نعيمي وجحيمها بقلم امل نصر ج12

❈-❈-❈

بصدره العاري وقف خلف ستائر النافذة الحريرية البيضاء، يتطلع من الجزء المكشوف منها إلى الخارج، واضعًا كفيه بجيبي بنطاله القطني، بوجه متجهم، وانفاس متهدجة وكأن ما حدث لم يمر عليه ليلة كاملة قضاها في البحث المكثف، حتى عاد فجرًا، ف أبى أن يمر وقته دون أن ينفث عن غضبه في اقرب شئ تطاله يداه.
– خلاص انا كدة همشي بقى يا كارم؟ ولا لسة عايزني؟
هتفت بها المرأة التي من خلفه، فالتف إليها يجيب بنزق:
-هاعوزك في إيه تاني يعني؟ هو انتي لسة مزهقتيش؟
تبسمت المرأة بميوعة وهي تعدل جيدًا من وضع فستانها بعد ارتدائه:
-لا زهقت دا إيه؟ قول تعبت، إنت كنت صعب اوي النهاردة، بس اقول إيه بقى، عريس!
احتدت عينيه بنظرة مخيفة إليها سائلَا:
-تقصدي إيه؟
ارتجف قلبها فعدلت لتصحح على الفور:
-قصدي يعني انه كان هيبقى فرحك امبارح، لولا بس التعب المفاجئ اللي حل على عروستك، الا صحيح هي عاملة إيه دلوقت؟

تحرك بأقدامه كفهد يتربص بفريسته ليقترب برأسه، ونظرته المخيفة تكاد أن توقف قلبها:
-بتسألي ليه عن صحة العروسة يا جيرمين؟
تلجلجت تجيبه باضطراب:
-يعني هكون بسأل ليه بس؟ عايزة اطمن والله بعد اللي اتقال امبارح عن صحتها وخلاكم تأجلوا الفرح، إيه يا كارم، هو انت لسة معرفتش بغلاوتك عندي؟
قالت الاَخيرة واضحة كفها على عضل صدره القاسي، لتكمل بنعومة:
– اكيد عارف بمعزتك اللي خلتني اخترع حجة وهمية عشان اسيب نجيب والولاد واجيلك هوا، اول بس ما رنيت عالي وقولت عايزك، ماتتصورش الفرحة اللي حسيت بيها وقتها، انا عمري ما ارفضلك طلب أبدًا يا كارم.
حدجها بنظرة ثاقبة وكأنه يبحث عن سبب ما يجعله يود الفتك بها حتى يفرغ طاقة الغضب المشتعلة داخله، ولكنه استدرك ما ينتظره من خسائر لو اكتشف أمره مع امرأة رخيصة كهذه.
فعاد لعقله وقال ليقطع معها فلم تعد تلزمه الاَن:
-انا بقول انك تروحي دلوقتى احسن، مش عايزين جوزك يشك فيكي، إنت مش قد غضب نجيب
اومأت برأسها، لتتناول الحقيبة اليدوية خاصتها، وقبل ان تتحرك نحو الباب الخروج إلتفت برأسها إليه تخاطبه:
-هتوحشني أوي يا كارم أوي .
تفوهت بالكلمات وحين لم تجد أي رد فعل سوى هذا الوجه الجليدي، استدارت وخرجت، لتتركه لأفكاره،
فهذا ما ينقصه، ان يكون حبيبًا لامرأة كهذه، ومن ارادها بحق هربت من سطوته، كالسابقة، تنفس بعمق ليعود إلى تخته، علّه ينجح في محاولته للنوم، فيجب عليه أخذ راحة جسده الاَن حتى يستفيق للقادم، ولكن كيف سيفعل؟ وصورتها لا تغادر ذهنه، لمستها تجعله في اشتياق دائم إليها، كيف سيفعل؟
انتبه على صوت جرس المنزل مع طرق متواصل على باب الشقة، فاعتدل على الفور ليخرج سريعًا من غرفته بتحفز لصب غضبه على من يجده خلف الباب، فهذا ما يريده بالفعل، وكانت المفاجأة، أن القادم لم يكن سوى والدته توقف يردد بارتباك:
-أمي، إنتي جيتي هنا ازاي؟ وايش عرفك أني هنا؟
القت على نظرة صدره العاري لتومئ بذقنها مخاطبة له:
-طب البس حاجة الأول عشان متاخدش برد .
-أمي.
اردف بها بسأم وهو يلتف ليعود بداخل شقته ويجلس على اقرب مقعد وجده أمامه متابعًا بقوله:
-سيبك من الكلام دا بقى، وتعالي كلميني الأول، انتي عرفتي إني هنا ازاي؟
تغضن وجه المرأة لتشاركه الجلوس على المقعد المقابل، وردت بلهجة لائمة:
-إيه يا كارم؟ مستغرب ان والدتك الست البسيطة عارفة مكان الشقة اللي بتقابل فيها عشيقاتك؟
-عشيقاتي!
رددها بتعجب اثار غضب والدته لتصيح عليه:
-أمال كنت فاكرني نايمة على وداني، وعقلي المحدود مش هيجيب الصفحة اللي بتقدر بكل براعة تدرايها عن الناس، مرات نجيب كانت بتعمل عندك إيه يا كارم؟
احتدت عينيه مع سؤالها المباغت، ليشيح بوجهه عنها، ف السيدة الوالدة يبدوا أنها كانت على علم بكل شئ، والكذب الاَن لن يجدي بفائدة معها، حين لم تجد المرأة ردًا، تابعت تخاطبه بقوة:
-كان نفسي الصفحة الجميلة اللي بتبرع في رسمها قدام الناس، تكون كدة ع الحقيقة كمان، ليه يا بني تخون اقرب ما ليك، نجيب دا ابن عم والدك، حتى خد بحق العيش والملح أللي ما بينا وبينه…
هدر يقاطعها بحدة:
– انا مروحتش لحد ولا لعبت عليه، هي اللي رمت نفسها عليا، ودا عرض مظنش إن في راجل هيرفضه، اعتبريه شفقة.
مع كلمته الاَخيرة إستشاطت غيظًا لتهدر به:
-بلاش كلامك المستفز دا يا كارم، يا بني حرام عليك.
-حرام على مين؟
صرخ بها ليُتابع بهتافه الحاد كازًا على أسنانه:
– يعني انتي جايالي النهاردة وانا فيا اللي مكفيني من من اللي حصلي امبارح عشان تديلي مواعظ، فيه أيه؟.
صمتت قليلًا والدته تمتص غضبه، ثم تناولت كف يده تخاطبه بحنان:
-سامحني يا حبيبي لو كنت زودت الضغط عليك، بس انا عايزاك تعقل كل ده بذكائك شوية، إنت عارف وانا عارفة إن كاميليا كويسة، وعملة امبارح دي أكيد وراها حاجة كبيرة ما بينكم، يا أما انت ضغطت عليها كعادتك لما تعوز شئ بشدة، بس مش كل حاجة بتتاخد بالقوة يا كارم.
ضيق عينيه يسألها بريبة:
-قصدك إيه؟ وضحي أكتر يا ست الكل.
اخرجت تنهيدة كبيرة المرأة، لتجيبه بنظرة قوية:
-قصدي انت عارفه كويس يا كارم، اليوم اللي انت عزمت فيها كاميليا ع الغدا في غيابي، واحدة جارتي سألتني عن الصريخ اللي كانت سامعاه في وقتها من بيتنا، انا مسألتكش بس تقريبًا خمنت اللي حصل.
صاح يضرب بكفه على ذراع المقعد من جواره:
-خمنتي أيه يا ست ماما؟ عشان تبقى عارفة بقى، انا موصلتش للي انا عايزة على فكرة.
– بس يكفي المحاولة يا كارم، ودي لوحدها صعبة على أي ست.
قالتها المرأة ليُشيح بوجهه عنها يزفر بقوة، فمبدأ ان يكون مكشوفًا هكذا أمام أحد ما حتى لو كان والدته، مرفوض تمامًا بالنسبة إليه، لذلك عاد إليها يردف بتحدي:
-خمني زي ما انتي عايزة يا ست الكل، كاميليا هترجع ورجلها فوق رقبتها، وساعتها هخليها جارية تحت رجلي، شغلها هو متعتي وبس، ها أيه رأيك بقى يا أمي؟
تطلعت إليه المرأة قليلًا بصمت، قبل أن تجيبه بقنوط:
-هقول إيه يعني يا بني؟ ربنا يهديك.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *