني لقول لجاسر على اتهامك ده، واسيبه هو اللي يتصرف معاك . تبسم ساخرًا بجانبية قاسية، فتوحشت ملامح وجهه ليجعل قلبها يرتجف بداخلها، ولكنها تمالكت لتتمسك بالطفل، تحاول حمايته، مع كلمات الاخر التي تصدر مع هدير أنفاسه: -بلاش الألعاب دي وفوقي كويس يا زهرة وفوقي صاحبتك، هي مش قدي ولا قد حركة زي دي أبدًا، اتصلي بيها تيجي حالا وتلم الدور، دا لو انتي خايفة عليها بجد، ولا خايفة على اخوها اللي مش سيباه من إيدك ده . قال الأخيرة، خاطفًا نظرة سريعة نحو ميدو، فتتحول هي لمخلوق اَخر أمامه بعد تهديده الصريح، وبرقت عينيها لتنسى خوفها منه ومن هيئته، فتصيح بوجهه: -اقسم بالله ما تقربلوا ولا تقرب لأي حد من خواته لدفعك التمن عمرك كله، وإن كان على كاميليا، انا قولتلك إني مليش دعوة ودي حاجة ما بينك وبينها، يعني لا انا ولا عيلتها لينا أي دخل باللي بيحصل ما بينكم . إلى هنا وقد فقد زمام أمره فصاح بقوة يضرب بكفه على الجدار من خلفها: -أمال مين اللي دخل لما انتي وعيلتها ملكمش؟ للمرة أخيرة بنبهك، لو مجاتش صاحبتك في ظرف نص ساعة، لكون جايبها من شعرها لو كانت حتى مستخبية في جهنم نفسها، بس ساعتها هتبقى تحت رجلي، هدوقها من العذاب الوان وتبقي توريني مين اللي هيقدر يرحمها من عذابي -كاااارم هتف بها جاسر على مدخل الجناح بعد أن وصل إليه وذلك بعد الرساله التي بعثتها له زهرة منذ دقائق ، تطلبه ليأتي إلى الجناح فورًا من أجل حدث هام، فيصل الاَن ويرى هذا المشهد، كارم وهو يحاصر زهرة وميدو الصغير، ملاصقين بالحائط من الخوف وهو يبدوا وكأنه يريد الفتك بهم فتابع له جاسر بوجه صارم وهو يخطو بداخل الغرفة نحوه -إيه اللي بيحصل هنا؟ تمالك المذكور يستقيم بجسده ليجيب الاَخر، مسيطرًا بعض الشئ على انفعاله: -تعالى وشوف بنفسك يا جاسر باشا، أنا كنت بسألها عن كاميليا وهي زي ما انت شايف كدة، مش متقبلة سؤالي، رغم علمها بالظرف الي انا فيه . -مالها كاميليا؟ سأله جاسر باستفهام، فتغير وجه الاَخر على الفور، حتى بدا أنه لا يريد الإجابة، ولكنه تمكن في الاخير ليجيب باقتضاب: -حصل مشكلة ما بينا، وانا دلوقتي بطلب من زهرة هانم تكتم ع الخبر ده قدام أي حد، أنا مش عايز إسم عيلتي يتجاب على لسان أي حد. سأل جاسر مرة أخرى وقد زادته آجابة الاَخر حيرة: - طب وهي فينها كاميليا، اتكلم انا معاها لو انت عايز . سمع منه لليشيح بوجهه عنه، ثم رد وهو يقضم بأسنانه على شفته السفلى من الغيظ: -زهرة هانم هي اللي هتفهمك يا جاسر باشا. أجفل جاسر على هذه الهيئة الغريبة لكارم، وفعله الأغرب، قبل أن ينتبه على زهرة وهي تجذبه من ذراعه وتخاطبه: -تعالي معايا يا جاسر دلوقتي وانا هفهمك. تحرك معها رغم استغرابه، ولكنها توقفت فجأة ملتفة لكارم: -بس انا كنت عايزة اخد البنات معايا غادة ورباب . رد إليها بعضب يوشك أن يحرق الأخضر واليابس: - ولما تاخذي الاتنين وتمشي، هيبقى سيبنا مين لأمين ابن عمي عشان يحقق معاه؟ مش كفاية انتي ماشية اهو؟ - تحقيق إيه؟ صاح بها جاسر بنفاذ صبر ، فتمسكت به زهرة لتسحبه للخارج، متمتمة له: -أنا هقولك يا جاسر، بس تعالى . استسلم جاسر لسحبها مضطرًا، حتى إذا ابتعدوا قليلًا عن الغرفة تفاجأ برؤية هذا المدعو اَمين ظابط الأمن، وخلفه والد كاميليا متجهين نحو الغرفة التي خرجوا منها، وقبل ان يخرج صوته لحقت هي لتهمس بإذنه حتى لا يسمع ميدو الصغير: - كاميليا سابت الفرح وهربت. -إيه؟ خرجت منه بارتياع اختلط بعدها بمشاعر غريبة تقارب الإرتياح، كبتها سريعًا ليسألها بتجهم: -ازاي يعني؟ انتي بتتكلمي جد ولا بتهزري؟ اومأت بعينيها لينتبه إلى الصغير، ثم همست مرة أخرى: -بعدين هفهمك على كل حاجة، المهم دلوقتي فين إمام؟ زادته بقولها تشتتًا، ليهدر هامسًا هو الاَخر: -إمام كمان؟ وانتي مالك بإمام؟ ❈-❈-❈ نزل جاسر في الأسفل ليصل إلى صديقه الذي كان في انتظاره على نار ليسأله على الفور: -في إيه يا جاسر؟ انا ليه حاسس إن في حاجة مش مظبوطة عاد المذكور لمقعده ليجلس دون أن يجيبه، وهو يطالعه بنظرة غير مفهومة أثارت ارتياب الاَخر، ليهتف به: -يا بني ما ترد مالك؟ بابتسامة لم تصل لعينيه رد جاسر: -بصراحة محتار ابلغك الخبر ازاي؟ لأن لحد الآن مش قادر استوعب. عقب على قوله طارق بنفاذ صبر -مش قادر تستوعب إيه بالظبط؟ ما تتكلم يا جاسر، انا بدأت اتوتر فعلا. اقترب جاسر برأسه منه ليهمس بصوت خفيض: -كاميليا هربت وسابت الفرح سمع طارق والتف برأسه إليه يطالعه بأعين متوسعة وعدم تصديق، فتابع له جاسر بنفس الهمس: -والله زي ما بقولك كدة، والدنيا مقلوبة فوق، بس كارم بيكتم ع الخبر. ظل طارق على صمته يتطلع إلى جاسر بتشكك، رغم رغبته الشديدة في التصديق، فأتى نداء مقدم الحفل حاملًا له التأكيد بقوله: -يا جماعة... يا جماعة معلش.... احنا جالنا خبر مؤسف دلوقتي، هو إن العروسة تعبت جدًا، والعريس اضطر يأجل الحفل، بنعتذر من كل المدعوين في الحفل. زاد الهرج في قلب القاعة، والتساءلات الفضولية مع حركة البشر، ليستفيق اَخيرًا طارق لسؤال صاحبه: - لكن دا بيقول تعبانة؟ اوما له جاسر يجيبه: -ما انا قولتك بيكتم ع الخبر، عشان صورته قدام الناس. برقت عيني طارق، وتسارع الخفقان بصدره لهذا الصغير، وكأنه وجده القشة التي يتعلق بها الغريق، ليسأله على الفور بلهفة: -طب هي زهرة فين دلوقتي؟ انا مش شايفاها معاك! رد جاسر يمط بشفتيه: -والله الست زهرة نزلت معايا من شوية، بس سابتني بعد كدة عشان عايزة إمام في حاجة مهمة! غمغم طارق بعدم فهم: - حاجة إيه؟ ❈-❈-❈ عايز إيه يا إمام؟ هتف بها كارم فور أن ولج إليه المذكور لداخل الجناح الذي فرض عليه حماية مشددة لعدم الأقتراب منه لأي شخص من المدعوين او الصحفين، وقد تمكن حتى الاَن من التعتيم بهذه الإجراءات التي فرضها على إدارة الفندق، وحصار الفتيات التي حضرن وقت هروب كاميليا بالإضافة إلى افراد عائلتها ومعهم غادة التي تطلعت بلهفة إلى إمام وهو يجيب كارم بكل ثقة: -الباشا باعتني احضر معاكم ومع عيلة كاميليا هانم، عشان انا اللي هروحهم بعد كدة . هتف كارم بتهكم وتشكيك: -يا راجل، بقى الباشا برضوا اللي هو اللي أمرك بكدة؟ صمت إمام عن الرد، فتدخل أمين ضابط الشرطة ليخاطب ابن عمه: -خلينا في اللي احنا فيه دلوقتي يا كارم، وانت بتقول انه من طرف جاسر باشا، يبقى خلاص بقى . ابتلع كارم اعتراضه، حتى يتجنب فتح جبهات أخرى، فعليه الاَن التركيز في مشكلته. وقف إمام في إحدى جوانب الغرفة يتابع اسئلة المدعو أمين وهو يوجهها للفتيات الاَتي اتخذت جهة واحدة، منهن من جلسن بجوار التخت، وبعض الأخريات على المقاعد القليلة ووالد كاميليا يتابع من الجهة الأخرى بوجه واجم، ومتجمد: - يعني انتوا متأكدين مافيش ولا واحدة فيكم شافتها؟ طب مش يمكن تكون اتخطفت والرسايل دي تكون من الخاطفين. عقب على قوله كارم بحدة: - اتخطفت ازاي بس يا امين؟ طب والرسالة اللي بعتتها لوالدها. رد أمين: -عادي يعني، ما هو يمكن يكون الخاطف هو اللي باعتها، هو فين تليفونها؟ هتفت رباب من بينهن: -التليفون مع كاميليا، وانا برن عليها من وقت طويل ومبترودش. تطلع اَمين للفتاة الصغيرة، المختلفة عن بقية اقاربه، بهيئتها الرقيقة وشعرها القصير والبراءة التي تطل من عينيها رغم ذبولها من البكاء الكثير، فسألها بنبرة متغيرة أثارت انتباه كارم: انتي اختها الصغيرة رباب مش كدة؟ اومأت برأسها بخجل، لحق به كارم ليُفيقه بلكزة من مرفقه مع نظرة محذرة بقوله: -يبقى كدة احنا لازم نشوف صور الكاميرات عشان نشوف اللي دخل واللي خرج من الجناح في الوقت ده بالذات. اجابه أمين وقد عاد إليه تركيزه: -اللقطات زمانها بتتجهز، انا أمرت مدير الفندق يحضرها. هتفت فجأة واحدة من الفتيات: -بس انا افتكرت حاجة دلوقتى. -افتكرت إيه يا نهلة؟ قولي بسرعة . هتف بها كارم بخشونة نحو الفتاة التي اجابته سربعًا باضطراب: -واحنا بنرقص ومندمجين انا كنت لمحت بنت من عمال النظافة وهي خارجة من الأوضة باليونيفورم بتاعها، بس بصراحة مشوفتش وشها، ولا اعرف هي دخلت هنا ليه -بلبس العمال ! تمتم بها كارم بتساؤل قطعه المدعو امين بقوله: -متتعبش نفسك في الأسئلة تعالى نشوف صور الكاميرات دلوقتي حالا. هم ليتحرك معه، ولكنه استدرك فجأة ليسأله: -طب ودول؟ قالها بإشارة إلى الفتيات فرد امين موجهًا نظراته نحوهن: - دول اكيد يروحوا بس المهم بقى ماحدش يطلع كلمة لبرا يا بنات ، حتى لو أهاليكم، تمام يا بنات. التف كارم برأسه فجأة بصيحة ارعبت الجميع . -اللي هسمع انها طلعت كلمة من اللي اتقالت دلوقتي، متولموش الا نفسها بعد كدة. ❈-❈-❈ في غرفته وبعد أن كبح جماح غضبه طوال طريق عودتهما معًا حتى ينفرد بها ويأخذ فرصته كاملة في التحدث معها، ثم انتظارها الاَن، حتى تطمئن على هذا الصغير ميدو والذي أصرت على عودته معهما، ومبيته في غرفة الطفل المنتظر؛ طفلهما. كان يفور ويغلي من داخله، يستعجل الثواني وكأنها سنوات، فعقله لا يستوعب حتى الآن ماحدث، وقلبه يؤنبئه بأن لها دخلًا كبيرًا بذلك. انتبه على دخولها الغرفة بخطوات متعبة تتأوه من الألم: -اَه يا ضهري. خلعت الحجاب وخلعت حذائها سريعًا لتستلقي بظهرها على الفراش، بفستان السهرة اقترب يلقي كلماته بتهكم: - ولما ضهرك واجعك كدة، مرجعتيش على السرير على طول ليه، وسيبتي اللي اسمه ميدو ده تنيموا الخدامة؟ رفعت رأسها إليه لترد باستنكار: - لا طبعًا مينفعش الكلام ده، الولد مخضوض اساسًا من اللي حاصل، دا انا لو عليا، كنت نمت بالمرة معاه . -كماان اومأ بها ليضيف بكلمات مقصودة: - ودا على كدة بقى، هيقعد معانا كتير في البيت؟ ردت بصوت شارد وكأنها تفكر بشيئًا ما: -يعني بقى حسب الظروف. سمع منها ليميل برأسه إليها قائلًا: - والظروف دي بقى اللي هي إيه بالظبط عشان افهم؟ انتبهت على هذه النظرة الحادة من عينيه؛ والتي كان يرمقها بها من علو، فاعتدلت بجذعها لتجيب بوجه جدي: - على ما ربنا يسهل وتتحل أزمة كاميليا، لأن بصراحة انا مش هقدر اتخلى عنه في غيابها. صمت قليلًا وعيناه ازدادت حدة ليسألها مباشرةً: - انتِ كنتِ عارفة باللي صاحبتك هتعمله يازهرة؟ اجابته على الفور وبدون مواربة: -ايوه يا جاسر وانا اللي ساعدتها كمان. ردد خلفها يستوعب صحة ما سمعه: -وانتي اللي ساعدتيها كمااان! دا على كدة كارم كان عنده حق بقى. توقف ليهدر بصوت عالي: - انتو مجانين؟ لما هي مش عايزة تتجوزو قبلت بيه من الأول ليه؟ تعمل الحركة الغبية دي مع واحد زي كارم وراه عيلة تسد عين الشمس! طب نفترض انها غبية ومش حاسة بخطورة اللي عملتوا، انتي تساعديها ليه؟ هتفت تخرج عن صمتها: - كاميليا مش غبية ولا متخلفة، ولا هي كانت عايزة إن دا يحصل، بس مكانش في غير الحل دا اللي لقته قدامها، وكارم اللي انت بتتكلم عنه ده يستاهل كل اللي يجراله منها، بعد ما زلها وكان عايز يكسرها. عقب جاسر على قولها باستفهام: -انتي بتقولي إيه؟ ما توضحي كويس عشان اكون افهم زيك. تطلعت إليه لعدة لحظات صامتة وصــ درها يصعد ويهبط بشدة من فرط انفعالها، وما تشعر به تجاه هذا الرجل، بعد الذي فعله مع صديقتها لتقول اَخيرًا: -حاجة زي دي مقدرش احكي فيها يا جاسر، بس اللي اقدر اقولهلك بجد، هو إن الراجل ده سئ جدًا، وشخصيته عكس ما كل الناس شايفاها. صاح جاسر بها: -لكن اختيارها يا زهرة ومحدش غصب عليها، هي اللي عايزة كل حاجة على كيفها، موافقتش بطارق ليه من الاول؟ كانت ريحت نفسها وريحتنا احنا معاها كمان. ردت تجيبه عن اقتناع: -محدش يعرف بظروف الناس يا جاسر، أكيد كاميليا كان عندها سبب قوي يدفعها للبعد عن طارق، واختيار إنسان ضده على الإطلاق، بعيد عن الموضوع انت ممكن تلوم براحتك، لكن اللي جوا الموضوع نفسه أكيد بيبقى ليه أسباب قوية في اختيارته . ضق عينيه جاسر يعقب مندهشًا من لهجتها: -كلامك بقى كله اللغاز يا زهرة، وانا بصراحة مش مقتنع . خاطبته برجاء: -ومش هقدر اوضح أكتر من كدة يا جاسر، انا بس اللي بطلبه منك، انك تقف معايا في رعاية ميدو، وحماية عيلة كاميليا، انا وصيت إمام يبعت حد من طرفه يحرس عند بيتها هناك ويتابع هو معاه، بس برضوا قلقانة. -يا سلام! لدرجادي انتوا خايفين منه؟ قالها جاسر باستخفاف، قابلته هي بخوف حقيقي: -واكتر يا جاسر، وعشان كدة انا بترجاك.. صمت يتأملها قليلًا بصمت ثم قال: - طب حيث كدة بقى، يبقى انتي لازم تقوليلي هي فين عشان اعمل حسابي بالمرة . ردت بثقة أذهلته: -لا هي متشلش همها خالص، ولا تعمل حسابك عليها، انا بس اللي يهمني عيلتها. هز برأسها يسألها باستغراب: -فيه أيه يا زهرة؟ وصاحبتك دي راحت فين بالظبط؟ ردت بنفس وضعها السابق: -ما انا قولتلك متشلش همها، يعني ماتشغلش نفسك بيها ولا بحمايتها خالص، وياريت وحياتي عندك ما تسألني تاني كمان . هتف فاقدًا السيطرة: -طب ولما انتي مطمنة كدة يا حبيبتي، طمني قلوبنا احنا كمان، وليكي علينا يا ستي مش هنقول لمخلوق، بس اطمن المسكين دا اللي بيلف بالعربية بقالوا ساعات في الشوارع بيدور عليها . ردت ببساطة لتزيد من دهشته: -انت قصدك على طارق؟ لو هو عايزها بجد، هيوصلها على فكرة. -ياسلام! وهو هيعرفها بقى كدة لوحده؟ إيه جو الفوازير ده يا زهرة؟ انا دوخت معاكي. تبسمت تجيبه: -والله ولا في جو فوازير ولا حاجة، المسألة سهلة خالص، بس زي ما قولتلك في الاول، انت برا الموضوع، يعني مش شايف الصورة كاملة . ❈-❈-❈ بداخل السيارة وبعد أن ابتعدت عن محيط الخطر نهائيًا، تنفست الصعداء اَخيرًا لتضع رأسها على إطار النافذة المغلقة وعينيها تنظر خارجًا للطريق المظلم الذي تقطعه السيارة، لاتصدق انها اخيرًا قد نجت، تنهدت ببعض الارتياح، وقد علمت الاَن بعودة أباها وأشقائها لمنزلهم، بعد ان انتهى الحفل كما توقعت لمعرفتها بطريقة تفكيره، وجبروته أيضًا في إيقاف أي خطر قبل أن يصل إليه، وفرض إرادته في تنفيذ ما يُصر عليه، عادت بذاكرتها تتذكر هذه اللحظة العصيبة وقت انسحابها من جوار الفتيات لتدخل مرحاض الغرفة، فوجدت الحقيبة التي بها الملابس بحسب اتفاقها مع زهرة في إحدى الزوايا الغير ظاهرة من الحمام الفاخر، خلعت فستانها سريعًا لتضعه على المغسلة الرخام، وارتدت يونيفرم عاملات النظافه لتمسح على جميع زينة وجهها بالمنظف ثم لفت شعرها للخلف كدائرة لتكمل بوضع الكمامة الطبية على نص وجهها، ثم انتظرت على الهاتف حتى ارسلت لها زهرة المراقبة لمدخل الجناح وحركة الفتيات به، بكلمة مقتضبة" اخرجي" لتسمع منها كاميليا وتخرج على الفور دون الالتفاف للدخل على الإطلاق ، حتى لا تثير نحوها الشكوك، ومن باب الغرفة لمدرج الخادمات ارتدت السترة الثقيلة التي خرجت بها، لتهبط متخذ طريقها إلى باب الخروج. تثائبت بتعب فقد ارهقت اليوم جسديًا ونفسيًا، حتى نال منها الإجهاد بحق، القت نظرة على الساعة الملفوفة حول رسغها قبل ان تسأل السائق أو من بجواره في الأمام: -باقي كتير على ما نوصل؟ اجابها أحدهم باقتضاب: -لا بالعكس، دي كلها دقايق ونوصل. ❈-❈-❈ أمام الشاشة المصغرة كان جالسًا يتابع مع المسئول في المكان وبحضور ابن عمه الضابط أمين، تتبُع خط سيرها من وقت أن خرجت من الجناح، وارتدائها السترة الثقيلة على ملابسها ثم الخروج من الفندق نهائيًا، ثم صعودها لهذه السيارة الغريبة في قلب الظلمة: -متقدرش تجيلي صور أوضح للعربية دي عشان اشوف لونها او ارقامها كويس. هتف بها كارم نحو الرجل المتخصص امام الشاشة، وكان رد الرجل: -للأسف يا فندم، العربية دي ركنت خلف الفندق في المنطقة الضلمة وحتى لما اتحركت، خدت طريق جانبي مداري عشان متظهرش كويس فلا يبان شكلها ولا أرقامها صاح به كارم غاضبًا: -نعم ! إنت هتستعبط عليا ؟ بقولك إيه، تتشال تتحط في اللي بتشتغل عليه عندك، وتطلعلي صور كويسة للعربية دي وارقامها، انت فاهم ولا لأ؟ لهجته القوية أثارت الخوف بقلب الرجل الذي بدا على وجهه الإرتياع، وتدخل اَمين بلهجة أقل حدة للمذكور وبنفس الوقت يضغط بيده على ساعد كارم كي يتماسك بعض الشئ: - اسمع الكلام يا بني، وجرب تاني من صور الكاميرات اللي باقية، اتعب شوية . أومأ له الرجل رغم ثقته في عدم الجدوى من محاولاته، أما كارم فقد ابتعد عنه قليلًا ليهدر هامسًا لابن عمه الذي لحق به لخارج الغرفة: -شوفت بنت ال.... كان مرتبة نفسها كويس قوي، ومعاها كمان اللي يساعدها، ماشي يا كاميليا . رد الاَخر يتسائل بتعجب: - بس انا مش فاهم، هي تعمل معاك كدة ليه؟ وهي عارفة ومتأكدة انها في الاول والاَخر مراتك، يعني مربوطة بإسمك مش مجرد خطوبة... توقف فجأة ليُضف بسؤاله: -ولا تفتكر انها عاملة حسابها في دي كمان؟ وصل إلى كارم مغزى ما يقصده ابن عمه لتحتد عينيه وتزداد اشتعالًا في قوله: -دا انا اموتها احسن لو فكرت فيها، أقتــ لها بإيدي ولا إنها تبقى لراجل غيري . ❈-❈-❈ - بتقول إيه؟ وضح أكثر أنا مش فاهم. هتف بها طارق يخاطب محدثه عبر الأتير في الهاتف وهو يغادر مبنى عمله بعد أن أتاه ليلًا في محاولة بائسة من البحث، علّها تكون قد جاءت واختبأت في مكتبها، فجاءه رد الاَخر: -يا بني زي ما بقولك كدة، كل ما اسئلها تقولي هو هيعرف لوحده. صاح به طارق وهو يفتح باب سيارته ليعتليها: - هعرف لوحدي ازاي يعني؟ هشم على ضهر إيدي مثلًا؟ هي الستات دي عايزة إيه بالظبط؟ إدهاني يا جاسر عشان خاطري. وصله رد الاَخر بتنهيدة مثقلة: -ما هي نامت يا طارق، هصحيها ازاي بس؟ زفر المذكور يتمتم بالكلمات الحانقة، قبل أن يهتف بالرد نحو جاسر: -وكمان جالها قلب تنام؟ اقفل يا جاسر اقفل. اغلق يلقي الهاتف بجاوره ليغمغم بالسباب، ضاربًا بقبضتيه على عجلة القيادة: -طب اروح فين دلوقتي بس يا ربي؟ اروح فين؟ الستات دي اللي هطير برج من نفوخي... أنهى ليتسمر لاهثًا وعقله مشتت بالأفكار الكثيرة والتكهنات العديدة حول مكان وجود هذه المجنونة الاَن، عصر بعقله حتى فاض به وهم بتشغيل المحرك، مقررًا الذهاب إلى زهرة ولو وصل به الأمر للإعتصام في المنزل عندها سيفعل ولن يغادر سوى بعد أن يعرف عنوان كاميليا، ولكن وقبل أن يتحرك بالسيارة جيدًا، استدرك فجأة فتذكر الرقم الذي لم ولن ينساه ابدًا، فتوقف يتناول الهاتف ليتصل بها، ثم جاءه الرد على الفور: - الوو مين معايا؟ توقف قليلًا يتنفس بخشونة على أسماعها مفكرَا ببداية جيدة للحديث معها، وعلى حين غرة سبقه لسانه في الرد المفاجئ لها بانفعاله: - إنتي عارفة أنا مين، فين كاميليا؟ صمتت قليلًا هي الأخرى قبل ان ترد: -وانت عايز كاميليا في ايه يا طارق؟ سمع منها ليهدر متفاجئًا من ردها: -يعني انتي عارفاني اهو، يبقى بتسأليني ليه؟ قوليلي هي فين؟ طمني قلبي عليها، حرام عليكي اللي بتعمليه فينا ده يا شيخة. -خلصت كلامك. تفوهت بها ثم رددت بنفس النبرة الهادئة: -انا سألتك سؤال وجاوبني عليه، عايز كاميليا ليه؟ كبح بصعوبة صرخة قوية كادت ان تخرج من عمق حلقه، ليصيح غاضبًا على هذه المعتوهة التي تسأله غير مقدرة لحالته، ولكنه تمالك اَخيرًا ليجيبها باستجداء: -عايز احميها، عايز احاوط عليها في أشد وقت هي محتجاني فيه، أنا عايزها دايمًا وعمري ما هتخلى عنها، حتى لو هي اتخلت عني زي ما حصل قبل كدة... أرجوكي قوليلي على مكانها. صمتت مرة أخرى لتزيد من عذابه، ثم قالت: -مدام كدة بقى، يبقى تعالى يا طارق وانا اقولك على مكانها. هتف متلهفًا يردد بعدم تصديق: -يعني انتي عارفة مكانها صح؟ طب ما تقولي مستنية إيه؟ قوليلي هي فين أرجوكي.. قاطعته بقولها: - وانا بقولك لو عايز تعرف مكانها تعالى . تمالك أنفاسه قليلًا ليسأله قاطبًا: -أجيلك! طب انتي ساكنة فين أساسًا؟ ❈-❈-❈ في صباح اليوم التالي . ولجت زهرة للغرفة المزينة بالرسوم الكرتونية والألوان الزاهية، وقعت عينيها في البداية على التخت الصغير لطفلها المنتظر قبل أن تذهب نحو النائم على السرير الاَخر، ليُشرق وجهها مع رؤية الابتسامة الرائعة على هذا الوجه الطفولي وهو ينظر لها وكأنه كان ينتظرها، فهتفت به مبتهجة وهي تقترب لتجلس بجواره: - يا صباح الغمزات، يا صباح الجمال كله، أيه يا عم ميدو الحلاوة دى؟ اعتدل جالسًا بجزعه يتلقى قبلاتها على غمازتيه كما تفعل شقيقته، ورد يجيبها: - صباح الفل يا أبلة زهرة. رددت وهي تضمه إليها وتزيد بتقبيله على شعر رأسه في الأعلى: -يا حبيب الابلة انت يا ميدو ياقمر، صاحي بدري ليه بقى؟ وراك مشوار ؟ ولا انت منمتش كويس؟ خرج سؤالها الاَخير بقلقٍ تبدد مع اجابته البسيطة: -لا طبعًا نمت، بس انا متعود ع الصحيان بدري عشان المدرسة ولا انتي ناسية؟ نفت برأسها ضاحكة لترد وهي تقبله مرة أخرى على رأسه: -شكلي كدة فعلا ولا بايني فقدت الذاكرة.... لكن قولي يا ميدو. تطلع إليها باستفهام في انتظار قولها، وهي فكرت قليلًا قبل أن تسأله بتردد: -بصراحة كنت عايزة أسألك، حاسس بأيه النهاردة؟ لسة خايف برضوا؟ نفى برأسه لها، فقالت متابعة بتشكك: -يا راجل، يعني مش قلقان بعد اللي حصل امبارح.... من كاميليا؟ اجاب بعفويته: - لأ مش قلقان، عشان كاميليا اتكلمت معايا من الاول، وقالتلي لو حصل أي حاجة في الفرح متخفش عليا، انا عاملة حسابي . تبدلت ملامحها للذهول التام وهي تُعيد بأسألتها: -إنت بتتكلم بجد؟ يعني كاميليا قالتلك كدة فعلًا؟ -والله ما بكدب، دا حتى في يوميها خدتني وفسحتني وخلتني شوفت ماما. سمعت منه لتتوسع عينيها وتدلى فكها بصدمة قبل أن تسأله متلهفة: -إنت روحت وشوفت ماما؟! طب ازاي؟ وهي فين؟ انا عايزاك تحكيلي كل حاجة دلوقتي يا ميدو، ماشي؟ ❈-❈-❈ خرج من سيارته بعد أن توقف بها أمام العنوان المذكور، فتسمر قليلًا أمام اليافطة المدون عليها بالخط العريض على المبنى الضخم، اسم المؤسسة، دار الأمل لرعاية كبار السن، ليتمتمه بداخله وتزداد بعقله الحيرة، ثم ما لبث ان يتحرك نحوه بخطوات مسرعة، حتى يصل لنهاية لهذه الألغاز. في الداخل وبعد أن سأل في الاستعلامات، وصل إلى الغرفة المنشودة ليطرق على بابها بحرج، قبل أن يصله ندائها من الداخل: -ادخل . دفع الباب بتردد، يلقي بتحية السلام قبل أن يرى من بالدخل، وتُعلمه هي عن مكانها بالرد على تحيته: -وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، اتفضل يا طارق. التف نحو مصدر الصوت، ليجد امرأة جالسة على مقعدها المريح أمام النافذة الزجاجية الكبيرة بوسط الحائط، لم يتبين وجهها جيدًا مع انعكاس ضوء الشمس عليه، فظهر له غطاء الرأس وجزء من مما تريديه في الأعلى من جلباب بيتي، تابعت بندائها إليه حتى يكف عن تحديقه بها من محله: -ادخل بدل وقفتك دي وانت تشوفني كويس. كلماتها زادت من حرجه، تحمحم ليرد وهو يخطو إلى داخل الغرفة نحوها: - معلش انا اسف، بس دي اول مرة ادخلك يعني و... قطع كلماته فور أن توقف أمامها وظهر له وجهها بصورة أوضح، فانقبض قلبه وابتلع ريقه بصعوبة، لا يصدق ما يراه أمامه، فقد كانت المرأة صورة طبق الأصل من ابنتها، فتذكر قول كاميليا قبل ذلك عن الشبه الكبير بينهم، ولكن هذه المرأة هيئتها خالفت كل توقاعته، فهي بالفعل تُشبهها، ولكن كنسخة باهتة، شاحبة بشدة، نحيفة، مريضة! -إيه مش هتسلم عليا؟ قالتها لتُخرجه من شروده، فاقترب على الفور يصافحها مع قوله: - للمرة التانية انا بعتذر، اَسف بجد. بادلته المصافحة تقول مبتسمة: -يا سيدي انا عايزاك تقعد، وكفاية بقى اعتذرات . اومأ صاغرًا على مطلبها فتناول المقعد خلفه ليُقربه منها، ثم جلس أمامها، ليقول بتوتر: -أنا بتأسفلك للمرة الألف على اسلوبي معاكي دلوقتي، وطريقة ردودي الناشفة دايمًا في التليفون، بس انا عايزك تعذريني، كاميليا ولا مرة لمحت لي عن مكانك هنا . ردت بابتسامة تطابقت مع بهتان وجهها الذابل: -وكنت عايزها تلمحلك ازاي؟ ولا تقولهالك بشكل مباشر كدة، إن والدتها اللي سابت جوزها وولادها بطفلها اللي عمره سنة، وراحت بأنانية اتجوزت الراجل اللي كان حلم عمرها وهي صغيرة، وبعد ما عاشت معاه في الدلع وافتكرت ان الدنيا ضحكت لها، جالها ال..... توقفت متنهدة بقوة قبل أن تكمل: -المرض اللعين، عشان ياخد منها جمالها اللي كانت فرحانة بيه، وتشوف بقى جزاءها من الراجل اللي ضحت بالدنيا كلها عشانه، ويضحى هو بيها ويرميها مع اول امتحان، ومايبقاش ليها لازمة معاه. الفصل الثالث والستون تبني فكرتك السيئة عن شئ خفي لا تعلمه، ويكبر بداخلك الحقد نحوه، تُحمله ذنب كل ما يحدث معك ثم تنقلب فكرتك هذه مئة وثمانون درجة مع رؤية الحقيقة الكاملة أمامك. كانت هذه هي اكبر المفاجاَت التي لم يكن يتوقعها على الأطلاق، صراحة المرأة وهي تردف بكل أخطائها والنتائج التي وصلت إليها بعد ذلك، كان كسقوط الصاعقة فوق راسهِ، إصفر وجهه وتعرق جبينه، وعينيه اصبحت تتهرب منها غير قادرة على المواجهة، لقد كان قاسيًا في الحكم عليها، وشديد العنف في ردوده على الهاتف معها . علمت المرأة ما برأسه، لذلك خاطبته بمشاكسة حتى تخرجه من جموده: -إيه يا دنجوان مكسوف ماتبصيلي ولا إيه؟ دا باين اللي اتحكالي عنك كان كله كلام وخلاص. استرعت انتباهه بكلماتها، مما جعله يسألها بفضول وهي كانت تجاوبه بصراحة: -كانت بتحكيلك عني؟ - كتير . - افهم من كدة انها حبتني زي ما حبتها؟ -ويمكن أكتر كمان. عقب إجابتها الأخيرة صاح فاقدًا السيطرة: -ولما هو كدة، عذبتني وعذبت نفسها ليه؟ مرضيتش تديني فرصة عشان اغير من نفسي وانا كنت بترجاها وهاين عليا ابوس على إيدها، عملت فيا وفي نفسها كدة ليه؟ ردت المرأة تُجيبه بغموض: - انت لسة برضوا ما فهمتهاش ياطارق، كاميليا لما اختارت ما بينكم، مكنش بتدور ع اللي تحبه ولا يحبها، بنتي كانت اختارت على مبدأ اللي ما يكسرهاش لو اتخلى عنها! توقفت تخرج تنهيدة طويلة ثم تابعت بأسى: - عشان اجيبك من الاَخر، كاميليا ورثت عني كل حاجة عني في الصفات الوراثية، والدكاترة قالولها كدة بصريح العبارة، ان احتمال كبير قوي يجيلها نفس مرضي، يعني هتفقد انوثتها وجمالها حتى بالعلاج او ربنا شفى عنها. هتف بانفعال نحوها: -بس انا مكنتش هتخلى عنها، ولا كنت هسيبها.... قاطعته بقولها: -خلي بالك الأختبار صعب يا طارق، وهي مرديتش تحطك في الإمتحان ده، عشان بتحبك وعشان شافت اللي حصل لوالدتها بعد ما اتخلى عنها جوزها اللي كانت بتحبه. تسمر قليلًا امام نظرة الأنكسار بعيني نبيلة، فعلم على الفور، ان ما تخشاه كاميليا، كان اكبر من طاقتها، ولذلك لم يدع لنفسه التردد فى قوله القوي لها: - مش صعب، مع واحدة زي كاميليا ما فيش اي شئ صعب، كاميليا تستاهل إن اضحي بعمري كله عشانها، بس كمان انا اعرف ان المرض دا ممكن يتلحق لو كان في أوله. -ماهي بتداوم على طول بالفحوصات والتحاليل أول بأول، لكن برضوا مفيش حاجة مضمونة. قالتها المراة، ليهتف بحماس نبع من داخله وبشدة: - حتى لو مش مضمونة، والقدر حكم بكدا، انا برضوا متقبل وهفضل معاها في كل مرحلة تمر بيها، المهم هي فين دلوقتي انا عايز اشوفها، انا عايز كاميليا. اشرق وجه نبيلة رغم بهتانه لتُجيبه مبتسمة: -طب اهدى طيب وفكر شوية، اللي انا قولته مش سهل. صمت قليلًا أمامها بتفكير ثم قال بنبرة أهدى من السابق: - في الموضوع ده مفيش تفكير انا قررت وخلاص، لكن اللي شاغلني دلوقت بس هو مشكلة جوازها، وبصراحة عايزة اعرف هي ليه هربت اساسًا وفي يوم الفرح؟ -الكلام دا تفهمه منها هي ذات نفسها، انا المهم دلوقتي هو اني حطيتك في الصورة ولك حرية الإختيار، بنتي موضوعها مش سهل حسب اللي عرفتوا عن اللي اسمه كارم ده. أومأ قليلًا بتفهم قبل يستدرك ليسألها بانتباه: - افهم من كدة اني هشوفها دلوقتى، طب هي فين اندهيلها حالًا. قاطعته بضحكتها قائلة: -اتقل شوية يا بابا اتقل، كاميليا مش هنا، بس انا هديك عنوانها. ❈-❈-❈ بشرفة الغرفة، كان واقفًا بفنجان القهوة يرتشف منه، وهو يتطلع أمامه نحو الأشجار الخضراء والزهور المتنوعة بحديقة منزل العائلة، التي اصبحت مسكنهم منذ حملها بالطفل، لا يشعر بطعم القهوة ولا حتى يرى جمال الزهور كعادته فعقله كان يسبح بعيدًا في أفكاره، يقلقه هذه الهيئة الغريبة منها، يصدمه فعلها والتخطيط الذي قامت به مع صديقتها دون إخباره، هذه النزعة الإنتقامية لم تكن ابدًا من سمات زهرته، هذا التحدي والتصميم على المضي في ماتفعله، يجعله متفاجئًا بشدة من هذا التغير، بالأمس أشفق ولم يطاوعه قلبه للضغط عليها ولكن اليوم فقد قرر ولن يتركها الا بمعرفة كل شئ منها، لن يتنازل عن غير ذلك، ف لينتظر الان حتى رجوعها من عند الصغير الذي سرق اهتمامها منذ الأمس، وجعلها تنشغل عنه، ولكن ف ليتريث قليلًا: -اصبر يا جاسر اصبر . كان يغمغم بالكلمات حتى التف برأسهِ للخلف فوجدها في وسط الغرفة متسمرة محلها تنظر إليه، استدار بجسده ليخطوا نحوها مضيقًا عيناه بريبة مما يبدوا على ملامح وجهها من أشياء لم تريحه على الإطلاق. اقترب منها يسألها بتوجس: -إيه في إيه؟ شكلك ميطمنش، في حاجة حصلت؟ نفت بتحريك رأسها دون صوت، ازدادت حيرته ليهتف بنفاذ صبر: -أمال في إيه بس؟ ما تنطقي يا زهرة. بكلمته الاخيرة كان قد وصل ليقف أمامها تمامًا، فتلقفته هي وكأنها كانت بانتظاره، لترتمي فوق صدره وتتشبث بقميصه منطلقة بموجة من البكاء الحارق، شعر بوخزة بقلبه لفعلتها فلم يتمالك نفسه سوى بضمها بذراعيه بقوة، ليهتف هامسًا بصوت مهتز من فرط ارتياعه عليها: - مالك؟ فيه إيه؟ إيه اللي وصلك لكدة؟ لم تجيبه بل زادت بنحيبها وشهقاتها العالية، لتجعله يتخلى عن فضوله في السؤال الاَن، وزاد من ضمها ليجلس بها على التخت من خلفهما، مستمرًا في التربيت على ظهرها، والمسح بكفه على شعرها، حتى هدأت قليلًا ليسألها بعد ذلك وهو يقبل أعلى رأسها: - اظن دلوقتي تقدري تتكلمي، حتى عشان تريحي قلبي شوية بقى. تنهدت تلتقط انفاسها جيدًا قبل ان تجيبه: - والدتها طلعت مريضة يا جاسر. - نعم! هتف بها بعدم فهم ليُكمل بسؤاله: -والدة مين يا زهرة؟ ما توضحي أكتر، انا مش فاهم حاجة. خرجت من حضنه لتلتقي عينيها بخاصتيه، وتجيبه بأعين تترقرق فيها الدموع مرة أخرى: -انا قصدي على كاميليا يا جاسر، طول عمرها بتمثل القوة قدامنا، وإن حياتها فل ومفيش اي حاجة تهمها، وعمرها ما اتكلمت ولا جابت سيرة والدتها اللي سابتهم وأطلقت من جوزها بقالها سنين، واحنا كنا محترمين رغبتها في عدم الكلام عن حاجة زي دي، بس النهاردة اول مرة اعرف الحقيقة اللي كانت مخبياها عن الناس كلها، حتى اقرب ما ليها... توقفت فتولى هو البقية حسب ما توصل إليه بفطنته: -يعني هي كانت بتراعي والدتها المريضة من غير ما تقول قدامكم انتو بس؟ ولا أهلها كمان معاكم؟ رددت بهز رأسها: -مش عارفة، مش عارفة مين اللي عارف منهم ومين اللي ميعرفش، ميدو هو اللي حكالي عشان هي خدته عندها قريب، ودي أول مرة تحصل، هو اساسًا مكنش يعرفها، لأنها سابته على عمر سنة واللي قامت بتربيته هي كاميليا وباباها، الولد حكالي عنها يا جاسر، بعقله الصغير عرف انها بتاخد كيماوي... قطعت لتعود لنوبة بكاءها مرة أخرى وهتف جاسر عليها بحزم نبع من خوفه عليها: - كفاية بقى يا زهرة حتى عشان البيبي، وربنا لو ما سكتي لاندهلك ماما تسكتك. على مزحته الاخيرة استجابت بابتسامة عفوية رغم بكاءها، ف اكمل: - كملي عياط وانتي حرة بقى، لميا هانم هتاخدك من إيدك كدة ع الدكتورة عشان تطمن ، يالا بقى كملي لو عايزة تعب. رفعت رأسها عن صدره تجفف دماعاتها، وقد تمكن من تشتيتها عن البكاء، لتقول بخوف مصطنع: -لا خلاص، انا مش قد لميا هانم ولا قد تحكماتها، ربنا يجعل كلامنا خفيف عليها. - ايوة كدة ناس تخاف ماتختشيش. قالها متابعًا لمزاحه قبل أن يُغير فجأة بسؤاله: - طيب ولما هي كدة والدنيا معقدة معاها أساسًا، بتعقدها ليه بزيادة؟ لا وكمان بتزيد عليها بعملة امبارح دي؟ لما دخلت نفسها في سكة انتقام. ردت زهرة: - مين قالك إن كاميليا كان غرضها الإنتقام؟ أردف لها جاسر بتصميم: - فعلها يا حبيبتي، دي حاجة مش محتاجة زكاء عشان تتفهم، للأسف انتو الاتنين لعبتوا بالنار مع حد مش سهل أبدًا، كارم دا انا طول عمري عارف عنه الذكاء الحاد وسرعته الغير عادية في أنجاز المهام، لكن بعد ما شوفته امبارح؛ دا واحد تاني معرفوش ابدًا، وهي السبب. -لأ مش هي السبب . رددتها خلفه بإصرار لتتابع: -هي كان كل غرضها انها تهرب منه، بعد ما عرفت حقيقته وقفل في وشها كل الأبواب، عشان ميديهاش فرصة تفكر حتى، وكاميليا عمرها ما كانت هتقبل بالهوان او انها تعيش مع واحد غصب عنها، دي أنسانة حرة. تنهد بسأم ليهدر بها يائسًا: -تاني برضوا مصممة ع اللي في دماغك وبتدافعي عن صاحبتك، طب سيبنا بقى من اللي راح، وخلينا في اللي جاي، دلوقتي بعد ما هربت هتعمل إيه؟ وهي أساسًا على زمته، ولا انتي ناسية؟ ردت ببساطة: -هتنفصل؟ -نعم! هتف بها باستغراب زادته هي بقولها: - ما هو دا الطبيعي يا جاسر، هي أساسها عاملة المشوار دا كله عشان تنفصل عنه، ولا انت فاكرها يعني غاوية جو أكشن والحاجات دي . عقب ساخرًا بدهشة: -يا سلام! وكارم بقى هيقبل ويخلص الموضوع كدة بكل سهولة! دا على أساس إنه عبيط يعني؟ ولا هيسبها اساسًا لو عرف مكانها؟ رفعت كتفيها وانزلتهما لتجيب بعدم اكتراث: -يعمل اللي عايز يعمله بقى، هي خلاص أمنت نفسها. ختمت قولها لتفاجأ بنظرة حادة منه جعلتها تخاطبه سائلة بارتياع: -في إيه يا جاسر بتبصلي كدة ليه؟ هدر بوجهها حازمًا يذكرها بلهجته المسيطرة: -في انك هتقوليلي دلوقت على مكانها، لا وكمان هتحكي عن كل شئ بالتفصيل. - بس انا معرفش كل حاجة. قالتها بخوف قابله بصيحة قاطعة: -هتقولي عن كل اللي تعرفيه يا زهرة، من طق طق لسلام عليكم، فاهمة ولا لأ ؟ حينما لم ترد ردد بصيحة اقوى: - ردي عليا فاهمة ولا لأ؟ -خلاص فاهمة فاهمة . قالتها مستسلمة لتغمغم بصوت خفيض: -اعوذ بالله، عليه قلبة حواجب . -إخلصي يا زهرة. هتف بها بنزق، لتجيبه على الفور: - حاضر اهو هتكلم ❈-❈-❈ بصدره العاري وقف خلف ستائر النافذة الحريرية البيضاء، يتطلع من الجزء المكشوف منها إلى الخارج، واضعًا كفيه بجيبي بنطاله القطني، بوجه متجهم، وانفاس متهدجة وكأن ما حدث لم يمر عليه ليلة كاملة قضاها في البحث المكثف، حتى عاد فجرًا، ف أبى أن يمر وقته دون أن ينفث عن غضبه في اقرب شئ تطاله يداه. - خلاص انا كدة همشي بقى يا كارم؟ ولا لسة عايزني؟ هتفت بها المرأة التي من خلفه، فالتف إليها يجيب بنزق: -هاعوزك في إيه تاني يعني؟ هو انتي لسة مزهقتيش؟ تبسمت المرأة بميوعة وهي تعدل جيدًا من وضع فستانها بعد ارتدائه: -لا زهقت دا إيه؟ قول تعبت، إنت كنت صعب اوي النهاردة، بس اقول إيه بقى، عريس! احتدت عينيه بنظرة مخيفة إليها سائلَا: -تقصدي إيه؟ ارتجف قلبها فعدلت لتصحح على الفور: -قصدي يعني انه كان هيبقى فرحك امبارح، لولا بس التعب المفاجئ اللي حل على عروستك، الا صحيح هي عاملة إيه دلوقت؟ تحرك بأقدامه كفهد يتربص بفريسته ليقترب برأسه، ونظرته المخيفة تكاد أن توقف قلبها: -بتسألي ليه عن صحة العروسة يا جيرمين؟ تلجلجت تجيبه باضطراب: -يعني هكون بسأل ليه بس؟ عايزة اطمن والله بعد اللي اتقال امبارح عن صحتها وخلاكم تأجلوا الفرح، إيه يا كارم، هو انت لسة معرفتش بغلاوتك عندي؟ قالت الاَخيرة واضحة كفها على عضل صدره القاسي، لتكمل بنعومة: - اكيد عارف بمعزتك اللي خلتني اخترع حجة وهمية عشان اسيب نجيب والولاد واجيلك هوا، اول بس ما رنيت عالي وقولت عايزك، ماتتصورش الفرحة اللي حسيت بيها وقتها، انا عمري ما ارفضلك طلب أبدًا يا كارم. حدجها بنظرة ثاقبة وكأنه يبحث عن سبب ما يجعله يود الفتك بها حتى يفرغ طاقة الغضب المشتعلة داخله، ولكنه استدرك ما ينتظره من خسائر لو اكتشف أمره مع امرأة رخيصة كهذه. فعاد لعقله وقال ليقطع معها فلم تعد تلزمه الاَن: -انا بقول انك تروحي دلوقتى احسن، مش عايزين جوزك يشك فيكي، إنت مش قد غضب نجيب اومأت برأسها، لتتناول الحقيبة اليدوية خاصتها، وقبل ان تتحرك نحو الباب الخروج إلتفت برأسها إليه تخاطبه: -هتوحشني أوي يا كارم أوي . تفوهت بالكلمات وحين لم تجد أي رد فعل سوى هذا الوجه الجليدي، استدارت وخرجت، لتتركه لأفكاره، فهذا ما ينقصه، ان يكون حبيبًا لامرأة كهذه، ومن ارادها بحق هربت من سطوته، كالسابقة، تنفس بعمق ليعود إلى تخته، علّه ينجح في محاولته للنوم، فيجب عليه أخذ راحة جسده الاَن حتى يستفيق للقادم، ولكن كيف سيفعل؟ وصورتها لا تغادر ذهنه، لمستها تجعله في اشتياق دائم إليها، كيف سيفعل؟ انتبه على صوت جرس المنزل مع طرق متواصل على باب الشقة، فاعتدل على الفور ليخرج سريعًا من غرفته بتحفز لصب غضبه على من يجده خلف الباب، فهذا ما يريده بالفعل، وكانت المفاجأة، أن القادم لم يكن سوى والدته توقف يردد بارتباك: -أمي، إنتي جيتي هنا ازاي؟ وايش عرفك أني هنا؟ القت على نظرة صدره العاري لتومئ بذقنها مخاطبة له: -طب البس حاجة الأول عشان متاخدش برد . -أمي. اردف بها بسأم وهو يلتف ليعود بداخل شقته ويجلس على اقرب مقعد وجده أمامه متابعًا بقوله: -سيبك من الكلام دا بقى، وتعالي كلميني الأول، انتي عرفتي إني هنا ازاي؟ تغضن وجه المرأة لتشاركه الجلوس على المقعد المقابل، وردت بلهجة لائمة: -إيه يا كارم؟ مستغرب ان والدتك الست البسيطة عارفة مكان الشقة اللي بتقابل فيها عشيقاتك؟ -عشيقاتي! رددها بتعجب اثار غضب والدته لتصيح عليه: -أمال كنت فاكرني نايمة على وداني، وعقلي المحدود مش هيجيب الصفحة اللي بتقدر بكل براعة تدرايها عن الناس، مرات نجيب كانت بتعمل عندك إيه يا كارم؟ احتدت عينيه مع سؤالها المباغت، ليشيح بوجهه عنها، ف السيدة الوالدة يبدوا أنها كانت على علم بكل شئ، والكذب الاَن لن يجدي بفائدة معها، حين لم تجد المرأة ردًا، تابعت تخاطبه بقوة: -كان نفسي الصفحة الجميلة اللي بتبرع في رسمها قدام الناس، تكون كدة ع الحقيقة كمان، ليه يا بني تخون اقرب ما ليك، نجيب دا ابن عم والدك، حتى خد بحق العيش والملح أللي ما بينا وبينه... هدر يقاطعها بحدة: - انا مروحتش لحد ولا لعبت عليه، هي اللي رمت نفسها عليا، ودا عرض مظنش إن في راجل هيرفضه، اعتبريه شفقة. مع كلمته الاَخيرة إستشاطت غيظًا لتهدر به: -بلاش كلامك المستفز دا يا كارم، يا بني حرام عليك. -حرام على مين؟ صرخ بها ليُتابع بهتافه الحاد كازًا على أسنانه: - يعني انتي جايالي النهاردة وانا فيا اللي مكفيني من من اللي حصلي امبارح عشان تديلي مواعظ، فيه أيه؟. صمتت قليلًا والدته تمتص غضبه، ثم تناولت كف يده تخاطبه بحنان: -سامحني يا حبيبي لو كنت زودت الضغط عليك، بس انا عايزاك تعقل كل ده بذكائك شوية، إنت عارف وانا عارفة إن كاميليا كويسة، وعملة امبارح دي أكيد وراها حاجة كبيرة ما بينكم، يا أما انت ضغطت عليها كعادتك لما تعوز شئ بشدة، بس مش كل حاجة بتتاخد بالقوة يا كارم. ضيق عينيه يسألها بريبة: -قصدك إيه؟ وضحي أكتر يا ست الكل. اخرجت تنهيدة كبيرة المرأة، لتجيبه بنظرة قوية: -قصدي انت عارفه كويس يا كارم، اليوم اللي انت عزمت فيها كاميليا ع الغدا في غيابي، واحدة جارتي سألتني عن الصريخ اللي كانت سامعاه في وقتها من بيتنا، انا مسألتكش بس تقريبًا خمنت اللي حصل. صاح يضرب بكفه على ذراع المقعد من جواره: -خمنتي أيه يا ست ماما؟ عشان تبقى عارفة بقى، انا موصلتش للي انا عايزة على فكرة. - بس يكفي المحاولة يا كارم، ودي لوحدها صعبة على أي ست. قالتها المرأة ليُشيح بوجهه عنها يزفر بقوة، فمبدأ ان يكون مكشوفًا هكذا أمام أحد ما حتى لو كان والدته، مرفوض تمامًا بالنسبة إليه، لذلك عاد إليها يردف بتحدي: -خمني زي ما انتي عايزة يا ست الكل، كاميليا هترجع ورجلها فوق رقبتها، وساعتها هخليها جارية تحت رجلي، شغلها هو متعتي وبس، ها أيه رأيك بقى يا أمي؟ تطلعت إليه المرأة قليلًا بصمت، قبل أن تجيبه بقنوط: -هقول إيه يعني يا بني؟ ربنا يهديك. ❈-❈-❈ كطفلة مذنبة كانت تتطلع إليه بتوجس وترقب في انتظار كلمة منه، وهو يرمقها باعين مشتعلة، تسمع صرير أسنانه التي يطحنها من الغيظ، انفه ينفث دخانًا بغضب لا تعلم سببه! -روحتي قابلتي الراجل لوحدك يا زهرة؟. سألها بنبرة هادئة مريبة، فردت بتلقائية رغم توجسها : - ويعني هو كان ميعاد رومانسي، دا كان في كافيه مشهور وعام. هدر بصيحة أجفلتها: - وكمان ليكي عين تستظرفي؟ بتقابلي راجل غريب لوحدك يا زهرة؟ هتفت تجيبه رغم ارتياعها من هيئته: - مش كنت بساعد صحبتي، هو انت هتشك فيا ولا إيه؟ -صاحبتك صاحبتك، مراحتش تقابله هي بنفسها لييه؟ مع صرخته الاَخيرة زحفت للخلف لتلتصق بقائم السرير، بخوف تجيبه: - ما انا قولتلك ان اللي اسمه كارم دا كان فارض عليها حظر شديد، يعني مكنتش هتقدر تقابله، جرا إيه يا جاسر؟ ردد خلفها وهو على حافة الجنون ورأسه تقترب من وجهها بشدة: -جرا إيه يا جاسر! مش عارفة جاسر جراله إيه بعد عملتك؟ بقى تخططي مع صاحبتك وتنفذي وتقابلي رجالة غريبة من ورايا ولسة بتسألي؟ مع هلعها من هيئته، وضعت كفها على موضع طفلها، تردد إليه بتهديد لتردعه عنها: -خلي بالك، الزعل وحش ع الست الحامل، حتى اسأل طنت لميا..... قاطعها صارخًا: - اخرسي مسمعش صوتك خالص، انتي فاهمة ولا لأ، أومأت برأسها مزعنة لأمره بتخوف، فانتفص هو فجأة من جوارها، ليتناول الهاتف، فنست لتسأله بفضول: -طب هتتصل بمين دلوقت؟ -بقولك إخرسي. هتف بها لتلتزم الأدب وتعود لصمتها، مع ارهاف السمع جيدًا، لمحتوى المكالمة، وقد فاجئها بإسم المتحدث من الجهة الأخرى: - ايوة يا كارم.... عامل ايه النهاردة؟ ..... تمام انا كنت عايز اقابلك طيب...... لا سيبك من الشغل انا عايزك في حاجة تانية، فاضي كدة بعد ساعة من دلوقتي؟..... تمام يبقى اتفقنا. فور انهائه المكالمة سألته بلهفة: - طب بتكلم كارم ليه طيب؟ ردد صارخًا مرة أخرى وهو يتجه نحو خزانة ملابسه: -مية مرة اقولك اخرسي يا زهرة مسمعش صوتك خالص النهاردة. نفخت بضيق فور ان استدار عنها، وفضولها القاتل جعلها تود العودة لفعل الأطفال بقرقضة ألأظافر، بعد أن اشعل حيرتها بمكالمته ❈-❈-❈ خلف زجاج نافذتها كانت تراقبه من محلها وهي جالسة على نفس وضعها على مقعدها، تتابعه من غرفتها في أعلى المبنى، وهو يعتلى سيارته ثم سار بها نحو وجهته حتى اختفت من أمامها، لتردد دعائها برجاء: -يارب استر يارب، جيب العواقب سليمة يارب. أما هو فقد انتبه اَخيرًا لإنارة هاتفه الصامت بالإتصال، تناوله سريعًا ليجيب على المتصل بعجالة لتركيزه الشديد في القيادة: - ايوة يا جاسر عايز إيه؟ هتف يجيبه الاَخر: - مبترودش عليا ليه يا بني؟ دا انا بتصل بيك من الصبح . رد طارق مع انشغاله برؤية الطريق: - معلش كنت بعمل مشوار مهم كدة ونسيت التليفون، اخلص بس اللي في إيدي وابلغك على طول، بس اقفل دلوقتي عشان الطريق معلش. -طب إنت رايح فين ؟ ولقيت كاميليا ولا لسة عشان انا.... -بعدين يا جاسر، اقفل بقى الله يخليك، ولا اقولك هقفل انا ، سلام بقى ❈-❈-❈ في النادي الرياضي خاصتهن، عادت مرة الجلسات المشتركة بينهن بعد ان انفك الحصار عن ميري، وقد اذعنت لأمر أبيها ونفذت المطلوب منها، أما ميرفت والتي تعيش الان فترة استراحة محارب، في انتظار تحين الفرصة المناسبة، فقد كانت تقلب في شاشة الهاتف حينما انتبهت لهذا الخبر لتخاطب شريكتها: - شوفتي يا ميري الخبر الجديد؟ سألتها الأخرى وهي ترتشف من كوب العصير: -خبر إيه بالظبط؟ ردت ميرفت بلهجة ماكرة: -شكلك كدة ربنا بينتقملك، الولد اللي اسمه كارم مدير اعمال جاسر الريان، فرحه اتلغى مع الزفتة كاميليا، من نص الفرح تقريبًا، وقال أيه بيقولك، ان العروسة تعبت، اقطع دراعي إن ماكان الموضوع ده فيه إن . قطبت ميري لتسألها باستفسار: -تقصدي أيه بالظبط يا ميرفت؟ انا بصراحة مش فاهمة. زمت شفتيها المذكورة تعصر عقلها ثم ردت بتفكير: -اممم مش عارفة بس انا عندي شك كدة، ومش مصدقة، اصل بصراحة كدة، انا كان عندي شك من زمان في علاقة بين البت دي واللي اسمه طارق، اكيد كارم عرف، ودا اللي خلاه يفركش الفرح بعد ما اكتشف خيانتها، دي سهونة زي صاحبتها صدقينى. زفرت ميريهان لتعقب بتأفف: - يوه يا ميرفت، متجبليش سيرة الأشكال دي الله يخليكي مش ناقصة قرف انا . أومأت لها المذكورة وهي تعود بجسدها على الكرسي للخلف: - عندك حق يا روحي، احنا جاين نرفه عن نفسنا، بالجو الجميل بتاع النادي والأشكال الحلوة اللي فيه . قالت الأخيرة بغمزة بعينيها نحو احد الرجال الرياضين، التفتت ميري نحو ما تقصده صديقتها، لتُصدر صوت صفير صغير وتردد بإعجاب: - واو يا ميرفت، انا فعلا وحشتني الحاجات اللي تجنن دي ، الرجال اللي بجد مش العيال ال.... قطعت لتردف بتأفف وقد ازعجها شئ ما : -يييي دا بيجي ع السيرة دا ولا إيه؟ انتبهت ميرفت نحو الجهة التي تقصدها ميري فتبسمت بخبث تخاطبها: - فهمت انا قصدك مين بالعيال. تجعدت ملامح ميري بسأم، معطية ظهرها بتعمد لعدم الالتفاف حتى أتى من خلفها ماروا يهتف بغضب: -يعني برضوا خرجتي من غير ما تبلغيني يا ميري؟ جاهدت ميرفت لكبح ابتسامتها وهي تخاطبه بمهادنة: -معلش يا مارو، هي اكيد نسيت لما انا قولتلها تعالي عايزاكي ضروري. التف مارو نحو ميري التي أسندت وجهها على كف يدها المستندة بمرفقها على الطاولة تطالعه بصمت : -يعني انتي صحيح نسيتي يا ميري؟ اومأت له بأهدابها دون صوت، فقالت ميرفت: -شوفت بقى عشان تصدقني. رمقها بنظرة تعلوها الزهو وهو يقول: -عشان خاطرك انتي بس يا ميرفت، انا مش هزعل ولا ازعلكم ، ما انتوا اكيد وحشتكم القعدة مع بعض، على العموم انا كنت جاي اساسًا اتدرب النهاردة، عن إذنكم بقى، هسيبك دلوقتي شوية يا بيبي وراجعلك بعد شوية قال الاَخيرة بمداعبة على أسفل ذقنها بطرف سبابته، قبل ان يتركهن ويغادر غمغمت ميري ساخرة وابصارها ارتكزت على جسده النحيف فور ان التف بظهره وابتعد قليلًا: -ابقى خليهم يشوفوا العضلات. اطلقت ميرفت ضحكة قوية لتقهقه بعدم قدرة على التوقف، وعقبت ميري على حالتها: -اضحكي يا اختي اضحكي على خيبة صاحبتك اللي كانت مدوراها شرق وغرب، يرسى بيها الحال، تبقى زوجة ده... قطعت لتكمل بتحسر: -بقى يا ربي بعد ما كنت زوجة جاسر الريان اللي كل الستات هتجنن عليه، يجور عليا الزمن وابقي مرات الواد العبيط ده؟ توقفت ميرفت عن الضحك مجبرة، فقد لامست ميري بكلماتها جرحها هي الأخرى ❈-❈-❈ وعودة إلى جاسر الريان الذي اجتمع مع مدير اعماله هذه المرة في مكتبه لكن على الكنبة الجانبية بالغرفة ، لفتح حديث ودي بعيدًا عن العمل ومشاكله: - نعم يا جاسر باشا كنت عايزني في إيه؟ هتف بها كارم سائلًا، وجاء رد الاَخر بلهجة هادئة: - عايز اطمن عليك يا كارم، اعتبرني زي صاحبك، احنا عشرة بقالنا سنين دلوقتي . اومأ له كارم بتماسك ووجه مغلف، لا يظهر أي مشاعر، وهيئة جليدية اختلفت عن الأمس تمامًا، فهذا الجانب المتعالي من شخصيته لايقبل بالتأثر لأي شئ مهمها حدث، لذلك جاء رده: -أكيد يا فندم، يا جاسر باشا انت في مقام اخويا اللي بتعلم منه دايمًا، ودي حاجة مفيهاش مناقشة. رد المذكور: -كويس قوي.. قالها وتوقف قليلًا بتفكير ثم تشجع ليردف: - حيث كدة بقى، يبقى انا أكيد ليا معزة عندك يا كارم؟ أومأ يجيبه بتفكر: -أكيد... لكن هو انت عايز مني حاجة يا باشا؟ ابتلع ريقه جاسر ليُجيبه بحرج يحاول بصعوبة أن يتخطاه: - بصراحة اه، وليا عشم انك تقدرني. تبسم كارم بجانبية، وقد بدا انه توقع الاَتي من الحديث، ليرد بشبه ابتسامة: - خير يا جاسر باشا، قول . ❈-❈-❈ توقف طارق بسيارته امام المنزل الموصوف على العنوان المدون في الورقة التي بيده، وذلك بعد توقيفه لعدة اشخاص من اهل القرية للسؤال المتكرر عنه، حتى وصل إلى هنا امام هذا المبنى الغريب عن باقي منازل القرية من حيث البناء المعماري، فقد كان اكبر وافخم رغم قدمه، وبهتان الوانه، ولكن إن دل على شئ، فهو يظهر اصالة من قام ببنائه، عدل من ملابسه يتلفت يمينًا ويسارًا بتردد قبل أن يحسم ويشجع نفسه، خطا ليدخل من باب السور الصغير ثم واصل تقدمه حتى باب المنزل، بحث عن جرس ولم يجد، لذلك قام بالطرق بقبضة يده على بابه الخشبي المثقل، والمزين بالنقوش المتعدد على الطريقة القديمة، سرقت انظاره في التأمل بها حتى أجفل بفتح الباب فجأة، فخرجت إليه امرأة اربعينيه بملابسها وهيئتها الريفية تساله: - يا اهلا وسهلا، مين الباشا؟ تحمحم ليُجيبها بحرج وارتباك: -اا انا اسف لو جيت لحضراتكم من غير ميعاد، بس انا بصراحة مقدرتش استنى... سألته المرأة بعفويتها: -تستنى إيه يا باشا؟ هو انت عايز إيه بالظبط؟ اضطرب ليُجيبها على تردد: -بصراحة انا كنت جاي اسأل عن... كاميليا، تعرفي واحدة اسمها كاميليا؟ توسعت عيني المرأة بلهفة لم يفهمها لتسأله بحدة: -طب انت مين بالظبط؟ أجابها على الفور دون انتظار: - انا طارق، رئيسها في الشغل.... قاطعته مهللة بترحيب: -يا اهلا يا باشا، نورت البلد يا طارق باشا، اتفضل اتفضل، دا أنت أنست ونورت. استسلم لجذب المرأة من ذراعه وهي تدخله سريعًا بداخل المنزل، وتغلق الباب خلفها. طالعها طارق باستغراب يسألها: - هو انتي تعرفيني؟ واصلت بجذبه المرأة لتزيد من دهشته بقولها: - يا سيدي بس اتفضل انت الاول، بيتك ومطرحك -بيتي ومطرحي. غمغم بالكلمات بعدم فهم وهو يكمل بخطواته داخل المنزل الغريب، حتى اصطدمت عينيه بها، بوجهها المشرق وابتسامتها الرائعة وكأنها واقفة لاستقباله، ليردد لها بلهفة وعدم تصديق: -كاميليا . الفصل الرابع والستون يعني حضرتك... بتطلب مني إني اطلق كاميليا! هتف بها كارم بلهجة مريبة لجاسر لم تريحه في الحديث ولكنه أكمل بالهدوء الذي بدأ به: -أنا مش بطلب منك يا كارم، انا بس عايز نلم الإشكال اللي حاصل ده، أنا معرفش إيه اللي حصل ما بينكم، بس متأكد ان انتو الاتنين محترمين وليكم اسمكم، فمنعًا يعني للمشاكل والكلام والأشاعات نلم احسن. خرج صوت كارم بحدة لم يعتدها منه جاسر قبل ذلك: -دا بدل ما تعقلها عن اللي بتعمله وتعرفها غلطها؟ رد جاسر ببوادر الغضب: - اعقلها ازاي يعني؟ هو انا اعرف مكانها أصلا يا كارم؟ انا بكلمك عشان نحل الموضوع ده بشكل ودي، عارف ان كاميليا غلطت بس كمان اكيد في سبب ورا عملتها دي، وبرضوا مش هسألك عنه. هتف كارم فاقدًا السيطرة: -في سبب أو مفيش انا مش هسيبها ولا اسيب حقي، انا مش لعبة في إيديها عشان تسببلي الحرج دا قدام أهلي والمجتمع اللي انا عايش فيه واسكت، كاميليا هترجع ورجليها فوق رقبتها. أجفل جاسر عن هذا الوجه الجديد لكارم، لأول مرة يرى انفعاله، لأول مرة يرى هذه التعنت والعنجهية لذلك حاول التماسك حتى لا ينفعل هو الاَخر وتتوسع الدائرة: -ليه رجليها فوق رقبتها يا كارم؟ الجواز دا بالذات لازم يبقى بالمعروف، هي مَقدرتش يبقى تروح لحال سبيلها، انا بكلمك كأخ . -كأخ! هتف بها مستنكرًا ليتابع: -متقول يا جاسر باشا، ان موضوع الهروب دا جه على هواك، عشان الهانم تتجوز عم طارق صاحبك اللي هيموت عليها؟ برقت عيني جاسر ولاح الغضب على وجهه بشدة، ليردف له بتحذير: -خلي بالك يا كارم، إنت بقيت تتجاوز حدودك معايا. اومأ له المذكور بابستامة جانبية ساخرة: -خلاص يا باشا، بلاها حدود ونشيلها خالص، انا مستقيل عن كل أعمالي معاك، لأني بصراحة حاسس أني خدت خبرة كويسة تأهلني إن افتح شركات وأعمال ليا لوحدي. أمام هذه العنجهية المبالغ فيها لم يملك جاسر سوى أن يبادله الرد بالمثل: -زي ما تحب يا كارم، اكيد طبعًا انا مش هغلب اني الاقي بدل الواحد الف... يحلو مكانك. مط بشفتيه كارم وهو ينهض عن مقعده يزرر في سترة حلته، ليقول بأناقة اعتاد عليها: -تمام يا جاسر باشا، انا هحاول من دلوقتي اسلم اعمالي للمساعدين بتوعي عشان استقالتي تبقى على مكتبك في أقرب وقت. نهض جاسر مقابله ليصافحه بكل هدوء قائلًا: -بالتوفيق . تقبل المصافحة بندية ثم ذهب من أمام جاسر الذي تركزت ابصاره عليه حتى اختفى، وقد اكتشف اخيرًا ان هذا الرجل مختلف تمامًا عما كان يظنه عنه سابقا. أما كارم وفور أن خرج من مكتب جاسر، تناول الهاتف ليجيب عن مكالمة احد الأشخاص له: -أيوة...... تمام خليك متابع ومتتحركش من مكانك. ❈-❈-❈ واقفة بوسط الردهة أمامه، وجهها كالبدر وابتسامة مشرقة زادت من روعتها حتى جعلته ينسى الظرف وينسى المكان الغريب الذي هو به معها الاَن، فلم يشعر بقدمه التي خطت بسرعة ليقترب منها، ليتناول على الفور يدها بلهفة مرددًا بإسمها على لسانه وكأنه لا يصدق رؤيتها ولا بشعوره بلمسة كفها التي بين يديه: -أنا بحلم ولا دي صورة اخترعتها في خيالي؟ هو انتي بجد واقفة قدامي؟ ضحكت بحرج لتُخفي بكفها على فمها، ثم أومأت بعيناها إليه حتى ينتبه للمراة التي وقفت تراقبهم بتعجب، فتحمحم ينزع كفها منه بصعوبة، وقال بصوت واضح للمرأة: -متشكر أوي يا حجة انك عرفتيني ووفرتي عليا شرح كتير، بصراحة كنت خايف أوي، لملاقيش ترحيب او ارجع من عندكم مكسور الخاطر. هتف المرأة مرحبة بحفاوة: -كف الله الشر يا بني، وما نرحبش بيك ليه ان شاء الله؟ دا ضيوف الست كاميليا، كأنهم ضيوفنا والله، اتفضل يا بيه اتفضل، بيتك ومطرحك اتفضل. خطا معها ليلجا لداخل المنزل الواسع، درج خشبي كبير وأثاث من الأرابيسك محفورة اخشابه بدقة الصانع، واصالة صاحبه، أجلسته المرأة على الصالون الكلاسيكي بهيئته القديمة بفعل الزمن والثمنية أيضًا، فجلست كاميليا على الاَريكة القريبة منه، اما المرأة فرفضت الجلوس قبل مضايفته رغم إلحاح طارق عليها بالرفض، وحين خلت الساحة لهم، سألها على الفور طارق: -بيت مين ده؟ والست دي تقربلك إيه؟ مطت شفتيها تجيبه بهدوء يشوبه الدلال الخفيف: -دي ست طيبة، والبيت ده كمان ملك لراجل طيب، وانا قاعدة هنا في حماه اعجبته هيئتها فجعلته يتطلع إليها جيدًا، بالعباءة الريفية بألوانها الزاهيه والتي زادت بشرتها صفاءًا وبهاءًا، شعرها الحريري المنطلق وابتسامتها التي تحاول أن تخفيها، جلستها وهي واضعة وسادة صغيرة على حجرها، ذكرته بخجل الفتيات الصغيرات في هذه اللقاءات التي تقام للتعارف بين الأهالي، ليجد نفسه يتفوه بالكلمات بغير تفكير: -هو انتي ليه جميلة اوي كدة النهاردة ليه؟ رفعت كتفيها وأنزلتهم فورًا لتردف له بغبطة من داخلها: -يمكن عشان شوفتك . -يا سلام . تفوه بها ثم سار يضحك بابتهاج لم يقوى على إخفاءه، حتى استدرك لوضعهما، فخبئت ابتسامته ليسألها بعد تنهيدة خرجت من العمق: -عملتي كدة ليه يا كاميليا؟ خبئت ابتسامتها هي أيضًا وهي تجيبه: -قصدك على إيه بالظبط؟ ع اللي عملته في نفسي ولا فيك ولا قصدك على هروبي من الفرح؟ رد وعيناه تأسر عينيها: -كله، انا قصدي على كله يا كاميليا، ما هو انتي لو ادتيني فرصة، كنت هثبتلك..... قاطعته بقولها: -مكنش ينفع، عشان انا كنت أصلًا بهرب منك لما وافقت بيه، انا مكنتش عايزة اتجوز اساسًا، بس ظهورك في حياتي والحب اللي بقى يقيدني ناحيتك كان خطر كبير ولازم اتفاداه بأي حاجة تبعدني عنك، حتى لو كانت الجواز من إنسان معرفش عنه غير الظاهر بس، وهي الصورة الحلوة اللي بيخدع بيها الناس كلها. -عمل معاكي أيه عشان يخليكي تهربي منه في يوم الفرح؟ باغتها بسؤاله المباشر، فصمتت قليلًا قبل أن تجيبه بتفكير: -لو قولتلك إنه حاول إنه.. يجبرني... اشتعلت عينيه ليسألها بوجه مظلم: - حاول إنه يجبرك على إيه يا كاميليا؟ اومأت بعيناها بنظرة ذات مغزى، لترا تجهمًا على ملامح وجهه لم تشهد على مثله من قبل، ليهتف بأنفاس متهدجة تصدر من حريق يسري بداخله: -دا اللي كنت متوقعه على فكرة وخايف منه. سألته باستفهام: -كنت متوقع إيه يا طارق؟ زفر يخرج كلماته بصعوبة: -اللي انتي بتلمحي عليه دا أنا كنت متوقعه، وكان بيحرق قلبي في كل مرة اتخيل إنه يحصل، دا كاتب كتابه عليكي يا كاميليا، ولو هنتكلم بصراحة بقى مافيش راجل حيبقى معاه واحدة ست زيك، وعارف إنها حلاله، ومش هيفكر في كدة، إلا إذا كان غبي أو زاهد، وكارم لا ده ولا ده. أومأت تستوعب غضبه بتفهم ليكمل سائلًا: -وعرف يوصل للي هو عايزه؟ احمر وجهها لتنفي بهز رأسها بحرج غير قادرة على الإجابة بالصوت، بشكل جعله يبتهج بداخله، وبنفس الوقت يكبت ابتسامة ملحة على وشك الظهور، ثم قال بخشونة: -ولما هو كدة محاولتيش تفركشي من قبل كدة؟ ليه انتظرتي ليوم الفرح؟ ليه توصلي الموضوع إنه يتعقد بالشكل ده؟ ردت بصوت رقيق امتزج بحزنها: -ما هي المشكلة إني اكتشفت عيبه الكبير وطبعه المؤذي في الاخر بس، كارم شخصية متسلطة جدًا متقبلش النقد ولا تقبل أي حد يراجعها في كلامها، دا غير اني لما فكرت بس مجرد تفكير بعد اللي عرفته عنه، إني افارق ونخرج بالمعروف زي ما دخلنا بالمعروف، ساعتها حاول معايا زي ما قولتلك وكان عايز يكسرني، عشان ميبقاش لي حق في التراجع، او هو بالفعل كسر جوايا حاجات لا يمكن هقدر...... قطعت فجأة لتلتقط أنفاسها وتحاول السيطرة على الرجفة التي زحفت بداخلها حتى ظهرت اهتزاز صوتها بعد ذلك مع تذكرها لهذه الأوقات العصبية: -انا كنت هبوس على إيده يا طارق عشان يسيبني، كارم قدر بجبروته، يخرج الأشباح اللي كنت بخاف واهرب منها طول عمري، بعد اللي حصل، كان عند استعداد اموت نفسي ولا إن تجمعني بالبني اَدم ده أي صلة تاني. اطرق برأسه متأثرًا بكلماتها ثم ما لبث ان يردف بصوت يملأه الحزن: -بس هو لسة جوزك على فكرة ولا انتي ناسية كاتب كتابه عليكي؟ وصله صوتها بلهجة يملأوها الحماس: -لا ما انا هخلص منه وقريب قوي كمان. رفع رأسه إليها ليرا إشراق وجهها الذي عاد مع المتابعة فيما تتحدث عنه: -والله زي ما بقولك كدة، رغم حصاره ليا وذكائه الحاد في التعامل معايا، انا قدرت والحمد لله بمساعدة زهرة... -زهرة مرات جاسر؟ رددها من خلفها كسؤال، وأومأت هي برأسها له تجيبه مبتسمة: - ايوة هي فعلًا، قدرت تبقي همزة الوصل بيني وما بين الراجل اللي انا قاعدة في حماه هنا وبيساعدني دلوقتي في الانفصال من كارم. قطب يسألها بتفكير: -مين هو الراجل ده اعرفه؟ -اممم. زامت بفمها لتجيبه بمرح: -هتعرفه ان شاء الله وتتعرف عليه لما تشوفه. يا اهلا ياباشا نورت الدار. هتفت بها المرأة تجفلهما عما كانا يتحدثان به، فارتفعت انظار طارق نحوها ليجدها تسير أمامه بصينية كبيرة من الطعام لتضعها على السفرة الكبيرة، والقريبة منهمها، فردد على الفور لها بحرج: -إيه دا أيه دا؟ يانهار أبيض هو انتي حضرتي أكل بجد؟ في إيه يا جماعة انا لسة واصل، طب لحقتوا تجهزوا أمتى طيب؟ ضحكت المرأة وهي تقترب منه لتجيب على قوله بمرح : -إحنا الأكل عندنا جاهز وخير ربنا والحمد لله كتير، يعني بس بنسخن ونحضر على طول. تبسم طارق للمرأة صامتًا، فهتفت كاميليا بجواره: -أم عليوة مبتكدبش على فكرة، دا اللي حاصل فعلًا، انا من ساعة ما جيت ومش قادرة اقولك هي وجوزها بيعملوا معايا إيه؟ طول الوقت بيزغطوا فيا بالأكل الفلاحي بتاعهم، وانا بصراحة من الطعامة مبقدرش أرفض ولا اقول لأ. طالعها يقول بشقاوه: - مصدق يا كاميليا من غير ما تقولي، ماهو باين عليكي . سمعت المرأة لتضحك من خلفهم بخبث وهي تبتعد عنهما، لكزته كاميليا بخجل قابله هو بمشاكسة مرددًا لها: -كسفتك صح؟ قولي قولي ماتتكسفيش. اجفلها بجرأته وهذه الملاحظة الغير بريئة منه، لهذا لم تملك سوى التهرب من عينيه، فنهضت فجأة بدعوى الذهاب نحو الطعام قائلة: -طب يا شاطر، قوم يالا عشان نتغدا، ريحت الأكل فتحت نفسي بجد. وقف طارق يقول: -خلاص بقى، يبقى انا همشي دلوقتي. هتفت المرأة بوجه عابس أمام اندهاش كاميليا من فعله: -ازاي يعني؟ هو انت بتشتمنا يا سعادة البيه ولا إيه؟ تبسم لعفوية المرأة ليرد بلطف: -يا حجة افهمي، انتو اتنين ستات ومينفعش انا قعادي هنا في وسطيكم اساسًا، بصراحة انا مكنتش فاكر إن البيت فاضي كدة. شهقت المرأة ضاربة بكف يدها على صــ درها تقول بلهفة: -فاضي دا أيه يا سعادة البيه، امال عليوة وابو عليوة راحو فين؟ ثواني اروح أندهمولك من جوا، دقيقة وعيالك. قالتها المرأة لتعدوا بخطوات مسرعة داخل البيت الواسع، ليُلتف طارق نحو كاميليا سائلًا: -ابو عليوة دا الراجل اللي انتي بتقولي عليه. نفت بهز رأسها لتتجه نحو الطعام وهي تشير له قائلة: -شايف شكل الأكل اللي معمول بنفس طيبة طالع حلو ازاي. اقترب مثلها يلقي نظرة نحو الوليمة المعدة من اطيب الأطعمة كالمحاشى واللحوم والطيور بأنواعها، ثم رفع رأسها إليها يقول بمشاكسة: -مش بقولك باين عليكي. ❈-❈-❈ وفي مكان اَخر وعلى رمال البحر والموج يداعب بمياهه اقدامهم في الأسفل، كانا الثنائي يواصلا السير والأحذية بأيدهم، في هذه المنطقة الساحلية المختصرة، يضمها من بذراعه من كتفها، وهي مستندة برأسها على صدره، يغمرها دفئه، وبذراعها التي تلفها حول ظهره من الخلف، فكانت تردد ضاحكة: -مش عارفة هتوصلني معاك فين تاني يا بن رقية، شكلي كدة اخر طريقي هيبقى على مستشفى المجانين عدل. زام يلكزها بقبضته حتى جعلها تضحك، ثم قال يدعي الحزم: -رقية حاف برضوا يا بيئة، وعاملة نفسك استاذة وبنت مستشار. ضحكت بصوت عالي لترد بمرح: -و لا استاذة ولا بنت مستشار، أنا من يوم ما حبيتك اصلًا وانا نسيت اسمي وفصلي كمان، مش بقولك اَخري مستشفى المجانين. شدد بذراعه يزيد من ضمها ليقول وهو يُقبلها على أعلى رأسها: -وانا بعشق التراب اللي بتمشي عليه، من اول مرة شوفتك فيها في المكتب اللي كنا بنتدرب فيه، وانا من ساعتها مخي وقف عن التفكير، وقلبي اتعلق بيكي، ومبقتش شايف أي ست تاني غيرك، باينك عملتيلي عمل باين ولا أيه؟ ضحكت مرة أخرى لتقول بتأكيد: -والله لو كان حلال لكنت عملته على طول ومستنتش، على الاقل كنت افك عقدة لسانك، وانا قاعدة قدامك سنين وانت محاولتش في مرة تلمحلي حتى، دا انا ريقي نشف يا راجل على كلمة منك، وانا بلمح بشكل مباشر وغير مباشر تنهد يجيبها بادعاء التأثر: - عارف اني تعبتك معايا في الإنتظار سنين على ما نطقت، وسنين تاني على ما اتخطبنا وغيرهم كمان، على ما اتجوزنا، انا حاسس انك خللتي في انتظاري يا نوال، دا حظ إيه دا اللي وقعك معايا بس يا بنت الناس؟ توقفت فجأة لترد رافعة رأسها إليه وعينيها تواجه خاصتيه: - دا أجمل حظ على فكرة، هي الست مثلًا بتلاقي الحب ولا الراجل اللي يستاهل كل يوم، لا يا حبيبي، دي بتبقى حاجة نادرة أوي في الزمن ده، انا عرفت حظي لما لقيتك، عشان كدة مسكت فيه بإيديا واسناني. ضحك خالد يدفعها بكفه على رأسها بهزار ثقيل يردف: -وانا كنت عارف من الأول إن مينفعش معايا غير واحدة مجنونة، العاقلة مكنتش هتعمر معايا أبدًا. قهقهت لترد بمرح: - يعني مجنونة عشان بحبك، طب يا سيدي انا قابلة، اهم حاجة اني اتجوزتك. هذه المرة لف ذراعه على عنــ قها ليُقبل أعلى رأسها، ويسير بها مرة أخرى، فاستدركت فجأة متذكرة: -اه صحيح يا خالد عرفت أن فرح كاميليا وكارم ماتمش؟ عقد حاجبيه يسألها بقلق: -ليه يعني؟ حصل حاجة لا قدر الله؟ ردت نوال تجيبه: -مش عارفة، بس انا سألت زهرة، وقالتلي خير ان شاء الله متقلقيش. سمع منها خالد ليردد خلفها رغم استغرابه: -يارب يكون خير. ❈-❈-❈ بداخل الشقة التي شهدت مولد شخصيتها الجديدة، كما شهدت على انهيارها ودموع الندم التي ذرفتها بعد الهزة القوية التي ضربتها بمعرفة الحقيقة وعلمها بالطريق الخطر الذي كانت تسير فيه، والمصير الذي كان ينتظرها لو استمرت قبل ان تستفيق منه. أحضرها إمام معه في زيارة إلى شقيقته التي استقبلتها بالمودة الصادقة كعادتها قبل ان يجلسا ثلاثتهم في صالة المنزل وبصحبتهم الصغيرة روان التي تعلقت بغادة ولا تريد تركها، حتى هتفت عليها والدتها: -يا بنتي قومي من على حجر البنت كفاية بقى؟ -الله يا ماما ماتسبيني قاعدة شوية، ما انا قاعدة ساكتة اهو ومبعملش شقاوة زي عمر تدخلت غادة على قول الصغيرة: -ما هي قالتلك أهي يا خلود مبتعملش شقاوة، لزوموا إيه بس تمشيها؟ دي حتي زي قمر وكيوتة. قالتها وختمت لتطبع قبلة على وجنتها، بادلتها الطفلة بواحدة مثلها على الفور، ليُعقب إمام على فعلهم: -معناها يعني انهم اتفقوا يا خلود، واطلعي انتي منها. ردت غادة ضاحكة: -حرام عليك متفتنش ما بينا، اوعي تكوني بتاخدي على كلامه يا خلود، دا انتي حبيبتي. تبسمت لها المذكورة هي الأخرى تقول: -وانتي اكتر كمان يا غادة، بس معلش بقى، خلي البت دي تقوم من جمبنا، عايزين نقعد مع بعض شوية يا قلبي. اومأت لها غادة بطاعة قبل أن تعود لتقبيل الطفلة ومهادنتها ببعض الكلمات حتى اقتنعت روان لتنهض عنها تستأذن والدتها: -طب عن إذنك بقى يا ماما أنا هدخل اللعب جوا مع عمر في اؤضته. -إذنك معاكي يا حبيبتي. قالتها خلود لتُعقب فور انصرافها: -قال وبتستأذن كمان؟ يا ختي ع الأدب! رددت غادة مستنكرة بالضحك: -يعني ولا هو كدة عاجب ولا كدة عاجب. لوحت خلود بكفيها في الهواء أمامها تقول بدرما: -يا ستي والله عاجبنا، هو في حد في الدنيا يكره الأدب؟ بس احنا عايزينك في كلمتين ضروري دلوقتي يا غدود، يعني مكنش ينفع يتقالوا قدام مقصوفة الرقــ بة اللي مشيت دي. قطبت تسألهما باستفهام: -كلمتين إيه بالظبط؟ اجابها إمام بلهجة صارمة، جادة: -عن موضوع جوازنا يا غادة، انا كلمت الست الوالدة، وعايزين ناخد ميعاد بقى يا بنت الناس . اضافت على قوله خلود ممازحة: -ايوة يا غادة وحياتي عندك، عايزن نفرح بالواد المسكين دا بقى، دا غلبان والله، واحنا مصدقنا نلاقي واحدة ترضى بيه. سمع قول شقيقته ليعلق: -الله يسترك . ضحكت غادة من قول الشقيقين قبل ان تعي لمطلبهم جيدًا، فتنهدت بشرود حتى بدا عليها الهم، مما اثار القلق بقلب خلود لتسألها: - ايه يا غادة شكلك اتغير ليه كدة؟ هو في مشكلة تمنع ولا حاجة؟ جائتها الإجابة من إمام الذي خمنها وحده: -أكيد أمك صح؟ هو انتي فاتحتيها ورفضت ولا لسة مقولتيش تنهدت باضطراب وهي تردف: -بصراحة خايفة، لانها قالبة عليا ومش طايقة مني أي كلام اليومين دول، خصوصًا بعد اللي شافته في فرح خالد وزود كمان فرح كاميليا اللي متمش امبارح ده بالحاجات الخيالية اللي كان عاملها الأستاذ كارم، هتموت على عريس من العينة دي، طب اهي العروسة هربت ومفرقش معاها كل اللي تعمل. أومأت لها خلود عن اقتناع: -فعلًا يا غادة عندك حق، مش بالأفراح ولا بالتكلفة العالية هي، الأهم هو الحب اللي بيجمع الطرفين، او زي ما بيقولوا بالبلدي كدة، الوفق، ان ربنا يوفق قلبين، بس انتي برضوا لازم تحاولي معاها شوية شوية كدة وحاولي تبقي مصممة على رأيك ومتضعفيش معاها، عشان ما تزيدش بالضغط عليكي، اللي زي والدتك بتبقى عايز الشخصية القوية قدامها بدا على غادة أنها تستوعب الكلمات جيدَا من ملامح وجهها التي بدت شديدة التركيز، فتدخل إمام سائلًا: -لكن انتي معرفتيش كاميليا راحت فين؟ ولا حتى عرفتي السبب اللي خلاها هربت من كارم؟ ردت تهز كتفيها: -لا معرفتش أبدًا، لأنها مقالتش قدامي خالص، رغم إحساسي الأكيد انها معرفة زهرة، بس انا عذراها بصراحة، دا انا عملت معاهم بلاوي. قالت الاَخيرة بلهجة ساخرة ممتزحة بالندم الذي تحاول تخفيه. تبسم إمام يقول لها بلهجة مطمئنة ونظرة لا تفشل أبدًا في دعمها بالأمان: -شوية شوية وهترجع ثقتهم فيكي ياغادة، متقلقيش. ❈-❈-❈ في حديقة المنزل كانت تتابع ضحكات ميدو مع عامل الحديقة الذي كان يسقي الزهور وهو يلاعبه بخرطوم المياه، وذلك بوجود عامر ولمياء التي كانت تتحرق بداخلها للسؤال ولكن بأفعال الصغير ومشاغباته الدائمة كانت دائمًا ما تتراجع خصوصًا مع ضحكات عامر الذي بدا مستمعًا برفقة الصغير وبأقواله أيضًا: -الواد دا عفريت اوي يا زهرة، غلبني النهارده يجي مية مرة واحنا بنلعب البلاي ستيشن، لا وحلنجي وبيعرف يوقعني. ضحكت زهرة وعقبت لمياء: -زكي زي اخته ما شاء الله، رغم إنه ميشبهاش غير في لون البشرة الفاتحة، لكنه مدي على أخته التانية دي اللي شوفتها امبارح، هي اسمها رباب باين؟ اومأت لها زهرة بارتباك ثم عادت سريعًا نحوه وقد قرأت في عين لمياء التساؤل، فقالت لتشتيتها: هو فعلا فيه شبه من رباب.. بي على فكرة يا طنت انا كنت عايزة اقولك على حاجة كدة - حاجة إيه؟ سألتها لمياء لتجيبها الأخرى - يعني كدة حاسة ان سرير البيي فيه حاجة مش مظبوطة، خايفة إن يكون في عيب في رجله من تحت ولا.. بصراحة مش عارفة. ظهر الفزع على وجه لمياء لتهتف غاضبة: -انتي بتتكلمي جد؟ طب ولما هو كدة مقولتيش من الاول ليه؟ مستنية لما يجي البيي وميرتحش فيه؟ انا قايمة اشوفه بنفسي، ولو كان زي ما بتقولي كدة، هرجعه واشتري واحد النهاردة. قالت كلماتها ونهضت لتعدو للداخل على الفور، اخفت زهرة ابتسامة ملحة، عرفها عامر والذي كان متابعًا بصمت، ليردف لها بمغزى: -بقيتي مش ساهلة يا مرات جاسر، شكلك كدة اتعلمتي منه يا حفيدة رقية . ردت له ضاحكة ببرائة: -الله يسامحك يا عمي مش هرد عليك. زام بفمه بنظرة ماكرة قبل أن ينتبه على جاسر الذي وصل من الناحية القريبة، يعدو سريعًا نحو الدخول للمنزل، يومئ بتحية بكف يده في الهواء لوالده، قبل أن يلتف نحو زهرة بوجه متجهم ونظرة صامتة، ثم أكمل وتجاهلها دون تحية أو أي شئ. انتبه عامر لهذا التغير، فتوجه لزهرة سائلًا: -مش بعادة يعني، هو جاسر زعلان منك؟. ارتبكت واصفر وجهها لتنهض مستئذنة بالأنصراف: -معلش يا عمي، ممكن تخلي بالك من ميدو عشان اروح اشوف جاسر. أومأ عامر يردد لها: -روحي يا بنتي روحي، وانا هفضل مع ميدو متقلقيش ❈-❈-❈ بحثت عنه في غرفتهما وحينما لم تجده وصلت لغرفة المكتب، فوجدته مستلقيًا على الاَريكة بعد ان خلع سترته، ليظل بالبنطال الأسود والقميص الأبيض المنشي. شعر بوجودها فور ان ولجت للغرفة، فالتف على الفور يعطيها ظهره، غمرها الحزن على الفور، لعدم توقعها لفعلته، جسرت قلبها وخطت لتجلس بقربه على الاَريكة، تحمحمت لتخرج جملة مفيدة رغم الغصة التي شقت حلقها: -هو انت لسة زعلان مني يا جاسر؟ لم تحصل منه على رد لتتابع بصوت مختنق: -بلاش تقسي قلبك عليا يا جاسر، انا عارفة انك زعلان عشان مبلغتكش باللي هعمله مع كاميليا، بس انت خليك مكاني، صاحبتي وطلبت المساعدة في أمر يخص حياتها كلها والوقت ضيق بالاضافة كمان لوضعك الحساس مع اللي اسمه كارم بشغله معاك. وضعت كفها على ظهره لتفاجأ بتشنج عضلاته من الخلف، فتابعت بإصرار: -يا جاسر قدر بقى، ومتقساش عليا ابوس إيدك، انا روحت بالحراس ومقعدتش مع الراجل غير دقايق قليلة في المكان العام، سلمته فيها الورق اللي يخص كاميليا ورديت على كام سؤال وقومت بسرعة، دا غير إنه راجل محترم وكبير في السن. -انا مبتكلمش عن سنه أو شكله ، انا بتكلم على إنك معبرتنيش. قالها بعد أن التف إليها بحدة أجفلتها في البداية، ثم ما لبثت أن يتخلل قلبها الإرتياح، فيكفيها استجابته للحديث معها، حتى لو قسى بكلماته عليها. -كان لازم تديني فكرة يا زهرة، مش تعيشي معايا جو البرود، وانتي بتخططي وتنفذي من ورايا. ظلت على وضعها تتأمله بصمت ليتابع بلهجة تفيض باللوم: -بتخبي عني انا يا زهرة؟ وفي أمر جلل زي ده؟ أيضًا لم ترد، ولكنها فاجأتئه بتناول كف يده لتقبلها وتقول برقة: -سامحني وانا مش هعملها تاني أبدًا، ارجع لطبيعتك معايا وانا انفذ كل اللي تأمرني بيه، وكل اللي تقوله يتنفذ. فعلتها العفوية مرت عليه كسحابة أمطرت فجأة لتُطفئ نيران مشتعلة منذ عقود، لقد أخمدت حريق قلبه وأنسته بلفتتها البسيطة جذوة الغضب التي اشعلت رأسه نحوها، ولكنه ومع ذلك لن يرفع راية الصلح هكذا على الفور وبكل سهولة، لذلك كان الصمت هذه المرة من نصيبه هو رغم استمرارها بالرجاء والألحاح: -رد بقى يا جاسر والنبي، بلاش سكوتك دا بقى. تنهد ثقل يجيبها: -عايزاني اقول إيه؟ اقتربت برأسها منه لتردف بمرح: - تقول سامحتك وتسامحني بجد وتنسى بقى. أومأ برأسه مسبلًا أهدابه بتفكير، قبل أن يرد: -اقول مسامحك، بس هنسى ازاي بقى وانا قلقان وخايف من اللي جاي . قطبت لتسأله باستفهام: -وتخاف ليه بقى؟ ما انا قولتك عن الراجل دا اللي بيحمي كاميليا وهيساعدها في الطلاق، ولا اللي اسمه كارم ده قالك حاجة زعلتك؟ تجمد بنظرته الغامضة لها للحظات اثارت بقلبها القلق، قبل أن يجيبها اخيرًا: -انا حاولت مع كارم النهاردة، كان نفسي يبقى الموضوع من ناحيته عشان اضمن الأمان بجد، بس للأسف كارم فاجأني برده.... صمت برهة أمام ترقبها ثم تابع: -كارم قدم استقالته ❈-❈-❈ وعند كاميليا التي تركت طارق مع عليوة الصغير واسرته بعد ان انتهاء وجبة الغداء، ليتسامر ويتحدث معهم، بعد أن صعدت هي لغرفتها وبدلت عبائتها ثم قامت بتصفيف شعرها أمام المراَة، حتى تعود وتقضي هذه الدقائق المتبقية معه قبل مغادرته، القت نظرة اَخيرة على هيئتها في المرأة وهمت أن تعود قبل أن تفاجأ بدفعة عنيفة للباب، صرخت على اثرها قبل أن تفاجأ بعدوها أمامها بهيئته المخيفة بابتسامة قاسية يردف لها: -زوجتي العزيزة، أخبارك إيه دلوقتي؟ مع فرط فزعها واستيعابها السريع للأمر افتر فاهها لأطلاق صرخة كتمها هو سريعًا بعد أن وثب إليها بثانية واحدة كفهد بري، ليهدر بفحيح وهو يقيد حركتها عن المقاومة أيضًا: -بتهربي مني في يوم فرحنا يا كاميليا؟ عايز تذليني قدام أهلي ومصر كلها. حاولت نزع نفسها عنه ونزع قبضته على وجنتيها وفكيها، ليزيد هو بضغطه بعنف قائلًا: -وكمان معرفة طارق طريقك عشان تخونيني معاه، دا انا اموتك ولا تبقى لحد غيري، مع الأخيرة استطاعت نزع فبضته لتصيح بتحدي: -وانا الموت عندي اهون من إني اتجوز واحد مجنون زيك، انت مكانك في السريا الصفرا مش بين الناس العاقلين . سمع منها واتسعت ابتسامة مستخفة بخط رفيع على وجهه، ليرد بهدوء مريب وهو يمسح بأنامله على وجنتيها وشفتيها: -انا مجنون حقيقي.... وانتي بقى تستاهلي جناني. اردف الاَخيرة ثم باغتها بقبلة قاسية، حتى إذا نزع نفسه عنها صرخت بوجهه: -انت مش بس مجنون، انت كمان حيوااان. تجاهل نعتها له ثم تناول شعرها يلف الخصلات على يديه يردد لها: -انتي لسة شوفتي حاجة، دي مجرد عينة، لسة اللي مستنيكي كتير يا حبيبتي، دا أنا هخليكي جارية تحت رجلي. اردف الاَخيرة ليتحرك مغادرًا وهو يسحبها بعنف من شعرها، مستمتعًا بصراخها ومقاومتها الضعيفة بضربه بقبضتيها بعشوائية، ليستمر حتى هبط بها ألى ألطابق الأرضي فتفاجات بكم الرجال المدججين بالسلاح في قلب الردهة الأمامية والصالة، وعليوة الصغير محاصر ومثبت كوالديه من قبل الرجال الضخام وأسلحتهم، ثم تفاجأ بصياح طارق وقد قيدت حركته بصعوبة من قبل مجموعة من الرجال: -سيبها يا حيوان وقابلني راجل لراجل بدل ما تجبر واحدة عليك غصب عنها. بابتسامة ذئب التف له ثم عاد إليها قائلًا: -صاحبك فارد عضلاته ووخداه الشجاعة، متفهميه يا حلوة، اَخر واحد عملها معايا كان مصيره ايه؟ -قولها انت مصيره أيه يا كارم . جائت إليه من الأعلي بصوت جهوري تعلمه الأذن جيدًا، واخترق أسماعها العديد من المرات، التف يرفع رأسه للأعلى ليصدق تخمينه برؤية صاحب الوجه المألوف إليه سابقًا، رغم التجعد الكبير على البشرة و عامل الزمن الذي ترك اثره عليه بقوة، ليتمتم هو على الفور بعدم استيعاب : -فوزي البحيري، والد كريم. الفصل الخامس والستون - إيه يا كارم؟ أوعى تقول انك نسيتني ولا نسيت وشي، دا انا كنت أزعل بجد يا راجل. قالها الرجل المهيب بلهجة ساخرة، بوجه جامد، مشتد الملامح، وهو يهبط درجات السلم بتأني رتيب مع صوت عصاه التي كانت تطرق مع كل خطوة منه، والاَخر يراقبه بأعين صقرية ضيقها بتفكير واستيعاب سريع وقبضته الحديدية اشتدت أكثر على كاميليا، فقد وضحت الاَن الصورة التي كانت مبهمة امامه منذ الأمس، هروبها المتقن يوم حفل الزفاف الذي كان ينتظره بفارغ الصبر، ثم اختفائها تمامًا بشكل غريب، أعجزه هو ورجال الأمن أقرباءه الذين تولوا مهمة البحث في سرية تامة معه، ثم اكتشافه عنوانها في هذه القرية الريفية البعيدة بعد مراقبة جيدة لهذا المدعو طارق، لتأخذه الحماسة ويأتي بالرجال المدججين بالسلاح بقصد مباغتتهم، حتى يعطي هذا المدعو طارق ومن يأويها الدرس القاسي بمعاقبتهم، قبل أن يأخذها هي عنوة ويأتي تأديبها بعد ذلك على مراحل من العذاب، وضعها في خياله بالترتيب. -ساكت يعني ومبترودش؟ هتف بها الرجل مرة أخرى وقدمه تهبط للأرض ليواجه بلهيب عينيه المتجعدة الزويا، وميض القسوة بخاصتي الاخر وهو يزيد بتشديده على كاميليا حتى تأوهت من الألم، وتجاهل هو ليهدر من تحت أسنانه للرجل: -أكيد طبعًا لازم المفاجأة تخليني اقف شوية واستوعب، ما انا كان لازم اعرف إن حركة وضيعة زي دي لما تعملها زوجتي العزيزة، يبقى لقت اللي يحميها ويخطط لها عشان يضربني في ضهري بخسة، ولا انتي إيه رأيك يا روح قلبي؟ قالها وشدد على قبضة شعرها لتصرخ من بين يديه كاميليا، وصرخ على أثرها من الخلف طارق: - سيبها يا حيواان، إنت بتتشطر بس ع الستات. إلتفت راسه إليه بحدة يحدجه بنظرة نارية خاطفة قبل ان يتغاضى ويتجاهل من أجل أن ينتبه للرجل الاَخر، بعد أن عاد إليه يتابع له بازدراء: -مكنتش اعرف ان الزمن اتدحدر بيك لدرجادي، عشان تستخدم حيلة رخيصة أوي كدة في انتقامك مني، ويا ترى بقى انت لوحدك ولا معاك كمان.... ابنك العاجز؟ قال الأخيرة مشددًا على الأحرف، بقصد الضغط على جرح الرجل والذي تمالك رغم سريان الحمم التي تغلي بأوردته، ليرد بضربة حازمة بعصاه على الأرض: -سيب كاميليا واخرج عن سكات ولم الحوش بتوعك. تبسم كارم بزاوية فمه مستهزءًا بقوله: - طب وإن مستبتهاش هتعملي إيه؟ لم يجيبه الرجل بل ظل صامتًا هادئًا حتى أومأ بذقنه للأمام، فتفاجأ كارم بفوج من الرجال تلج من الخارج أو تاتي من داخل المنزل وأسلحتهم في أيديهم اضعاف؛ ليجبروا الآخرين اتباع كارم، على إسقاط أسلحتهم عنوة، رأى ذلك المذكور فاشتعلت عينيه، ليخرج سلاحه ويرفعه بوجه الرجل يصيح بتهديد: -أبعد رجالتك عن رجالتي وخليني اخرج بمراتي يا فوزي يا بحيري، إنت مش قد غضبي ولا عايز التاريخ يعيد نفسه من تاني، انا المرة دي مش هكتفي غير إني أحصرك على حياتك. تبسم ساخرًا الرجل ليردف كلماته بمرارة: -هو انت لسة هتحصرني على حياتي يا كارم؟ يا راجل دا انا كنت في عزي وكبير ناسي ونائب عن دايرة فيها الاف البشر، وقدرت انت وابوك بجبروتكم، تكسرو ابني وتكسروني معاه لما معرفتش اجيب حقه، انت لسة هتحصرني على حياتي! يا بني دا انا موت من يوميها ولا انت لسة مخدتش بالك؟ توقف فجأة فوزي وبرقت عينيه بنظرة عاصفة، ليردف بلهجة مشتدة قوية: -كاميليا وصلت أرضي وفي حمايا يا كارم، يعني هجيبلها حقها منك واحميها ولو بموتي، سيب البنت واخرج برا يا ابن اللوا وغور من البلد على رجليك بدل ما تخرج منها على نقالة . سمع منه كارم واشتد بالضغط على كاميليا يهزهزها مع مع فرط انفعاله المستعر: -يعني اللي معرفتش تعملوا زمان فاكر بغباءك انك هتقدر تعملوا دلوقت؟ طب زمان انا عَرفت ابنك مقامه ع الحلبة وهو قدام الدفعة كلها وخليته يصرخ زي النسوان، انت بقى جاي دلوقتي بعد ماراحت منك النيابة وراح منك شبابك وعايز تتحداني وبمراتي كمان، دا انت باينك خرفت وراحت منك، وريني هتقدر توقفني ازاي؟ قالها وتحرك بأقدامه للخلف يحاول السير بها، ومن الخلف كان طارق يتابع بعد أن انفك الحصار عنه يحاول بتأني وينتظر اقتناص الفرصة، يقـ,ـتله الخوف خشية أن يؤذي كاميليا هذا المجنون بسلاحه، أما فوزي فلم يكن يرى السلاح أو أي شئ اَخر، وقد تذكر سيل من ذكريات الألم والقهر حينما عجز بكل سلطته أن يأتي بحق ابنه الذي ظل على سريره في المشفى يتعالج بالشهور ولم تعد قدمه للسير الطبيعي رغم كل العمليات الجراحية التي أجريت لها بفضل الكسور المضاعفة التي فعلها عن قصد هذا الوحش الذي يتحداه الاَن، لذلك لم يتردد في التفكير بأن يقترب بجسده بتحدي هو الاَخر ليردد: -زمان لما اتحديت ابني على ماتش المصارعة، مكنش كريم عامل حسابه ساعتها ع الغدر، كان بيتحمل الضربات القوية منك ويعديها مرة في مرة على أساس أنها لعبه وانت اللي سيطرت فيها، لحد اما فاجئته بالناهية لما مسكت في رجله تكسر فيها بدون رحمة، انا بقى دلوقتي بواجهك بصدري وعارف اني ممكن أضيع فيها لكن مش هاممني، سيب البنت بقولك. قال الاَخيرة بصيحة مترافقة لدفعه السلاح الناري بالعصا التي رفعها فجأة لتحط بضربة قوية مؤلمة على رسغ كارم، فيسقط السلاح على الأرض بعيدًا عنه بحركة مباغتة، وقبل أن يستدرك جيدًا فاجئه طارق بتقيده من تحت أبطيه من الخلف، ليحاول نزع كاميليا من بين يديه، وذلك يقاوم بالسباب، فهجم فوزي ليشترك معه ليخلصها، وهذا يصيح بصوته العالي: -بقى بتهجموا عليا انتو الاتنين يا حيوانات، اوعي سيب انتوا وهو لانفيكم من على وش الأرض. كاميليا هي الأخرى كانت تحاول بكل قوتها، نزع نفسها عنه رغم الألم الشديد الناتج من جذب شعرها، واصابعه التي كانت تضغط على خصرها، وهي تزيد كلما حاولت بمساعدة الرجل وطارق لها، وهو يقاوم بضراوة قوة الرجلين حتى استطاعت فك نفسها مع الرجل مضحية ببعض الخصلات الكبيرة من شعرها التي التصقت بقبضته وهو يندفع للأرض مع طارق الذي ظل متمسكًا به حتى وقع معه، لتبدأ بعدها معركة محتدمة بين الطرفين، صرخت كاميليا على الرجل الذي ابتعد بها عنهما: - خلي الرجالة يفكوهم عن بعض يا عم فوزي، دا مفتري، وممكن يأذي طارق. هم ليهتف على رجاله الرجل، ليفاجأ بصراخ طارق الذي اعتلي الاَخر ليضربه بقبضته على فكه بقوة: -محدش يقرب مننا وخلوها لراجل لراجل. استطاع كارم بخبرته القتالية السابقة، ان ليبدل الوضع ويقلب طارق على الأرض، فيهتف بابتسامة شرسة: - كدة بقى يبقى انت اللي جيبته نفسك، وشكلي كدة هعيد الدرس مرتين، استلقي وعدك يا حبيبي. قالها ليكيل بالضربات المركزة على وجه طارق وخصره: بقصد الأذية الواضحة، كتمت كاميليا فمها وهي تبكي بوجع وكأن الضربات تصيب جسدها هي، أما فوزي فصرخ على طارق: -خلي بالك من رجلك يا بني، متخليهوش يلمسها، دا خاين وببستغل الفرصة عشان يضرب بخسة. سمع كارم فالتفت رأسه نحو الرجل بحدة، ليستغل هفوته طارق فيدفعه عنه ثم يباغته بضربة قوية برأسه على جبهته اخلت بتوازنه فلحقها بواحدة أخرى اشد جعلته يسقط على الأرض مستقليًا بدوار شديد، اعطى الفرصة لطارق ليكمل بعدة ضربات أخرى، ويصير الوضع لصالحه. وفور ان شعر بارتخاء جسده تركه لينهض عنه هاتفًا: -قوم يا حبيبي قوم، متخلنيش ازيد عليك واخرج بالحوش بتوعك على رأي الراجل الكبارة، تطلع كارم إليه قليلًا يستعيد وعيه الذي كاد يفقده، فضربات الرأس القوية جعلت جسده ثقيل، حتى أنه تمكن من الإعتدال بجذعه عن الأرض بصعوبة، ليرى الصورة جيدًا، وقد اقتربت كاميليا من طارق لتطمئن عليه بنظرات متلهفة زادت من حريقه ليردد وهو ينهض بأقدامه: -اطمني واشبعي منه كويس عشان بكرة هحصرك عليه، وخلي الراجل الخيخة دا ينفعك لما تبقي تحت رحمتي في شقة الزوجية يا ست الحسن والجمال. ردت هي هاتفة بصوت قوي توقفه فور أن استدار عنها : - كلها اسبوعين تلاتة أخدهم هنا اجازة في بيت الراجل الطيب ده، على ما المحكمة تخلصني منك، قضية الطلاق رفعتها وبكرة انت تتفاجأ بالإعلان على بيتك. برقت عينيه بنظرة غير مفهومة أمامها بعد سماعه للكلمات قبل أن يستدير عنها، بغرض المغادرة وقد سبقه رجاله، ولكنه وقبل أن يبتعد عنهم باغت رجل من أتباع فوزي البحيري بخطف السلاح منه، والتف يوصبه نحو الطارق في أقل من اللحظة، لتخرج منها الرصاصة بلمحة سريعة انتبه بها فوزي البحيري، فدفع طارق بقوة أوقعته أرضًا مع كاميليا التي صرخت برؤيتها الرصاصة تخترق ذراع العم فوزي والذي تصرف بسرعة، واخرج سلاحه من جلبابه ليوقف كارم برصاصة على ركبته في ألاسفل، سقط على أثرها يصرخ المذكور: -اااه، رجلي يا حيوان، وفي ركبتي كمان جايب الرصاصة، دا انا هوديك في داهية واخليك تقضي بقية عمرك في السجن نهض الرجل بمساعدة طارق وكاميليا، ليرد بتحدي: - وهتوديني في داهية ازاي بقى يا بن اللوا، وانت اللي داخل عليا بيتي ومتعدي برجالتك وسلاحك، ولا انت ناسي انك في أرضي، بس حتى لو كان دا هيحصل، إياك تفتكر اني هخاف، دا بالعكس، انا خدت حق ابني اللي متأجل من سنين يعني العين بالعين، والسن وبالسن، والبادي أظلم . ❈-❈-❈ بعدة عدة ساعات وبداخل المشفى دلف الأثنان يخترقون الرواق بخطوات مسرعة حتى وصلوا إلى الغرفة الموصوفة بعد عدة اتصالات مكثفة حتى علموا بما حدث: -إيه اللي حصل؟ سأل جاسر لاهثًا بقلق فور أن ولج إليهما مع زوجته التي اقتربت من صديقتها تحتضنها باشتياق وخوف، فرد طارق المستلقي على سريره الطبي بصوت ضعيف: -لا ولاحاجة يا حبيبى متقلقش. هتف جاسر بغضب وهو يومئ بكفه على الجروح المتفرقة بشدة على وجه صديقه بالأضافة إلى هذا الوهن الغريب عليه، فجاء الرد من كاميليا: - ما احنا مرضيناش نقولكم على كل الحقيقة في التليفون، كارم كان مراقب طارق بعد ما زار والدتي وعرف مكاني فطب علينا برجالة بلطجية في بيت فوزي البحيري، وحصل..... توقفت بلهاث وتعب، لتربت زهرة بكفها على ساعدها بدعم، وصاح جاسر بهلع امتزج بغضبه: - يعني هو اللي عمل كدة في طارق؟ -ملحقش يا جاسر ملحقش. هتف بها طارق رغم ضعفه، لتكمل على قوله كاميليا بارتجاف: - الموضوع كان كبير أوي يا جاسر، عم فوزي اتصاب في دراعه، وكارم نفسه اتصاب برصاصة في ركبته، وطارق زي ما انت شايف كدة كلها إصابات وكدمات شديدة ومتفرقة في الجسم كله، بس الحمد لله اللي رسيت على كدة عقبت زهرة على قولها فزعة من مجرد التخيل: -يا نهار اسود، دي على كدة كانت حرب. توقفت لتطالع وجه صديقتها بتمعن قبل أن تردف لها بتساؤل: - وانتي كمان شكلك مش طبيعي هو عملك حاجة؟ نفت بهز رأسها لكنها لم تتمالك كبت دموعها لتتلقفها ذراعي زهرة وتضمها إليها بشدة، تهدف لتهدئة روعها، فتوجه جاسر نحو المستلقي على سريره وقد تعلقت عينيه بمحبوبته التي كانت ترتجف في أحضان زهرة: - طب هو كارم ولا فوزي البحيري فينهم دلوقت؟ أجابه على مضض: -في الدور التاني تحت الحراسة الشديدة من الأمن، عشان التحقيقات والنيابة هنا فاض به جاسر ليضرب كفيه ببعضها يقول: -يعني كل ده يحصل وانا زي الأطرش في الزفة، محدش فيكم يديني خبر؟ نزعت نفسها كاميليا من حضن صديقتها لترد على قوله: -يعني كنا هنديك خبر ازاي بس؟ دا كل اللي حصل تم بسرعة غريبة محدش فينا لحق يتصرف، لولا بس عم فوزي كان عامل حسابه، لكنا روحنا في خبر كان، كارم كان زي المجنون برد فعله العنيف معانا. أومأ جاسر بتفهم رغم استغرابه باكتشاف الوجه الجديد لمدير أعماله السابق، واستدرك طارق ليسأل كاميليا: -لكن انتي أيه اللي عرفك ب فوزي ده؟ وعرفتي منين حكايته مع كارم؟ تبسمت كاميليا تومئ بكفيها: -دي حكاية طويلة قوي وعايزة رغي كتير. أكملت على قولها زهرة وهي تجلس على أقرب المقاعد بمساعدة زوجها: -قوي قوي، دا اسم الراجل نفسه خد مننا بحث على ما عرفناه وعرفنا طريقه وقدرنا نتواصل معاه، بس ربنا يخلي السوشيال ميديا بقى. مال برأسه إليها جاسر يردد بغيظ: -قولي يا حلوة قولي، وطلعي الأسرار، ما انا قولت من الأول، كنت نايم على وداني . ضغطت شفتيها تبتعد عن سهام عينيه المتسلطة عليها، حتى كاميليا ظهر على وجهها الحرج: فتدخل طارق بقوله: - اعذرهم يا جاسر، وكمان قدر من نفسك إن تخطيطهم السري جاب نتيجة كويسة اهي، والحمد لله انها جات على خير. تفهم جاسر ليردد بكلمات الحمد، أما كاميليا فقد تلقت دعمها للمرة الثانية بضغطة من كف طارق على كفها مع وقفتها المجاورة لتخته الطبي، لتهديه ابتسامة امتنان بعشق، تلقفها هو بابتهاج يتوسع بصدره رويدًا رويدًا، وعقله مازال لا يستوعب حتى الاَن أن مازالت هناك فرصة معها، وهو الذي كان يظن أمله في القرب منها، ذهب بغير رجعة. -كاميليا. انتبه الإثنان على مصدر الصوت في مدخل الغرفة، لتجد أسرتها تلج لداخل الغرفة خلف والدها، فنزعت كفها من يده لتتحرك سريعًا وترتمي في حضن والداها الذي فتح لها ذراعيه بكل ترحيب، رغم عتبه وغضبه منها: -كدة برضو يا كاميليا، دي عملو تعمليها فيا يا بنتي؟ شددت بذراعيها تردد باشتياق وتعب: - سامحني يا حبيبي، انا كنت مضطرة ومكنش عندي وقت، انت هفهمك على كل حاجة بعدين، مش هخبي عنك حاجة أبدًا. قالتها وانتبهت على هتاف شقيقها الأصغر وهو يجذبها من قماش عبائتها التي أتت بها معلقًا: -حلوة أوي الجلبية دي يا كاميليا، إنتي اشترتيها أمتى؟ التفت إليه مرددة باشتياق شديد وهي تقبله على وجنتيه: - دا انت اللي قمر يا قلب كاميليا، دي جلابية فلاحي جيت بيها مضطرة بسرعة عشان الظرف اللي كنت فيه. تدخلت رباب تسألها بفضول: -ظرف إيه؟ ❈-❈-❈ - البيت رجع يفضي علينا من تاني يا لميا. قالها عامر منتهدًا بضيق وهو يشير على أرجاء المنزل الخاوية حولهما، وردت لمياء على الفور باعتراضها: - يا ساتر يارب، ليه بتقول كدة يا عامر ما الاولاد لسة قاعدين.... ولا يكونش هما بيفكروا يسبونا يا عامر، يا نهار أبيض معقول دا قصدك؟ هتفت بالاَخيرة بارتياع جعل عامر يتأفف غيظًا لبجيبها على عجالة: -ومين بس قال الكلام دا يا ست انتي؟ انا قصدي على ميدو اللي عمل حركة وحيوية في البيت..... صمت برهة ليكمل متنهدًا من العمق: -انا من زمان اوي وانا في نفسي ان البيت دا يتملي بالأولاد يا لميا، مش بس من ساعة ما اتجوز جاسر، لا دا من زمان بكتير أوي. تأثرت زوجته، حتى ظهر على وجهها الحرج فيما تتفوه به: -انا عارفة إني ظلمتك معايا يا عامر، لما وقفت على خلفة جاسر ومردتيش اكشف ولا اسعى عشان اجيب اولاد تاني. رمقها بنظرة خاطفة ثم التف بوجهه عنها، حتى لاترى ما يفيض بالأعين من لوم سعى بكل الطرق لأخفاءه عير السنوات، وهي علمت بذلك، فسألته بفضول: -ليه محاولتش ولا اتخانقت معايا؟ ليه ما اتجوزتش زي بقية الرجالة ما بتعمل؟ مط بشفتيه ليجيبها بتفكير: -مكنش ينفع اتجوز غيرك يا لميا، الراجل اللي بيحب بجد، بيهموا بس إنه يخلف من الست اللي بيحبها، وانتي كنتي مخلفة جاسر مالي عليا الدنيا، دا غير ان الشغل كان واخد معظم وقتي، بس مكدبش عليكي، كنت بغير اوي وروحي تطير مني، في كل مرة ازور فيها اختي علية واشوف ولادها اللي مالين البيت عليها، دا غير كمان لما خلفوا وبقى زيادة بالأحفاد... قطع ليعود لشروده وهي صمتت ترمقه بامتنان مشبع بندمها، في عدم إعطاء الفرصة لنفسها في التفكير ولو لدقائق في السعي لإسعاد هذا الرجل في تحقيق ما كان يتمناه ويروجوه منها، وهو يستحق، فكم سعى لأسعادها وكم تغاضى بخلقه الكريم عن أخطائها، لذلك وجدت نفسها تسأله برجاء: -اعملك ايه يا عامر عشاك اعوضك؟ تطلع إليها عاقدًا حاجبيه باستفهام، فتابعت له: - متبصليش كدة، انا بجد والله نفسي ارضيك، بس مش عارفة ازاي؟ عارفة ان الكلام دا جه بعد فوات الاَوان، بس اعمل ايه. أومأ لها برأسه يجيبها: -متعمليش اي حاجة يا لميا، انتي بس خليكي كويسة مع مرات ابنك، وابنك اللي بيحبها، مش بقولك الراجل لما يحب ست بيحب يخلف منها، اهو ابنك بقى نفس شخصيتي، قعد مع ميري قد ما قعد لكنه عمره ما فكر يخلف منها، العكس بقى مع زهرة، يعني احنا دلوقتي أملنا فيها يا لميا . هزهزت رأسها بعدم استيعاب ليكمل موضحًا لها بخبث: - افهمي يا قلبي، انا عايز البيت دا يتملي بعيالهم، يعني يتشطروا كدة ويشدوا حيلهم. تبسمت لميا لتُجيبه بابتهاج يسري بداخلها: - عندك حق يا عامر، انا فعلا هموت ع الأمنية دي، وبتمنى من قلبي انه يحصل... يارب ❈-❈-❈ في شرفة منزلهم وبعد أن جمعت ابويها الأثنان لتُفاتحهم بجرأة فيما انتوت عليه منذ فترة، بعد أن جسرت نفسها للقادم مع والدتها متوقعة الأسوء منها، والذي ظهر مع اول كلماتها حينما بصقت المرأة من فمها كمية من الشاي الذي كانت ترتشف منه، لتهدر بغير تصديق: -مين يا بت؟ قولي تاني يا ختي وسمعيني. ردت غادة وهي أيضًا ترتشف من كوبها بكل هدوء: -ما انا قولتلك يا أمي، إسمه إمام، كام مرة يعني هقول الأسم؟ - لهو انا كنت بسأل عن إسمه يابت؟ هتفت بها إحسان وهي تضع كوبها بعنف على الطاولة الصغيرة أمامها، لتكمل بغضبها: - انا كنت شاكة من الأول، من ساعة اما شوفت وقفتك معاه في فرح خالد، بس كنت بكدب عنيا، على أساس إن انتي لسة فيكي عقل وبتفكري بيه، في إيه يابت؟ خلاص يا ختي داقت بيكي ومعدتش في رجالة عليها القيمة عشان يتدحدر بيكي الزمن ومتلاقيش غير المحروس دا تتجوزبه؟ أردفت غادة على نفس النبرة الهادئة: -وافرضي يعني كان فيه غيره حتى، ماله إمام بقى؟ ماهو راجل محترم عليه القيمة وفل كمان؟ إيه اللي ناقصه بقى؟ سمعت الكلمات إحسان واحتدت عينيها بلهيب الحقد لتصيح بها: -إنت يا بت انتي عايزة تشليني؟ يعني تقعدي ترسمي وتخططي وتعشميني معاكي، انك مش هتقعي اقل من زهرة ولا كاميليا دي وش الفقر اللي سابت ابن البهوات، عشان تيجي في الاَخر انتي، وتجبيلي حارس الأمن بتاع جاسر جوز بنت خالك، وتقولي هو دا اللي عليه القيمة، طب بأمارة إيه؟ فهميني . حاولت غادة الحفاظ على رباط جأشها، فالتفت نحو والدها الذي كان يتابع بصمت كعادته، لتوجه له الحديث: -طب احضرنا انت يا والدي، راجل محترم ومجهز نفسه من مجماعيه، اخته ما شاء الله دكتورة، ووالدته ست حجت بيت ربنا، دا غير انه مرتبه في الشهر يقضي بيتين مش واحد بس، دا من غير مرتبي، يبقى قيمة بقى ولا مش قيمة؟ اجاب شعبان على سجيته بدون تقدير لعواقب ما ينتظره: - مدام راجل وبيكفي بيته زي ماقولتي، يبقى قيمة طبعًا. افتر ثغرها بنصف ابتسامة مع بعض الارتياح، قبل ان تنتفض مع أباها على الصيحة القوية لإحسان وهي تضرب بعنف على سطح الطاولة: - يعني بتتفقي انتي وابوكي عليا، طب انا مش موافقة يا غادة على النسب اللي يفرح ده، وريني بقى مين اللي هيمشي الجوازة؟ وإن كان ابوكي يقدر من غيري، خليه يعملها قالت الاَخيرة بتهديد صريح ل شعبان الذي ابتلع ريقه بخوف من هيئتها التي لا تفشل أبدًا في إخافته، لتنهض بعد ذلك من امامهم غير مكترثة بحال ابنتها الذي تبدل على الفور من البرود إلى الغضب الشديد، حتى نهضت لتلحق بها بتحدي، ولا برجاء زوجها وهو يردد من خلفها: - دي كلمة طلعت مني كدة من غير قصد، ما تخديش على كلامي يا إحسان. ❈-❈-❈ وبداخل غرفة والدتها التي ولجتها كالعاصفة لتجفلها بصفق الباب خلفها بعنف، فالتفت إليها إحسان تنهرها بازدراء: - جاية ورايا ليه يا سنيورة؟ ولا يكونش في علمك اني عندي مرارة اسمعلك، لا يا حبيبتي، زوقي عجلك ياما وهوينا، امشي يا بت. صاحت بالاَخيرة لتواجه بصيحة اشد من غادة: - لأ ياما مش ماشية، مش متحركة غير لما اجاوبك على السؤال اللي كذا مرة تلحي وتسأليني عليه.... مش انتي كل شوية تسأليني، صاحبتك الهانم اللي كانت عايزة تجوزك أخوها راحت فين؟ ردت إحسان بخشونة: -ما انتي بتقولي انها سافرت مع اخوها ومعدتيش بتشوفيها تاني، ولا في حاجة انا معرفهاش. ردت غادة بلهجة متحدية: - اه ياما في، في إن صاحبتي إلا كنت بكلمك عليها قاعدة ومسافرتش، اللي سافر اخوها بس، عارفة ليه ياما، عشان متحملش اللي عملوا فيه إمام بعد ما اخدلي حقي منه. انقلب وجه إحسان فجأة فانقبض جبينها باضطراب لتنهض على الفور تسألها بتوجس: - حقك في إيه يا بت؟ هو الواد ده عمل معاكي إيه بالظبط؟ تبسمت غادة تجيبها ساخرة بمرارة، لترفع أمامها الهاتف فجأة بعد أن تلاعبت بشاشته قليلًا لتردف لها: - بصي كدة شوفي الفيديو ده، شوفي كدة ياما بنتك كان شكلها ازاي؟... أوقفت لترا رد فعل والدتها وهي تشاهد الفيديو عاقدة الحاجبين بعدم تصديق، فاستطردت: - شوفي كدة شكل بنتك بعد ما صاحبتها حطت لها حبوب هلوسة في العصير...... ارتفعت عيناها فجأة إحسان لتهتف بإجفال مرتاعة وقد وصلها تفسير اَخر بشع، تخشاه أكثر من الموت، لتلقي الهاتف على الأرض ثم تناولت ذراع ابنتها بعنف صارخة: - معناته إيه الكلام دا يا بت الكل؟.... ، وديني مايكون عملتي حاجة غلط، لدفنك مكانك، قولي يا بنت الجــ زمه واعترفي. صمتت غادة قليلًا تطالع وجه والدتها المرتاع بشماتة، وانفاسها تتلاحق بذعر وعلى وشك الإنهيار، لتجيبها اَخيرًا: - شوفتي اتخضيتي ازاي ياما، من مجرد بس ما جيبتلك الفكرة، تخيلي بقى إنه كان هيحصل بجد، لولا إمام الله يستره، دخل وانقذني من بين إيديهم، ولو مش مصدقاني افتكري الليلة اللي قضيتها برا البيت، وجات معايا تاني يوم الدكتورة خلود، اهي دي بقى مكانتش صاحبتي زي ما قولنالك ساعتها، لا يا أمي، دي تبقى اخت إمام اللي نيمتني في بيتها بعد اخوها ما ستر عليا.. زادت إحسان تهزهزها بعنف وتسألها بتشكك: - الكلام صح ولا انتي بتكدبي عليا يا بنت، ولا يكونش دا تم بجد والواد ده هو اللي هيستر عليكي بجوازك منه يابنت شعبان... - ولا عمري كنت هقبلها. قالتها بمقاطعة حادة لتكمل لوالدتها: - انا برضوا بتك ياما، وحكاية الشرف دي عندي بالموت، ربنا كان رحيم بيا لما انقذني، عشان انا مكنتش هرحم نفسي لو حصل، ولا برضوا كنت هقبل ان تبقي عيني مكسورة لحد تاني حتى لو كان جوزي، ربنا مايكتبها على حد ويستر على كل الولايا. نزعت إحسان قبضتيها عن ابنتها بعنف، وارتدت لتجلس على سريرها بتعب أحل بجميع اعضاء جسدها، وقد هدأت نوعا ما عاصفتها ولكن ما خلفته الكلمات في النفس صعب عليها استيعابه، لذلك ظلت على حالها بوجه واجم وجمود يقارب التخشب، اقتربت منها غادة لتردف بقوة رغم إشفاقها على هيئتها المزرية: - انا بعد اللي حصل معايا دا ياما فوقت، ومبقتش غادة اللي انتي تعرفيها، عشان كدة بقولك، انا موافقة على إمام حتى لو طلبني في عشة، ربنا كان بيحبني لما وقعني في واحد زيه، وانا مش هضيع فرصتي بأيدي، انا خارجة وهسيبك تريحي جتتك وتفكري كويس، عشان لما تصحي تحددي ميعاد مناسب لمجيته هو ووالدته، عن إذنك يا ست الكل. قالتها وخرجت على الفور تاركة والدتها على حالها، وقد سقطت الكلمات فوق رأسها كصاعقة قوية، زلزلتها من جذورها بقسوة شديدة. ❈-❈-❈ عاد من عمله متأخرًا ليلًا ليرتمي على اَريكته بتعب جعله يخلع حذائه بصعوبة، استيقظت من نومها على تحركاتها حولها، فنهضت إليه على الفور لتساعده في خلع سترته، انتبه على مجيئها من خلفه، ليصدر صوت اعتراض مع قوله: -إيه اللي صحاكي بس؟ روحي نامي يازهرة. سحبت السترة منه بحزم قائلة: -انام دا إيه؟ هو انت شايفني جبلة قدامك؟ ردد خلفها بعدم رضا - جبلة ايه بس والكلام الفارغ ده؟ إيه لزوم الغلط ؟ جلست أمامه لتساعده في خلع القميص الابيض أيضًا لتعقب على كلماته: -طبعُا اغلط واضرب نفسي بالجزمة كمان لو ما حسيتش بيك، إيه يا ابو الغالي، انا لسة برضوا عندي شوية نظر عشان اخد بالي منك، ولا انت شاكك؟ تبسم ليداعب غمازة ذقنها يستجيب لحديثها المرح رغم تعبه: - شاكك أيه بس؟ دا انتي أحلي حاجة فيكي نظرة عنيكى وغمازة الدقن دي اللي شدتني ليكي من اول مرة شوفتك فيها . اهدته ابتسامة رائعة وقد اسعدها غزله لتبادله الرد: -وانا اكتر حاجة شدتني فيك رغم الخوف الكبير اللي كنت بحسه في كل مرة اشوفك فيها، هو صوتك الأجش دا، مش فاهمة ليه كان بيتردد في وداني دايمًا؟. - يا ولد، يعني كان فيا حاجة بتعجبك اهو، حلو ده، اهو الواحد كدة ياخد كدة ثقة في نفسه. قالها بمشاكسة استفزتها لترد إليه بغيظها: - وتاخد ثقة في نفسك ليه يا حبيبي؟ هو انت عايز تعجب مين تاني كمان؟ لعب بحاجبيه ليزيد غيظها بتسليته ولكن غلبه الإرهاق ليمسك بكفيه على أعلى كتفيه متأوهًا، انتفضت بقلق لتلتف خلفه وتدلك بأناملها عليهما، علٌها تنزع قليلًا من تعبه، مع تساؤلها: - هو انت لسة ملقتش حد ينفع يحل مكان كارم؟ تأوه مستجيبًا مغمض العينين ليُجيبها: - كل المساعدين والناس اللي بختبرهم يوميًا، مفيش حد فيهم قدر يسد زيه، كان عنده قدرة غريبة انه ينجز عدة اعمال بسرعة رهيبة، انا عارف ان في زيه كتير، بس المشكلة معايا في الوقت، عايز حد يكون خبرة ويشيل على طول، ميخدتش بقى مدة في التعليم، انا تعبت. ردت برقة مشفقة على حالته: - طب ارجع انا شغلي عشان اساعد معاك على قد ما اقدر، اكيد يعني هخفف ولو جزء بسيط. - يا ستي متشكرين على الزوق والإحساس العالي منك. توقف يتناول كف يدها ليُقبلها، ثم يردف وهو يعيدها للجلوس بجواره: -انا يكفيني بس الايدين الناعمة دي ومعاها الابتسامة الحلوة منك، مش طالب منك أكتر من كدة. استجابت بابتسامتها إليه قبل أن تعود لنفس السؤال: - بس برضوا احنا كدة في نفس المشكلة، انت بتقول انك عايز واحد خبرة بسرعة، طب هي كاميليا ولا طارق، حد فيهم ينفع يسد معاك دلوقتي على ما تلاقي اللي نفسك فيه ده؟ نفى بهز رأسه ليجيبها: - الاتنين ما شاء الله عليهم، بس انا لو شيلت حد منهم ، هبقى عايز اللي يسد مكانهم، يعني نفس الدايرة، بس ع الأقل دلوقتي هما مريحني من هم المصنع، بس سيبك انتي وريحي مخك، أكيد هلاقي طلبي اديني بحاول مع رؤساء الأقسام، يمكن الاَقي حد كفء معاهم . قالها وانتفض فجأة ليذهب نحو حمامه، وما أن استدار عنها بخطوتين حتى التف إليها يسألها بتذكر: - هو خالد رجع من شهر العسل ولا لسة؟ -خالي خالد رجع من يومين. قالتها بعفوية قبل أن تجفل على هذه النظرة منه لتسأله باستدارك: - هو انت بتفكر في خالي يا جاسر؟ بقلم أمل نصر.