الفصل الواحد والثلاثون سنواتُ من البعد وهى تُمنى نفسها برؤيته .. سنوات طالت وزاد معها الم الاشتياق وتعدى كل الحدود ..حتى فقدت الأمل وتعمدت التكيف والتعود والنسيان . لكن ان تراه هكذا بدون سابق إنذار .. هذه هى المفجأء التى جعلت قلبها على وشك التوقف. بكاءها العنيف بداخل احضان ابيها المتشبث بها بقوة .. كاد ان يشطر قلبه لنصفين .. اقترب منهما يربت بكفه على ظهرها التى تساقطت عليه دمعات " ابو العزم " هو ايضاً ! - خلاص يا" سمره " اهدى مش كده .. بعياطك الشديد ده ممكن يجرالك حاجة والله .. انا كنت عاملهالك مفجأة .. بس شكلك كده عايزانى اندم . عاد ابو العزم برأسه للوراء ليرفع وجهها اليه وهو يبتسم لها بدعابه : - عاجبك كده ؟ اهو هايندم انو جابني هنا . ابتسمت مع بكاءها وهى تخرج من أحضانه بتمهل. ادارها من كتفها اليه ليرى وجهها: - يانهار ابيض .. شوف وشها بقى ازاى ؟ يعنى يعجبك كده ياعمى ؟ رفع " ابو العزم " ذقنها اليه .. بأطراف اصابعه وهو ينظر لوجهها جيداً الذى اغرقته الدموع مع هذا الاحمرار والانتفاخات الطفيفه بفعل البكاء : - انا بنتى زى القمر فى ليلة تمامه .. اميرة من كتب الخيال .. جمالها يأسر القلوب وحسنها يخضع اقوى الرجال. فغر فاهه مذهولا : - لالالا دا انت خطر عليا .. ايه الكلام اللى يجنن ده ؟ ردت هى بصوت ضعيف: - دا انت كمان ماشوفتش اشعاره .. احلى كلام واحلى وصف .. ماهو كان بيعتبرنى حبيبته وياما كتبلى . قبلها على جبهتها بقوة وهو يسألها : - انتى لسه محتفظة بيهم ؟ اومأت برأسها تجيب : - كلهم ومافيش ورقة منهم ضاعت . صاح " رؤوف " على الاثنان : - اقسم بالله بدأت اغير .. انا حاسس انى بقيت عزول وسطيكم .. استدارت اليه بابتسامة ولا اروع : - بعد الشر عليك ما تبجى عزول .. انت ما يليقش عليك غير الحبيب . - تهللت اساريره بمرح : - ايوة بقى هو ده ..سمعينى كلام حلو زيك اومأ له بكف يده : - انبسطت كده ياعم .. اهى حطتك فى مرتبة الحبيب . هز برأسه بسعادة غامرة: - انبسطت قوى طبعاً .. طب احنا هانفضل هنا عالباب .. ومش هندخل ؟ اتفضل ياعمى اتفضل . ....................................... - طلعت متجوزة يا" شيماء " ومن بيه كبير جوى كمان فى مصر .. قالتها وهى تضرب بكفٍ على الاَخرى بغيظ احتل قلبها .. وامام صمت الاَخرى المحدقة اليها بصمت تابعت . - عشان لما جولتلكم من الأول ان البت دى فاجرة كدبتونى وماحدش صدق عليها رغم عملتها السودة وكانكم عميتوا مش شايفين .. ماتردى يامحروسة ولا البسة كلت لسانك. اجفلت الفتاة ترد عليها حانقة : - عايزة ايه يا" رضوى " منى ؟ ولزوموا ايه كلامك ده معايا اساساً ؟ فغرت فاهها وكأنها اصابها العته : - انتى حتى كلام مش متحملة عليها ياشيماء هو في ايه بالظبط؟ نهضت عن مقعدها لتقف امامها بغضب : - بصراحة انا مش فهماكى يا" رضوى " .. ولا فاهمة انتى عايزة ايه بالظبط ؟.. ياستى ان كانت طلعت عفشة ولا زينة .. ماهى راحت لحال سبيلها وامها اعتبرتها ميته . خرجت منها تنهيدة حارقة وهى تحدق اليها بغل : - عايزة تعرفى انا ايه اللى مجننى ؟ .. اللى مجننى حظها اللى ضارب فى السما.. وسحرها اللى بترميه عالرجالة فى اى حتة تروحها .. يعنى حد في الدنيا دى يصدق انها تطلع هربانة من بلدنا.. وبدل مايحصل فيها زى كل البنتة اللى بتهرب وتجيب العار لأهالها .. لا دى تروح تتجوز بيه من اللى بيتعدوا عالصوابع فى مصر ..دا ابويا وابوكى مجدروش يلمسوا شعرها منها .. وبعد دا كله لسه بتسالينى .. عايزة ايه منيها ؟ استدارت " شيماء " صامتة .. تجلس مرة اخرى على طاولة مكتبها وهى تتلاعب بكتبها وقد ضاق صدرها من هذه الضيقة الثقيلة . دنت منها " رضوى " تسألها بتعجب : - انتى مالك يا" شيماء " سكتى ليه ومابترديش على كلامى ؟ اجابتها بسأم : - ويعنى عايزانى اجولك ايه ؟ بصراحة كل واحد حر فى تصرفاته وانا مش هاشغل نفسى ب" سمره " ولا غيرها .. انا اهم حاجة عندى دراستى . اعتدلت فى وقفتها تنظر اليها بقنوط : - هو انتى مضايقة من جيتى يا" شيماء " ولا معطلاكى ولا حاجة عن دراستك .. جولى جولى يكون كمان مش طايقانى ؟ زفرت بضيق : - استغفر الله العظيم.. هو انا غلطت فيكى يابتى ؟ ولا انتى مضايقة وبتجرى شكلى وخلاص ؟ - مالكم يابنات صوتكم طالع لبره ليه ؟ هو انتو كنتوا بتتعركوا؟ سألتها " ثريا" وهى تدلف للغرفة حاملة صنية لاكواب العصير .. تقدمت عليها " رضوى " تتناول الكوب : - جيتى فى وقتك يامرة عمى .. احسن انا كنت هاموت من العطش . - الف هنا يابتى .. اشربي وانا اجيبلك غيرها .. دا عصير منجة من شجرتنا . نظرت اليها " شيماء " بحنق قبل ان تسال والدتها : - هو ابويا صحى ياما ولا لسه ؟ - ابوكى صحى من زمان ولبس جلابيته وطلع مع الحاج " سليمان " اخوه يزور " رفعت ".اصلهم جلجانين عليه من ساعة ماسبوه .. بيقولوا ان حالته كانت لا تسر عدو ولا حبيب . توقفت عن شرب العصير تبتسم ساخرة : - خليه يشرب .. عشان كان طاير بيها وكأنه ملك نجمة من السما . خبطت " شيماء " بيدها على طاولتها متمتة مع نفسها بغيظ : - اللهم طولك ياروح . .................................... بقلب يرفرف من السعادة كانت جالسة بجوار أبيها وامامها السيدة" لبنى " وزوجها " رؤوف " الذى ظهر اليها من العدم كى يحميها .. ويبحث بشتى الطرق لاسعادها وتعويضها عن كل مامرت به .. يبدوا لها انها قد بدأت سنين العوض ... فاقت من شرودها لتجد السيدة " لبنى " تخاطب اباها . - نورتنا جداً يااستاذ "ابو العزم ".. هو انا ليه حاسة انى شوفتك قبل كده .. بس فين مش عارفة . مط بشفتاه مفكراً : - بصراحة حضرتك انا ماسبقليش المعرفة بيكى .. بس فى حاجة .. انا كنت بنشر فى جرايد ثقافية.... قاطعته " لبنى " سائلة : - انت كنت بتنشر اشعار صح ؟.. انا دلوقتى بس افتكرتك . اومأ الراجل برأسه فتابعت " لبنى " : - واضح اوى من لبسك وطريقتك ان فنان . اكمل " رؤوف " على كلماتها: - انا دلوقتى بس عرفت "سمره " وارثه التحضر والرقي دى منين ؟ قربها اليه ينقل نظراته منها واليهم : - سمره وارثة حاجات كتير منى زى ماهى وارثة كمان من والدتها جمالها .. عبس بوجهه " رؤوف " ممازحاً : - لا حضرتك مافيش شبه خالص .. انت شكلك ماشوفتهاش من سنين كتيرة باين . اعترضت سمره مع ابتسامتها المستتره: - بس يا" رؤوف " هازعل منك والله.. - خلاص متزعليش انا بهزر .. بس بصراحة انا مدايق قوى منها وماحدش بقى يلومني فيكم .. يعنى اللى اسمه قاسم دا ينفع عريس عشان توافق بيه ؟ خبئت ابتسامتها وهى تجيبه : - والله ماانا عارفة هى ليه كانت مصرة جوى كده عليه ؟ - بس انا عارف . خرجت من ابيها بصوتٍ متألم قبل ان يتابع امام نظراتهم المترقبة .. اصلها كانت شايفة فى جنانه وعصبيته صورة عكس جوزها الخايب اللى كل همه يكتب فى اشعار ويرسم فى صور ولما يجى يفتح مشروع بورثه.. يخسر . بصوت حنون : - خلاص يابوى ماتزعلش وانسى كل اللى فات . اكمل " رؤوف " على قولها : - فعلا ياعمى متزعلش .. دى كانت وجهة نظرها وسبت بالدليل القاطع انها غلط . بابتسامة لم تصل لعينيه : - انا مش زعلان منها بالعكس.. انا زعلان من نفسي عشان مقدرتش اصلح صورتى قدامها ولا قدام اى حد . - انا مش معاك فى الكلام ده . خرجت من " لبنى " فأجفلتهم جميعاً فتابعت : - انا كنت بقرأ اشعارك وكانت ممتازة .. انت بس كان ناقصك شوية حظ زى معظم المبدعين فى بلدنا . .................................. عادت من عملها مساءاً لتجد اولادها الاثنان يتسابقون فى الشارع بدراجات صغيرة وحديثة بجوار المبنى الذى تقطنه .. هتفت عليهم بغضب . - خد ياواد انت هو .. واخدين العجل دا من مين ؟ صاح ولدها الاصغر بحماس : - دول بتوعنا احنا ياماما مش بتوع حد تانى . تخصرت باستنكار : - ودول ان شاء الله دفعتوا تمنهم منين ياعين امك ؟ ولا يكونش كسبتوهم فى كيس الشبسى . - انا اللى جبتهم للولاد يا"سعاد ". استدارت بغضب تواجه صاحب الصوت الذى تعلمه جيداً : - دا بجد بقى الحكاية مش هزار من العيال ! بقولك ايه ياممدوح انا ميت مرة منبهة عليك تبعد قرشك الحرا.... قاطعها صائحاُ : - بس بقى بلاش فضايح فى الشارع ..بكلام يودى فى داهية ادخلى جوا خلينا نتكلم . دبت بقدمها على الأرض قبل ان تتقدم بخطواتها داخل المبنى القديم وهو خلفها.. - اديك اداريت من عيون الناس فى الشارع يا" ممدوح " ممكن بقى تفهمني جبت تمن العجل دا منين ؟ اطرق بوجهه أرضاً وهو يجيبها بحزن : - مكنش العشم دا يا" سعاد " .. مكنتش اتصور انك يكون دا رد فعلك لما اجيب حاجة لولادى عشان تفرحهم وتيجى تكسرى بفرحتى وفرحتهم . زفرت طويلاً بنفاذ صبر : - بقولك ايه يابن الناس ماتركبنيش الغلط.. انت عارف كويس اوى انا اعتراضى على مصدر الفلوس . - وانا مستعد احلفلك دلوقتى انهم من فلوس حلال .. قالها بتشدق ليتابع بعد ذلك : - ياسعاد انا جبت دول من عمولة سمسره جات قدامي بالصدفة .. رزق من عند ربنا اعترض وعشان تتأكدى من صدق نيتى .. انا دلوقتى بدور على شغل عشان ارجعلك انت والولاد وناكل لقمتنا بالحلال وبسأل كل اللى اعرفهم عشان يدلونى. - انت بتتكلم جد يا ممدوح "؟ - وهاكدب عليكى ليه بس ؟ جربى كده وجيبلى شغل وشوفى بقى ان ماكنت إشرفك مابقاش انا ؟ - طب وانا هاعرف منين بس ياممدوح ؟ - ليه يا" سعاد " متعرفيش ؟ دا انت صاحبتك خطيبة البيه اللى شغالة عنده يعنى ساهلة اهي . صمتت قليلاً تفكر فى الامر بحيرة : - بقولك ايه يابن الناس بصراحة انا اخاف اكلمهم فتقصر برقبتى وتحرجنى بعد كده مع" سمره "وجوزها . بنبرة ساخرة : - هو لحق يتجوزها ؟ دا اول امبارح كان خطيبها! .. شكل صحبتك بتستغفلك وهى لا مراته ولا خطيبته؟ صاحت عليه بغضب : - لا بقولك ايه .. انا ماسمحلكش تغلط فى حد فيهم .. دى" سمره "اشرف منها مافيش و" رؤوف " بيه الادب والاحترام كله .. دا كفاية انه عقد عليها وهى فى بيته ومع ذلك لسه ملمسهاش ومنتظر لما يعمل فرحهم فى اكبر قاعة فيكى يابلد . - انتى متأكده من كلامك دا ياسعاد ؟ - طبعاً متأكده دى صحبتى ومابتخبيش حاجة عنى . ................................ كان جالساً امامهم بجمود زاماً شفتيه يستمع اليهم دون رد فعل .. فلا احد يشعر بالنيران المستعرة بداخله .. ولن تنطفئ الا بالانتقام من هذا الشقيق الذى استحل دمه سابقاً كى يرغمها على تركه ولم يبالى بصلة دم او ارحام .. اجفل من شروده على صوت " سليمان " . - انت روحت منينا فين ياولدى ؟ هز برأسه مجيباً : - نعم ياعم " سليمان " انت كنت بتجول ايه ؟ - ياولدى كنت بجولك .. بلاش الزعل الواعر ده وفوق لنفسك .. انت كبير عيلتك وكل المصالح بيدك . اكمل على قوله " حسن " : - ياعم " رفعت " انت زينة شباب العيلة والف واحدة غير اللى غارت دى ... قاطعه بحدة قائلاً : - حن عليك ماتجبيبش سيرتها ياعم " حسن " . أومأ الرجل برأسه متفهماً : - خلاص ياولدى مش هاجيب سيرتها.. بس انا بجولك اها .. انت تستحق احسن واحدة فى الدنيا .. شاور بس انت على اى واحدة فى العيلة ولا فى بلدنا كلها وشوف . - جوزنى بتك . - نعم ياولدى !! -مش انت بتجول شاور على اى بت فى العيلة وانا بقولك اها انا طالب يد بتك !! ................................ كان جالساً على احدى المقاهى الشعبية ينفث دخان ارجيلته فى الهواء عندما صدح هاتفه برقم أخيه : - الو... ايوه يارفعت . رد عليه بتماسك رغم هذا الطوفان بقلبه: - ايوه يا" قاسم " هو انت زيارة صحبك دى مخلصتش ؟ نفث دخانه مرة ثانية قبل ان يجيبه : - لا ما انا لجيته غير العنوان غلط .. وانا دلوك بدور على عنوانه التانى عشان اخلص من الامانة . - ماشى ياواض ابوى بس اخرك بكره وتنزل عشان عايزك فى موضوع ضرورى .. واجل موضوع صاحبك ده لبعدين . - بس ... - مافيش بس يا" قاسم " بقولك عايزك ضروري. - حاضر حاضر مش هاعوج كده ان شاء الله . كان على وشك الجدال مرة اخرى ولكنه اضطر للمواقفة لانهاء المكالمة سريعاً حينما رأى من أتى امامه ليجلس بالكرسي المقابل . - مساء الخير ياعم قاسم . - مساء النور ياسيدى ..ها جولى الكلام اللى سمعته بالمظبوط . - طب براحة ياعم اخد نفسى الاول. - اخلص ياممدوح .. ماتتعبنيش . - شوف ياسيدى هى اكدتلى انه كتب كتابه عليها .. لكنه ملمسهاش لان قريبتك مصرة فرح وهيصة . - كويس . - كويس ايه ؟ دا بقت مراته رسمى . - مدام على ورق يبجى لساها فيها صرفة .. والحل قريب ان شاء الله .. لكن لو كان لمسها ساعتها مافيش حاجة هاترضينى غير انى اموتها بيدى . الفصل الثانى والثلاثون خرجت من غرفتها مجفلة على هذه الاصوات الصادرة من والديها .. وفى هذه الساعة المتأخرة من الليل .. وهذا نادراً مايحدث .. - يعنى بت اختك تغلط .. واحنا اللى نشيل الغلط . - غلط ايه يامرة يامجنونة اللى هانشيله ؟ دا جواز ومش من اى حد .. لا دا كبير ناسه . صاحت المرأة بصوتٍ اعلى : - واحنا مالنا كبير ناسه ولا كبير الدنيا كلها .. فى النهاية برضك كبير عليها ب١٢ سنة . صاح الرجل بصوتٍ اعلى : - يامرة انتى مجنونه ! ولا مش واخده بالك احنا بنتكلم على مين ! دا رفعت عارفة يعنى ايه رفعت . كانت قد وصلت اليهم لتلقي التحية ولكنه توقفت مشدوهة للأسم فخرج سؤالها بقلق : - مالوا " رفعت " يابوى ؟ ارتفعت عيناه اليها بعيدا عن مرمى زوجته .. - انتى صحيتى يا"شيماء "يابتى ؟ طب تعالى اجعدى جمبى هنا على الكنبة تعالى .. عشان اَخد رأيك فى حاجة مهمة . هتفت " ثريا " بامتعاض : - وتاخد رأيها ليه ؟ ماترد بالرفض وريح الدنيا . - اللهم طولك ياروح . قالها وهو يزفر حانقاً من جدال زوجته قبل ان يلتف لأبنته قائلاً : - اسمعى يا" شيماء " يابتى .. كل العركة اللى انت شايفاها دى عشان عريس متجدملك .. وامك رافضاه بس انا يابنتى مُصر انى اَخد رأيك واللى هاتجولى عليه انا موافج بيه . عقدت حاجبيها بتساؤل: - مين هو العريس يابوى اللى امى رفضاه . خرجت الاجابة من والدتها : - العريس يبجى " رفعت " ياعين امك .. اللى من كام سنه بس كنت بتجوليلوا ياعمى . اللتف اليها " حسن "برأسه غاضباً قبل ان يعود لابنته مرة اَخرى . - شوف المرة وكلامها البارد .. يابتى انا بعرض عليكى الامر وبس لكنى عمرى متا هايجبرك على حاجة لو رفضتى ولا هايهمنى كبير ولا صغ......... - ومالوا " رفعت " يابوى عشان ارفضه؟ قالتها بمقاطعة ادهشت والدها واللجمت والدتها التى غرت فاهها للحظات غير مصدقة .. قبل ان يخرج صوتها بصدمة : - كيف يابتى مالوا ؟ دا اول امبارح كان خاطب " سمره " ودلوك يجى فى يوم وليلة يتجدملك .. من قبل حتى مايفوج من صدمتها .. لكن انتى دريانة بالكلام اللى بقوله ده ولا لاه . ردت بثقة: - دريانة ياما وفاهمة كل حاجة .. انا مش عيلة صغيرة. - لأ عيلة يا"شيماء "وبينك كمان مش فاهمة.. وانا لا يمكن ارضى بجوازة زى دى . - بس انا راضية ياما . للمرة الثانية تتوقف الكلمات على لسانها وهى ناظرة لابنتها بصدمة واشفاق .. فعادت لزوجها بترجى : - ماتبعش كلام بتك يا" حسن " وتصدق انها فاهمة ! .. ارفض يا" حسن " وريح قلبى .... قاطعتها مرة أخرى بتأكيد: - والنعمة فاهمة ياما وعارفة كل اللى بيدور فى مخك وبرضك موافقة .. .......................... وفى حجرة الوالد .. كان جالساً بجواره على الفراش .. ووالدته و" مروة " شقيقته على اخر الفراش من الناحية الاخرى . - ياخير ماعملت يا" رفعت " اخويا .. والله " شيماء " دى تتحط عالجرح يطيب . نفيسة هى الأخرى . - اه والنبى يابتى .. وعاقلة وراسية كده يازين ما اخترت ياولدى يازين مااخترت . كان يومئ برأسه رداً عليهم بابتسامة فاترة .. امام نظرات ابيه المتفحصة : تسألت مروة بدهشة: - بس بصراحة انا عمرى ما توقعتها ولا خطرت فى بالى .. هو انت امتى فكرت فيها أساساً . اجفلته بسؤالها البرئ وهو لم يكن يعرف الأجابة .. وذلك لانه تفاجأ من نفسه حينما طلبها من والدها دون تخطيط او تفكيرٍ مسبق .. مط بشفتيه ليرد بصدق : - مش عارف يا" مروة " والله ما عارف. نفيسة بابتسامة واسعة: - يعنى زى ما بيقولوا فى الامثال النصيب حكم .. ياكش تكمل بموافقة البت .. عشان فرحك انت واخوك نعمله فى ليلة واحدة بدل الميعاد اللى فات اللى اتلغى بسبب ال........ قطعت جملتها حينما رأت رد فعله .. حينما اطرق بوجه ارضاً بحزن ولم يجد القدرة على التمثيل .. مما اجفلهم جميعاً وجعل " نفيسة " تشعر بخطئها..همت لتغير الموضوع ولكن زوجها سبقها : - اطلعوا بره انتوا الاتنين .. وسيبونى لوحدى مع ولدى . نهضن الاثنتان بأذعان وخرجن من الغرفة .. بمجرد خروجهم سأله فوراً : - انت لسه بتحبها يا" رفعت " ومانسيتهاش ؟ ظل صامتا ولم يجيب فتابع الرجل : - مدام جلبك لسه معلج بيها يبقى تصبر ياولدى لما جرحك يخف الاول. عاجله بالرد سريعاً : - بس انا لازم انسى .. انا تعبان وجلبى متجطع ميت حتة .. عايز اخف من مرضها اللى فضل ملازمنى العمر كله ... لازم انساها. ربت بكفه على ذراعهِ بحنان : - ماشى ياولدى .. بس لو عايز تنسى يبجى تفتح جلبك للجديد عشان ماتظلمش البنيه معاك . اومأ برأسه موافقاً .. فاطبق الرجل على ذراعه ليقربه اليه .. تقبل " رفعت " الدعوه بكل امتنان ليرتمى بداخل احضان ابيه ..فشدد الرجل عليه بذراعيه ...شهق باكياً يخرج ما بقلبه من دمعاتٍ واهات وليرتاح قليلاً ... ....................... جالسة على تختها تنظر فى الهاتف بتردد.. قلبها يدعوها لمهاتفته وعقلها يأبى .. بحجة الكرامة المهدورة التى دعسها بقدمهٍ مئات المرات ولم يبالى بمشاعرها و لا عشقها المتيم به .. لقد اقسمت فى اَخر مرة هاتفته فيها ولم يرد .. على الا تكررها مرة اخرى ولو على قطع رقبتها .. ولكن ماذا تفعل فى هذا الشوق الذى يأكل قلبها وينهشه دون رحمة ولا شفقة .. تناولت الهاتف وطلبت نمرته ..وانتظرت وهى تقرض فى اطراف اظافرها وهى تهتز فى جلستها بعصبية .انتظرت وانتظرت حتى فقدت الأمل ولكنها وعلى غير العادة تفاجأت به يرد هذه المرة . - الوو ... ايوه يا" رضوى " كاد ان يتوقف قلبُها من المفجأة فردت بلهفة ملحوظة : - الوو .... ازيك ياقاسم عامل ايه . وصلها رده المُقتضب. - زين والحمد لله . تابعت بنفس اللهفة . - طب مش ناوى تاجى بجى .. بدل البعاد اللى مالوش لازمة ده .. تعالى يا" قاسم " دا انا اتوحشتك جوى . صمت قليلا قبل ان يجيبها : - ماشى يا" رضوى " ماشى ... اخلص المشوار اللى فى يدى واَجى . هل ما سمعته كان حقيقاً ام انها تتوهم . أنه يُرضيها ويعدُوها بالمجئ .. توسعت عيناها وفغر فاهها من الدهشة وهى على وشك ان تفقد وعيها. - انت بتتكلم جد يا" قاسم " ؟ ولا سمعت غلط ولا ايه بس ؟ هذه المرة زفر بصوت واضح فى أذنها - لا سمعتى صح يا" رضوى " ومكانش كدب .. خلاص بجى اجفلى دلوك عشان انا جاعد مع جماعة صحابى.. سلام بجى . ضمت الهاتف الى صدرها وهى مازلت لم تستوعب بعد ماسمعته فارتمت على وسادتها تتقلب عليها وهى تضحك بسعادة وهيام وكأنها فقدت عقلها . .......................... يابوى اجعد يابوى .. ماتمشيش والنبى . قالتها وهى تتمسك به كالأطفال .. بعد ان نهض من مقعده وهم بالرحيل .. اكمل " رؤوف " على قولها : - اقعد ياعمى واسمع الكلام ؟ انت مش خارج من هنا أساساً. قبل راس ابنته وهو يخاطب الاثنان : - ماينفعش والله .. انا ماصدقت اخرج عشان ارجع لقوقعتى وشقتى دى وحشتنى قوى. لبنى هى الاَخرى : - ياسيدى واحنا منعانك منها .. انت هاتقعد معانا واما تحب تروح لها روح . لمعت عيناها وهى تترجاه بقوة : - حن عليكى يابوى تبع الكلام واجعد ... انا لسه ماشبعتش منك تنهد بثقل وهو يحدق بعنيها : - على فكرة انا المفروض اَخد " سمره " كمان معايا .. اجفل " رؤوف "مخضوضاً من مقولته : - لا تاخد " سمره " معاك فين ؟ بقى انا رافض خروجك انت اساساً .. تقوم تقولى عايز " سمره " تاخدها معاك . - يابنى انا بتكلم فى الأصول . رغم اهتزازه من الداخل استطاع السيطرة على مشاعره فتكلم بلهجة مقنعة : - اسمعنى ياعمى وافهم موقفى .. انا مقدرتش اخليها تخرج معاك لحد يأذيها من اهل امها .. ولا انت ناسى انها خرجت هربانة من عندهم .. قبل جوازها باسبوع ..وهى لسه فى اولها يعنى انا مضمنش الناس دى ممكن تعمل ايه؟ رد عليه بعتب : - يعنى انا مش هاقدر احمى بنتى يا" رؤوف " . - يووه ياعمى بقى .. مابلاش كلامك ده . قالها بسأم فتدخلت " لبنى " بحكمة : - يااستاذ ابو العزم" رؤوف" بيتكلم صح .. احنا الفيلا والمكان نفسه هنا متامن كويس قوى .. دا غير الحرس الكتير .. لكن متاَخذنيش يعنى .. انت فى شقتك هناك هاتبقى لوحدك معاها .. يعنى لو هجموا عليكم انت وهى ماحدش فيكم هايلحق يقاوم . فتح فمه للمجادلة واقفله مرة اَخرى وهو لا يجد التعبير المناسب لما يجيش بصدره .. فهمت " لبنى " ما يدور برأسه . - عايزاك تطمن كويس قوى .. انه لا يمكن هايقدر يقربلها طول ما انا موجودة لحد يوم الفرح. شهقت " سمره " بخجل وهى تدفن رأسها فى ذراع ابيها .. فضحك " رؤوف " بصوتٍ عالى : - هى الحكاية كده بقى .. طيب طمن قلبك .. المحروسة اللى فى حضنك دى شرطت عليا من اول كتبت الكتاب .. مافيش دخلة غير بعد الفرح .. برقت عيناها وفغر فاهها من جراته .. فازدادت ابتسامته عبثيه اليها . تنهد " ابو العزم بارتياح : - الحمد لله .. خلاص كده بقى هاسيبها وانا مطمن معاكم . - تانى برضوا عايز تمشى ؟ قالتها بتعب فضمها اليه وهو يقبل على جبهتها . - تبقى تيجى تزورينى كل يوم .. انا مش هارتاح غير فى بيتى .. خلى بالك منها يا" رؤوف " هم بالخروج بعد ان اخرجها من احضانها ولكن اوقفه " رؤوف " ممسكاً بيده : - ياعمى ماينفعش اللى بتعمله ده . ربت بكفه على ذراع " رؤوف " : - معلش انت لو بتحبنى بجد .. خلينى على راحتى .. ماشى ياحبيبى . اذعن لرغبته متنهداً : - طب خلاص بقى سيبنى اوصلك شقتك .. تابعت خروجهم من القصر .. فتساقطت دمعاتها كالسيل .. شعرت بيدٍ حنونه تلمس على ظهرها رفعت عيناها اليها فوجدتها " لبنى " .. شهقت وهو تجفف عبراتها : - هو انتى خلاص سامحتينى؟ ابتسمت لها بمكر : - ياعبيطة هو انا لو كرهتك ولا شيلت منك .. كنت هاقعد دلوقتى معاكى ولا اقعد مع والدك .. هزت برأسها تبتسم بجمال رغم دموعها : - ربنا يخليكى ليا يارب .. انا كنت واثقة ان قلبك ابيص وزى الفل . .............................. فى اليوم التالى استيقظت باكراُ فقامت هى بأعداد وجبة الإفطار لزوجها وجدته السيدة " لبنى ".. نزل " رؤوف " من الدرج قاصداً الذهاب للعمل .. فوجدها تضع الاطباق على طاولة السفرة .. تبسم بسعادة: - صباح الفل . اعتدلت بوقفتها مبتسمة بأشراق . - صباح الهنا . تلاعب بحاجبيه وهو يقترب منها ومن الطاولة . - ياخرابى انا على جمالك وعلى كلامك اللى يجنن . شهقت منتفضة ترتد للخلف من مجرد لمسه لذراعها . - بس يا" رؤوف "انت بتعمل ايه ؟ لوح بكفيه المفتوحتين امامها ببرائة : - انا جاى اصبح على مراتى حبيبتى.. ماصبحش يعنى ؟ قال الاَخيرة بنبرة مغوية وهو يقترب من وجهها فابتعدت هى بجزعها للخلف بعد ان انحسر جسدها بينه وبين طاولة السفرة . - عيب عليك يا"رؤوف ".. انت اتفجنا على ايه ؟ ضيق عينيه بتصنع - اتفقنا على ايه مش فاكر .. فكريني انتى والنبى . بكفيها كانت تبعده عنها وهو مازال يحاول التلاعب باعصابها والتقرب منها . - ابعد عنها ياولد وخلى عندك دم . اجفل منتبهاً لصيحة جدته التى كانت تنزل الدرج بتأنى ..تحمحم وهو يظبط رباط رقبته .قبل ان يتقدم منها و يتناول كف يدها . - اهلاً تيته صباح الفل الاول. ناولته كفها وهى تزجره بعيناها : - هو احنا قولنا ايه للراجل امبارح يااستاذ " رؤوف "؟ سار بها لناحية السفرة وهو يردف متزمراً : - يعنى انا عملت ايه يعنى لدا كله ؟ حتى القبلة الخفيفة محرمة عليا كمان .. دا حرام والنعمة. اجفل لنظراتها وابتسامتها اليه بتشفى وهو يجلس جدته على مقعد السفرة . - اضحكى اضحكى والنعمة لاطلعوا عليكى بعدين ..وابقى شوفى مين هايحميكى منى . شهقت بخجل وهى تخفض عيناها الى طبقها . لكزته " لبنى " على ذراعه : - مبسوط كده ياقليل الأدب انت ؟ اديك كسفتها تبسم بسعادة وهو محدقاً بها قبل ان يضع الطعام بفمه : - مبسوط قوى . هزت " لبنى " راسها وهى تغير دفة الحديث مع " سمره " : - انتى حضرتى الفطار لوحدك ليه يا" سمره " .. امال " سعاد " راحت فين ؟ ردت عليها وهى تتهرب من عيناه : - اصل " سعاد" النهاردة مش جاية لوحدها.. هى كانت كلمتنى امبارح على شغلانة لجوزها وانا كلمت " رؤوف " ووافق يشوفله شغلانة . - صباح الخير ياهانم . قالتها " سعاد " وهى تدلف لداخل القصر فضحك " رؤوف " ساخراً : - جبنا سيرة القط جه ينط .. ابتسمت " سعاد " لمداعبته معهم : - شكلكم كنتوا بتيجبوا فى سيرتى ! ردت عليها" سمره "بابتسامة ودوده : - بكل خير يا" سعاد " .. انتى جوزك جه عشان الشغل زى ماجولتى ؟ ردت بلهفة : - ممدوح قاعد بره مع الحرس مستنى الاذن بالدخول. نهض " رؤوف " عن مقعده مردفاً لها : - هاتيه حالاً ورايا المكتب عشان اشوفه قبل مااروح الشغل . - ماشى يابيه. ..................... بعد قليل كان يتفحص اوراق ثبوتيته الشخصية وهو ينظر اليه بتقيم .. - بس انت معكش مؤهل جامعة. اللقى نظرة الى "سمره" الجالسة امام المكتب قبل ان يجاوبه : - معلش بقى يابيه الظروف . - ايوه يابنى بس انا كده هاشغلك فى ايه بالظبط ؟ دا انت حتى ماتنفعش امن عشان جسمك القليل . بنبرة حزينة وهو يخفض عيناه ارضاً : - معلش بقى يابيه خلقة ربنا . - هو انا غلطت فيك؟ قالها بحنق .. ولكن نظره منها جعلته يحاول مره اخرى. - طب انت تعرف تعمل ايه بالظبط ؟ رفع عيناه يجاوب بحماس : - انا اعرف اسوق يابيه ومعايا رخصة كمان هاتلاقيها عندك فى الورق .. ماانا ياما سوقت تاكسيات اوما براسه موافقاً : - ماشى ياسيدى انا هاخليك تبقى سواق الهانم . قالها وهو يشير الى " سمره " التى اشارت بسبابتها ناحية صدرها ببلاهة : - انت تقصدني انا ؟ اومأ مبتسماً لها بتأكيد : - طبعاً انتى ياقلبى .. هو انا عندك غيرك ؟ تحمست بفرح : - طب انا عايزة اروح عند والدى النهاردة ينفع يوصلنى. -و لو ماينفعش احنا نخليه ينفع .. روح يابنى لصفوت خليه يوصلك للعربية .. على ما سمره هانم جهزت نفسها . اومأ بكفه على صدره بامتنان وهو خارج : - متشكرين اوى ياباشا .. وانا اوعدك ان شاء الله انى ابقى قد المسؤلية نهض عن مكتبه وهو يضع بعض الاوراق المهمه داخل حقيبته ويهم بالخروج . - ها ياستى مبسوطة بقى .. عشان شغلت البيه جوز سعاد . بابتسامة رائعة . - مبسوطة جوى يا" رؤوف " ربنا يخليك ليا يارب . ............................. داخل السيارة الجديدة وهو يتفحص فخامتها وامكانيتها العاليه بانبهار .. صدح هاتفه برقم يعلمه جيداً .. فتبسم ضاحكاً يجيبه : - كنت على بالى والله حالاً ارن عليك واطمنك. - ................ - اخبارى اَخر حلاوة يامعلم .. استلمت وظيفة سواق وبعد شوية بس من دلوقتى انا خارج بالعصفورة مشوار !! ...... الفصل الثالث والثلاثون بداخل شقته وفى مكانه المفضل فى غرفة المرسم .. كان ممسكاً بخرقة قديمة وهو يمسح بها الغبار الذى تكوم على لوحات رسوماته.. يدندن بصوته اغنية رائعة "لأم كلثوم " وهو ينظر جيداً للوحة قديمة كان قد رسمها سابقاً فى وقت ما لامرأة جميلة قد راَها فى شرفتها .. لايعلم لما تعلقت انظارهِ بها وعلقت بذهنهِ .. حتى تناول فرشته ورسمها هنا بهذه اللوحة .. يتذكر انه بسببها قامت مشاجرة كبيرة بينه وبين زوجته السابقة .. حينما سألته عن صفتها وما السبب الذى دعاه لرسمها ؟ حتى انها أصرت على قطعها .. ولكنه دعاها بالجاهلة التى لا تقدر الفن .. وتخلق معه مشاجرة بدون سبب وجيه ولا منطقي .. وكانت النتيجة انها ذهبت لبيت أباها غاضبة ! افاق من شروده على صوت قرع جرس المنزل .. ترك اللوحة والخرقة وخرج من غرفته ليفتح الباب .. فوجده امامه . - مساء الخير ياعم " ابو العزم " . نظر اليه جيدا بتساؤل : - مساء الخير يابنى .. هو انت تعرفنى ؟ بزاوية فمه وابتسامة لم تصل لعيناه : - انا عن نفسى عارفك زين جوى .. بس انت ياترى بجى فاكرنى .. ولا مش عارف تشبه عليه عشان كبرت من غير ما تشوفنى ؟ ضيق عيناه بتفكير عميق : - والله يابنى انت شكلك مش غريب عليا ..دا غير لهجتك كمان بس انت بتقول كبرت !........ هو انت ....قاسم ؟ قال الاَخيرة بأعين متسعة حينما تذكره من نظرة عيونه .. وأتاه التأكيد حينما دفعه الاَخر بذراعهِ للداخل ودلف هو معه أيضاً ..اغلق الباب وهو يضحك بشراسة متكلماً مابين ضحكاته: - ايوة انا "قاسم "ياحمايا العزيز . .......................................... وبداخل السيارة التى كان يقودها " ممدوح " كانت جالسة هى فى الخلف وفى الأمام وبجوار السائق كان الحارس الشخصي الذى فاجأ " ممدوح " بمجيئهِ معهم ..وبرغم اخباره ل" قاسم " بهذا الوضع الجديد عبر رسالة هاتفية الا ان الخوف بقلبه ازداد اضعاف .. خوفاً من تهور هذا المجنون او قيامهٍ بعملٍ ليس محسوب. - انت نويت تتوب بجد يا" ممدوح " ؟ - هممم قالها مجفلاً من سؤالها الذى جاءه بغتةً .. قامت هى باعادة السؤال : - انا كنت بسألك .. هو انت نويت تتوب بجد يا" ممدوح " ؟ تدارك نفسهِ فأجابها بابتسامة دبلوماسية: - طبعاً ياهانم .. امال انا كلمت " سعاد" ليه عشان تشوفلى شغل عندكم .. انا عايز أكلها بعرق جبينى .. عشان اربى عيالى وأكلهم لقمة نضيفة على رأى "سعاد ". ابتسمت له بمودة وحسن نية : - جدع يا " ممدوح " عشان فكرت تلحق نفسك .. سعاد طيبة وبنت حلال .. تستاهل منك انك تحاول وتصلح نفسك عشانها وعشان العيال .. الزوجة الصالحة دى نعمة من عند ربنا . رد عليها بتوتر وهو يمسح جبهته المتعرقة كل دقيقة - عندك حق ياهانم .. كلامك اللماظ كله حكم والنعمة . - اللماظ !! قالتها بابتسامة متسعة : - ايه الاوفر ده بس ياعم " ممدوح " ؟ دا كلام عادى طالع من قلبى عشان معزة " سعاد " عندى ..اللى هى اكتر من اختى .. وانت لو استمريت فى توبتك ورجعتلها هتبجى جوز اختى ..فاهمنى ياممدوح . رد عليها : - الله يحفظك ياهانم دا من اصلك الطيب.. وادينا احنا كمان اهو وصلنا .. اوقف السيارة امام المبنى الذى يقطن بداخله اباها .. ترجلت من السيارة وترجل خلفها " اسماعيل " الحارس الجديد هو ايضاً .. ليدخل المبنى معها ولكنها اوقفته فجأة: - انت طالع معايا يا" اسماعيل " ؟ اجابها الرجل بتهذيب : - ما انتى عارفة ياهانم " رؤوف " بيه مكلفنى انك ماتغبيش عن عينى ولو ثانية. بابتسامة خجولة ومحرجة: - بس مش لدرجادى يا"ممدوح " .. معلش يعنى انا كده مش هاعرف اجعد مع والدى .. انت استناني هنا فى العربية وانا هخلص جعدتى مع والدى ومش هاتاخر عليك . اومأ برأسهِ باذعان : - تحت امرك ياهانم .. بس أرجوكى لو حسيتي بأى خطر اتصلى بيا على نمرتى .. انتى عارفاها . تركته لتدخل المبنى .. وصعدت لأباها وقبل ان تطرق باب الشقه وجدته ينفتح وحده . تقدمت بخطواتها وهى تدلف بحرص : - ابويا .. هو انت سايب الباب مفتوح ليه ؟ والدى ياوالدى .. دب الخوف داخل قلبها مع هذا السكون الغريب وعدم اجابة أباها وهى تشرئب بنظراتها تبحث عنه .. فجأت المفاجأه حينما سمعت صوت اغلاق الباب بغتةً .. استدارت بجسدها مجفلة لتجده امامه بهيئته المجرمة رغم وسامته وطوله الفارع .. يضحك بخبثٍ امامها وهو يردف : - ايه رأيك ؟ مكنتيش متوقعة صح ؟ .. بس انتى عارفانى انا جامد ومافيش حاجة تصعب عليا ! جحظت عيناها وهوى قلبها لقدمها .. فأسندت بيدها على طرف الكرسي..وهى تسأله بصوتٍ مرتعش : - ابويا فين يا" قاسم "؟ عملت فيه ايه؟ تقدم بخطواتٍ بطيئة حتى وقف امامها تماماً .. ذهب عن وجههِ الهزل وهو عيناه تلاحق كل تفصيلة بوجهها بأشتياقٍ مميت وبصوتٍ خرج من فمهٍ كالمغيب : - وحشتيني جوى جوى يا" سمره " ..هو انا ليه كل ما اشوفك الاقيكى احلويتى .. اكتر عن كل مرة شوفتك فيها ؟ لم تعد تشعُر بأقدامها .. فكانت تضغط باصابعها على الكرسى المستندة عليه حتى لا تقع .. حدقتيها ترتعش مع هذه الدمعات التى اغشت عينيها وهى تصرخ : - بجولك ابويا فين .. عملت فى ابويا ايه ؟ تنهيدة طويلة خرجت منه وهو يشيح بوجهه عنها حتى يستفيق ويعود لصوابه .. قبل ان يمسك بيداها ليسحبها ناحية غرفة فى المنزل : - تعالى شوفيه بنفسك عشان قلبك يطمن . تحركت باَلية معه حتى فتح لها باب الغرفة .. لتفاجأ بأبيها وهو مكمم الفم وهو مقيد اليدين والقدمين ومُثبت فى الكرسى .. بمجرد ما أن رأها اخذ يزوم بصوتهِ ويحاول الحركة والمقاومة لفك قيده .. فغرت فاهها بألم موجع لمشهد اباها وقبل ان تسقط ارضاً تلقفتها ذراعهِ وهو يسندها ليضمها اليه بصدرٍ رحب . - سلامتك ياجلب " قاسم " .. مش تجمدى كده . تداركت نفسها فأجمعت شجاعتها واستحضرت قوتها لتضربه بقبضة يديها على صدره : - بعد عنى يازفت .. هو انت اتجنيت ولا عجلك طار منك . فما كان منه الا ان لف ذراعه الثانية وقربها اكثر بداخل احضانه وهو يردف بجنون وعيناه على شفتيها : - ياه على اللحظة دى يا" سمره "؟ دا انا بحلم بيها من زمان ... اشاحت بوجهها عنه حتى لا ينول غرضه وهى تقاومه بيديها وقدميها .. فازداد صوت اباها وهو يزوم ويتحرك بعنف حتى وقع ارضاً بالكرسي المقيد به . صرخت عليه بجزع : ابويا. فك ذراعيه عنها وهو يسب اباها ويشتمه .. ضمت قبضتها الى فمها تبكى بصوت مكتوم وهى تراه .. يرفع اباها مع الكرسي ..ونظرة العجز فى عين اباها عن القدرة على حمايتها كانت تقت*لها .. صاح عليه قاسم : - حاول ماتكررهاش تانى ..عشان المرة جاية ممكن رجلك تتكسر فيها وانت عضمة كبيرة وماتتحلمش .. وانا ماعنديش مرارة الم فيك كل شوية . زام عليه اكثر وهو ينظر اليه بحدة مع حركته المفرطة . لوح اليه بيده : - انت حر ! قالها وتحرك بخطواته ليقف امامها وهو واضعاً كفيه على خصره بنظرة مبهمة.. مسحت بأطراف اصابها دمعاتها فخرج صوتها بشجاعة زائفة : - عايز ايه يا" قاسم " ؟ جيب من الاَخر . كتف ذراعيه وهو ينظر اليها بابتسامة الظفر والانتصار!! ..................................... ايه ده ؟ قالتها بجزع وهى تراه ممسكاً بهذه القطعة القماش السوداء بيده .. بابتسامة متهمكمة : - ايه مش عارفاه ؟ ولا نسيتى انك كنت لابساه لما هربتى منى فى الصعيد وجيتى هنا على مصر . هزت برأسها بعدم استيعاب : - انا عارفة انه نقاب .. بس انا مالى بيه ؟ اقترب خطوة ليشرح لها خطته فارتدت للخلف خوفاً منه فازدادت ابتسامته اتساعاً : - ماعلينا وخلينا فى المهم دلوك .. شوفى ياستى انا عايزك تلبسى النقاب ده زى الحلوة كده .. وتعدى على الحارس والسواق بتوعك من غير ماحد فيهم يعرفك .. وعند العربية العربية الحمرا اللى تحت العمارة اللى هتلاقيها راكنة على جمب .. هاتركبى فيها وتستنينى مع السواق .. وانا بعدها هانزلك هوا ونمشى بعدها على بيتنا السعيد . فغرت فاهها من هذا المجنون وتوقفت الكلمات على لسانها لفترة قبل ان يخرج صوتها اخيراً : - بيت سعيد مين ؟ انا متجوز...... لم تكمل جملتها وذلك لانه قبض بأصابعه على وجنتيها وهو يضغط على فكها بقوة كادت ام تحطمه وهو يردف بشراسة : - اياكِ اسمعها منك تانى .. ياخلص عليكى انتى وابوكى حالاً .. فاهمة ولا لاه . اومأت برأسها خوفاً ودمعتها تساقطت مع هذه الألم القوى .. ولكنه لم يتركها بل اقترب اكثر يسألها بنبرة مخيفة : - انتى خلتيه جرب منك ولا لمسك ؟ نفت وهى تهز برأسها رعباً.. فك يديه عنها لتتكلم .. فصرخت من الألم : - جولتلك لأ ياشيخ حرام عليك . شهقت من الالم فربت بكفهِ على ذراعها قبل ترتد خلفاً من لمسته .. فلوح بكفهِ امامها : - خلاص خلاص ياحبيبتى متزعليش منى انا واثق فيكى .. ياللا بجى البسى النقاب عشان نطلع من هنا ونهرب . توقفت دمعاتها وهى تنظر إلى هذا المجنون ..وكأنه كائن من العالم الخارجي لايعلم شيئاً عن البشر ولا يعترف بقوانينهم. - مالك بيبتصيلى كده ليه وانتى ساكتة ومش متحركة ؟ ولا انتى عايزانى ادخل دلوك اخلص على ابوكى جدامك .. وبرضك هانفذ اللى فى مخى وهاخدك معايا . صمتت للحظات اَخرى محدقة بعيناها وهى تدرك تماماً .. ان الجدال معه لن يجدى بأية نتيجة .. أومأت برأسها موافقة وهى تمُد اليه يدها تتناول منه النقاب .. - هادخل جوا اروح البسه . همت لتتحرك ولكنه اوقفها : - استنى عندك رايحة فين ؟ ماتلبسيه على هدومك ؟ ثارت بوجهه بتعصب : - ما ينفعش البسه على هدومى دى الضيقة .. لازم اغير والبسه على براح عشان اعرف امشى بيه . مال برقبته مردفاً بمكر : - ماشى يا" سمره " بس دا هايكون جدامى ! هذه المرة خرجت كلماتها بصراخ : - والله ماهايحصل يا" قاسم " ولو على ج*ثتى .. عايزنى البس يبجى ادخل هنا فى الاؤضة .. وغير كده خدنى ميتة احسن ! زفر حانقاً بضيق قبل ان يجذبها من يدها لغرفة المرسم الخاصة بأبيها .. فدلف ودلفت خلفه .. اللقى نظرة خاطفة لمحتويات الغرفة حتى اطمئن.. ترك يدها وهو يشير على ساعة يده : - هاحسبلك من دلوكت حالاً دقيقة واحدة .. تلحجى تغيرى فيها.. اكتر من دقيقة ..هافتح الباب ويحصل الى يحصل بعدها ..عشان تبجى حققتيلى اغلى أمنية عندى هنا فى بيت ابوكى . قال الاَخيرة بغمزة أثارت اشمئزازها .. فدفعته بيدها لاخراجه من الغرفة .. - خلاص بجى اطلع وخلصنى .. وبلاش كلامك البارد ده .. . بعد اغلاقها للغرفة جيداً .. شهقت بضعف وقلة حيلة قبل ان تهم بتغير ملابسها وهى تدعى ربها : - يارب اجف معايا يارب .. وانجدنى انا وابويا يارب ............................. ارتدت ملابسها سريعاً وهى تتفحص المكان يميناً ويساراً .. تبحث عن شئ يصلح كسلاح أو اَداة تصلح للمقاومة ولكنها لم تجد سوى الالوان و الفرشاة واللوحات التى رسمها ابيها سابقاً .. كانت تود لو اشبعت عيناها منهم ولكن حياة ابيها هى الأهم الاَن .. اخذت تجول بعيناها مرة اخرى وبشكل ادق فى كل ركن .. حتى وجدتها .. شفرة صغيرة لا تصلح لشئ ولكن ربما قد تأتى بفائدة وضعتها بداخل القفاز الأسود بداخل كفها .. قبل ان تفتح الباب لتخرج اليه .. فوجدته امامها بابتسامة سمجة : - لحجتى نفسك.. انا كنت داخلك حالاً هههه اشاحات عنه عيناها حتى لا تنفجر بوجهه وهى تردف بجدية.. - انا هانزل حالاً بس بشرط انك تفك قيود ابويا قبلها.. - انتى ما تشرطيش عليا .. انتى تنفذى وبس .. يااما هتلاقينى كاتملك نفسه باى مخدة من اللى جوا ومخلص عليه على كده وشريط البلاستر على خشمه. زمت شفتيها بعجز قبل ان تترجاه : - طب حتى فك رجله من الكرسى عشان يقدر يطلع من مطرحه ويساعد نفسه بعد مانمشى .. هز رقبته :. - موافق عشان خاطرك بس . همت للتحرك ولكنها اوقفها : - استنى ياحلوة.. انتى مش هاتنزلى لوحدك . - رفعت اليه عيناها بتساؤل: - امال هانزل مع مين ؟ - معايا انا ياست الستات .. اللتفت برأسها ترى قائل الجملة .. فوجدته يدلف لداخل الشقة بهيئته الصغيرة رددت بتعجب : - سوكة!! رد عليها بتذمر : - ايوه يامدام .. ماهو انا اللى هاسوق العربية بتاعتكوا .. عقبال يارب ماازفكوا بيها . زفرت بحنق وهى تتحرك باَلية امامه ولكنه اوقفها للمرة الثالثة .. - استنى ياقلبى . وقبل ان تستدير جيداً وجدته يضع شريطاً لاصقاً على فمها قبل ان ينزل بالنقاب يخبئ وجهها : - معلش ياروحي اصل انا مضمنش انك تصرخى على الحارس ولا السواق .. لازم اكون عامل حسابى . امام نظراتها المذهولة اكمل : - ياللا بجى عايزك تنزلى مع سوكة واكنك اخته الملتزمة.. اللى مش هابتص يمين ولا شمال ولو حد ندهك مش هاتردى .. انا عينى عاتفضل مرقباكى لحد اما تركبى العربية معاه .. ومع اى حركة غدر هاكون مخلص على ابوكى فى ثانية . باعين مقهورة اللقت اليه نظرة قبل ان تخرج مع " سوكة" وتنزل سلالم المبنى حتى خرجت منه .. رأت امامها اسماعيل .. ولكنه كان مشغول بشئٍ ما فى الهاتف يراه مع " ممدوح" تعلقت عيناها بالاثنين .. حتى يرفع احدٌ منهم عيناه عن الهاتف ويراها وينقذها ولكن هذا لم يحدث .. رفعت عيناها الى شرفة ابيها .. فلمحت عيناها الصقرية وهو يراقبها من خلف الستائر.. حتى وصلت للسيارة الحمراء .. فتح لها " سوكة " الباب لتدلف : - اتفضلى ياعروسة. اللقت اليه نظرة حانقة قبل ان تدلف مضطرة اللى داخل السيارة .. همت لنزع الشريط عن فكها ولكنها تفاجأت بسوكة الذى دلف فى الامام : - سيبى الشريط مكانه والنبى .. ماتعمليش حاجة تزعل المعلم منى . تركت الشريط وهى تزفر بحنق وهى تضرب برأسها على المقعد عسى ان تموت او تستفيق من هذا الكابوس . لم تمر الا عدة دقائق حتى وجدته يدلف بغتةً لداخل السيارة بجوارها فى الخلف : - اطلع بسرعة يا"سوكة " .. تحرك " سوكة " بالسيارة سريعاً كما امره " قاسم " فوجدته يتقرب منها ويلف ذراعهِ حول ظهرها .. ارتدت لتلتصق فى الباب وهى تزوم رافضة .. قبل ان تنزع الشريط بقوة جعلتها تصرخ اَلماً : - بعد يدك دى عنى احسنلك . اقترب منها وهو ينظر اليها بوقاحة : - ابعد دا ايه .. دى كلها دقايق وهاتبجى حلالى . وفى محاولة اخيرة منها حاولت ان تقنعه : - اسمعنى يا"قاسم "كويس وماتزعجش فيا حن عليك .. انا كتبت كتابى على يد مأذون يعنى ماينفعش اجمع بين رجلين . فرد ذراعيه على المقعد خلفه وهى يردف بكل أريحية : - باطل !! عقد المأذون اللى كتبتيه باطل ..لكن الورقة بتاعتى هى الاصل .. يعنى لو عارضنا الاتنين على الحكومة .. ورقتى انا اللى هاتكسب . صاحت بقلة حيلة : - ورقة ايه دى اللى بتتكلم عليها ؟. رد عليها بابتسامة واثقة : - مش هاجولك و خليها مفاجأة .. المهم دلوك خلينا فى فرحتنا .. انتى معايا وانا هاعيشك برنسيسة يا" سمره " .. انا عارف انك بتحبينى .. بس خايفة منى عشان غيرتى وحبى المجنون بيكى .. بس انا معذور يا" سمره " انتى جمالك يلوح العجل ويقلب العاقل مجنون .. بكف يده وضعها على كفها المسنودة على المقعد ..وتابع . - انسى اللى فات يا" سمره " وافتكرى حبيبك اللى حارب الدنيا عشانك ومستعد يغير نفسه كمان بكلمة منك .. ايوه يا" سمره " انا هاتغير عشانك .. ان شالله حتى ابجى عجينة تشكليها على كيفك . كانت تحدق بعيناه صامتة وهى يتحدث وكفه على كفها ممدودة .. قاطعته فجأة تسأله: - لكن انت فكيت الحبل عن رجل ابويا من الكرسى زى ماجولت .. اجابها وهو يقلب عيناه بملل - ايوه يا" سمرة " فكيت رجله .. عشان يقدر يطلع بره البيت ومايموتش مكانه زى ما جولتى. - طب كويس . قالتها وهى تنزع الشفرة من قفازها قبل ان تغرزها بقوة بكفهِ المفروده على كفها .. صرخ بقوة ليرى مالذى اصابه وقبل ان يستوعب ماحدث وجدها تفتح باب السيارة فقفزت منها وهى تسير بسرعة .. فارتمت على الطريق تتدحرج امام السيارات .. صرخ خوفاً عليها بوحشية : - سمرررررررره !! .... الفصل الرابع والثلاثون احساسه بالعجز عن حمايتها والتصدى لهذا المجرم وايقافه ..كاد ان يق*تله .. ليته استطاع مقاومته حينما اقتحم المنزل على حين غرة وفاجئه بهجومه المباغت ..ليته امتلك القوة لمقاومته .. ليته ماخرج من سجنه من الأساس .. حتى لا يرى ابنته وهى تتعرض للأبتزاز امام عينيه .. وهو مقيد الايدى والارجل فى فى هذا الكرسى اللعين .. حتى مقاومته المخزيه لم تجدى اية نفعٍ ولا فائدة .. ولكن الى متى سيظل بوضعه هكذا وهو لا يعلم شيئاً عن ابنته التى اختفت عن عيناه واختفى صوتها .. ولم يعًد يصل اليه فى هذه الغرفة الموحشة .. ولا حتى صوت هذا المجرم .. ترى ما الذى حدث ؟ .. فمنذ ان دخل اليه منذ قليل وحل وثاق اقدامه فقط عن الكرسى اختفى .. ولم يعد مرة اَخرى واختفى بعد ذلك اى صوت ..فعاد المنزل الى حالته الاولى فى السكون .. ولكن اين ابنته ؟! لقد وصل اَخيرا اللى باب المنزل .. متحاملاً على اَلامه بعد رحلة معاناة طويلة من السير مكمم الفم .. ومقيد اليدين بالكرسي .. الذى اجبر بحمله والسير به بفعل القيد .. الوغد الملعون فك قيد اقدامه ولم يفك وثاق يديه .. ليتركه فى رحلة صراع للسير بالكرسي المقيد به .. ورحلة مريرة للخروج من باب الغرفة .. وهاهو الاَن امام باب المنزل ولابد له من استحضار قوته مرة اخرى .. حتى يشعر به احدٌ من السكان .. فيجد منه المساعدة في فك قيده. ظل "ابو العزم "فى محاولته البائسة ..والحركة المفرطة بالكرسي على باب المنزل مع صوت ندائه المكتوم فى طلب النجدة حتى خارت قواه ولم تعُد به طاقة .. فظهرت بارقة الامل َاَخيراً .. حينما سمع طرقاً على باب المنزل .. فزام بصوته بكل قوته وهو يقفز بالكرسي بصوتٍ مزعج .. فلم ينتظر كثيراً حينما وجد باب المنزل يدفع بقوة فدلف رجلُ ضخم البنية الجسدية بصورة غير طبيعية. - يانهار اسود .. هو ايه اللى حصل بالظبط ؟ قالها وهو ينزع اللاصقة الطبية عن فمِ " ابو العزم " .. ويهم بفك وثاق يديه . اخرج" ابوالعزم "نفسٌ طويل ومتحشرج ..قبل ان يهتف بصوته : - ابوس ايدك يابنى فكنى بسرعة .. عايز اللحق ادور على بنتى اللى اتخطفت واعرف حصل لها ايه ؟ اللتفت اليه براسه بنظرة جزعة: - بنتك مين ؟ اوعى تكون " سمرة " هانم ؟ انا" اسماعيل "الحارس الخصوصي بتاعها .. وكنت جاى عشان اشوفها لما اتأخرت. صك باسنانه وهو يجيبه بغضب . - توك ما افتكرت يااخويا .. خلصنى ياعم وفكنى الله يسيئك .. بلا حارس خصوصى بلا نيلة . دنا " اسماعيل "مرة خلف ظهر " ابو العزم "ليفك القيد المحكم جيداً على يديه وهو يهذى بزعرٍ وخوف - ياخراب بيتك يا" اسماعيل " .. ياسواد عيشتك فى الايام اللى جاية يااسماعيل .. الله يخرب بيتك يا" ممدوح " انت كمان وبيت النت ! ............................... صرخ عليها بوحشية : - سمرررررررره؟ وهو يرها تتدحرج على الطريق الممتلئ بالسيارات .. كاد ان يفقد عقله حينما رأى سيارة توقفت بغتةً عن دهسها .. بمسافة لا تتعدى الشبر .. لتتوقف على اثرها باقى السيارت.. كل هذا فى وقتٍ لا يتعدى الدقيقة ولا يتعدى استيعابه ... استفاق لنفسه .. ليضرب بكفهِ بحركة عصبية على مقعد السائق وهو يهتف عليه صارخاً : - وجف العربية ياسوكة .. وجف بسرعة يازفت انت . هتف الاَخر من مقعده : - اوقف فين ياعم انت هاتودينا فى داهية ؟ صاح عليه بجنون: - هاتوجف يازفت انت ؟ ولا اطلع مس*دسى من جيى واخلص عليك ؟ اضطر للتوقف مضطراً على مسافة ليست بقريبه منها .. وسط هذه الفوضى من السيارت التى توقفت بسببها.. ترجل من سيارته ناظراً اليها .. ليجد مجموعة من البشر تجمعت حولها ومعهم سائق السيارة الذى كان يصرخ بصوتٍ عالى : - ياساتر يارب .. على المصايب اللى بتتحدف علينا..انا كنت هاروح فى داهية وادوسها .. يامنجى من المهالك يارب .. ودى ايه اللى رماها قدامى دى وفى سكتى؟ سمع همهمات من بعض الافراد ليجد احدهم وهو يشير عليه بيده بصوت عالى وصل اليه جيداً؟ - زى ما بقولكم كده ياجماعة .. هى نطت من العربية اللى هناك دى .. والظاهر كده ان الرجلين اللى هناك دول هما اللى كانوا خاطفينها ! اتجهت جميع الاعين على " قاسم " والسيارة و" وسوكة " الذى قفز سريعاً بداخل السيارة مردفاً ل" قاسم " بخوف : - لساك برضوا عايز تروحلها ؟ ..عشان تاخدلك علقة موت وبعدها تتحاكم فى جناية الخطف .. خليك ياعم انا مالى ؟ ومع حركة البشر الى اتجهت نحوه للفتك به .. قفز هو الاَخر سريعاً .. ليفاجأ بهذه البقعة الغزيرة من الدم التى تساقطت من كفهِ واغرقت بنطاله والتى ما زالت مغروزة بها الشفرة .. و مع تسارع الاحداث قد نسيها بيده ..وتناسى الالم ايضاً بعد مشاهدة حبيبته وهى تقفز من السيارة بهذه الصورة المرعبة .. لتضيع من يديه مرة اَخرى مفضلة الموت عليه ! ................................ خرج مهرولاً من غرفة الاجتماعات التى نهاها من قبل ان يبدأها وهو يصرخ فى الهاتف بصوتٍ جهورى دون مراعاة لمنصبه او وضعه امام العاملين لديه والشركاء الآخرين لأعماله . - انا هاخرب بيتك انت والسواق يازفت انت ؟ مبقاش انا " رؤوف الصيرفي " ان ما كنت اندمك على عمرك النهاردة يا" اسماعيل " الك...... انت والزفت التانى اللى معاك . - ............ - اخرس خالص ما اسمعش صوتك وغور دور عليها بنفسك .. على ما اجيلك انا والرجالة غووووور . جذبه " تيسير " من ذراعهِ يوقفه : - ايه اللى حصل يا" رؤوف " ؟ مالك كده شكلك بيقول ان في مصيبة حصلت ! ربت بيديه على كتف " تيسير "بصورة عصبيه : - ادخل انت كمل الاجتماع .. انا ورايا موضوع مهم اوى ولازم اخلصه بسرعة . - طب يا" رؤوف " فهمنى الاول.... لم يكمل جملته فقد تركه الاَخر مهرولاً ناحية المصعد دون الالتفاف اليه وهو يتكلم فى هاتفه مع " صفوت" رئيس الحرس . وقف على باب غرفة الاجتماعات متسمراً وهو ينظر فى اثره متعجبا من مايحدث مع ابن عمه ولا يريد اخباره به ! .............. وفى الناحية الاخرى بعد ان انهى " اسماعيل" المكالمة نظر ل" ممدوح " بزعر : - ادينى هاروح فى داهية بسبب الفيلم اللى اصريت عليا انى اشوفه معاك .. روح ياشيخ الله يخرب بيتك. هتف عليه الاَخر حانقاً : - في ايه ياعم وانا مالى .. وانا كنت عملتلك ايه بس ؟ خبط الرجل بيديه على جانبيه ضارباً بأستياء : - عندك حق تقول ما بدالك ما انا اللى استاهل عشان عينى غفلت عن الهانم فى اول مشوار ليا معاها .. انا اللى استاهل الى يجرالى عشان اتسايرت مع واحد زيك ! رفع جانب شفته مردفاً بغيظ : - واحد زيي !!! ليه ياخويا ان شاء الله ؟ كنت كوخة انا بقى ولا مش قد المقام مع سيادتك؟ استدار عنه ملوحاً بكفه قبل ان يهرول اللى والد " سمره " الذى كان يسأل كل من يراه قادماً او ذاهباً. وصل اليه سريعاً ليسأله بقلق : - عرفت حاجة يا سعادة البيه عن الهانم بنتك؟ ولا حد من اللى بتسالهم دلهم على مكانها ؟ اجابه " ابو العزم " بصوتٍ خارج بصعوبة : - انا سألت كل البقالين اللى هنا وكل الناس اللى اعرفها فى المنطقة .. كلهم بيأكدوا ان في واحدة نزلت من ساعة تقريباً ولابسة نقاب مع عيل صغير غريب عن المنطقة ..وركبوا عربيه حمرا وبعدها نزل واحد تانى من العمارة وغريب برضوا عن المنطقة .. وركب معاهم العربية الحمرا ومشيوا بيها ! ............................. فتحت عيناها وهى تستعيد وعيها.. لتجد نفسها فى غرفة جدارنها مطلية بالون الابيض .. موصل بكفها محلول معلق وهى نائمة على تختٍ طبى ..تنفست بارتياح فيبدوا ان المعجزة قد حدثت .. وتمكنت بالهروب منه بحركة مجنونة كادت ان تودى بحياتها..وهى الاَن بغرفة داخل مستشفى لعلاجها .. ولكن ما الذى يجعلها متأكدة انه هربت منه .. ولما لا قد يكون مازال موجوداً معها هنا فى داخل المشفى.. وربما كان واقفاً الاَن خلف الغرفة ايضاً ! فتح باب فجأة ً بقوة .. فصرخت باعلى صوتها وهى تتخيله هو من اقتحم الغرفة ! فازدادت صرخاتها وهى تغمض عيناها .. علّه كان كابوس فتستفيق منه . - اهدى يا" سمره " .. اهدى ياروح قلبى .. انا " رؤوف " وموجود معاكى انا " رؤوف ".. فوقى يا" سمره " انا ... - انت " رؤوف " .. والنبى بجد انت مش" قاسم " قالتها وهى ترتجف من الخوف و تفتح عيناها بصعوبة .. حتى تفاجأت بوجهه القلق امامها فشهقت ببكاءٍ مرير وهو يشدد عليها داخل احضانه .. - انا اسف ياروحي.. انا اسف ياقلبى .. سامحينى انى غفلت عنك المرة دى .. ظل يهددها داخل احضانه بفترة ليست بالقليلة .. لتخرج اخيراً وهى تكفكف دمعاتها : - قاسم كان هايخطفنى يا" رؤوف " وانا هربت منه على اَخر لحظة .. دا وصل لابويا وكان مكتفه......اه صحيح.. ابعت حد والنبى يروح ينقذه ويحل قيوده... - اهدى اهدى .... قالها بمقاطعة وهو واضعاً كفه على فمها وتابع بصوته الحنون : - انا عايزك تطمنى على والدك .. هو زمانه دلوقتى على وصول .. عشان يطمنك بنفسه انه بخير . تهلل وجهها الملئ بالكدمات وزينته ابتسامة رائعة منها : - والنبى انت بتتكلم صح يا" رؤوف " ؟ يعنى ابويا كويس دلوكت بجد ؟ اجابها وهو يمسح بطرف اصابعه على كدمات وجهها : - والله زى ما بقولك كده .. بس انا كنت عايز اسألك .. هو انتى بجد يا" سمره " رميتى نفسك على الطريق وسط العربيات ؟ وماخفتيش لتروحى فيها ؟ هزت برأسها وهى وقد اغشيت عيناها بالدموع: - العمر غالى جوى يا" رؤوف ".. بس انا مالقيتش جدامى سكة غير كده للهروب .. دا مجنون ومش معترف بجوازى منك اصلاً . صك على اسنانه بغضب : - انا ان ما كنت اربيه واعلمه الأدب مبقاش انا .. المهم دلوقت عايزك تحكيلي كل حاجة بالتفصيل الممل . ............ ............... وفى المساء وصل " تيسير " الى قصر " رؤوف " بعد ان انهى اجتماعه مع رؤساء المجموعة وبعض الشركاء.. دلف لداخل القصر حتى يطمئن على ابن عمه .. الذى خرج من الشركة بشكلٍ يُنبئ بحدوث كارثة .. ولكن ما حيره حقاً هو هذا التكتم الشديد من جانب " رؤوف" وهو شئ لم يفعله معه ..طوال سنوات عمرهم . "وصل إلى الباب الداخلي للقصر وقبل ان يدلف استوقفه هذا الصوت المنبعث من قريب لمشاجرة .. بين صوتك انثوى معروف لأذنيه مع صوتٍ رجولى لا يعرفه .. ومع ذكرهم لأسم " سمره " زوجة "رؤوف " ارتد بخطواته اليهم .. حتى وقف بجوار شجره صغيرة.. تخفيه عن أعينهم ولكن تُمكنه من السماع جيداً لحديثهم . سعاد وهى تهتف بصوتٍ عالى : - بلاش ملاوعتك دى معايا يا" ممدوح " .. احسن ودينى لاكون فاتنة عليك قدام " رؤوف " بيه وهو اللى يشوف صرفته معاك . هتف هو الاَخر بصوتٍ اعلى: - انتى اتجننتى ياولية انتى وعايزة تلبسينى تهمة بالباطل؟ هو انا اعرف منين الزفت " قاسم " ده عشان اتفق معاه واساعده يخطف " سمره " كمان . بشبه ابتسامة ساخرة: - طيب لما اقولك ياحبيبى .. ان " سمره " قالت بنفسها ان " سوكة " صبى القهوة فى منطقتنا .. كان بيساعده يبقى انت تفسر دا بأيه ؟ وانا وانت عارفين كويس اوى .. ان "سوكة " دا يبقى صبيك فى بيع الهباب والبرشام لزباين القهوة .. قول يا"ممدوح " بالحقيقة وريح قلبى الله يسيئك. ضرب كفيه بقوة : - الله يخرب بيتك ياشيخة .. عايزة تلبسينى مصيبة على الفاضى .. عشان مجرد وهم فى دماغك . اقتربت منه تطالبه برجاء : - اسمعنى كويس يا" ممدوح " .. انت لما طلبت انى اسعالك فى الشغل هنا .. انا ماتأخرتش وكلمت " سمره " اللى ماصدقت انها تساعدك عشان تاكل لقمة بالحلال .. رد عليها بسأم : - عارف انا كل الكلام ده يابنت الناس .. بس ده ايه لزوموه معايا دلوقت ؟ - لزومه اننا نحفظ المعروف ومانأذيهاس .." قاسم "دا مش طبيعى يا" ممدوح " .. دى لما هربت من البلد مكانش من اهلها ولا خطيبها .. لا دا كان من " قاسم "ده ..اللى هددها بق*تل اخوه لو استمرت فى خطوبتها منه وكملت بجوازها .. دا مجنون بحبها بشكل مرضى .. يعنى ماتستبعدتش عنه اى فعل اجرامى فى سيبل الوصول ليها . بلع ريقه وهو يحاول التماسك امامها : - برضك انا مايخصنيش كلامك ده ! عشان انا راجل نضيف ومافيش على حيطتى غبار .. ولا اعرف " قاسم " ولا غيره اكتفى بهذا القدر قبل ان يعاود لطريقه مرة اخرى فى دلوف القصر .. بعد ان عرف سر الجميلة زوجة ابن عمه وحبيبها المهوس . ........................ فى اليوم التالى خرج من غرفته مجفلاً على هذه الاصوات الصادرة من داخل المنزل .. لوالدته " نفيسه " وهى ترحب بولدها وتُعانقه" بحنان الام لأبنائها .. حتى لو كانوا سيئين ولا يستحقوا.. برقت عيناه وهو ينظر اليه بغضبٍ مستتر وهو يعيد بذهنه كل كلمة سمعها فى التسجيل .. بابتسامة مريبة وغامضة : - حمد لله عالسلامة ياجلب اخوك .. انت رجعت بالسلامة يا" قاسم " من امتى كده ؟ رد علي شقيقه بوجوم : - الله يسلمك ياخوى .. انا لسه واصل حالا اها .. واسال امى حتى . بزاوية فمه ابتسم بجمود : - مافيش داعى انى اسألها .. كفاية انى شوفتك .. ياللا بجى عشان تاكل لجمة وتريح جسمك وبعدها..تاجينى على الشغل فى الشونه انا عايزك ضرورى . تدخلت " نفيسة " معارضة: - وهى طارت الدنيا عن الشغل يا" رفعت " ؟ ماتسيبوا يريح النهاردة وبكرة يجيلك. رد على كلامها بتصميم: - انا قولت ياكل ويريح جسمه الاول ياما .. ثم انى انا عايزه فى موضوع ضرورى .. دى فايدة وفلوس كتيرة ياقاسم .. حتسيب حقك برضوا .!! .... الفصل الخامس والثلاثون فتحت اجفانها على اثر هذا الضوء القوى الذى اخترقهم .. ناظرة الى هذه الستائر البيضاء التى تحجب اشعة الشمس ولا تحجب الضوء .. وهى مازالت تستوعب سبب وجودها هنا فى هذه الغرفة .. فوجدته امامها وقد غفى برأسه على طرف تختها وهو جالس على مقعده بجوارها .. تذكرت كل احداث الأمس بدءاً من ابتزازاها على يد" قاسم "حينما هددها بأبيها لخطفها..ومروراً بقيامها بهذه الحركة المجنونة حينما قفزت من السيارة والقت بنفسها على الطريق المزدحم بالسيارت هرباً منه .. وانتهاءاً باستيقاظها هنا فى هذه الغرفة بداخل المشفى بعد نجاتها وعثوره عليها.. ومنذ هذه اللحظة وهو لم يتركها ولو دقيقة .. حتى وبالرغم من كل محاولات ابيها ليأخذ دوره فى رعايتها .. انه حبيبها ومصدر امانها .. لقد تمكن منه التعب ونام وهو جالس على مقعده.. ويده مازالت ممسكة بيدها . حاولت رفع يدها الاَخرى كى تلمس على شعر راسه .. ولكنها تأوهت بصوتها رغم عنها لشعورها بهذا الالم من جديد فقد تناسته اثناء نومها .. رفع رأسه مجفلاً على صوتها . - ايه ياحبيبتى؟ هو انت الوجع زاد عليكى من تانى؟ ولا حاسة بأيه بالظبط؟ ردت بابتسمامة جميلة ومشرقة : - لا ياحبيبى مافيش حاجة .. انا بس كنت عايزه اصحيك بطريقة احسن من كده .. لكن للأسف بقى .. دراعى لسه حساه مدغدغ وتعبان . ضيق عينيه بتفكير : - معلش ياقلبي .. دراعك هاياخد فترة على ما يخف من الكدمات والرضوض اللى فيه .. بس انتى كنتى هاتصحينى ازاى بالظبط ؟ ابتسامتها زادت اكتر وهى تردف بخجل: - بصراحة انا استفزنى جداً شعرك الناعم ده .. وكان نفسى اللمس عليه ! رفع حاحبيه وهو يبتسم بمرح: - يانهار ابيض على حظى ! أخ ...يارتنى ماكنت صحيت .. يارتنى ما كنت صحيت. ازدادت خجلا من كلماته : - خلاص والنبى ما تكسفنيش . رفع كفها التى مازالت بيده منذ امس يقبلها بقوة : - ربنا يارب يخليكى ليا .. انا قلبى وجعنى اوى امبارح من خوفى وقلقى عليكى بعد اللى حصلك واللى سمعته بعد كده منك . - سلامت قلبك من اى وجع قالتها بحنان جعله ينهض من مقعده يقبلها بغتةً على وجنتها المكدومة . - وتسلميلى انتى من كل شر .. وعد منى يا" سمره " مش هاستريح ولا يهدالى بال غير لما اجيب الكلا...... دول تحت رجلك . - انت تقصد " قاسم "والواد اللى كان معاه ؟ قالها " ابو العزم وهو يدلف لداخل الغرفة .. قبل ان يصل اليهم .. مقبلاً رأس ابنته : - عاملة ايه النهارده ياقلب ابوكى ؟ انا كلمت الدكتور قبل ما ادخل عندك هنا .. وقالى ان الأشعة كلها بينت ان مافيش كسور والحمدلله .. رد عليه " رؤوف " : - فعلا ياعمى الحمدلله ان ربنا نجاها من حاجة بشعة زى دى ؟ اكيد ان شاء الله لو الدكاترة اطمنوا عليها اكتر.. هايكتبولها على خروج النهاردة. .............................. كان جالساً على مقعده الصغير وهو يطرق بأصابعه على مكتبه بشرود .. فى مخزنٍ كبير خلف وكالته من الناحية الاَخرى .. ممتلأً بأشولة الحبوب بمختلف انواعها .. والتى يتاجر بها منذ ان تولى المسؤلية .. خلفاً لأبيه الذى اصابه المرض مبكراً وجعله قعيد الفراش .. ينتظر اخيه الذى وعده بالمجئ .. فور ان اغراه بصفقة كبيرة تدر عليهم مزيداً من المال .. لقد صرف جميع العمال.. ولم يتبقى سوى الغفير المكلف بحراسة المخزن .. تنهد بصوت عالى وهو ينظر لساعته فى انتظار لحظة المواجهة . خرج من شروده على صوت العامل حينما هتف عليه : - اعملك شاى يابيه ولا تحب اعملك قهوة ؟ هز برأسه يجاوب دون تركيز : - اااالا مش عايز اى حاجة انا .. روح انت على بيتك يا" عامر" . فغر الرجل فاهه بدهشة : - اروح كيف يابيه ؟ دا ميعاد نوبتى فى الشغل ؟ وانت صرفت العمال كلهم . - انا جولت انك تريح النهاردة .. يعنى الحرامية جاعدين على الباب . - يريح كيف ويسيب المخزن ؟ قالها " قاسم " وهو يدلف لداخل المخزن رداً على كلمات اخيه.. وتابع : - غور ياض اعملى كوباية شاى كبيرة.. نظر " عامر " حانقاً اليه ولم يتحرك .. حتى امره " رفعت " بعجالة : - روح زى ماقالك يا" عامر " هاتله شاى وهاتلى انا كمان .. بس من القهوة اللى فى اَخر الشارع . سأله " قاسم " بعد ان جلس على احدى الكراسى الخشبية: - ويجيب من القهوة ليه ؟ مايعملها هو بنفسه هنا وخلاص ! نهض " رفعت " وهو يصرف العامل الغفير بصوتٍ جدي : - بس انا نفسى اشرب الكوباية من القهوة نقسها ..ياللا بسرعة يا" عامر " اعمل زى ما جولتلك .. وخلي الصبى يعملها على نار هادية . تعجب " قاسم " وهو يرى اخيه يصرف العامل ويغلق المخزن عليهم من الداخل : - خبر ايه ؟ انت بتجفل علينا الباب لوحدينا ليه ؟ تقدم ليجلس امامه من جيد خلف مكتبه وهو يردف بتحايل: - ياراجل بقولك عايزك فى موضوع مهم .. ومش عايز حد يسمع الكلام المهم اللى هايتجال ! عقد حاحبيه بتساؤل وهو يراه يخرج من جيب سترته " هاتف " سمره "ويضعه على المكتب . - موضوع ايه المهم جوى ده اللى عايزنى فيه؟ وايه لازمة التلفون ده ؟ مش هو ده اللى كان بتاع المحروسة اللى كانت خطيبتك .. بت ابو العزم ؟ .................................. دلف الى داخل المحل فوجدها تقف مع احدى السيدات تتحدث باندماج وكأنها تشرح فى قض*ية دولية: اللقى اليها التحية رغم اندهاشه: - مساء الخير يا" صافى " ؟ اللتفتت اليه بجذعها قبل ان تستأذن من السيدة وتتركها مع احدى العاملات تكمل ماكانت تفعله .. جلست امامه خلف مكتبها : - اهلا يا" تيسير " باشا.. اَخيرا شوفنا وشك ؟ رد على قولها بسأم : - يا"صافى "بلاش كلامك المستفز ده .. ما انتى عارفانى دايماً مشغول .. ودلوقتى بقى لما لاقيت نفسى فضيت .. جتلك اشوفك على طول .. احنا مالناش غير بعض يا" صافى " . بزاوية فمها ابتسمت بسخرية : - اه صحيح عندك حق .. ما احنا فعلاً ملناش غير بعض . زم شفتيه ممتعضاً من سخريتها.. هم لمجادلتها ولكن استوقفه مشاهدة السيدة وهى تدور فى المحل وتتفحص كل ركنٍ فيه بدقة : - هو في ايه ؟ والست دى تبقى مين بالظبط ؟ احابته وهى مستندة بمرفقها على مكتبها .. وقبضة كفها اسفل ذقنها : - دى الست اللى جايه تعاين المحل عشان تشتريه . - تشترى المحل !!! قالها مندهشاً قبل ان يتابع : - طب ليه يا" صافى " دا حلمك.. اللى عيشتى تبني فيه السنين اللى فاتت دى كلها .. لما بقى ليه سمعة كبيرة بين سيدات المجتمع الراقى ؟ هزت اكتافها بلامبالاة: - معدتش تفرق .. انا نفسى قفلت من البلد كلها .. قررت ابيعه واسافر لاهلى فى انجلترا واعيش حياتى بقى .. بلاحب بلاقرف. اومأ برأسه صامتاً بتفهم فاجفلته بسؤالها : - هو اخباره ايه دلوقت ؟ مبسوط معاها ولا فاق لنفسه وعرف الفرق ؟ اجابها بملل : - لا يا"صافى " بالعكس مزهقش منها ولا حاجة.. دى نسته حتى شغله كمان .. واهو قاعد لابد جمبها من امبارح فى المستشفى بعد اللى حصلها . اعتدلت فى جلستها وقد تنبهت كل حواسها : - هو ايه اللى حصلها بالظبط ؟ بابتسامة ساخرة : - ياستى انا معرفش اللى حصل بالتأكيد .. عشان " رؤوف " مخبى ومكتم على الخبر .. بس انا عرفت بالصدفة .. ان صاحبتك طلع لها حبيب مهوس بحبها وبيلاحقها فى كل حتة .. وامبارح بقى كان هايخطفها وصاحبتك هربت لما رمت نفسها من العربية . بنبرة حاقدة : - ياريتها كانت ماتت وخلصنا منها .. المهم بقى انت عرفت منين .. واسمه ايه ده الولد اللى بيحبها ؟ ............................ انتهى من سماع التسجيل وهو ينظر اليه بأعين مشتغلة وانفاسٍ هادرة .. كان مكتفاً ذراعيه فى محاولاً السيطرة على اعصابه حتى انتهائها .. اما " قاسم " فكان مطرقاً برأسهِ طوال الوقت.. حتى رفع رأسهِ اَخبراَ بابتسامة مبهمة .. رافعاً أحدى حاحبيه وهو يهُز برأسهِ بحركة مستفزة .. ولسان حاله يقول" ماذا بعد "..مما ساهم فى زيادة اشتعال النيران بقلب الاَخير ..فقد القدرة على السيطرة على اعصابه..فنهض عن مقعده بسرعة الفهد لينقض عليه ممسكاً به من تلابيب قميصه: - وكمان بتضحك فى وشى ياخاين ياعديم الشرف .. لا عندك حرمانية ولا بتراعى صلة رحم..انت ايه يااخى ؟ زرع شيطانى . قال الاَخيرة بصرخة نابعة من الأعماق .. فزمجر الاخير بصوتٍ جهورى وهو يحاول بكفيه نزع ايدى اخيه عنه : - انت اللى ابتديت الاول لما حطيت عينك على واحدة تخصنى .. مافيش حد فى البلد كلها مايعرفش حكايتى مع " سمره " وحبى وعشجى ليها .. لكن انت بجى استغليت طرد ابويا ليا ورحت تخطبها فى غيابى .. عشان جبان . برقت عيناه وتهدجت انفاسه قبل ان يضربه برأسه على جبهته بقوة اسقطته ارضاً .. مسح " قاسم " بيده بعض قطرات الدماء التى سالت من انفه نتيجة الضربة القوية ..وهو يضحك : - واه .... شديدة الضربة دى يا" رفعت " .. شوفتها فى التلفزيون ولا حد علمهالك ؟ - انا هاوريك الجبان هايعمل ايه ؟ قالها وهو يتقدم نحوه ليضربه مرة اَخرى .. ولكن " قاسم " نهض سريعا فباغته برفعه من خصره ليدفعه على بعض اشولة القمح المكومة فوق بعضها فأسقط بعضها .. سعل " رفعت " بتحشرج من قوة الدفعة قبل ان يرد بضربة قويه على فك الاَخر.. وابتدت معركة التشابك بالأيدي والدفع على الارض واشولة الحبوب بشكل عنيف ومدمر .. كلٌ حسب قوته والبقاء للأقوى . جاء " عامر " من القهوة وهو حاملاً صنية عليها اكواب الشاى ولكنه فوجئ بهذا الجمع من البشر وهم مجتمعين حول المخزن : - ايه فى ايه؟ ليه اللمة دى حوالين المخزن؟ هتف عليه احدى الرجال : - تعالى يا" عامر " شوف اللى بيحصل .. دا بينه فى عركة كبيرة هنا فى المخزن وماحدش عارف مين اللى بيتعرك . اسقط الرجل مابيده هاتفاً بجزع: - يانهار مجندل .. دا " رفعت " بيه الى جوا ومعاه اخوه . اخذ يطرق بكفيه على الباب بقوة وهو يصيح بصوتٍ عالى : - افتح يا" رفعت " بيه .. افتح يا" قاسم " بيه .. انت اخوات ياجدعان مايصحش كده. ومع استمرار الشجار وعدم اجابة احدٌ منهم .. هتف " عامر " على احدى الاشخاص . روح ياولدى حن عليك انده على اى حد تشوفه من ناسهم .. يجى يشوف المصيبة دى .. وانتو يارجالة ساعدوا معايا .. الله لا يوقعكم فى ضيقة خلينا نلحق لا تحصل مصيبة. وبعد وقتٍ قليل .. استطاع الرجال كسر الباب .. وقام " عامر " بمساعدة بعض الرجال بفض المشاجرة ونزع الاثنان عن بعضهم بصعوبة .. وقد تخضبت وجوههم بالدمام وطمست ملامحهم بالكدمات والانتفاخات رفعت وهو يصرخ كاسدٍ جريح : - اوعوا سيبونى عليه .. خلونى اموته الكل... ده . صرخ عليه الاَخر وقد ذهب من وجهه الهزل بعد هذه المعركة الطاحنة.. فهو لم يتصور فى احلامه ان يواجه هذه القوة من اخيه : - تعالى وورينى كيف هاتقدر تموتنى .. يادلوعة ابوك ياجبان. زام عليه "رفعت " بكل قوته: - سيبونى عليه دخل الشقيقان " سليمان " و" حسن " مجفلين .. وسط الحشد من البشر .. وهذا التدمير الذى اصاب ما يحتويه المنزل : - ايه اللى حصل ؟ وليه العركة الكبيرة دى ؟ هتف " رفعت " بصوتٍ عالى : - جيتوا فى وقتكم ياجماعة عشان تعرفوا اللى حصل مع بتكم ؟ اللى هربت طفشانة من اخو خطيبها عشان الخاين ده كان بيهددها بق*تل خطيبها.. لو كملت فى الجواز منه . جحظت عيون الاثنان.. وتوقفت الكلمات بافواه الجميع وهم يحدقون باعينهم على " قاسم " الذى تغير وجهه للقبح.. بعد ان فضحه اخيه دون ان يبالى بسمعته هو أيضاً !! ........................ دلف بها لداخل القصر وهو حاملها بين يديه .. رغم اعتراضها وتذمرها طوال الوقت . اطلقت " سعاد" زغرطة بصوتٍ عالى وهى واقفة بجوار السيدة " لبنى " للترحيب بها. - يالف نهار ابيض .. يالف نهار مبروك..حمد الله على سلامتك يا" سمره " هانم .. ربنا مايوربنا اى حاجة وحشة تاني معاكى .. وتبقى اَخر الايام الصعبة . - ابتسمت لها بموده وهى مازلت محمولة : - متشكرة جوى ليكى يا" سعاد ".. ربنا ما يحرمنى منك يارب . اممت" سعاد " على قولها تقول ( امين) .. فتكلمت " لبنى " هى الاَخرى : - حمد لله على سلامتك يابنتى.. ربنا يحفظك من كل سوء . حاولت ان تنزل بقدمها على الأرض خجلاً من السيدة " لبنى "ولكنه شدد عليها بذراعيه : - ماتبطلى بقى واهدى كده.. تيتة " لبنى " مش غريبة عليكى ! خرج منها تأوهاً : - اااه .. براحة طيب يا" رؤوف " انا لسة عضمى بيوجعنى . نظر اليها متأسفاً لوجعها : - اسف ياروح قلبى سامحينى .. بس انت اهدى بقى وبطلى ترفيس .. دا انتى تعبتينى قوى خاطبته " لبنى " بقلق وهى تحدق بعيناها لملامح وجهها : - هى مالها يا" رؤوف " ؟ انت مش قولت انها كويسة ؟ اجابها مطمئناً: -- لا ماتخافيش يا" تيته " دى شوية رضوض وكدمات .. من الوقعة والكحرتة على الطريق.. لكن كلها كام يوم.. بالعلاج والرعاية ..وتلاقيها خفت ورجعت قمر زى الاول واحسن .. وهى كده قمر والله والعلامات الحمرا دى زود جمالها . ضربته بقبضة يديها وهى تدفن وجهها بكتفه خجلاً فضحك بخفة وهو يأمر " سعاد " وهو يتحرك ناحية غرفتها : - تعالى معايا عشان تغيرى لها هدومها وتأكليها . تحركت " سعاد" بخطواتها وهى تردف بحماس: - من عنية يا" رؤوف " باشا .. ..................... خرج من الحارة الضيقة مع طفلٍ صغير من ابناء الحارة وعيناه تطوف يمينا ويساراً .. حتى اوقفه الطفل مشيراً بيده على احدى السيارت الفخمة . - اهى .. الست اللى هناك دى .. فى العربية الغالية اوى دى . سال الولد بتشكك : - انت متأكد ياض؟ بقى الهانم اللى هناك دى بتسأل عليا انا ؟ اجابها الولد متشدقاً : - والله زى ما بقولك كده ياعم " ممدوح " .. قالتلى انده " ممدوح " جوز " سعاد " . - جوز " سعاد " !!! قالها بدهشة وتعجب وهو يتقدم بخطواته اليها .. حتى وصل إلى السيارة فدنا برأسه لنافذة السيارة . - نعم ياهانم .. انتى عايزانى انا" ممدوح "ولا حد تانى غيرى ؟ خلعت النظارة السوداء التى كانت ترتديها .. فنيين له وجهها جيداً وعرفه: - ست " صافيناز " ؟! .. نعم ياهانم عايزة ايه ؟ بلهجة مقتضبة قالت : - ادخل ياممدوح انا عارفاك. عقد حاجبيه بدهشة قبل ان يقوم بفتح باب السيارة من الناحية الاخرى ويدلف بجوارها . - نعم ياست " صافيناز " هانم كنتى عايزة ايه بقى ؟ ادارات السيارة وهى تتحرك بها للخلف وتردف : - ماتستعجلش قوى كده عالكلام .. اللى انا عايزاك فيه ماينفعش هنا .. انا عايزاك فى موضوع ضرورى اوى !!! .... الفصل السادس والثلاثون فغر فاهه وفكه تدلى باندهاش وهو يحدق باعينه عليها بقلق .. فخرج اخيراً صوتهُ بتماسك مزيف : - انت بتقولى مين يامدام ؟ انا معرفش حد بالاسم ده طبعاً . تركت عيناها الطريق الذى تقطعه بسيارته .. لتعيد طلبها مرة اَخرى بثقة : - بقولك عايزاك توصلنى ب" قاسم " .. وانا هاراضيك بمبلغ كبير ومحترم .. يعنى بلاش استعباطك ده بقى . ابتلع ريقه وهو يتصنع عدم الفهم : - هو فى ايه يامدام ؟ حضرتك جايبانى من مطرحى وعلى ملا وشى .. وبتسألينى عن حد معروفوش .. وفى الاَخر بتتهمينى انى باستعبط عليكى.. طب ليه بقى وعشان ايه؟ زفرت بضيق وهى ناظرة امامها وهى تقود السيارة : - شكلك هاتتعبنى معاك يا" ممدوح " ؟ قال وانا اللى قولت عليك زكى .. ودماغك احسن من دماغ مراتك او بالاصح طليقتك اللى اسمها " سعاد " . عقد حاجبيه وهو ينظر لنصف وجهها امامه والمخبأ نصفه بالنظارة السوداء : - ومالها " سعاد " طليقتى بقى ؟ زعلتك فى ايه هى كمان ؟ ضربت بكفها على عجلة القيادة بتعصب.. قبل ان تلتفت اليه هاتفة بحنق : - زعلت اوى لما جبت سيرة المحروسة.. اللى بقالها سنين وهى سيباك عشان مش عاجبها العيشه معاك .. هم ليجادلها ولكنها تابعت : - عارفاك هاتقولى .. انتى عرفتى منين ؟ وانا هاقولك انت غبى عشان بتسأل السؤال ده .. وانت عارف ومتاكد ان " سعاد " كان بتشتغل عندى من سنين طويلة .. يعنى لو ماقلتليش هى بلسانها .. هاسمع اتا من كلام البنات معاها وافهم لوحدى.. صمتت قليلاً وهى ترى تاثير كلماتها على ملامح وجهه التى تعقدت بغضب .. فتابعت بلهجة اقل حدة : - انا مش بقولك كده عشان ازعلك .. انا بقولك كده عشان بس تفهم انى عارفاك كويس .. زى ما انا متأكدة جداً .. انك تعرف مكان " قاسم "وقبلها كنت طرف أساسى فى اللى حصل لمرات " رؤوف " الزفتة " سمره " لما حاول المجنون ابن عمها ده انه يخطفها.. بس انا عايزاك تطمن قلبك .. الكلام ده مش هايوصل ل" رؤوف " نهائى .. الا اذا انت محاولتش تساعدني فى طلبى منك ؟ ساعتها بقى انا لازم اكون امينة واعرف " رؤوف " ابن خالتى .. بالعصفورة اللى ساعدت المجنون اللى حاول يخطف مراته وكان هايتسبب فى موتها .. لو مكانش ربنا نجاها من حادثة العربية . قالت الاَخيرة بلهجة متمهلة وماكرة .. أثارت حنق الاَخر وتسببت فى ارتباكه بشكلٍ ملحوظ : - الله .. دا انت عايزة تودينى فى داهية بقى ؟ ومن غير دليل ولا اثبات كمان. تنهدت طويلا قبل ان تردف بخبث : - ان كان على الدليل .. فدى حاجة مش صعبة انى اجيبها وحتى لو مجبتش .. انا بمجرد ماقول ل" رؤوف " هو هايتصرف لوحده من غير انا مااتعب قلبى وادور .. بس انا مش عايزة اَأذيك .. انا كل كلامى معاك دا بغرض .. فيد واستفيد .. يعنى انت توصلنى ب" قاسم " وانا اصون سرك وكمان ارضيك بمبلغ محترم يبسطك كويس ...وانت عليك بقى انك تختار ؟ مسح بأطراف اصابعه هذا العرق المتساقط على جبهته الباردة وهو يردف بتلجلج : - طب قوليلى الاول .. انتى عرفتى منين الكلام ده وايه اللى مخليكى متأكدة قوى كده من صحته ؟ بابتسامة الانتصار اجابته بتمهل : - ملكش دعوة .. انت تنفذ وبس لو عايز مصلحتك .. اما بقى لو غاوى الطريق التانى قول .. انا برضوا جاهزة... ها.. اخترت ايه بقى يا ممدوح ؟ ............................... فى مندرة الحاج " سليمان " كانت الجلسة منعقدة بسرية تامة للتعرف على تفاصيل ماحدث .. حفظاً لبعض ماء الوجه .. فيكفى هذه الخبر الذى اللقاه " رفعت " على مسامع الخلق فى مخزنه وكان كالصاعقة على رؤس الجميع.. والذى سيصبح حديث القرية لفترة طويلة قادمة . الجلسة كانت حامية فى مشادات بين الأخين وبين " قاسم " وعمها " حسن " .. اما " سليمان "فانتابته حالة من الصدمة لفترة طويلة قبل ان يخرج عن صمته بلهجة حاسمة : يعنى انت كنت بتضحك على بتى يا" قاسم " ؟ اجفل " قاسم " من صرامته ولكنه تدارك نفسه قبل ان يرد بثقة متبجحاً : - انا مكانش قصدى انى اجرح بتك ولا اهينك انت .. انا اتصرفت بالشكل ده عشان اقدر الاقى سكة ترجعنى تانى بعد ابويا ماطردنى من البلد .. هتف عليه " سليمان " بصوتٍ عالى : - تجوم تضحك على بتى وتعشمها بالجواز وتضحك على ابوها واهلها كمان بخطوبة كدب .. عشان تجبر بنت عمتها على ترك خطيبها و الجواز منك بالعافية ؟ دا ايه الجنان ده ؟ صاح الاَخر بعزمٍ غير مبالى: - انا كنت بدور على حجى .. و" سمره " حجى .. ان كنتوا نسيتوا التاريخ فدا مش ذنبي.. عاملين لى جاعدة وجابينلى تسجيل تحاكمونى بيه .. طب انا بجى مش هانكر وبأكد تانى وللمرة الالف .." سمره "حجى ومكتوبه على اسمى من اول مااتولدت .. اهتز " رفعت " عن مقعده بتعصب : - انت مجنون ولا مخك فيه حاجة ؟ هو الجواز دا غصب مش بيكون بالرضا.. انت بتجول التاريخ .. دا طب افتكر ياحبيبى انك عملت المستحيل وهى برضك مرديتش بيك بسبب عمايلك الزفت اللى وجفت حالها سنين ... البت كانت كارهاك . قال الاَخيرة بصرخة فانبلجت ابتسامة ساخرة على زاوية فم الاَخر لأخيه قائلاً : - يعنى هى كارهانى انا وحبتك انت بجى ؟ بعد ماخدت حبوب الشجاعة واتقدمت لها فى غيابى ..فاكرنى ماكنتش واخد بالى من نظرتك ليها ياض .. اهى سابتك انت كمان وراحت لغيرك .. عشان انت طول عمرك عالهامش .. و انا بس اللى فى الصورة عشان باخد اللى انا عايزه وانت اَخرك تشتغل وتجيب فلوس ولما تتجوز تاخد واحدة أى كلام عشان تخلفلك العيال اللى هايورثوك بعد كده .. لكن العشق دا ليه ناسه وانت ياحبيبى مش من ناسه . هذه المرة هدر عليه " حسن " بصوت جهورى : - لم نفسك ياواض .. اخوك سيد الرجال وان كان ربنا مكتبلوش نصيب من " سمره" بسببك .. فانا بتى ماتتخيرش عنها ولا انت معرفتش انه خطبها ؟ فغر فاهه بدهشة : - واه .. ولحجت كمان تخطب" شيماء "يا" رفعت " ؟ دا اتطورت جوى ياراجل .. عقبال بتك كمان .. عشان ما تحملنيش الذنب . قال الاَخيرة باشارة ل" سليمان " الذى لم يتمالك اعصابه فنهض من مقعده ينوى الهجوم عليه . - اه ياقليل الأدب ياعديم الدم والاحساس. اوقفه اخيه ومعه " رفعت" قبل ان يصل : - معلش ياخوى امسك نفسك .. دا كل....... ولا يسوى . صاح " سليمان " بصوت مذبوح : - سيبنى يا" حسن " خلينى اخلص عليه الشيطان ده . وقف امامهم بعدم اكتراث واضعاً يديه بجيب بنطاله : - انا ماليش دعوة بيكم ولكلامكم الماسخ ده.. انا عايز " بسيمة " تاجى وتشهد باللى تعرفه . عشان تصدقوا ان انا معايا الحق . طرق عنيف على باب المندرة مع صوت استغاثة من " مروة " اجفل الجميع .. فتح " رفعت " لها الباب سريعاً خوفاً ان يكون مس اباها السوء . - حصل ايه يا" مروة "خلعتينا ؟ حد فى البيت جرتله حاجة؟ حاولت السيطرة على لهاثها قليلاً قبل ان تتوجه بخطابها لشقيقها الثانى : - البوليس هجم على بيتنا دلوك .. وكانوا بيدورا عليك يا" قاسم " واكنك واحد ارهابى ولا مجرم خطير .. هو انت عملت ايه بالظبط؟!!! ............................... واقفاً بشرفة غرفتها يتحدث بالهاتف وهو يضرب بقبضة يده على حافة الشرفة اللاسمنتية بغضبٍ شديد . - يعنى ايه ياباشا كلامك ده ؟ انا متأكد انه كان فى البلد النهارده.. - ............................ - تمام طبعاً وانا شاكر جداً لتحركم السريع .. بس برضوا انا عايزكم تدورا كويس .. اكيد هايكون لسه ماخرجش من البلد . - ....................... - ياريت يافندم .. دا ولد خطير وبيهدد مراتى بمنتهى الجنان . انا حالياً بمارس اقصى درجات ضبط النفس لكنى مش هافضل ساكت كتير عليه .. انا بلغتكم وعملت اللى عليا اهو .. بعد كده بقى لو خلصت عليه هايبقى دفاع عن النفس .. - .......................... - ياباشا ارجوك ماتقوليش هدى أعصابى وزفت .. انا مراتى كانت هاتضيع منى بسببه .. ومازلت لسه بتعانى من اثار الحادث الاَخير .. جسدياً ونفسياً .. هاستنى ايه تانى بقى ؟ -........................ - طبعاً يفرحنى .. رغم انه مش سبب الخطر .. بس اهو لقينا حد ياخد جزاءه من اللى اتسببوا فى اَذية مراتى . - ....................... - طيب حضرتك انا متشكر اوى انك واخد الموضوع ضمن مسؤلياتك .. الف شكر لاهتمامك. - .................. - سلام ياباشا .. سلام . بعد ان انهى مكالمته.. دلف لداخل الغرفة فوجدها .. مادة ساقيها الاثنتان على الفراش امام " سعاد " كى تضع عليها بعضُ الدهان على اثار الكدمات المنتشرة بكثرة عليها .. مع بعض الجراح التى اصابت الجلد بفعل التدحرج على الطريق القاسى والاحتكاك به ..كانت تدلك الجرح بخفة حينما خرج صوت " سمره " بألمٍ مكتوم . -اااه .. صعبة قوى يا" سعاد " . هتف عليها " رؤوف " غاضباً : - مابراحة عليها يا" سعاد " وخفى ايدك شوية . - والله ياباشا انا بدلك براحة خالص .. بس هى اللى مش متحملة الالم . لم ينتبه لمقولة " سعاد " فقد تركزت انظاره بفعل " سمره" التى اجفلت من صوته.. فشدت عليها الغطاء بسرعة البرق.. حتى تحجب عنه رؤية ساقيها... تقدم بخطواته كى يجلس بجوارها على الفراش مخاطباً " سعاد " بابتسامة مستتره . - طب انزلى انتى يا" سعاد " شوفى اللى وراكى ولا اقولك .. روحى اطمنى على تيتة " لبنى " وشوفيها اخدت دواها ولا لسة نهضت عن الفراش تردف بتردد : - طيب ياباشا .. مش لما اخلص ل" سمره " هانم .. دهان على جروحها دى الاول . تناول من يدها علبة الدهان هو يامرها بلباقة: - انزلى يا" سعاد " واعملى اللى قولتلك عليه .. وانا هاتصرف مع " سمره " . اللتفت اليه برأسها تفهم مقصده ..فتبسم داخله وهو ينظر لعيناها بتحدى دون ان يُظهر لها ..عكس " سعاد " التى تبسمت بشكلٍ واضح وهى تردف بخبث : - كده.. طب انزل انا بقى واشوف شغلى .. ما انت جوزها ومش غريب برضوا عنها . قالت الاَخيرة ومعها غمزة بعيناها قبل ان تخرج من الغرفة .. تاركة " سمره " تنظر فى اثرها بحنق .. شهقت منتفضة فور ان شعرت بلمسات يديه على ساقها. - انت بتعمل ايه ؟ اجابها ببرائه مع نظرة لا تخلوا من العبث : - هاكون بعمل ايه يعنى ؟ بحاول ادهنلك على الجرح عشان تخفى . هزت برقبتها باعتراض : - لا متشكرة جوى على اهتمامك.. بس انا هاعرف ادهن لنفسى زين مش صعبة هى عشان احتاج مساعدة . ازدادت نظراته عبثية وهو يحاول مرة الاخرى الاقتراب بيده ولكنها ازاحتها بتشنج : - يا" سمره " بلاش كسوف .. انا جوزك ومش غريب عنك .. - لأ ... يا" رؤوف " ومتخلنيش ازعل منك .. انا جسمى كله اساساً مليان جروح.. يعنى انا لازم اعتمد على نفسى واستحمل . ذهب عن وجهه الهزل وهو يقرب رأسها من فمه ويقبلها على شعرها الحريري .. قبل ان يضمها بحنان . - سلامتك ياقلبى من اى شئ يزعلك او يتعبك .. انا مش هاضغط عليكى اكتر من كده .. انا عارف انك قوية وتقدري تتحملى .. زى ما اتحملتى طول عمرك وفوق طاقتك كمان .. بس انا عايز اخفف عنك ولو شوية .. نفسى بقى تقومى وتخفى وتنسى اللى فات . خرجت تنهيدة متالمة منها ..تحاول احتباس دمعتها من التساقط امامه ..تابع هو . - على فكرة صحيح .. الحكومة قبضت على الولد ده اللى اسمه " سوكة " وزمانه دلوقتى بيتروق معاهم. خرجت من احضانه مجفلة : - انت بتتكلم بجد يا" رؤوف " ؟ طب و" قاسم " مسكوه كمان ولا لسة ؟ قرب وجهه من وجهها وهو يُطمئنها بتأكيد : - هايمسكوه ياقلبى ولو مقدرتش الحكومة .. هامسكه انا واسلمه بايدى يا اخلص عليه.. ماانا عارف ومتأكد انك لايمكن هاتعيشى ولا تحسى بالأمان .. طول ما الزفت دا عايش حر طليق ......................... بعد خروج " قاسم " هرباً من الشرطة .. سقط " سليمان" على مقعده وضعاً كفيه على رأسه بألم : - هاعمل ايه مع بتى دلوك .. واروح ابلغها بأيه ؟ اجولها اللى حصل عشان اكسر قلبها وخاطرها كمان .منك لله يا" قاسم " . منك لله . ربت " حسن " على ذراع اخيه : - هون على نفسك ياخوى .. هى مصيبة ووجعت على راس الكل .. بس انا عايزك تحمد ربنا .. انا جلبى من الاول ماكنش مستريح له الموضوع ده .. وكنت مستغرب انك وافقت عليه .. حد يوافق على " قاسم " برضوا دا ماسبش حاجة عفشة وماعملهاش ؟ رفع راسه الى اخيه بقلة حيلة : - والله وانا كمان ياواض يابوى ماكنتش موافق .. بس اعمل ايه فى البت اللى عملت عاملتلتى مناحة فى البيت عشان اوافق .. وانا مرضيتش ازعلها .. لكن ماكنتش اعرف انه واخدها كبري عشان يوصل لبت عمتها .. ويضغط عليها فى جلب بيتنا . تأوه " حسن " بصوت مسموع : - اااه يا" سمره " .. بت اختى اللى كنت عايز اجتلها واخلص عليها .. وفى الاَخر اكتشف انها هربت خوفاً من " تهديد " قاسم " .. و عشان تتفادى حرب بين الأخين .. ياوجعة سودة لو كنت نفذت اللى مخى قبل ماعرف الحقيقة..دا ربنا ستر على كده لما لقيت اللى يتجوزها و يدافع عليها منينا . رد عليها " سليمان " بلهجة واثقة : - عشان ربنا بيبحبها وعالم بنيتها الزينة وجف معاها ..لكن احنا بجى اللى صدقنا فيها ونسينا تربيتها اللى كان الكل بيحكى ويتحاكى عليها .. نستاهل كل اللى يجرالنا. ............................ بأرض صحراوية جرداء لا تحتوي على اى فردٍ من البشر يسكنها الظلام فلاتحتوى من الانوار .. سوى اضاءة المصابيح الامامية لسيارته .. كان جالساً على مقدمتها يتحدث بغضب فى الهاتف : - اسمع يا" محسن " وما تتعبش جلبى .. انا عايز الفلوس بسرعة .. روح لامى زى ما جولتلك وهى هاتتصرف . - ..................... - خلص يا" محسن " نفذ اللى بجولك عليه .. امى عارفة عشان انا متصل بيها وقايلها.. بس خليك حريص و ماتخليش " رفعت " ياخد باله .. احسن يجطرك ويعرف مكانى .. متعوجش عليا يا"محسن " انا عايز اللحج اوصل القاهرة .. جبل الحكومة ماتهجم تانى على البلد . -....................... ايوة كده زى مابجولك .. بس بسرعة الله يرضى عنك.. واجفل بجى .. عشان ارد على الزفت اللى بيرن عليا للمرة الالف ده واشوفه عايزنى فى ايه . انهى مكالمة صديقه فزفر بضيق قبل ان يفتح على المكالمة الاَخرى : - ايوه يا"ممدوح "عايز ايه منى ؟ .. شغال من الصبح بترن عليا .. ايه حصلت مصيبة . اتأه الصوت الانثوي الغريب على اسماعه: - انا مش " ممدوح " يا" قاسم " انا واحدة عايزة مصلحتك . رفع الهاتف من على اذنه .. ليضعه امام عينيه مدقاقاً النظر فى رقم الهاتف والأسم . - انتى مين ياست انتى ؟ الرقم دا رقم واحد صاحبى .؟خدتى تليفونه ازاى . هذه المرة وصله الصوت المعروف : - انا اللى ادتهولها يا" قاسم " .. الست هانم عايزه تتعاون معاك وهاتوصلك للى انت عايزة .. عشان مصلحتها هى نفس مصلحتك ! صاح عليه " قاسم " هادراً : - هو انت معاها يازفت انت ؟ هو في ايه بالظبط؟ والست دى تبجى مين ؟ اجاب عليه "ممدوح " بكلماتٍ موجزة - الست دى تبقى" صافيناز " هانم قريبة " رؤوف " بيه اللى كتب كتابه على " سمرة"قريبتك ! .... الفصل السابع والثلاثون كانت تشعر ببعض اللمسات الخفيفة على وجهها .. كأجنحة الفراشات وهى تتنقل من منطقة لأخرى .. فى البداية رفعت اناملها تمسح بيها تلقائياً على انفها.. ثم على جبهتها .. ثم وجنتها ثم على ثغرها برقة .. حتى انها اصبحت تلوح بكفها فى الهواء وكأنها تطارد هذه الذبابة الوهمية .. واَخيرا شعرت باختراق حواسها رائحة قوية وجميلة محببة اليها وليست بغريبة عنها .. جعلتها تستقيظ من نومها .. فتفاجأت بوجهه الجميل قريبُ جداً من وجهها .. رفت باجفانها قليلاً تستوعب فباغتها بقبلة رقيقة على جبهتها وهو يقول بابتسامة رائعة : - صباح الخير. حاولت دفعه قليلاً وهى ترفع نفسها عن الوسادة بتوتر من هذا القرب المُهلك.. - صباح النور .. هو انت جاعد جمبى هنا من بدرى عشان تصحيني؟ زم شفتيه وهو يومئ برأسه وعلى وجهه ابتسامة مستترة : - امممم . اجلت حلقها قليلا قبل ان تسأله بخجل : - هو انت كنت بتصحينى ازاى ؟ حرك رأسه مضيقاً عينيه بتصنع .. حاولت أن تتجرأ وتسأله بوضوح : - هو انا ليه كنت بحس بلمسات على وشى وكأنها...... بابتسامة عبثية أكمل جملتها : - قصدك يعنى قبلات رقيقة ؟ جحظت عيناها الجميلة وهى تنظر اليه بصدمة .. مع توقف الكلمات بفمها .. فرفع كفه يضغط بأطراف انامله على اسفل ذقنها يداعبها بسعادة : - مكشرة ليه ومصدومة ؟ مش تقومى بقى وتبطلى كسل .. عشان تلحقي تنزلى مع "سعاد " وتشوفى الحاجات اللى ناقصاكى وعايزة تجبيها عشان الفرح الى قرب . ظلت تحدق اليه وهى صامتة ولا تتجرأ على المجادلة .. فنهض من جوارها وهو يأمرها بجدية مزيفة : - ياللا بقى قومى وبطلى دلع . استدار من امامها ليذهب فانبلجت على وجهه ابتسامة عريضة وهو يردد مع نفسه بصوت مسموع مع تنهده : - امتى بقى الاسبوع دا يخلص ؟ تتبعته عيناها حتى خرج من الغرفة وهى تكتم غيظها .. قبل ان تتمتم بصوتٍ خفيض : - قليل الادب . ........................... كان مستلقياً على فراشه .. ناظراً لسقف الغرفة بشرود .. ذراعيه المعقودان على الوسادة .. مريحاً راسه فوقهم .. فعلى الرغم من مرور عدة ايام منذ المواجهة الحاسمة بينه وبين اخيه ..الا انه مازال على حالته ذقنه غير حليقة .. فاقد الرغبة فى الذهاب الى العمل فى حادثة لم تحدث طوال ايام حياته .. فلاطالما كان احساس المسؤلية هو من يحركه .. وجعله يتناسى الاَمه حتى لو كان مريضاً .. تترد كلمات " قاسم " فى رأسه طوال الوقت وبدون رحمة .. يشعر بجرح فى قلبه وكرامته لم ولن يندمل ابداً .. هل كان خطأه حينما سار خلف مشاعره وتقدم لخطبتها .. وهى كانت كالحلم لكل شباب القرية .. ولكن مع تصرفات " قاسم " المجنونة حول كل من يقترب منها .. اصبحت كتمثال شمع جميل .. يراه الناس ولكن لا يصح التقرب منه . هل كُتب عليه حقاً ان يتزوج وينجب الذرية وفقط .. ولا يصح له الحب الذي تمناه معها .. وبسبب افعال اخيه حرمت عليه لتصبح من نصيب غيره .. اغمض عيناه بتعب مع كثرة هذه الأفكار التى تعصف بعقله وتكاد ان تصيبه بالجنون .. افاق من شروده على طرق خفيف على باب الغرفة .. وبحكم العادة حفظ مصدره جيداً : -ادخلى يا" مروة " .. دفعت الباب بخجل تطل برأسها وهى تلقى اليه التحية: - صباح الخير ياخوى هو انت صحيت ؟ اعتدل عن نومه ليجلس بجزعه على الفراش قبل ان يجيب عليها بسخرية : - امال مين اللى بيرد عليكى دلوك عفريتى مثلاً ؟.. ادخلى يابت وبلاش وجع دماغ . تبسمت بزاوية فمها وهى تدلف بتردد : - طب على كده احضرلك الفطار عشان تروح شغلك.. ولا برضك جاعد فى البيت زى الايام اللى فاتت ؟ هز برأسه مغمضاً عيناه بسأم من كثرة ماسمع هذه السؤال : - تانى برضوا يا" مروة " انا مش جولتها يجى مية مرة .. سيبونى براحتى ولما احس نفسى رايج هاطلع على طول من غير كلام. فغرت فاهها للتحدث ولكن اغلقته مرة اَخرى حتى لا تزيد عليه .. هز برأسه متسائلاً - عايزة حاجة تانية يا" مروة " عشان انا لسة حاسس بتقل فى دماغى وعايز انام تانى . حركت راسها بالنفى وهى تستدير للعودة ولكنها توقفت فجأة قبل ان تصل للباب .واضعة كفها على جبهتها وهى تلتف اليه بتذكر: - دا انا نسيت صح اقولك السبب الاساسى لجيتى ؟ نظر اليها باستفسار ... فتابعت - معلش البسلك حاجة عدلة عشان خطيبتك مستنياك بره وجيالك مخصوص . اجابها ببلاهة متناسياً: - خطيبتى مين ؟ .......................... واضعة احدى الوسائد الصغيرة على قدميها وهى جالسة تفرك بيديها بتوتر .. امام نظرات " نفيسة " المتربصة بتعجب.. - على كده دى اَخر سنة ليكى فى الكلية يا" مروة "؟ رفعت عيناها تجاوب باقتضاب : - ايوة يامرة عمى اَخر سنة. اومأت نفيسة برأسها: - طيب يابنتى ربنا يعديها على خير وتتخرجى منها بالشهادة الكبيرة . رددت خلفها بتمنى: - يارب مرة ياعمى . - الشاى يا" شيماء " .. مع انى كان نفسى احضر فطار . قالتها " مروة " وهى تضعه الصنية امامها على الطاولة الصغيرة.. فتفاجأت بصوته وهو يردف خلفها : - وماحضرتيش ليه ياقليلة الزوق ؟ شهقت " شيماء " وهو تنهض عن مقعدها مرددة بلهفة: - رفعت .. حمد الله على سلامتك . تقدم اليها بخطواته يصافحها بيده: - الله يسلمك يا" شيماء " ..عاملة ايه انتى ؟ - انا زينة وعال العال المهم انت ؟ اومأ برأسه بارتباك قبل ان يخاطب شقيقته : - ماحضرتيش ليه الفطار يابت ؟ - هى اللى مرضتش والله ياخوى .. قاطعتها " شيماء " : - انا اساساً واكلة فى الجطر قبل مااَجى .. ولو جعانة هاكل مش هاتكسف يعنى . ضيق عينيه يسألها باندهاش : - هو انتى واصلة من السفر على طول ؟ اومأت برأسها وقبل ان ترد فاجئتها " مروة " وهى تهتف .. طب عن اذنكم بجى .. انا وامى هانروح نشوف ابويا يكون ناجصه حاجة ..ياللا ياما. اذعنت " نفسية " لطلب "مروة " وذهبت مع " مروة " وهى تعتربها الدهشة . تحمحم يجلى حلقه وهو يشير بيده لها : - طب انتى واجفة ليه ؟ اجعدى يا" شيماء " اجعدى . ظلت واقفة حتى جلس على احدى المقاعد.. فتحركت تجلس امامه .. فاقتربت منه بلهفة - الف سلامة عليك يا" رفعت " من اى شر .. انا بمجرد مادخلت البيت وسمعت باللى حصل .. ماجدرتش ادخل فى فرشتى ولا اريح غير لما اشوفك واطمن عليك .. هو انت لسة تعبان ؟ انتفض يرجع بجسده مجفلاً منها حينما شعر بيدها اللى ارتفعت لتلامس موضع كدمة فى وجهه مازالت اثارها ظاهرة . - زين يا" شيماء " زين " .. بس انتى مكانش ينفع يعنى تستنى شوية لما تريحى من تعب السفر .. وانا جاعد يعنى هاروح فين ؟ بنبرة متلهفة : - ماجدرتش والله يا" رفعت " .. ماحسيتش بنفسى غير وانا بطلع من بيتنا ورجلى بتاخدني على بيتكم عدل . اطرق بعيناه ارضاً قبل ان يرفعها مرة اَخرى متسائلاً : - هو انتى ابوكى حكالك كل حاجة يا" شيماء " ؟ اجابته بلهجة قوية : - انا مش عايزاك تزعل يا" رفعت " من كلام اخوك.. دا سفيه وكل كلمة بيقولها بتبقى عشان مصلحته وبس .. دا غير انه حاقد عليك عشان انت احسن منه .. ولما اتقدمت ل" سمره " قبلت بيك عكسه هو اللى عمل المستحيل وبرضك فضلت كارهاه .. ولولا عمايله وضغطه عليها لكانت دلوك زمانها متجوزاك من زمان بس النصيب بقى حكم . عقد حاحبيه بدهشة : - هو انتى ابوكى لحج يحكيليك التفاصيل دى كلها. ؟ هزت كتفها ترد عليه بسهولة : - لا انا ابويا حكالى على العركة بس .. لكن التفاصيل دى انا كنت عارفاها من الاول.. عشان " سمره " كانت بتتصل بيا وتطمنى على حالها . فعر فاههه وجحظت عيناه بذهول : - انتى بتجولى ايه ؟ ............. ............... وبداخل المطبخ الكبير .. كانت " سعاد " تُعد القهوة على الموقد ولا تتوقف عن الضحك امام نظرات " سمره " الحانقة منها .. واضعة كفهيا على خصرها وهى تزفر بصوتٍ عالى: - يووووه بجى .. هو انتى صدق مالجتيها عشان تاخدى فرصتك فى الضحك . اجابت من بين ضحكها : - ايدكى قولتيها ياختى بنفسك .. فرصة بقى عشان اضحك وافك عن نفسى .. مدام سى " رؤوف " طلع قليل ادب ههههه زفرت مرة اخرى بصوتٍ اعلى : - ماهو انتى السبب .. عشان لو كنتى صحتينى بدرى.. مكانش هو خدها فرصة عشان يستهبل معايا . استدارت من امام الموقد لتسكب القهوة فى الفناجين الموضوعة على الطاولة.. وقد اصبح وجهها كحبة الفراولة مع ضحكاتها التى لم تتوقف .. - قال استهبال قال .. هو انتى لسة شوفتى استهبال ولا قلة ادب حتى .. والنبى دا انتى غلبانة قوى . هتفت عليها بخجل: -بس يا" سعاد " وبطلى كلامك ده احسن ازعل والنعمة . رفعت صنية الفناجين وهى تبتسم بمشكاسة : - ازعلى ياختى براحتك.. قال قلة ادب قال ههههه . توقفت بغتة تسألها حينما راتها واقفة مكانها وهى مستندة على حافة المطبخ ولم تتحرك بعد : - ايه ياحلوة ؟ انتى هاتفضلى مكانك ومش هاتيجى معايا عشان تفطرى مع الجماعة فى الجنينة ولا أيه ؟ .............................. .. حينما خرجن الاثنتان للحديقة وكن يتسامرن ويضحكن .. توقفت " سمره " مزهولة حينما رأتها امامها .. وهى تضحك مع السيدة " لبنى " و" رؤوف " زوجها ايضاً . اجفلت كذلك " سعاد " لرؤيتها .. فرددت مع " سمره " بصوتٍ خفيض : - هى العقربة دى ايه اللى جابها هنا من تانى ؟ - طب روحى انتى وديلهم القهوة يا" سعاد " .. ولو " رؤوف " او "لبنى" هانم سالوا عليا .. جوليلهم مش هاتفطر . قالتها وهمت لتعود من حيث اتت لتفاجأ بصوته وهو يهتف عليها: - انتى راجعة تانى ليه يا" سمره " ؟ صمتت قليلاً .. تفكر فى حجة للاعتذار ببعض اللباقة .. ولكنها تفاجأت به وقد نهض من مقعده ليجذبها من يدها وبصوتٍ خفيض : - ايه يابنتى مالك ؟ هو انتى هاتخافى منها ولا ايه؟ دى حتى جاية مخصوص تبارك وتعتذر . - نعم تعتذر !! قالتها بدهشة وهو يجذبها فى السير معه للجلوس على الطاولة التى تضمه مع " صافى " وجدته " لبنى :.. حتى اذا وصلت اليهم .. وجدتها تقف امامها بابتسامة عريضة : - ايه يا" سمره" ؟ هو انتى لسة شايلة منى ولا ايه ؟ دا انتى حتى خلاص بقيتى مراة " رؤوف " ابن خالتى .. يعنى بقيتى من العيلة ..الف مبروك ياحبيبتى. تسمرت مكانها بصدمة وهى تراها تقبلها بودٍ فى وجنتيها .. خرج صوتها اَخيراً بتلعثم : - االله يبارك فيكى يا" صافى " عقبالك . تدخلت " لبنى " فى الحديث معهم : - ربنا مايجيش زعل تانى يارب .. واللى فات تنسوه ان شاء الله.. ياريت بقى لو تعتبروا نفسكم اخوات يابنات .. حقيقى هاتفرحونى قوى . . صافى وهى تميل علي " سمره " بميوعة : - طبعاً يا تيته انا عن نفسى اعتبرتها من دلوقتى اختى .. وانا جيت بنفسى اهنيهم بعد ما عرفت بالصدفة من " تيسير " بكتب الكتاب ابتسم اليها " رؤوف " بمودة : - دا العشم برضوا يا" صافى" .. مهما حصل مابين ولاد الاصول برضوا بيتصروفوا بحك تربتهم العالية !! انتى واقفة ليه ؟ اقعدى اقعدى .. وانتى كمان يا" سمره " اقعدى جمبى ماتبعديش . بعد ان جلس الجميع وهموا بتناول الافطار .. شهقت " صافى " بتصنع وهى تمسك بذقن " سمره " وتشيح بوجهها على ناحية معينة : - ايه البقعة الحمرا الكبيرة دى يا" سمره " .. هو انتى عملتى حادثة . ازاحت " سمره " كف " صافيناز " بانزعاج.. وتطوع " رؤوف " بالرد : - هى ماكنتش حادثة بالظبط ؟ هى وقعت من على السلم بس .. لكن الحمد لله ربنا ستر ونجاها . اومأت اليهم بتصنع الحزن : - بقى كده ! طب ياحبيبتى الف سلامة عليكى .. وربنا مايجبش حاجة وحشة تانى ان شاء الله . تشعر بغرابة من فعلها ولا ينطلى عليها تصديق كلمة واحدة من كلماتها .. ولكنها حاولت ان ترد عليها ببعض الزوق . - الله يسلمك يا" صافى " تسلمى. بابتسامة متكلفة أومأت لها .. ثم توجهت ل" رؤوف " تخاطبه: - وعلى كده بقى .. انتوا حددتوا ميعاد للفرح يا"رؤوف " ؟ ولا خلاص اكتفيتوا بكتب الكتاب ؟ وضع قطة من الخبز مع قطعة من الجبن بفمه قبل ان يجيبها بحماس : - لا طبعا اكتفينا دا ايه ؟ احنا فرحنا اَخر الاسبوع ان شاء الله . شهقت بتصنع الفرحة: - اى ده معقول ؟ اخيرا بقى هانحضر فرح فى العيلة المشتتة دى حول العالم .. حقيقى فرحتلك بجد على يا" رؤوف" .. انك خيراً ها تستقر وتتجوز بعد حبك الكبير ل" ساندرا" وحزنك عليها . حدقت اليه" سمره " بعيناها تسأله بريبة : - ساندرا مين ؟ ......................... كانت " سعاد " تراقب من بعيد ما يحدث على الطاولة .. بعد ان وضعت فناجين القهوة لم تستطع الدخول للمنزل وهى تشعر بعدم الراحة لوجود هذه المدعوة " صافيناز " وادعاء المحبة المفاجئة ل" سمره " دون سبب .. هى تعرفها حق المعرفة وتعرف مقدار عشقها المتيم ل" رؤوف " بالإضافة إلى شخصيتها المغرورة والمتعجرفة من الاساس .. فكيف لها ان تنقلب لمئة وثماثون درجة بهذه السرعة .. - اكيد الحكاية دى فيها سر ؟ قالتها بصوت واضح لنفسها.. فتفاجئت بمن يرد عليها : - سر ايه بقى يا" سوسو " ؟ شهقت مفزوعة وهى واضعة يدها على قلبها: - يخرب بيتك خصتنى .. انت ايه ؟ مش ناوى تبطل عمايلك دى بقى ياممدوح . مال بوجهه امامها يتحدث بأسلوبه : - ابطل ايه بس با" سوسو " ؟ هو انا عملت حاجة؟ ضربته بقبضتها على صدره : - ابعد كده شوية منى عشان النفس وبطل تسبللى بعنيك تأوه برجاء : - ااااه ..بس لو توافقي و ترجعى تانى لحبيبك ياسوسو .. بدل ما انتى سايبانى اتعذب كده .. حتى بعد مابطلت الحرام.. وباكل لقمتى بالحلال ! حدقت بعيناها اليه تتحدث بقوة : - بس قلبى لسه ماطمنش يا" ممدوح " ودى ماليش فيها ارادة . اقترب منها يردف بتشدق : - تانى برضك يا" سعاد " حتى بعد ماخدتك بنفسى عند " سوكة " و خليتك تسمعى منه .. انى برئ وماليش دعوة بقصة خطف " سمره " . بشبه ابتسامة وقبل ان تعود لعملها داخل القصر . - برضوا قلبى مش مطمن يا" ممدوح " !! .................... وفى المساء .. توقفت بسيارتها امام المنزل العتيق بالمنطقة الشمالية والخالية من السكان تقريباً .. ترجلت منها ثم دلفت للداخل بعد ان فتحت بمفتاحها: دخلت بخيلاء وكأنها حققت إنتصاراً فوجدته واقف امامها ينظر اليها بتفحص مع ابتسامة ساخرة : - يامساء الفل .. هى الحلوة مبسوطة النهاردة زيادة شوية ولا حاجة ؟ ..... الفصل الثامن والثلاثون دلفت لداخل المنزل دون تريحه بأجابة مفيدة وهى تتمايل بخطواتها امامه غافلة بغباء عن عيناه المتتبعة كل حركة منها دون حياء .. ومع اول اريكة صادفتها عيناها.. سقطت عليها وكأنها عادت من رحلة سعيدة .. مال هو برقبته اليها مضيقاً عيناه بدهشة .. قبل ان بجلس امامها فى الكرسى المقابل : - معلش يعنى فى دى السؤال لو كنت هازعجك ولا حاجة .. ممكن اعرف السبب اللى مخليكى مبسوطة جوى كده ؟ بابتسامة مبهمة اجابته اَخيراً : - مبسوطة يااخى فيها حاجة دى .. ولا انا لازم اديلك على كل تصرف منى تفسير . مال بظهره للكرسى يجلس بأريحية .. وهو يضع يده داخل جيبه لليتناول علبة السجيار . وماان هم بأخراج واحدة منها حتى فاجأته بتحولها وهى تصرخ : - انت هاتعمل ايه .. انا مش منبهة عليك يجى مية مرة .. الا السجاير يا" قاسم " انت ايه يااخى عايز تموتنى برحيتها اللى تقرف . اسقط العلبة عن يده بعنف وهو يهتف بانزعاج : - واهى السيجارة والعلبة نفسها .. استريحتى ياستى ؟ زفرت طويلاً وهى تردف . - ياساتر عليك .. طلعتنى من المود يااخى .. و بعد ماكنت مبسوطة عصبتنى. لوح بيده امامها يتكلم بانفعال : - طب ممكن ياست السنيورة تفهميني انتى مبسوطة ومنشكحة جوى كده ليه؟ بيدها كانت تتلاعب بخصلات شعرها وهى تتحدث بتمهل ونعومة: - بس لو صبر القاتل على المقتول ... لكن عشان خاطرك بس انا هاريحك واقولك.. مالت بجذعها وهى تنظر اليه بتفحص لرد فعله .. وتابعت : - انا النهاردة كنت عند " رؤوف " وقضيت معظم اليوم عنده فى القصر معاه ومع السنيورة بتاعتك .. اعتدل فى جلسته بتحفز بعد ان سمع اسمها وهو منتبهاً لكل حرف يخرج من فمها .. وتابعت هى ايضاً : - انا اتصالحت معاهم يا" قاسم " لدرجة انهم صدقونى بجد .. دا انا حتى عرضت عليها انها تيجى المحل عندى وتنقى اللى هى عايزاه .. رؤوف وافق على طول وشجع حبيبتك . - وهى وافقت ؟ سألها بتحفز من كل خلية بجسده .. تبسمت " صافيناز " بمكر : - هى بصراحة ماردتش ولا نطقت بحرف .. بس يعنى هى هاتلاقي زى المحل بتاعى فين .. دا أرقى هوانم مصر بيلبسوا من عندى . اومأ برأسه وهو يفرك بانامله على ذقنه بشرود : - تمام ...تمام جوى ............................ واضعاَ قدماً على الأخرى وهو جالساً على اريكته بأرستقراطية ...مريحاً ذراعه خلف ظهرها على طرف الأريكة .. ناظراً الى تجهمها بتسلية : - ايه بقى ؟ هاتفضلى ساكتة كده كتير ؟ رفعت عيناها اليه صامتة لبعض الوقت .. قبل ان تتحدث اَخيراً : - وانتى عايزنى اقول ايه؟ عايز تتكلم انت اتكلم .. مش عايز انت حر ! ضيق عينيه يدعى عدم الفهم بتصنع : - اتكلم اقول ايه بالظبط ؟ انا مش فاهم قصدك ؟ هذه المرة احتدت عيناها فى النظر اليه .. مما جعله يضيف الى تصنعه اكثر : - ياااه ... لدرجادى انت متعصبة ؟ طب فهميني طيب ... حكم انا راجل فهمى على قدى . زفرت بقوة تستجمع شجاعتها قبل تسأله باندفاع: - جولى بالظبط.. ايه حكاية اللى اسمها " ساندرا" دى .. وبلاش تكدب عليا بحرف واحد حتى احسن ..... - طيب بس بس . قالها بمقاطعة وهو يتحدث بهدوء وتابع : - شوفى ياقلبى .. ساندرا دى كانت بنت انجليزية .. حبيتها لما كنت بتابع اعمال والدى فى انجلترا .. علاقتنا اتطورت ووصلت للخطوبة كمان .. بس اللى حصل بقى انها عملت حادثة بعربيتها وماتت .. وانا فضلت فترة طويلة حزين عليها وبس اعتدلت فى جلستها فسالته بعصبية: - وبس !!! يعنى ماكنتش بتعشقها وحرمت على نفسك .. الحب والجواز من بعدها ؟ كتف ذراعيه وهو ينظر اليها بسعاده بادية على وجهه : - وافرضى كنت بحبها ؟انت ايه اللى يزعلك ؟ فغرت فاهها وهى تنظر اليه بشراسة ولا تجد من الكلمات ماتعبر به عن مايجيش بصدرها: - ازاى يعنى مازعلش ..كيف ؟.. انت ازاى تسألني السؤال ده اساساً ازاى ؟!! قالتها الاخيرة بصرخة جعلته يضحك بعلو صوته : - الله عليكى يا" سمره " .. اخيراً شوفت منك رد فعل كده يفرحنى . استكانت قليلاً تنظر اليه ببلاهه : - يعنى ايه مش فاهمة؟ دنا منها فتناول كف يدها يقبلها .. قبل ان يقرب وجهه منها وهو يحدق بنظره داخل عيناها وبصوتٍ اجش : - مبسوط اوى عشان شوفت النظره دى فى عيونك .. انا من ساعة ماشوفتك يا" سمره " بعيونك الغجرية دى وسمارك اللى يسحر .. وانا قلبى اتعلق بيكى وكنت كل يوم بدعى ربنا انك تحبيني زى ما انا ما بحبك .. انا كنت معتقد ان مشاعرى ماتت مع " ساندرا" .. لكن معاكى عرفت انها كانت نايمة وبس فى انتظارك .. حتى حبى ل" ساندرا" اكتشفت انه كان حالة وخلاص.. وحكاية انى حرمت على نفسى النسوان .. دا كان بس ذكرى لوفاتها عشان حبها ليا كان بشكل جنوني.. دا غير ان انا مابنجذبش لأى واحدة وخلاص.. انا لفيت ودورت كتير .. فكل حاجة بقت بالنسبالى عادى.. حتى الستات .. كانوا بالنسبالى كلهم مايفرقوش عن بعض .. لكن معاكى انتى انتابتنى الحالة المجنونة دى .. اللى اسمها شغف .. شغف بيكى وبكل شئ يخصك .. انا بحبك قوى يا"سمره "وبتمنى من ربنا انك تحبيني نص الحب ده . حالة جد لاتعرف مالذى اصابها من كلماته .. هل هو شعور بالراحة ام سعادة جعلت قلبها يتراقص طرباً مع كل كلمة يلقيها على سمعها .. وهى تنظر اليه بامتنان وفرحة كبيرة ............................... بداخل غرفتها .. كانت مستلقية على فراشها وهى ضامة احدى الوسادات الى قلبها .. سمعت طرقاً خفيفاً على باب الغرفة فهتفت بتأفف : - جولت مش عايزة اتعشى .. بتخبطوا على الباب من تانى ليه ؟ فتح الباب بمواربة فطلت برأسها اليها : - ممكن ادخل يا" رضوى " ؟ اعتدلت قليلاً فى فراشها تجلس بنصف نومة : - اتفضلى ياعمتى .. انتى مش غريبة . تقدمت المرأة بخطواته الرزينة حتى جلست بجوارها : - انت لساكى زعلانة يا "رضوى"على فسخ خطوبتك من " قاسم " ؟ نظرت اليها بحدة شديدة قبل ان تشيح بنظرها عنها لبعيد .. تنهدت بسيمة بصوت واضح : - انا عارفاكى يا" رضوى " مش طايقانى .. وشايفة ان بنتى السبب فى كل اللى حصل معاكى .. بس يابنتى على كد ماانا عذراكى فى دى .. على كد ما انا شايفة ان الحق عليكى. اللتفت اليها برأسها سريعاً بنظراتٍ تحولت لنيرانٍ مشتعلة .. لم تهاباها " بسيمة " وأكملت : - ما تزعليش منى يا" رضوى " بس انا يابنتى .. اكتر واحدة عارفة " قاسم " وعارفة هوسه ب" سمرا" بتى .. ماتستغربيش منى لما اقولك .. انا كنت غلطانة لما عشمته بجوازه منها وهى لسة عيلة صغيرة.. بس انا يابتى كنت شايفاه عريس لقطة .. الواض شكله حلو وطول وعرض زى ما انتى عارفاه ..عصبى ودمه حامى .. دا غير فلوس اهله اللى ماليها عدد وبيحبها .. لكن يابتى مع كل سنة كانت بتمر كنت بشوف الحب ده بيقلب لحاجة تانية اكبر بشكل يخوف .. لدرجة ان اتحولت موافقتى فى الاَخر لخوف منه ليأذيها .. خوف انزاح من قلبى ساعة ما اتخطبت ل" رفعت " اخوه .. ساعتها بس حسيت براحة .. لكن الراحة انقلبت لقلق من تانى ..ساعة اما سمعت انه اتقدلمك ووافقتى بيه ..كنت دايماً حاطة يدى على قلبى .. وخايفة من اللى جاى. كانت تحدق بعيناها اليها بصدر لاهث وغضب ظاهر على ملامح وجهها قبل ان تخرج من صمتها اَخيراً ..فهتفت بغضب : - يعنى انتوا كلكم جاين دلوك تقولولى الكلام .. ماتكلمتوش ليه من الاول وحوشتوا الاذى عنى قبل ما اتعلق اكتر بيه وقلبى يتحرق من الشوق اليه.. كلكم افتكرتوا دلوك .. ولا هى البقرة لما توقع تكتر سكاكنها ؟ ربتت بيدها على ذراعها تحدثها بحنان : - انا مش هالوم عليكى يابتى .. عشان الامر كله واعر وصعب .. انا بس عايزاكى تفوقى وتنسى وتعيشي حياتك .. انتى حلوة والف من يتمناكى.. عن اذنك يابتى هاسيبك بقى عشان ترتاحي. ذهبت " بسيمة " من امامها وتركتها تنظر فى اثرها بغضب . .............................. فى اليوم التالى خرجت " سمره " مع زوجها " رؤوف " للتبضع وشراء الملابس والعطور الفاخرة .. دلف بها اللى أرقى مول تجارى .. لا يدخله الا الصفوة .. كان ينتقى معها الملابس ويُصر على ارتدائها امامه حتى يراها ويقيمُها بنفسه .. ومع كل قطعة ترتديها كان يطير قلبه فرحاً بها .. فجسدها الممشوق والملفوف دون بدانة.. جعل معظم الملابس وكأنها فُصلت خصيصاً لها .. ومن انتقاء الى الملابس انتقلوا للأحذية والحقائب والعطور الفاخرة وبعض ادوات الزينة المستوردة .. ذات الماركات الباهظة .. حتى انه اقترب بجرأه لبعض الاشياء النسائيه بنظراته العبثية .. ولكنها نهرته بحدة ولم تسمح له برؤية ما ابتاعتهم على الإطلاق . وفى النهاية دلف بها الى احدى المطاعم الفاخرة ليكتمل وقتهم الجميل بتناول وجبة الغداء ويستريحوا قليلا . وعلى الطاولة.. كان ينظر اليه بهيام وهى تتجول عيناها بانبهار على محتويات المطعم وتصميمه: - الله يا" رؤوف " حلو جوى المطعم ده .. رومانسى كده وشاعرى. بابتسامة سعيدة على وجهه : - عجبك ياقمر.. ليكى عليا ياستى بعد الجواز كل اما افضى هاجيبك فيه . بادلته الابتسامة بسعادة اكبر .. ولكن خبئت ابتسامتها فجأة وهى تسأله : - هو انت جيت فيه قبل كده يا" رؤوف " ؟ عقد حاجبيه قليلاً بتفكير قبل ان يضحك بمرح .. حينما وصل اليه المعنى : - انت قصدك يعنى جيت مع واحدة فيه . هز برأسه ينفى بابتسامة وهو يقول : - لا.. لا بيبى محصلش.. انا كنت باجي هنا فى جلسات عمل رجال أعمال معايا او وفود اجنبيه فى ما بينا مصالح .. لكن اللى بالك فيه ..محصلش . تنهدت براحة مع ابتسامة مستترة : - الحمد لله .. اصل كنت هاضايق جداً بصراحة . مال براسه اليها بسعادة: - يالهوى على جمالك وعلى غيرتك اللى ابتدت تظهر دى .. انا بتبسط قوى من غيرتك دى على فكرة. اومأت برأسها خجلاً .. فتناولت قائمة الطعام تتهرب من نظراته الجريئة لها ..ولكنه باغتها : - طب احنا كده لو ايه ناقصنا ؟ رفعت عيناها بتفكير قليلاً قبل ان تجيب بتردد: - طبعاً أكيد فستان الفرح . اومأ برأسه : - شاطرة ياقلبى .. طب احنا نخلص أكل وننزل من تانى ننقى احلى فستان ولو عايزة اجيبه من بره بالطيارة.. اعملى سيرش على النت واختارى من أرقى بيوت الازياء ... - طب ممكن اقول على اللى نفسى فيه ؟ قالتها بمقاطعة فتابعت بحالمية - انا اول مرة شوفتك فيها.. كنت واقفة قدام محل " صافى " قريبتك .. بصراحة فى عندها فستان شدني جداً وخطف قلبى واتمتنيت فعلاً انى البسه . اشار بسبابته على وجهه : - من عيوني الاتنين.. احنا نخلص اكل وننزل حالاً على محل" صافى ".. اقولك انا هاتصل بيها من دلوقتى ابلغها عشان تعمل حسابها. قال الاخيرة وهو يشير بالهاتف الذى وضعه على اذنه بعد ان هاتف الاخرى ! ........................ كانت جالسة على مكتبها الصغير .. تتلاعب فى اوراقها وكتبها بشرود .. خرجت من شرودها على صوت والدتها " ثريا" التى دلفت لداخل الغرفة وهى تهتف عليها : بت يا" شيماء " .. انا يابت سرحانة فى ايه ماتردى عليا . ردت عليها مجفلة : - ايه ياما فى ايه؟ مالك بيا وبتندهى ليه ؟ ضربت المراة بكفها على الطاولة بسأم : - يعنى هاكون عايزاكى فى ايه يامحروسة ؟ قومى ياختى عريس الهنا قاعد بره مستنيكى . - عريس مين ؟ " رفعت " .. انتى بتتكلمى جد ياما ؟ فغرت المرأة فاهها باندهاش : - ومالك ياختى ملهوفة كده عليه .. هو انتى لحجتى تتعلقى بيه ؟ - طب معلش ياما عن اذنك بس هاغير هدومى واللبس حاجة عدلة .. عن اذنك ياما بجى عن اذنك . قالتها وهى تزيح والدتها للخروج او عالأصح تطردها بمهارة.. حتى ازا انغلق الباب اتجهت لخزانتها تنتقى مايليق بلقاءه . وفى الخارج كان " رفعت " جالساً مع ابيها بتوتر يحاول اخفاءه .. لم يتنظر كثيراً فهى لم تستغرق وقتاً طويلاً فى التزين .. فقد استكفت بارتدائها دريس صيفى بالون الفيروزى وعليه حجاب يليق به يُظهر بياض بشرتهاوجمالها الطبيعى .. لايدري لما هذا الاحساس الذى نما بقلبه برؤيتها الاَن .. لايدري سبباً لهذه الراحة التى شعر بها بغتةً بمجرد رؤيتها وهى تتقدم بخطواته اليه وابتسامة رائعة تزين محياها . - مساء الخير . قالتها بخجل وهى تمد يدها اليه لمصافحته.. بادلها هو التحية وهو يبتلع ريقه : - مساء الخير يا"شيماء " ازيك ؟ نهض ابيها عن مقعده: - طب كويس بقى انك جيتى يا" شيماء " انزل انا اصلى العشا .. البيت بيتك يا" رفعت " عن اذنك ياولدى . اوما برأسه اليه .. فجلست هى امامه بخجل .. ظل الصمت سيد الموقف لبعض اللحظات .. قبل يقطعه هو مخرجاً: - ااا انا خوفت لتكوني زعلتى منى امبارح . مطت بشفتيها تكمل بسخرية : - اه .. انت قصدك يعنى لما اتعصبت عليا فى بيتكم .. لااا مزعلتش . مسح بكفه هذا العرق الوهمي من الحرج : - معلش يا" شيماء " سامحينى ان كنت اتعصبت عليكى .. بس انتى بصراحة فاجاتينى .. بابتسامة جميلة قاطعته : - خلاص يا" رفعت " مسامحاك.. انا عارفة كويس وحاسة بشعورك .. وانا بقولهالك تانى مش زعلانة منك . فغر فاهه وصمت قليلا قبل ان يقول : - انتى عارفة يا" شيماء " .. انا دلوكتى بس عرفت .. ليه " سمره " سابت الكل ووثقت فيكى انتى وحدك .. عشان كانت فاهماكى كويس وشايفة قلبك الابيض .. انتى نعمة كبيرة قوى يا"شيماء "او عالأصح انتى العوض . ابتسامتها ازدادت اتساعاً وهى تردف باقتضاب : - شكراً . بادلها ابتسامتها بمرح: - واااه .. شكراً كده وبس .. ماشى يا" شيماء " على العموم انا بس يجى عمى "حسن "من الصلاة وهاححد معاه ان شاء الله ميعاد الخطوبة وميعاد الجوزا اللى هايبقى ماتخلصى سنتك على طول . وكان الرد منها ابتسامة ولا اروع . ........................ وبداخل محل " صافيناز " كانت تنفخ بتافف من هذا الغبى .. الذى بمجرد سماعه المكالمة اتى على الفور .. دون تفكير .. - انت عايز تودينى فى داهية ياجدع انت .. دى ماكنتش غلطة دى لما قولتلك فى المكالمة بالصدفة . مال براسه اليها وهو يتحدث لاقناعها : - وانتى قلقانه جوى كده ليه يعنى ؟ انتى مش مشيتى البنات العمال من المحل .. يبقى مين بقى هايشوفنى عشان تقلقى ؟. - ازاى يعنى ماقلقش دول زمانهم على وصول ؟ .. ولو لمحك" رؤوف "هاتبقى وقعتى سودة ..استنى دى بينها عربيتوا اللى وقفت حالا قدام المحل .. أجرى استخبى بسرعة . اجرى يالا . تحرك سريعاً امامها ليتخفى بغرفة القياس التى لم تنتبه لها فى غمرة توترها بوصول " رؤوف " ومعه " سمره " . كانت تنظم انفاسها حتى تستطيع الحديث بلهجة طبيعية .. دلف " رؤوف " لداخل المحل وكفه مطبقة على كف " سمره " بحميمية .. لفتت انتباه " صافى " وسخطها فى نفس الوقت .. - مساء الخير يا" صافى " . نهضت عن مكتبها بترحيبٍِ مبالغ فيه : - اهلا اهلا يا" رؤوف " .. اهلا يا" سمره " وحشتينى ياقمر. اخفت "سمره "انزاعجها من هذا التقبيل والحفاوة المبالغ فيها .. فردت باقتضاب : - اهلاً يا" صافى " .. ازيك . اللقى نظره على محتويات المحل وهو يردف : - معلش ان كنت ازعجناكى وخلناكى تنتظرى ..لكن هو انتى لوحدك فى المحل . ابتسمت بمحبة زائفة وهى تشير على ساعة معصمها : - بصراحة يا" رؤوف " هما البنات مشيوا فى وقتهم وانتوا اللى اتأخوتوا بس ولا يهمك وانا افديكى الساعة .. نقى الفستان اللى انتى عايزاه وانا تحت امرك .. - الف شكر ليكى .. واسفين لتعبك .. بس انا مش هادور كتير صراحة .. انا عايزة اللى هناك ده ؟ قالت الاَخيرة وهى تشير بيدها على احدى الموديلات المعروضة.. اثار الحنق بقلب " صافيناز" حينما رات مدى روعته ورقيه ..فابتسمت بتكلف : - زوقك يجنن يا"سمره " الفستان ده من اغلى الفساتين اللى جيبتها من رحلة باريس . تناول الفستان يرى مدى روعته وهو يبتسم بسعادة : - هو حقيقى يجنن.. وطبعاً اكيد مايغلاش عليكى ياقلبى . اخفت امتعاضها ببراعة وهى تشير بيدها على الغرفة التى دخلها" قاسم "على غفلة منها : - طب اتفضلى ادخلى غرفة القياس يا" سمره " وشوفيه كويس عليكى وانتى لابساه .!!! ...