على الرقاب قدر نافذ بقلم شاهندة سميرج1

قاطعته قائلة :
_ لا أريد وعودا أيها الوسيم ، عليك الرحيل ولست مضطرا للعودة ، لقد عادت إلى ذاكرتي الأيام التي كنت أودع فيها أبناء مثلك ،يقفون وقفتك ويعدون ألف وعد يتبخر ما أن تطأ أقدامهم بيتا غير صدري ، كن بخير صغيري وتذكرني وأنت تبتسم ،سأصلي من أجلك دائما .
نزلت دموع (مهران )واحتبست الكلمات بحنجرته فاكتفى بعناقها بصمت للحظات ثم أزاحته بهدوء وقد أمسكت يده وتوجها إلى داخل المطار ثم أردفت :
_ مرت أيام وقد غطى فيها الثلج كل شيء وها قد أتى موعد رحيلك فأمطرت بغزارة كأن روما بعظمتها تبكي رحيلك .
فقال مداعبا اياها :
-إذن سأتذكركما باكيتين هكذا ، كأنه عقاب لي !
كان عقابا أن يتجرع مرارة الفراق لعدة مرات بعد أن فارق والديه طواعيّة ، كل الفراقات هيّنة إلا فراق( شذا)، ترك ندبة على قلبه كالتي على طرف جبينه كلما تحسسها تذكرها .
أقلعت الطائرة فودعته روما باكية وودعها بترك جزء من قلبه المنفطر فيها إكراما لسنوات إحتضانها له .
سويعات قليلة قد اتضح فيها النهار الشتوي الكئيب كانت قد حطت فيها طائرة (مهران )الذي لأول مرة شعر بشيء يشبه عدم الانتماء ليس للبلدة فحسب بل لجميع من حوله ، لفه الصمت طوال الطريق بينما العم (كامل) سائق والده يثرثر بالاحتفال الكبير الذي يقيمونه على شرف عودته إلى وطنه فكان يكتفي بابتسامة باهتة لاتصل إلى عينيه .
وصل الوريث إلى قصره وارتجت الأجواء بقرع الطبول ونفخ المزامير فتبادر في ذهنه ” ناقص أبو تنورة ويبقى مولد الحاج عسران ” ورغما عنه ابتسم وهو يرى لهفة والده الذي يقترب منه بذراعين مفتوحين فضمه إليه بشوق كبير ثم أمسك وجهه بين كفيه كأنه يحاول اكتشاف ماقد نحتته بلاد الغربة بداخله وقال :
_ نورت بلدك ياولدي ، الحمد لله اللي رجعك لينا بالسلامة ،مافيش سفر تاني إنت واعدتني !
قبّل (مهران) يد والده وقال مطمئنا له :
_ متجلجش يابوي معبعدشي من حديك واصل .
وبينما راح والده يدعوا له برضوان الله اقتربت والدته ومن ورائها أختيه هرولة ليسبقها ويقبل يديها ورأسها وهو يشدد من إحتضانها وهي تردد باكية :
-واخيرا عاودت ياولدي لحضني ، حمد الله على السلام ياكبدي .
فتح (مهران) ذراعيه لاختيّه( راوية وزهرة )يحتضنهما بشوق كما تفعلان .
سحبوه إلى الداخل وسيل من الأسئلة يندفع حوله لم يوقفه سوى ظهور عمته (زبيدة )التي ابدت لهفة مصطنعة له غير انه قابلها بذات الود الذي قابل به عائلته فالتفتت إلى (ثريا) وقالت :
_ اهو ولدك عاود يمك ياثريا لاه وبجى حاجة كبيرة، مفخرة البلد كوليتها ، عوجبال ماتفرحي بيه ياخيتيّ .


