١١– " سليطة اللسان " اتسعت مقلتيها من الدهشة ، وعقدت الصدمة لسانها ، وقفت كالتمثال الحجرى لا تأتى بأى حركة ، وبعد برهة استطاعت ان تهمس بإسم اخر من كانت تتوقع رؤيته فى منزلهم فإستندت بيدها على الجدار ، ريثما ذلك الدوار الذى أصاب رأسها يرحل عنها ، فما لبثت أن نظرت إليه وهى تقول بهمس لا يخلو من الصدمة : –:" دكتور رفيق" عقد رفيق حاجبيه تعجباً ، من دلوف تلك الفتاة بهذه الطريقة فهى اقتحمت الغرفة بدون استئذان ، ولكن عندما وقع بصره عليها شعر أنه رأها قبل هذه المرة ، فظل يفكر أين يمكن أن يكون رأها ؟ فعادته أنه لا يدقق فى الوجوه جيداً حتى يتذكرها لم يشأ أن يرهق عقله بذلك الأمر ، فخاطبها قائلاً بكياسة : –:" أهلا يا آنسة هى فين الحاجة علية " عقدت ليان ذراعيها وهى تقول: –:" وحضرتك عايز تقابلها ليه" وضع رفيق كوب الشاى ، الذى أتى به باسم قائلاً: –:" أنا جاى بخصوص الأرض المعروضة للبيع علشان ان شاء الله اشتريها" حكت جبهتها قائلة بشئ من الضيق: –:" اه أنت بقى اللى هتشتريها" أماء رفيق برأسه ، ولكنه نظر إليها متسائلاً: –:" ايوة أنا هو ليه أنا حاسس إن شوفتك قبل كده بس مش فاكر فين بالظبط" تعجبت من عدم تذكره لها ، هل نسى سخريته منها أمام الطلاب ، ولكن بذات الوقت ، شعرت بشئ من التسلية ، بأنه لم يتذكرها فهى سترد اهانته لها ، وتجعله يتذوق مرارة الإهانة فهمست بقرارة نفسها قائلة بدهاء : –:" ايه ده هو مش فاكرنى إذا كان كده انا هرد اعتبارى منك يا دكتور رفيق صبرك عليا" ابتسمت ليان بخبث لتلك الأفكار ، التى تزاحمت فى عقلها وجدت نفسها تعقد ذراعيها أمام صدرها ثانية فنظرت اليه بتهكم وسخرية وقالت : –:" وانت بقى معاك تمن الأرض دى ولا هتقسط سعرها يا أستاذ إحنا عايزين فلوس كاش وأنت باين عليك كده يعنى أنك يعنى ..." رد رفيق بهدوء قائلاً: – :" إن أنا إيه كملى كلامك يا آنسة " جلست ليان على مقعد بجوار الباب ، ووضعت ساق على الأخرى قائلة بإستهزاء : –:" اصل مش باين عليك أنك غنى يعنى ولا حاجة أه لابس شيك بس برضه مش زى اللى بنشوفهم فى المجلات والجرايد دا أنت حتى فى جرح فى وشك ايه مش معاك تعمل عملية تجميل وهو باين فى وشك كده وشكله يخوف " تنساب الكلمات من فمها ، كطلقات نارية تقذفها فى وجهه ، وجد نفسه يقبض على يده بقوة ، حتى لا يقوم من مكانه ويصفع تلك الفتاة على وجهها التى تتحدث معه هكذا بدون إحترام ، فتاة صغيرة حمقاء تحاول النيل منه ببضع كلمات فرفع حاجبه قائلاً : –:" هو أنتى الحاجة علية وأنا معرفش" ردت ليان بشئ من الزهو : –:" الحاجة علية تبقى جدتى وأنا بنت أبنها والأرض اللى ناوى تشتريها دى بتاعتى أنا وأخويا" حرك رفيق رأسه بحركات متتابعة وهو يقول : –:" اه ، بس الظاهر يا أنسة أن أهلك نسيوا يعلموكى تتكلمى بأدب ازاى مع الناس باباكى ومامتك مقلوش ليكى عيب تكلمى الأكبر منك بقلة ذوق" أنتفضت ليان من مكانها وأشارت له بسبابتها وهى تقول : –:" انا قليلة الذوق ! انا متربية أحسن منك ومن عشرة من عينتك يا أستاذ أنت " هب رفيق واقفاً وهو يقول: –:" والله الظاهر أن أنتى فعلاً متعرفيش عن الأدب والذوق حاجة ومشوفتيش تربية" قالت ودماء الغضب تسير حارقة بعروقها : –:" انت اللى واحد قليل الأدب وقليل الذوق ومغرور ومتكبر وأنا بكرهك" قطب رفيق حاجبيه قائلاً بغرابة: –:" والله تكرهينى ولا تحبينى دا شئ ميخصنيش هو انا كنت قريبك علشان تحبينى ولا تكرهينى انا اول مرة اشوفك واعرفك والصراحة معرفة مش مبشرة بالخير ولا حتى تسر الخاطر" –:" أنت عارف لولا انك فى بيتنا أنا كنت طردك برا البيت " قالتها ليان وهى مازالت تحدجه بنظراتها الكارهة فرد رفيق على حديثها المهين بقوله : –:" وتطردينى ليه انا هامشى يا قليلة الذوق والتربية ، عيلة بلسان طويل وقليلة الأدب ، تغور الأرض حتى لو كان فيها كنز قارون ، تغور من طولة لسان" عندما كان يهم بالمغادرة ، لمح سيدة مسنة تدخل من الباب بابتسامة خفيفة فإبتسمت له علية بترحيب: –:" أهلا ً وسهلاً يا أبنى معلش اتأخرت عليك " أقترب منها رفيق مصافحها وهو يقول : –:" حضرتك الحاجة علية" أماءت علية برأسها ، وهى تدعوه للجلوس: –:" ايوة أنا اتفضل يا أبنى وانتى يا ليان اعملى عصير للاستاذ وكمان حضرى الغدا علشان الاستاذ يتغدا معانا" شكر لها رفيق لطفها ، فأبدى رفضه قائلاً : –:" شكراً يا حاجة علية بس أنا لازم أمشى حفيدتك الظاهر انها مش مرتاحة لوجودى هنا" حولت علية بصرها لليان قائلة بتساؤل: –'' ليه فى ايه يا ليان" دبت ليان الأرض بخفة ، وهى تغمغم بصوت منخفض : –:" مفيش يا تيتة عن إذنك" خرجت من الغرفة تشعر بتزايد كرهها له أكثر فأكثر ، فظلت تدمدم بسخط : – وكمان أحضرله الغدا يبقى يطفحه البعيد ، ولا عضمة تقف فى زوره يشرق والسر الإلهى يطلع وأرتاح من شكله فحتى عندما حاولت رد اهانته لها ، أوصلها هو الى مزيد من الغضب والكره ألحت علية عليه بالحلوس وهى تقول بلطف: –:" اقعد يا ابنى اتفضل ومعلش لو كانت حفيدتى زعلتك" أنصاع رفيق لقولها ، فعاد لمكانه ثانية وهو يقول : –:" حصل خير ولو انا مش عارف هى ليه عملت كده" قالت علية وهى تطلق نهدة عميقة: –:" هى بس متعلقة بالأرض دى ومكنتش عايزة تخلينى ابيعها بس ما باليد حيلة على العموم نورتنا متشرفتش بالاسم" رد رفيق قائلاً : –:" اسمى رفيق رسلان" تبسمت له علية وهى تقول : –:" نورت البيت يا ابنى انت طبعا عارف السعر اللى عيزاه فى الأرض دى أكيد متولى السمسار قالك" أماء رفيق قائلاً: –:" ايوة عرفت وانا مستعد ادفعلك الفلوس كاش هى جاهزة معايا" تغشى الحزن عينى علية فقالت: –:" والله يا ابنى هى تساوى كتير بس علشان انا عايزة ابعها بسرعة فعرضتها بالمبلغ ده" :" وانا على استعداد ادفعلك سعرها الحقيقى يا حاجة علية لو الأرض طلعت فعلاً تستاهل أكتر من السعر اللى عرضتيه" قال رفيق عبارته بهدوء فنظرت له علية بدهشة وهى تقول : –:" غريبة تدفع فيها اكتر مع ان المفروض تحاول تخفض السعر اللى انا عرضاه كمان" رد رفيق بهدوء كعادته : –:" الحاجة اللى تساوى قرشين ما اخدهاش بقرش وانا عارف انها تساوى اكتر واستغل حوجة الناس مش انا يا حاجة علية" استمعت علية لكلامه باعجاب من أمانته ، فهى كانت تظن أنه ربما سيماطل فى دفع السعر المعروض فقالت بإعجاب ظاهر : –:" باين عليك أمين أوى يا أبنى" تبسم رفيق بخفة على مديحها له قائلاً : –:" أنا تاجر والقرش اللى دفعته هعرف ارجعه تانى بس الأول أدى لكل واحد حقه علشان ربنا يباركلى فى مالى" بعد أن إستمعت لحديثه ، ردت قائلة : –:" ربنا يزيدك من فضله يارب أنا هنادى لباسم حفيدى تروح معاه تشوف الأرض قبل ما نتفق وبعد كده هنشوف هنعمل ايه" نهض رفيق من مكانه قائلاً بتهذيب : –:" تمام يا حاجة علية اتفضلى ولو أتفقنا هنخلص كل حاجة على طول " خرجا من الغرفة ، فرأى رفيق باسم يخرج إليهما، بعد ان نادت عليه جدته ، فابتسم له ورافقه الى الأرض التى يريد شراءها وبالرغم من بشاشة ذلك الفتى وجدته إلا إنه لم ينسى وقاحة تلك الفتاة المسماة ليان _______________ دلف أكمل إلى الشركة ، يصطحب معه طفلته ، التى تسير بجواره تقفز فرحاً ، فهى تحب المجئ معه إلى مقر عمله ، أفضل من العزلة فى المنزل ، فرأت نسرين وابتسمت لها فنادها أكمل قائلاً : –:" نسرين خلى بالك من كنزى على ما أخلص الاجتماع مالك جوا مش كده" أماءت نسرين برأسها وأبتسمت وهى تقترب من الصغيرة : :" من عينيا يا مستر أكمل بس كده الدنيا نورت يا كنزى أيوة الباشمهندس مالك جوا فى أوضة الاجتماعات وكل شئ جاهز" جذبت كنزى يد نسرين وهى تقول : – :" تعالى علشان تجبيلى شيكولاتة" أنحنى لها أكمل وهو يقول: –:" حبيبتى بلاش تاكلى شيكولاتة كتير ماشى" قبلت الصغيرة أبيها على وجنته وهى تقول: –:" حاضر يا بابى هاكل حتة صغننة بس" تبسم أكمل على قولها ، فقبلها هو الأخر قائلاً: –:" حبيبة قلب بابى أنتى" ولج أكمل إلى الغرفة المخصصة لعقد الاجتماعات ، لانهاء أمور خاصة بالعمل مع بعض العملاء ، وترك ابنته مع نسرين فهو يعلم أن كنزى تحبها ، لذلك يأمن مصاحبتها للصغيرة قالت نسرين وهى تحمل الصغيرة : –:" يلا تعالى يا كنزى نجيب شيكولاتة " قامت باخذ الطفلة لشراء ما تريده ، وبعد الانتهاء عادت إلى مكتبها ولكنها وجدت سارة فى انتظارها فهتفت بها سارة متسائلة : –:" أنتى كنتى فين يا نسرين أنا جيت علشان نشوف هنجيب غدا ايه ولكنها لمحت الصغيرة ، فقالت معقبة بإعجاب : – " الله مين البنوتة الجميلة دى اسمك ايه يا قمر" ردت كنزى بخجل: –:" إسمى كنزى" إبتسمت لها سارة ، ولكنها نظرت لنسرين وهى تقول: –:" الله اسمك جميل أوى مين دى يا نسرين قريبتك" نفت نسرين قول سارة ، بحركات رأسها النافية ، فداعبت وجنة الصغيرة قائلة : –:" لاء دى تبقى بنت مستر أكمل" لاتعرف سارة لماذا وقع عليها قول نسرين كأن أحد قذفها بحجر على رأسها ، فهل أكمل متزوج ؟ فهى كانت تظن أنه أعزب شأنه شأن شريكه رفيق ، حتى أنها لم ترى فى يده خاتم للزواج فقالت سارة بغصة : –:" بتقولى بنت مين ! أصل أفتكرت انه مش متجوز زى مستر رفيق حتى مشفتش فى ايده دبلة ولا حاجة" أخذت نسرين ملف أوراق موضوع على سطح مكتبها وقالت : –:" هبقى اقولك كل حاجة بعدين يلا يا كنزى خليكى مع طنط سارة على ما أرجع ماشى" نظرت لها سارة وتساءلت : –:" أنتى راحة فين" تحركت نسرين بضع خطوات وهى تقول : –:" فى ملف كان الباشمهندس مالك طالب أن أدخلهوله بعد الاجتماع ما يبدأ مش عارفة ليه ، فهروح أدهوله وأجى على طول خلى بالك منها" ذهبت نسرين لغرفة الاجتماعات، فابتسمت سارة للصغيرة ولا تعرف لماذا قامت بسحبها واجلستها على ساقيها ،فوضعت لها شعرها خلف أذنها وهى تبتسم بوجهها قائلة : –:" أنتى بتروحى الحضانة يا كنزى" ردت الصغيرة وهى تقضم من الشيكولاتة التى بيدها : –:" ايوة وساعات بابى بيودينى " نظرت لها سارة وتساءلت: –:" ليه هى ماما فين يا كنزى" مطت الصغيرة شفتيها وهى تقول: –:" مامى مش بترضى تودينى ومش بترضى تلعب معايا بابى بس هو اللى بيلعب معايا" شعرت سارة بالشفقة على الطفلة ، فمن المفترض أن طفلة بمثل عمرها ، لابد ان تكون مرحة وسعيدة وليست حزينة هكذا فحاولت أن تجعلها تأمن صحبتها ، فهتفت بها قائلة : –:" تيجى نلعب سوا يا كنزى" نظرت لها كنزى بحماس وقالت : –:" هنلعب ايه" هبت سارة واقفة ، وهى تحمل الصغيرة ، فداعبت طرف أنفها وهى تقول : –:" هنلعب أى حاجة بس تعالى معايا" أخذت سارة الطفلة إلى مكتبها ، فظلت تلهو معها لوقت طويل ، ولا تعلم سر المحبة ، التى شعرت بها تجاه تلك الصغيرة ، فهل يرجع ذلك لكونها....إبنته _______________ تجولت في العديد من المتاجر ، خاصة الأكثر شهرة فى إقتناء أفضل ماركات الثياب ، لإختيار ثوب يناسب جمالها الأخاذ ، ولم تنسى إصطحاب صديقتها المقربة فأرتدت أحد الأثواب ونظرت لها قائلة : –:" حلو الفستان دى يا شيرى" إبتسمت لها شيرى وهى تومئ برأسها بإعجاب : –:" اه جميل عليكى أوى يا ماهى" نظرت ماهيتاب للمرآة لتقييم الثوب وهى تقول: –:" يعنى تفتكرى لو لبسته رفيق هياخد باله منى" نفخت صديقتها بضيق قائلة : – :" هو أنتى لسه بتفكرى فى هبلك ده يا ماهى" زفرت ماهيتاب زفرة حارة وهى تقول : –:" أنا حاسة كأنى مريضة بحبه يا شيرى" لوت شيرى ثغرها قائلة : –:" لاء وأنتى الصادقة بقيتى مريضة فى عقلك لما تبصى لأخو خطيبك" رمقتها ماهيتاب بنظرة مستاءة وقالت : –:" بقولك إيه مش كل لما أكلمك فى الموضوع ده تسمعينى الكلمتين دول " أشفقت شيرى على حالها فردت قائلة : –:" أنا بنصحك يا ماهى علشان ما ترجعيش تندمى" لم ترد جواباً على حديث صديقتها ، اذ سمعت صوت هاتفها يصدح بحقيبتها ، فاخرجته ووجدت المتصل مالك فتحت الهاتف وهى تقول بصوت ناعم : –:" هاى مالك اخبارك ايه" جاءها رد مالك قائلاً : –:" تمام عاملة ايه وحشتينى ، إيه رأيك نخرج نتعشى برا النهاردة سوا" مدت يدها تزيح شعرها عن جبهتها وهى تقول : –:" هو أنت فى الشركة دلوقتى" –:" ايوة وهخلص شغل وارجع البيت اغير هدومى ونخرج نتعشى اهو الواحد يرتاح من ضغط الشغل النهاردة أبيه رفيق مسافر وأنا الشغل كله على راسى أنا وأكمل" زاد فضولها فسألته بإلحاح : –:" ليه رفيق مسافر فين حصل حاجة" أجابها مالك قائلاً : –:" لا أبدا مفيش حاجة هو بس مسافر بلد كده هيشترى فيها أرض" أزدردت لعابها قبل أن تقول : –:" هيغيب كتير يا مالك علشان مش عيزاك ترهق نفسك بالشغل زيادة" رد مالك قائلاً بحب : –:" لاء المفروض بكرة إن شاء الله يكون هنا ، أنتى خايفة على تعبى يا ماهى" حاولت أن يخرج صوتها طبيعياً وهى تقول : –:" أكيد طبعاً لازم أخاف عليك يا مالك ، يلا باى بقى أشوفك بالليل " أجابها مالك بصوت متهدج : :" تسلميلى يا حبيبتى باى" أنهت المكالمة مع مالك ، فامتعضت بسبب عدم رؤيتها له اليوم ، فهتفت بغيظ : –:" نقيتى فيها يا شيرى أهو طلع مسافر يعنى مش هيشوفى بالفستان الجديد ده" سأمت صديقتها من قولها ، فجذبتها من مرفقها وهى تقول: –:" يلا يا ماهى خلينا نمشى ربنا يهديكى" حملت ماهيتاب الحقائب ،التى تحوى ما قامت بشراءه ، فهى لن ترتدى ذلك الثوب الا بحضوره ، لعل جمالها يذيب قلب ذلك الرجل البارد ، الذى كلما زاد بروده معها زادت رغبتها في التقرب منه ________________ بعد أن عاين الأرض ، واستحسن موقعها الجغرافى ، تم الاتفاق على السعر الحقيقي لها ، فقامت علية بدعوته لتناول الطعام معهم ، فجلس بهدوء عكس تلك الفتاة ، التى تجلس وهى تشعر أنها تجلس على فوهة بركان ، فهى عندما تتذكر ما فعلته بالطعام تبتسم ابتسامة ملتوية ، زينت ثغرها الفاتن بلمحة شيطانية ، فهى وضعت بطعامه العديد من التوابل الحارة وبكميات كبيرة ، ربما من سيتناول الطعام سيلقى حتفه من حرارتها فإبتسمت له علية وهى تقول : –:" أتفضل يا أبنى بالهنا والشفا أنت نورتنا النهاردة والله" بادلها رفيق الابتسام قائلاً: –:" تسلمى يا حاجة علية ، بس هو مفيش فندق هنا أبات فيه النهاردة " ضحك باسم قائلاً: –:" معندناش فنادق هنا" حك رفيق لحيته بتفكير وهو يقول : –:" طب وبعدين دلوقتى هبات النهاردة فين" لم تكبح جماح لسانها ، فهتفت ليان بسرعة : –:" ممكن أوى تنام فى الترعة مع دود البلهارسيا هترتاحوا مع بعض أوى وهتحبها" نظرت لها جدتها نظرة غاضبة من اندفاعها ورعونة حديثها ، فمنذ متى وهى تتصرف بتلك الوقاحة الزائدة ؟ فصاحت بها بتأنيب : –:" ليان إيه اللى أنتى بتقوليه دى" إبتسمت ليان بسخافة وقالت : –:" سورى مكنتش أقصد يا تيتة ، معلش يا أستاذ" نظر رفيق للطبق أمامه وهو يقول : –:" حصل خير يا أنسة" فكرت علية قليلاً ، ومن ثم قالت : –:" إحنا عندنا هنا استراحة ضيوف ممكن تبات فيها النهاردة يا أبنى أنت هتنورنا" إبتسم باسم قائلاً بترحيب : – :" اهلا بيك يا استاذ رفيق" خصه رفيق بإبتسامة هادئة وقال : –:" شكرا يا باسم كلك ذوق أنت والحاجة علية " أردف بكلماته وهو ينظر اليها ، وكأنه يخبرها انها تفتقر الى كيفية معاملة الاخرين بلباقة ،فرأته يحمل الملعقة محمولة بالطعام يضعها بفمه ، تنتظر ثورته وصراخه ، ولكنها رأته يبتلع طعامه بهدوء مخيف عقدت حاجبيها بدهشة ، فماذا يحدث ؟ كيف لا يشعر بشئ يحرق جوفه ؟هل وضعت له الطبق الخاطئ ؟ ولكنها رأت شقيقها وجدتها يأكلان بطريقة طبيعية ، فتناولت من طبقها لم تشعر بشئ فكيف حدث ذلك؟ تناول رفيق الطعام فشعر بجمر فى حلقه ، ولكنه علم أن ربما تلك الفتاة فعلت ذلك ، لأنها تريد إثارة غيظه ولكنه لن يجعلها تنال مرادها ويجعلها تشعر بالإنتصار فظل يبتلع الطعام بتأنى ، حتى وصل إلى الحد الذى لن يستطيع وضع ذلك الطعام بفمه مرة أخرى ، فيكفى تلك النيران التى باتت تحرق جوفه ومعدته فوضع الملعقة من يده وترك مقعده قائلاً: –:" الحمد لله شكرا يا حاجة علية ممكن بس أروح الاستراحة المشوار من القاهرة لبلدكم طويل وأنا مرهق شوية بعد إذنك" أماءت علية برأسها وهى تقول: –:" أه طبعاً يا أبنى أتفضل ، باسم روح معاه وصله" أمتثل باسم لقول جدته قائلاً : –:" حاضر يا تيتة أتفضل معايا يا أستاذ رفيق" ذهب رفيق مع باسم إلى تلك الحجرة ، التى يطلقون عليها " الإستراحة " فهو يريد الاختلاء بنفسه قليلاً ، ويريد بعض الماء ، فعندما وصل الى وجهته ، ولج للداخل وعاد باسم الى المنزل ، قام بخلع سترته من تلك الحرارة التى تملكته فقال بما يشبه الإحتضار : –:" ااااه يا ربنا نار نار اللى يخرب بيتها أكيد هى اللى عملت كده أنا هموت مش قادر" وجد زجاجة مياه ، فظل يرتشف منها حتى أنهاها ، و لكنها لم تكفى لإطفاء ذلك الحريق بجوفه ، فذهب إلى المرحاض الملحق بالغرفة و قام بغسل وجهه ، ظل ينفخ بقوة ، كأنه تنين على وشك اخراج النيران من فمه فسمع صوت طرقات على الباب ، فتح الباب والماء يقطر من وجهه ورأسه ، رأته ليان تعجبت من هيئته ، فقميصه أيضاً مبتل وملتصق به ، فكان صدره يعلو ويهبط من الغضب ، كأنه كان بسباق للركض فصاح بها غاضباً: –:" أفندم عايزة إيه تانى" ألتوى ثغرها وهى تقول بتأفف : –:" هعوز منك ايه يعنى إن شاء الله ، دى تيتة اللى قالتلى أجبلك العصير ده علشان تبلع الأكل اللى طفحته قصدى اللى أكلته" أنتفخت أوداجه ، وأهتاج صوته قائلاً: –:" وده حطالى فيه ايه كمان يا أنسة يا محترمة" فاتها ما يلمح إليه ، ليس سهوا ، ولكن أدعت هى الوداعة وهى تقول : –:" أنت قصدك ايه هحطلك إيه يعنى فى العصير أنت عايز تتبلى عليا وخلاص " رفع حاجبه الأيسر قائلاً بحنق بالغ : –:" قصدى ايه! قصدى على الشطة اللى كنتى حطهالى فى الأكل واللى كانت كفيلة تموتنى أنتى مجنونة" قالت ليان وهى ترمقه ببرود : –:" معلش الظاهر زودت التوابل شوية أصل إحنا بنحب الأكل حراق شوية بس باين عليك فافى اوى ومدلع ومبتحبش الحراق" كز رفيق على أسنانه قائلاً بغيظ: –:" وهو اللى أنتى حطاه فى الأكل ده اسمها توابل دا أنتى ممكن تموتى حد بالطريقة دى" مطت ليان شفتيها بعدم إكتراث قائلة : –:" بس أنت ماموتش ولا حاجة ووافق قدامى كويس أهو زى الحيطة ماشاء الله " شد رفيق على شعره قليلاً ، وهو يرى من فاقته برودة فقال : –:" أنتى عارفة أنا طول عمرى أسمع عن الفلاحين أنهم ناس يعرفوا الذوق والاصول والكرم وأنتى بسم الله ماشاء الله شوهتيلى الصورة دى بقلة أدبك وتصرفاتك الطفولية دى يا آنسة" إهتاجت ليان من نعته لها ، فصاحت بوجهه : –:" انا قليلة الأدب! احترم نفسك يا استاذ انت وبلاش غلط انا متربية أحسن تربية ، وأحسن من تربيتك أنت كمان" عقد ذراعيه قائلاً بإستخفاف : –:" مش باين والله ، بس معذورة لأن أنا عرفت أن باباكى اتوفى من زمان " قالت ليان وهى ترفع سبابتها بوجهه ، والدموع بدأت تتجمع بعينيها : –:" أنت ملكش دعوة متربية ولا لاء ماشى خليك فى حالك أحسن" –:" أنتى عارفة لو أنا ليا حق أضربك مش بعيد كنت ضربتك علقة ترقدك أسبوع فى سريرك عقاباً على طولة لسانك دى ، يا إما كنت قطعتلك لسانك ده خالص " قال رفيق عبارته بغيظ ، ومازالت عيناها ترمقه بكره خالص فردت قائلة : –:" ضربة فى إيدك وفى قلبك كمان بقى أنت تضربنى دا أنا كنت كسرتلك إيدك" فاض الغضب بعينيه ، وعندما هم بالإقتراب منها وهو يقول : –:" اه يا ... ولكنه لم يكمل جملته ، اذ سمعا صوت باسم ينادى ليان بصوت عالى و بخوف أيضاً فصاح باسم وهو يقف أمام باب المنزل : –:" ليان ليان ألحقينى تيتة أغمى عليها" ركضت ليان الى المنزل يتبعها رفيق ، فدلفا للداخل ووجدا علية مغشيا عليها على الأرض ، فأقتربت ليان منها تحاول إفاقتها بدون فائدة فبكت ليان وهى تناديها : –:" تيتة تيتة فوقى مالك يا تيتة ردى عليا" جثى رفيق على ركبتيه بجانبها ، فتحسس حرارة علية ، وجد جسدها بارداً كالموتى ، فقال بخوف : –:" إحنا لازم نوديها المستشفى بسرعة " ١٢–" رغمًا عنه " بدون انتظار كلمة منهما ، قام رفيق بحمل علية ، وذهب سريعاً الى سيارته ، وضعها بالمقعد الخلفى وجلست ليان بجانبها ، بينما جلس باسم بجواره بالمقعد الأمامى ، فذهب سريعاً إلى المشفى حسبما أخبره باسم بكيفية الوصول إليها ، وصلوا الى المشفى ، فركض رفيق للداخل ، وماهى إلا دقيقتين حتى خرج برفقة إثنان من الممرضين ، يجران سريراً متحركاً خاص بالمشفى ،فأسرعوا بأخذها الى احدى غرف المشفى ، وقام الطبيب المختص بفحصها ، وهى مازالت غائبة عن الوعى ، وليان تبكى بقهر يحتضنها أخيها باسم فتقدم رفيق من الطبيب قائلاً : –:" هى مالها يا دكتور فى إيه" إلتفت له الطبيب ، ونظر له بإستغراب وقال : –:" هو مين حضرتك أنت قريب الحاجة علية" أماء رفيق برأسه وهو يقول: –:" حاجة زى كده يا دكتور هى مالها طمنى" جذبه الطبيب من مرفقه بعيداً عن ليان وشقيقها قائلاً بأسف : –:" هى الصراحة حالتها حرجة جداً وصعبة وأنا حذرتها كتير إحنا مضطرين ندخلها العناية المركزة" شعر رفيق بالقلق من قول الطبيب ، ولكنه لم يستطع سوى أن يقول : –:" حضرتك شوف ايه المناسب لها والأصلح واعمله ولو محتاجة أنقلها مستشفى تانية فى القاهرة أنا مستعد" حرك الطبيب رأسه قائلاً : –:" للأسف مش هيفيد نقلها لمستشفى تانية بحاجة ، ربنا يشفيها إن شاء الله" بعد ذهاب الطبيب ، أقتربت منه ليان وعيناها باكية ، تريد معرفة ماذا أخبره الطبيب بشأن جدتها فمسحت عيناها وهى تقول: –:" هو الدكتور خدك على جمب كده وقالك ايه" زفر رفيق قائلاً بهدوء محاولة منه أن يطمأنها لعلها تكف عن البكاء: –:" مفيش حاجة متقلقيش إن شاء الله خير" لم تكتفى منه بذلك القول ، فهى تشعر بوجود شئ أخر ، فهتفت به بغيظ وصياح : –:" بقولك قالك إيه ومتحاولش تضحك عليا ، أنا أعصابى مش مستحملة رد عليا" أكتسح الغضب ما تبقى لديه من مقدرة على أن يضبط أعصابه ، فصاح بوجهها غاضباً: –:" وطى صوتك واحترمى نفسك بقى هو أنتى فى إيه ولا إيه أنا مش فاضى لقلة أدبك دى دلوقتى " تقدم باسم منهما ، وطوق كتف شقيقته يجذبها إليه ، فنظر لرفيق بحزن قائلاً : –:" معلش يا أستاذ رفيق قولنا هى تيتة مالها" أشفق رفيق على حالته ، فأخفض وجهه وهو يقول بقلة حيلة: –:" جدتك محتاجة تدخل العناية المركزة علشان تعبانة يا باسم" رمقته بإمتعاض وهى تقول : –:" ومقولتش ليه كده على طول لما سألتك" لم يحتمل سماع كلمة أخرى منها ، فمن الأفضل لها أن تصمت ، فهو لا يعلم ما يمكن أن يفعله بها بهذا الوقت العصيب ، لكنه أتخذ الحذر وسيلة له ، لعلها تكف عن أقوالها وأفعالها فرفع سبابته بوجهها آمراً: –:" بقولك إيه أنتى اخرصى خالص ومسمعش صوتك ده نهائى أنتى فاهمة ، أنا على أخرى منك ، وكلمة كمان صدقينى هيبقى ردى المرة دى مش هيعجبك فأحسن ليكى تتجنبينى خالص مفهوم وأقعدى مكانك وأسكتى" تفوه بكلماته فحوت تهديداً ووعيداً وغيظ وغضب من تصرفاتها الحمقاء والطفولية ، فهذا ليس وقت مناسب لتلك التفاهات منها ، فأرتعدت ليان من صوته الصارخ بها وأزدردت لعابها وعجزت عن الرد خوفاً منه ، بل بحثت عن مكان لتجلس به بعيداً عنه تم وضع علية بغرفة العناية الفائقة ، فظل رفيق جالساً على أحد المقاعد بجواره باسم ، وليان تجلس بعيداً عنهما خرج الطبيب من غرفة العناية الفائقة ، فهب رفيق واقفاً وهو يقول متسائلاً: –:" هى عاملة إيه دلوقتى يا دكتور" رد الطبيب قائلاً : –:" الحمد لله فاقت بس هو حضرتك رفيق" أماء رفيق برأسه وهو يقول: – :" ايوة انا حضرتك بتسأل ليه" أشار الطبيب بيده له بالدخول قائلاً : –:" علشان الحاجة علية عايزة تشوفك" قطب رفيق حاجبيه قائلاً بغرابة: –:" تشوفنى انا ولا قصد حضرتك أنها عايزة تشوف احفادها" نفى الطبيب ما قاله ، فأجابه بهدوء : –:" لاء هى عايزة تشوفك أنت قبلهم" لم ينتظر رفيق ثانية أخرى ، فدلف الى غرفة العناية الفائقة ، وجلس على مقعد بجوار السرير ، فوجدها تبتسم له بوهن فتبسم لها هو الأخر قائلاً: –:" أيوة يا حاجة علية كنتى عايزة تشوفينى خير" ربتت علية على يده المستندة على حافة الفراش وهى تقول: –:" خير يا ابنى ان شاء الله" رفع رفيق يده الأخرى ، ووضعها على يدها ، وشد عليها برفق وقال : –:" حضرتك عايزة حاجة اؤمرى أنا تحت أمرك" قبضت علية على كف يده وهى تقول بصوت خافت : –:" الأمر لله يا بنى أنا عايزة اقولك على سر بس مش عايزة حد يعرفه ولا حتى ليان وباسم " شب القلق بقلبه إلا أنه أستطاع القول : –:" أتفضلى يا حاجة علية قولى" أنصت إليها باهتمام شديد ، لمعرفة ماذا تريد ان تخبره بهذا الوقت العصيب ؟ وبذات الوقت كانت ليان تسير بممر المشفى ، متعجبة من رغبة جدتها فى رؤية رفيق بمفرده فماذا يحدث يا ترى وهى لا تعلم؟ ______________ بعد أن أنتهى من عمله ،خرج من مكتبه ، وقد نسى تماماً انه يصطحب طفلته معه ، من كثرة العمل ، فخرج يبحث عنها رأى نسرين فأقترب منها متسائلاً: –:" نسرين فين كنزى راحت فين" تبسمت نسرين قائلة : –:" مع الباشمهندسة سارة قاعدة معاها" –:" أه ماشى شكرا يا نسرين" ذهب أكمل إليهما ، ووقف أمام الباب ينظر اليهما بابتسامة ، وهو يرى سارة واضعة كنزى امامها على المكتب ، وتنهى عملها بذات الوقت ، ولكن تشاكسها كنزى من وقت لأخر فتبتسم لها شدت كنزى القلم من يدها وهى تقول : –:" سارة كفاية عايزة العب" أخذته منها سارة ثانية وقالت بإبتسامة : –:" اخلص بس الورق ده ونكمل لعب علشان بابى ما يزعلش" قالت الصغيرة وهى تهز ساقيها : –:" ماشى بس بسرعة" ولكن لمحت الصغيرة والدها ، يقف على عتبة الباب ، فركضت إليه ، فأنحنى إليها وحملها عن الأرض ، فقالت الصغيرة بحماس : –:" بابى مش انا بقى عندى صاحبة جديدة هى دى اسمها سارة" أستقامت سارة بوقفتها وهى تقول بحرج : –:" انا اسفة يا مستر أكمل لو كنت خليتها قعدت معايا الوقت ده كله" تبسم لها أكمل قائلاً: –:" بتتأسفى على ايه انا اللى المفروض اشكرك على انك اخدتى بالك منها" نظرت سارة للصغيرة المتعلقة بعنق والدها وهى تقول: –:" هى الصراحة كنزى عسولة وتتحب بسرعة ربنا يباركلك فيها" قال أكمل بابتسامة: –" شكراً يا سارة المفروض تروحى الوقت اتأخر" وضعت سارة ما بيدها ، وأخذت حقيبتها تضعها على كتفها وقالت: –:" انا كنت مستنية أخلص ورق الشغل وكمان حضرتك علشان تاخد كنزى عن اذنكم" رد أكمل بهدوء : –:" اتفضلى مع السلامة" لوح سارة بيدها للصغيرة قائلة : –:" الله يسلمك باى يا كنزى" لوحت كنزى لها وهى تبتسم : –:" باى يا سارة ابقى تعالى بكرة علشان نلعب سوا" أفلتت ضحكة قصيرة من سارة وقالت : –:" حاضر يا كنزى ان شاء الله" أخذت حقيبتها وخرجت من الغرفة ، يتبع أثرها بابتسامة ونظرة شاردة لم ينتبه الا على جذب طفلته لوجهه لتجعله ينظر لها وهى تقول: –:" بابى يلا بينا علشان نروح" قبلها أكمل على وجنتها قائلاً بحب : –:" يلا يا روح بابى " أخذ طفلته وخرج من الشركة ، وهو يتمنى أن لا يعود إلى ذلك المنزل ، الذى تقطنه تلك المرأة المدعوة زوجته لاحظ وقوف سارة أمام الشركة تحاول ايقاف سيارة اجرة ولكنها لم تفلح بذلك فاقترب منها متسائلاً: –:"فى حاجة يا أنسة سارة" أرتعدت سارة بعد سماع صوته ، فهى لم تلاحظ إقترابه منها ، فأبتلعت ريقها قائلة: –:" لا ابدا يا مستر أكمل مفيش حاجة" نظر أكمل للطريق قائلاً: –:" شكلك مش لاقية مواصلات تعالى معانا هنوصلك" رفضت سارة عرضه لها وهى تقول: –:" لاء شكرا لحضرتك اتفضل انت متشغلش بالك" تعلقت الصغيرة بيدها قائلة : –:" تعالى يا سارة بابى العربية بتاعتة كبيرة" وقامت بسحبها من يدها الى السيارة ، حتى أنها فتحت باب السيارة لتدخل اليها ، فجلست سارة فى الخلف وبجوارها الطفلة فجلس أكمل خلف المقود قائلاً : –:" انتى ساكنة فين يا سارة" شعرت سارة بحرج طفيف وهى تقول: –:" أنا ساكنة فى السيدة زينب" –:" تمام" قاد أكمل سيارته ، وهى تشعر بالحرج منه ، ولكنها حاولت تخفيف خجلها وتوترها ، بمداعبة الصغيرة ، عندما وصلوا الى وجهتهم رفضت الصغيرة ترك سارة ولكن ألح عليها أكمل قائلاً : –:" يلا يا كنزى يا حبيبتى" رفضت الصغيرة الإنصات إليه وهى تقول: –:" لاء يا بابى خلينى مع سارة شوية بس" نهرها أكمل بلطف قائلاً: –:" حبيبتى مينفعش كده أسمعى الكلام" رمقته الصغيرة بإستجداء : –:" علشان خاطرى يا بابى " رأت سارة تعلق الصغيرة بها ، فلم تجد مفر من العرض عليهما الصعود معها ، فقالت بحرج شديد : –:" طب اتفضلوا اشربوا حاجة وبعدين امشوا" بسبب اصرار الصغيرة على مرافقة سارة ، وافق أكمل على الصعود معهما ، ولكن شعرت سارة بالحرج من المكان الذى تعيش به ، فحتما تلك الغرفة التى تسكنها لا تشبه بشئ منزله الفخم فقالت سارة بغصة: –:" آسفة هو المكان مش قد المقام" تبسم لها أكمل وهو يقول: :" لا أبداً متقوليش كده" قامت سارة بطرق باب الغرفة ، ففتحت والدتها بابتسامة ، فتعجبت من وجود رجل وطفلة مع ابنتها فقبل أن تقول شيئاً ، أسرعت سارة قائلة : –:" ماما ده الأستاذ أكمل صاحب الشركة اللى بشتغل فيها ودى بنته" على الرغم من عدم فهمها لسبب وجود رب عمل إبنتها هنا ، ولكنها لم تجد مفر من الترحيب به هو والصغيرة ، فدعتهما للدخول قائلة: –:" اهلا وسهلا اتفضلوا نورتونا ولو ان المكان مش من مقامكم" ولج أكمل لداخل الغرفة وهو يقول : –:" متقوليش كده المكان منور بيكم" لايعرف كم الراحة التى شعر بها ، فى تلك الغرفة البسيطة ، فهى تحوى دفء وحب لا يوجد بمنزله الفخم ، رآى أيضاً سعادة طفلته ووالدة سارة تحدثها قامت سارة بتحضير العشاء ،وقلبها يكاد يقفز من صدرها من شدة دقاته ، وهو موجود فى المكان ، فحاولت أن تنهر نفسها عن التمادى فى مشاعرها نحوه أكثر من ذلك فوضعت الطعام الذى أوصت عليه والدتها ، بعد إصرارها على أن يأخذوا واجب الضيافة كاملاً جلسوا لتناول الطعام ، ولدهشتها وجدته يأكل معهم بعفوية وليس بطريقة متأنفة ، كما ترى بعض الاغنياء يفعلوا ، حتى الصغيرة أيضاً اكلت حتى غلبها النعاس زفر أكمل بإرتياح من شعوره بالإمتلاء ، فنظر لوالدة سارة قائلاً بإمتنان : –:" انا متشكر جدا على الأكل الجميل ده" تبسمت له وهى تقول : –:" ألف هنا وشفا ودى حاجة مش قد المقام يا ابنى" نفض أكمل يده وهو يقول : –:" والله حضرتك انا مكلتش اكل بالطعامة والحلاوة دى من يوم امى الله يرحمها ما اتوفت" ردت سارة قائلة : –:" الله يرحمها حضرتك الشاى بتاعك ايه" أجابها أكمل وهو ينظر لصغيرته الغافية بجواره : –:" خفيف معلقة سكر واحدة" ذهبت سارة لإعداد الشاى ، فنظرت له والدتها ، فأعاد ترحيبها له للمرة التى لا تعلمها ، فهى لا تجد ما تقوله : –:" منور يا أستاذ أكمل الدنيا زاد نورها" –:" تسلمى يارب" قالها أكمل بهدوء ، فبعد الانتهاء من جلسته معهما ، حمل صغيرته بين ذراعيه ، وهو يشعر أنه يريد أن يظل هنا هو وابنته الى الأبد ، ولكنه عاد إلى واقعه ، بأنه يجب أن يعود الى منزله أو إلى جحيمه إذا صح القول _______________ اليوم التالى مساءاً يسير رفيق بحديقة المنزل شارداً ، يفكر فيما حدث ، وبذلك الأمر الذى أخبرته به علية ، فتلك هى المرة الأولى ، التى يشعر بها أنه عاجزاً عن التفكير ، وجد طاولة صغيرة ، فسحب أحد مقاعدها وجلس يفكر ماذا يفعل هو الآن ؟ ولكنه لمح خروج ليان هى الأخرى ، أنتظر أن تقترب من مجلسه ، ولكن عندما وقع بصرها عليه ، فضلت الجلوس بمكان أخر ، فيكفى ما هى به ؟ فهى لا تريد أن تتشاجر معه ، ولكن عيناه ظلت تتبع أثرها ، حتى رأها تجلس بالقرب من إحدى الشجيرات الصغيرة فأستند بمرفقيه على الطاولة ، وأستند بذقنه على كفيه المضمومين ، وهو مازال ينظر بإتجاهها ، فربما هى تلك المرة الأولى التى يمعن النظر بها ، فهى حقاً جميلة ، وربما جاذبيتها قادرة على جذبه إليها ، فأنتفض جسده من تلك الخاطرة ، فكيف له التفكير بهذا الأمر ، فهل فتاة مثلها ، ربما تركت طفولتها من وقت قريب ، هى من ستجعله يتخلى عن بروده من أجلها ؟ ربما هو معتوه ، أو أصاب عقله شئ من الجنون ، ولكن هاتان العينان ، لهما تأثير الخمر على الحواس ، فكم يرغب أن ينهل من خمر عينيها حتى يشعر قلبه بالثمالة ، ولكن عندما وجد افكاره تجرفه إلى ما لم يشعر به منذ سنوات طوال ، هب واقفاً وذهب سريعاً إلى تلك الغرفة التى يقطنها حالياً بحديقة المنزل ، فهذا أفضل له فبعد مرور ثلاثة أيام . ..لم يستطيع بها رفيق العودة الى منزله ، هاتف والدته وأخبرها بحدوث أمر طارئ ، سيتسبب فى تأخير عودته للقاهرة ، فكل يوم يصطحبها هى وأخيها الى المشفى ، فما حدث بالثلاثة أيام الماضية ، جعل عالمه ينقلب رأساً علي عقب جلست ليان فى السيارة ، لا تنطق بكلمة واحدة ،تستند على زجاج النافذة وهى تنظر بشرود الى الطريق ، فحياتها ربما ستتخذ منحنى أشد خطورة ، إذا حدث ما جعل قلبها يرجف من الخوف ، وهو أن ترحل جدتها عن عالمها ، فماجد ووالده لا يعلمان بما حدث ، فهما عادا للقاهرة لقضاء أمر هام ، بعدما أخبر محسن علية بشأن المشترى وصلوا الى المشفى ، فدلفت ليان إلى غرف جدتها وجلست بجوارها ،فابتسمت لها تشد بيدها على كفها : –:" عاملة ايه يا تيتة النهاردة" ردت علية بصوت واهن : –:" الحمد لله نحمد ربنا متزعليش منى يا ليان على اللى حصل" حاولت ليان الإبتسام من بين دموعها التى ملأت مقلتيها وهى تقول: –:" مش زعلانة منك يا تيتة المهم دلوقتى تقومى بالسلامة" تلاحمت أصابع علية بأصابع ليان وهى تقول بأنفاس متتابعة : –:" خلى بالك من نفسك ومن أخوكى هو باسم فين هو ورفيق" مسحت ليان تلك الدمعة التى أنزلقت من عيناها وهى تقول : –:" واقفين برا يا تيتة" أخذت علية نفساً عميقاً وقالت: –:" نادى عليهم عايزة اشوفهم يا ليان" خرجت ليان من الغرفة ، وأخبرتهما برغبة جدتها برؤيتهما فى الحال ، فدلف رفيق الى الغرفة يتبعه باسم فابتسمت لهما علية وهى تشير لهما بالإقتراب : –:" خلى بالك من نفسك ياباسم ومن ليان وانت يا ابنى خلى بالك منهم دول أمانة فى رقبتك" ربت رفيق على يدها وهو يقول : –:" إن شاء الله يا حاجة علية بس متتعبيش نفسك بالكلام ارتاحى أنتى" طافت نظراتها فى وجوههم وكأنها تودعهم ، وأغمضت عينيها بابتسامة ، وهى تنطق الشهادتين ، ترحل من هذا العالم بهدوء فزعت ليان واقتربت منها تهز جسدها بقوة وهى تقول بصوت نائح : –:" تيتة تيتة اصحى بالله عليكى تيتة ردى عليا" أيقن رفيق انها فارقت الحياة ، فقام بسحب ليان ، حتى تكف عن تحريك جسد جدتها الراحلة ، فلا جدوى مما تفعله ، ولكنه وجد نفسه يحتويها بين ذراعيه يحاول تهدئتها فهمس قريباً من أذنها وهو يشعر بالحزن أيضاً : –:" اهدى البقاء لله مينفعش اللى بتعمليه ده ربنا يرحمها" ظلت شهقاتها تعلو أكثر فأكثر ، وهى تنتحب على صدره و تنعى جدتها الراحلة ، وكأن شهقاتها ستخترق صدره وضلوعه فشدد من ضغط ساعديه عليها حتى تهدأ ولو ... قليلاً لم يكن باسم حاله يفرق عن حال شقيقته ، فهو يبكى أيضاً على فراق جدته الغالية ، حاول رفيق تهدئته هو الآخر فجذبه إليه بذلك الوقت كان يقف على عتبة باب الغرفة ، كل من محسن وابنه ماجد بعد مجيئهما للمشفى لرؤية علية بعدما علما بما حدث لها ، فماجد الذى عندما رأى ليان بأحضان ذلك الرجل وهى واضعة رأسها على صدره وتلف ذراعيها حول خصره ، فى حين أنه هو الأخر يطوقها بأحد ذراعيه والذراع الأخر يطوق به باسم ، اشتعل بداخله بركان من الغضب والغيرة فكيف له ولها أن يحتضنا بعضهما البعض هكذا ؟ فتقدم منهم محسن قائلاً : –:" فى ايه يا ولاد'' رفع باسم وجهه وهو يبكى قائلاً : –:" تيتة ماتت يا عمو محسن" شعر محسن بالحزن والأسف لما سمعه ، فرد قائلاً : –:" لا حول ولا قوة الا بالله ان لله وان اليه راجعون" تقدم ماجد هو الأخر ، وعيناه ترصد ليان ، التى أطرقت برأسها أرضاً وتبكى بحسرة بعدما حلت ذراعيها عن جسد رفيق ، الذى أتخذت من صدره مأوى لعبراتها التى بللت قميصه فنظر لرفيق قائلاً : –:" البقاء لله هو انت مين حضرتك" قبل أن يقول رفيق شيئاً ، رد محسن قائلاً : –:" هو حضرتك اللى كنت جاى علشان تشترى الأرض" أماء رفيق برأسه قائلاً : –:" أيوة أنا رفيق رسلان" لم تكن تعى ما يجرى حولها ، فعالمها قد انهار بموت جدتها حتى أنها لم تعى ، كيف تم تجهيز جدتها لمأواها الأخير؟ فكل ما تراه كأنها أطياف واشباح بثياب سوداء وجدت والدتها قادمة إليها ، فهى حضرت هى وزوجها بعد علمهما بموت علية ، فهما الآن ليس لديهما سواها فأقتربت إلهام من إبنتها تطوقها بذراعيها وهى تقول : –:" حبيبتى البقاء لله شدى حيلك" أنسلت ليان من بين ذراعيها وهى تقول ببرود وجمود : –:" ونعم بالله" ربتت إلهام على وجنة إبنتها بلطف ولين قائلة : –:" أنا لما عرفت اللى حصل لجدتك جيت انا وعمك فاروق على طول يا حبيبتى علشان متبقيش أنتى وباسم لوحدكم" ردت ليان بسخرية أمتزجت بدموعها : –:" فيكم الخير والله بس مكنش ليه لزوم تتعبوا نفسكم وتيجوا" عادت ليان تجلس بصمت تستمع الى صوت القرأن الكريم ، شعرت إلهام بالحرج من قول إبنتها ، ولكن ذلك لم يمنعها من الجلوس بجانبها ، فأغمضت ليان عينيها ، وهى تشعر بإنسياب دموعها على وجنتيها ، أستمعت لكلمات المواساة من هؤلاء النسوة ، اللواتى جئن لمواستها فى مصيبتها ، ولكنها فى عالم اخر ، عالم خاوى من الدفء والحنان اللذان كانت تشعر بهما فى صوت جدتها بالعزاء الخاص بالرجال ، كان رفيق يقف يتلقى العزاء هو وباسم ، وبجوارهما محسن وماجد ، وجميع الحاضرين لا يعرفون من يكون هذا الشاب ؟ الذى امتعض من وجوده ماجد ،وخاصة عندما رأه يحتضن ليان ، فهو لم يجد الوقت المناسب على محاسبتها على فعلتها تلك فمال برأسه لوالده وقال بصوت منخفض: –:" بابا هو اللى اسمه رفيق ده واقف ياخد العزا معانا ليه" مطت محسن شفتيه قائلاً : –:" مش عارف جايز علشان هى اتوفت وملهاش غير ابن ابنها وهو صغير فواقف جمبه" اصطكت أسنان ماجد وهو يقول : –:" بس ازاى هو يستنى معاهم كده ميصحش ومينفعش" شد محسن على ذراعه ، لكى يكف عما يقول ، حتى لا ينتبه عليه أحد : –:" أنا شوفت أمها وجوزها جم العزا هم مش لوحدهم ووطى صوتك لحد يسمعك يا ماجد" أتسعت طاقتى أنف ماجد من الغيظ فقال : –:" برضه إحنا منعرفش مين ده بعد العزا نشوف مصير ليان وباسم ايه" أجابه والده بهدوء : –:" إحنا ملناش ندخل فى حياتهم يا ابنى أمهم لسه موجودة ومينفعش نتكلم فى الموضوع ده دلوقتى" لم يتروى ماجد قبل أن يقول بحدة : –:" لاء لينا متنساش انهم ولاد اعز اصحابك وانت بتحبهم ومترضاش ليان تقعد مع واحد غريب ثم أنت مش قولتلى أنك موافق أتجوز ليان الصراحة أنا مش طايق اللى اسمه رفيق ده بعد اللى شوفته فى المستشفى" حدجه والده بنظرة غاضبة فرد قائلاً بصوت منخفض : –:" بعد العزا نشوف الكلام ده ثم هو ده وقت غيرتك العميا يا ماجد أنت شكلك أتجننت النهاردة" فلو كان بيده ، كان وقف أمام رفيق الآن ، يسأله لماذا ظل هنا ولم يرحل ؟ فهو يريد منه الابتعاد عن ليان وحسب جلس فاروق يشعر بسعادة غامرة ، بالرغم من أنه يرسم على وجهه علامات الحزن الزائف ، ولما لا يشعر بالسعادة وحلمه أصبح على وشك التحقيق فبموت تلك المرأة لم يتبقى لتلك الفتاة سواهما ، فهو أصبح قاب قوسين أو أدنى من تحقيق مراده تلك المرة يشعر بإنتشاء يسرى بعروقه ، بعدما علم أنه تم وضع علية بين طيات الثرى ، وها هو الآن ، يجلس بالعزاء الخاص بها ، كمن ظفر بربح وفير فهمس لذاته ، حريص على ألا تتحرك شفتاه ويسمع أحد ما يقوله : –:" أخيراً الولية القرشانة دى ماتت ، دى كانت كاتمة على نفسى بس اهى غارت ودلوقتى ليان مبقاش ليها غيرنا يا فرحتك يا فاروق ، هتاخد الفرخة اللى هتبيض دهب " لو لم يكن هذا عزاء ، ربما لرقص فرحاً لتفكيره فى مستقبله الوردى ، الذى ستكفله له تلك الفتاة من جمالها وصوتها الخلاب بعد أن أنصرف آخر فرد فى العزاء ، دلف محسن وباسم وماجد وفاروق إلى المنزل ، كانت ليان تجلس برفقة أمها بعد انصراف النساء ، فلمحت دلوف رفيق متأخراً عنهم ، فهو كان يقوم بدفع تكاليف العزاء ، بعدما أصر على محسن بأنه هو من سيتكفل بالأمر ، فولج يحمل سترته على ذراعه بهيبة وسطوة ونظرة مخيفة ثاقبة ، جعلتها تزدرد لعابها فهمست بخوف : – أسترها يا رب رأته يلج المنزل ، فشعرت بذلك الفيضان الأعمى من الكره ، يتدفق بداخل قلبها ، وجدت نفسها تهب واقفة ، تريد الذهاب إلى غرفتها ، ولكن أوقفها صوت أمها ، وهى تناديها من أجل تناول شئ من الطعام ، الذى زهدت به منذ الصباح الباكر فأقتربت منها إلهام تربت على كتفها وقالت: – تعالى كلى لقمة يا حبيبتى أنتى من صباحية ربنا ما أكلتيش حاجة يلا أنا حضرت العشا – مليش نفس ومش عايزة أكل قالتها ليان وهمت بالذهاب لغرفتها ، فجذبها باسم من يدها ، فهو يعلم ما تشعر به ، ولكن يجب عليها أن تتناول طعامها فنظر إليها برجاء : – علشان خاطرى أنا يا ليان لازم تاكلى لم تخيب رجاءه لها ، فجلست على المائدة بجواره ، فى هذا الوقت بدأت إلهام بوضع أطباق الطعام على المائدة ، جلس رفيق مقابل لها يجلس بجواره محسن وماجد وعلى رأس المائدة جلس فاروق ، إلا أن شهية ليان شبه مفقودة ، فوضعت من الطعام القليل بفمها ، وكلما رفعت رأسها تصطدم عيناها بوجه رفيق ، فهو يتناول طعامه بهدوء مميت ، فظلت ليان خائفة لمدة زادت عن الخمسة عشرة دقيقة ، وهى جالسة وترى الجميع يحدق بها ، فأرادت الفرار إلى غرفتها فنهضت عن المائدة وهى تقول بخفوت : – الحمد لله شبعت نظر لها فاروق وهو يقول : –:" جهزوا حاجتكم يا ليان انتى واخوكى علشان تيجوا معانا بكرة على بيتنا فى القاهرة" قالت ليان بجمود : –:" أنا تعبانة وعايزة أنام ومش عايزة اتكلم مع حد خالص ثم مش همشى من البيت إلا بعد أيام العزا ما تخلص " انهت حديثها وذهبت لغرفتها، تريد أن ترتاح قليلا من هذا الالم ، الذي تشعر به يفتت قلبها بلوعة الفراق ، فراق جدتها الحبيبة وجدت نفسها تنفجر بالبكاء ثانية ، تحاول كتم صوتها بوسادتها حتى لا يسمعها احد من الجالسين بالخارج نهض رفيق عن مقعده هو الاخر قائلاً: –:" عن اذنكم علشان أرتاح شوية علشان لأن أنا مرهق جدا" أسرع ماجد بالقول ، بما يشبه الهجوم : –:" وحضرتك هتنام فين بقى" نهض باسم هو الآخر وقال بهدوء : –:" هو بينام فى الاستراحة اللى فى الجنينة برا " قام محسن من مكانه ، فربت على كتف رفيق قائلاً بإمتنان: –:" تشكر يا أبنى على وقفتك معاهم" رد رفيق قائلاً بهدوء : –:" لا شكر على واجب عن اذنكم" خرج رفيق من المنزل ، تتبعه عيون ذلك الشاب ، الذى لم يستساغ وجوده هنا ، فهو يشعر بخطر قريب ولا يعرف سبباً لذلك ، غير أنه لم يأمن جانب وجود رفيق قريباً من ليان ، فشتان بينهما ، فإن كان ماجد مازال يافعاً وبمقتبل عمره ، فرفيق رجل بإمكانه جذب الأنظار إليه ، بدون بذل أى مجهود يذكر ، وأولاً وأخيراً ليان مازالت بطور نضوجها العقلى والجسدى والعاطفى ، حتى وإن شعر بميلها نحوه ، فهو لا يعلم ما يمكن أن يحدث بعد ذلك ، شعر بالضيق من تفكيره ، فهى لن ترى هذا الرجل المدعو رفيق ثانية ، فالظروف هى من جعلتها تقابله ، وبعدما ينتهى الأمر ، سيعود كل شئ لما كان عليه سابقاً ، فلا حاجة له لكثرة التفكير _____________ تملكها الملل والفتور لغياب أخيها عن المنزل ، منذ عدة أيام ، فهى غير معتادة على فراقه هكذا ، تشعر كأن والدها قد تركها وحيدة ، تشتاق لرؤياه ودلاله لها ، حتى وإن كانت جالسة برفقة والدتها وشقيقها الثانى ، فهى تشعر بالحزن لعدم وجود شقيقها الأكبر فنفخت رهف بضيق وقالت: –:" أوووف وبعدين بقى هو ابيه رفيق مش ناوى يرجع هو عجبته القاعدة هناك أنا هطق" أزاحت منى يدها من على وجنتها وهى تقول: –:" بيقول عنده شغل مهم يا رهف وبطلى زن بقى من ساعة ما رفيق سافر وأنتى مش مبطلة وجعتى دماغى من كتر الزن" تجهمت ملامح وجه رهف وهى تقول: –:" شغل ايه ده اللى يخليه يقعد برا البيت كل ده دا لو بيشترى البلد اللى رايحها كلها كان زمانه رجع انا مش داخل دماغى الكلام ده" رفع مالك حاجبه قائلا بغرابة : –:" أنتى عاملة كده ليه يا رهف زى ما تكون واحدة وجوزها سابها ومستحلفاله لما يرجع ايه الأوفر بتاعك ده ثم أنا مش مالى عينك" تطلعت إليه رهف بوجه شابه الحزن وقالت : –:" بطل هزارك ده بقى يا مالك انت عارف ابيه رفيق يبقى ايه بالنسبة ليا دا أبويا وأخويا وكل حاجة وانت كمان حبيبى يا مالك بس أبيه رفيق حاجة تانية" تقبل مالك قولها برحابة صدر وقال : –:" عارف يارهف وهو برضه غالى عليا أوى ووحشنى انا كمان والله اليومين دول واحشنى دلق الماية عليا الصبح حاسس كأنك فى حاجة نقصانى" تبسمت منى وقالت بحنان وحب : –:" ربنا يباركلنا فيه ويرجع بالسلامة ان شاء الله" أمن على دعاءها كل من رهف ومالك ، فنهضت رهف من مكانها وهى تقول: –:" أنا طالعة بقى أنام تصبحوا على خير" أقتربت من والدتها وقبلتها على وجنتها وكذلك شقيقها مالك ، فصعدت الى غرفتها ،ففكرت فى الاتصال بليان للاطمئنان على أحوالها ، فهى لم تحدثها منذ أن أصابها الملل والحزن لسفر شقيقها رفيق ، فهى هكذا إذا شعرت بالحزن ، تعتزل الجميع حولها اخرجت هاتفها من جيبها قام بالاتصال عليها ، فجاءها الرد من ليان ، فأسرعت رهف قائلة : –:" ايوة يا ليان اخبارك ايه وحشانى اوى معلش أنشغلت عنك اليومين اللى فاتوا أخبارك ايه" ردت ليان بحزن وغصة : –:" وانتى كمان يارهف متصدقيش وحشانى قد ايه ومحتجالك دلوقتى" قالت رهف بقلق من رنة صوتها : –:" مال صوتك يا ليان باين عليكى حزينة اوى حصل حاجة يا حبيبتى طمنينى عليكى" أنفجرت ليان باكية وقالت : –:" تيتة اتوفت يا رهف ماتت وسبتنى لوحدى أنا وباسم" فزعت رهف من قول ليان فردت قائلة بحزن هى الأخرى : –:" لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم شدى حيلك يا حبيبتى البقاء لله" ردت ليان قائلة: –:" ونعم بالله" –:" والله لو اعرف اجيلك بلدكم كنت جيتلك يا ليان متتصوريش أنا زعلت قد ايه لما قولتيلى" قالتها رهف بمودة خالصة فأجابتها ليان قائلة : –:" كأنك جيتى يا حبيبتى تسلميلى يارهف ومتحرمش منك ابدا يارب" ظلت رهف تواسيها بكلماتها فهى تسمع صوت بكاءها عبر الهاتف ولا تعرف ماذا تفعل ؟ لا تجد سوى الكلمات لتواسيها بها ، فظلتا وقتاً لا بأس به ، ورهف تحاول جعلها أن تكف عن البكاء والنحيب ، فبجهد جهيد إستطاعت ليان الكف عن البكاء ، فأنتهت المحادثة بينهما وعادت ليان وتسطحت على فراشها تنظر لسقف الغرفة وعيناها متحجرة ، تخشى أن تغمض عيناها وعندما تفتحها ثانية ، تجد عالمها القديم ، قد ذهب بدون عودة ________________ بعد دلوفه إلى الحجرة ، قام باخراج بعض الثياب التى إبتاعها ، فهو لم يكن لديه ما يرتديه ، سوى الثياب التى أتى بها ، فأخذ الثياب ودلف الى المرحاض ، قام بتشغيل الماء الذى تدفق على رأسه كأنه شلال ، فأغلق عينيه ينشد بعض الراحة من ضغط تلك الايام الفائتة انتشر البخار فى المرحاض ، وحجب عنه الرؤية ، وكأنه كان يريد النظر الى المستقبل ، الذى لم يبد له أمارات حتى الآن فبعد الانتهاء خرج من المرحاض ، ورقد على الفراش واضعاً يديه أسفل رأسه ، يفكر ويفكر حتى شعر بأن رأسه ربما ستنفجر من كثرة التفكير ، فعندما جفاه النوم خرج من الغرفة ، يستنشق بعض الهواء بالرغم من البرد القارص ، إلا أنه بسبب ما يشغل عقله ، لم يشعر بالبرد ، فوضع يديه بجيبه يمشى بخطوات بطيئة بحديقة المنزل ولكنه لمحها تقف فى شرفة غرفتها ، يتلاعب النسيم البارد بخصلات شعرها ، تقف بجمود تنظر الى السماء المعتمة ، فكم هى حقاً ساحرة ذات لسان سليط ظل واقفاً مكانه يتأملها ، وكأنها لوحة فى إطار خرافى ، يزينها سواد هذا الليل البديع والساحر ببرودته القارصة ، التى لم يشعر هو بها ، بل شعر بسيل من الدفء يغزو حواسه من رؤية تلك الساحرة الصغيرة ، والتى لم يلقى منها معاملة حسنة فتعجب من تفكيره ، وقال بدهشة : – :" هو ايه اللي انا بعمله وبفكر فيه ده أنا اتجننت ولا إيه" خفضت ليان عينيها إلى الأسفل ، ورأته يقف بجوار إحدى الأشجار ، فوجدت قدميها تتسابق للدخول الى غرفتها فهو أخر إنسان تريد رؤيته الآن فجلست على الفراش وهى تدمدم بغيظ: – :" مش ناقصة شوفته كمان تعكنن عليا حياتى كفاية الأيام اللى فاتت وأنا حاسة كأنى بموت وأنا بشوفه بيتحكم ويزعق فيها يارب الأيام دى تعدى على خير بقى يارب أنا تعبت" ظلت تناجى ربها ، أن يبعث لها بأيام سعيدة ، فهى تشعر أن الايام القادمة ، ستكون أيام ثقال لم تمر بحياتها من قبل عندما رفع رفيق بصره مرة أخرى ، وجدها قد اختفت ، كحورية صغيرة ظهرت له من العدم ، ثم اختفت فى الظلام ، فمنذ متى وهو يتأمل أى أنثى كانت؟ منذ متى وهو تفتنه رؤية فتاة ؟ فتلك الفتاة جذابة بشكل يثير الريبة ، فبالرغم من أن بداية مقابلته لها لم تكن ودية ابدًا ، إلا أنه الآن لا يكبح جماح نفسه من مراقبتها ورؤيتها ، رؤية تلك الفتاة التى صار قلبه ينعتها ب ....الساحرة الصغيرة نقم على تفكيره هذا ، فعاد للغرفة ثانية ، وأرتمى على الفراش ، ولم يكتفى بذلك ، بل أنه أخذ الوسادة ووضعها على رأسه ، لعل يكف عن التفكير بتلك السخافات ١٣– " يروقه شراستها " لم يغمض له جفن فى تلك الليلة ، فبعد مرور يومان فقط ، ستبدأ أيامه السعيدة ، ظل يتقلب بالفراش يريد بزوع فجر اليوم الجديد الآن ، لعله يراها على نور الصباح فشعرت به زوجته فأستدارت إليه قائلة : –:" مالك يا فاروق عمال تتقلب ليه كده مش عارف تنام ولا إيه" أدعى فاروق الكذب وهو يقول: –:" لاء مفيش بس شربت قهوة فى العزا ومش عارف أنام أنا هخرج اتمشى برا فى الجنينة نامى أنتى يا حبيبتى" داهم النعاس جفنيها ، فتثائبت وهى تقول: –:" ماشى يا حبيبى تصبح على خير اليوم النهاردة كان متعب أوى" عادت إلهام ثانية الى نومها ، فخرج ذلك الرجل الخبيث ، ولكن عوضاً عن الذهاب الى الحديقة ، كان يتسلل قاصداً غرفة ليان ، ظل يلتفت يميناً ويساراً يتأكد من عدم مجئ أحد ، فهو يريد رؤيتها ،لذلك مد يده على مقبض الباب يديره ببطئ ، ولكنه وجد الباب موصد بإحكام من الداخل فسمعت ليان صوت أمام باب غرفتها ، ورأت تحرك مقبض الباب فابتلعت ريقها بخوف ، فمن يفعل ذلك ؟ تركت الفراش بحرص ، واقتربت من الباب بخطوات لا تسمع ، فنظرت من ثقب الباب ، لمحت أقدام شخص يقف أمام الغرفة ، ثوانى و ابتعد ذلك الشخص ، فأستطاعت ليان رؤية زوج والدتها ، فشعرت بالخوف يسرى فى أوصالها ، فماذا كان يريد منها؟ فتمتمت بخوف: –:" وده كان عايز منى ايه هو كمان فى وقت زى ده خليك معايا يارب " بعد أن فشل فى اقتحام غرفتها ، عاد الى زوجته مرة اخرى تلك المرأة الغارقة فى سبات عميق ، لا تنتبه الى ذلك الجالس بجوارها يكاد يموت غيظا مما حدث فهمس فاروق بغيظ : –:" هانت يا ليان بكرة تبقى تحت ايدى" إبتسم ابتسامة ماكرة غادرة ، يهىء له شيطانه طرق الحصول على مبتغاه من تلك الفتاة ، فبعقله الخبيث لم يقتصر الأمر فقط على أنه يريدها وسيلة للثراء ، بل تملكت منه الدناءة ، بأنه أصبح يمنى نفسه بها ، وأن يظفر بجمالها ، قبل أن يفعل أحد آخر ______________ بأحد المنازل التى تشبه القلاع ، رجال متفرقون بكل مكان ، يراقبون كل صغيرة وكبيرة ، وأصوات كلاب ضخمة تنبح بحديقة المنزل ، فذلك المنزل ملكاً لأحد رجال الأعمال المشهورين ويدعى عامر الرفاعى تجلس شهيرة برفقة والدها ، ذلك الرجل الذى يجلس بكل غرور و كبرياء ، ينفث دخان سيجاره الغالى ببرود، فهو رجل معروف عنه القوة والجبروت فى سوق رجال الأعمال ، و هى ابنته الوحيدة التى قام بتربيتها بدلال زائد عن الحد المطلوب والمعقول لاحظ حركتها المتململة وفرك يديها منذ جلوسها ، فهتف بها متسائلاً: –:" مالك يا روح بابى متعصبة ليه كده من ساعة ما جيتى حاسس أن فى حاجة مخبياها عليا" حكت شهيرة جبهتها ، فسرعان ما نظرت لوالدها بتبرم : –:" أكمل يا بابى اليومين دول مش مريحنى خالص حاسة كده كأنه مش أكمل اللى أعرفه" قطب عامر حاجبيه قائلاً: –:" ليه عملك ايه يا حبيبتى قوليلى " تركت شهيرة مقعدها ، وظلت تروح ذهاباً وإياباً أمامه وهى تقول بغيظ مفرط : –:" أحواله كده مش عجبانى وكمان من كام يوم رجع هو وكنزى متأخر لما سألته قالى ملكيش دعوة وزعقلى يا بابى" نهض عامر عن مقعده الوثير وصاح غاضباً: –:" إيه زعقلك ! هو نسى نفسه ولا ايه ده كمان هو مش عارف انتى مين وبنت مين ولا ايه لو نسى احنا نقرصله ودنه قرصة صغيرة كده علشان يفتكر وميعملهاش تانى" أقتربت منه شهيرة وهى تقول ببرود : –:" مش للدرجة دى يا بابى ثم انا اعرف اتصرف معاه كويس وأعرف أخليه يرجع يحترمنى إزاى تربية الحوارى ده كمان" وضع عامر سيجاره بفمه ، وأخذ نفساً عميقاً ، سرعان ما نفثه ببرود وهو يقول: – مش أنتى اللى صممتى تتجوزيه ، وسيبتى أحسن شباب من أكبر العائلات ، وطلبتى تتجوزيه وضعت شعرها خلف أذنها وقالت : – أنا كنت عايزة واحد يبقى خاتم فى صباعى وميقدرش يرفض ليا طلب مد عامر يده وداعب وجنتها بلطافة : – وهو زى الخاتم فى صباعك ولو حاول يتنمرد أنا أعرف أتصرف معاه كويس ، لأن مش أى حد يقدر يزعل وحيدتى وأنا أسكتله ، أنا أندمه على اليوم اللى أتولد فيه إبتسمت شهيرة على قول والدها ، وقبلته على وجنته وهى تقول: – ربنا ما يحرمنى منك يا بابى أنا لازم أمشى دلوقتى سلام لم ينسى عامر تقبيل جبين إبنته قبل رحيلها وقال : –:" مع ألف سلامة يا حبيبتى ولو فى أى حاجة بلغينى ماشى يا شهيرة" إبتسمت شهيرة له قائلة : –:" ان شاء الله يا بابى وتسلملى يارب على الدلع ده كله" –:" أنا معنديش غيرك يا شهيرة وتدلعى براحتك يا حبيبتى " قالها عامر بحب لإبنته الوحيدة فتذكرت شهيرة إخباره بأمر سفرها ، فنظرت إليه قائلة: –:" أه أفتكرت كنت عايزة أسافر اليونان يابابى" نظر لها عامر وتساءل : –:" تعملى ايه هناك يا حبيبتى" قالت شهيرة بحماس : – :" أصحابى يابابى مسافرين وعايزة اسافر اتفسح معاهم بقالى فترة مسفرتش أى مكان" أشار عامر لعينيه بالتوالى قائلاً : –:" بس كده من العين دى قبل العين دى" أبتهجت بقول أبيها فقالت : –:" ميرسى أوى أوى يا بابى أنت أجمل أب فى الدنيا دى كلها" أقتربت منه تحتضنه بسعادة غامرة ، متناسية أمر زوجها وطفلتها ، فكل ما يهمها هى سعادتها هى فقط ، فهى إبنة أنانية لأب افسدها بدلاله الزائد لها لوحت له بيدها وهى تقول: –:" عايز منى حاجة يا بابى قبل ما أمشى" رد عامر قائلاً : –:" سلامتك يا روح بابى بوسيلى كنزى" –:" يوصل ومتنساش بقى حجز التذاكر لليونان" قالتها شهيرة وأقتربت من باب المنزل ولكنها سمعت صوت والدها وهو يقول: –:" أنتى هتاخدى كنزى معاكى اليونان يا شهيرة" إستدارت إليه وقالت بنفى : –:" لاء هسيبها هنا مع باباها لأن لو أخدتها مش هعرف أستمتع بالرحلة هبقى متقيدة بوجدها" لم يستحب والدها قولها ، فقال بصوت مستاءاً قليلاً: –:" بس دى بنتك يا شهيرة إزاى تسيبيها هنا يعنى وتسافرى" نفخت شهيرة بضيق وقالت : –:" بليز يا بابى متعمليش زى أكمل لما يقعد يقولى دى بنتك خدى بالك منها ، هى كنزى فيها إيه عايزة اعرف هى بتلبس احسن لبس بتروح احسن الحضانات عايشة فى مستوى عالى ايه ناقصها تانى" حاول عامر التخفيف من وطأة ضيقها ، فهتف بها قائلاً : –:" اهدى يا حبيبتى مش معنى انك خلفتيها ضد رغبتك أنك تهمليها دى برضه بنتك فى الأول والآخر" اشاحت بيدها وهى تقول: –:" أنا مأهملتهاش أنا بس مش عايزة ابقى زى الستات اللى يبقى كل همها تاكل وتشرب وتنيم واهمل نفسى وجمالى واتحول لحاجة كده شبيه بست" لم يجد طائل من الجدال بينهما ، فهتف بها قائلاً : –:" خلاص يا شهيرة يلا روحى وبكرة التذاكر هتبقى عندك" ردت شهيرة قائلة : –:" اوك يا بابى سلام" فتحت الباب وخرجت ، تشعر بعصبية طفيفة من حديث والدها حول علاقتها بابنتها ، ففكرت لماذا يظن الجميع أنها تكره طفلتها ؟ فهى تريد ان تعيش حياتها فقط ، قبل فوات الأوان ، وتتحول من إمرأة جميلة ، إلى امرأة فاقدة الحياة وتُضيع حياتها وشبابها وجمالها ، فى أمور المنزل المملة من وجهة نظرها ، فهى رأت العديد من صديقاتها يشكين من تربية أولادهن ، ورأتهنج كيف تحولن من الأناقة والجمال إلى مجرد نساء يفتقرن للحياة ، ويطلق عليهن نعت "نساء بائسات" _______________ فى الصباح الباكر ،ومع تسلل أول خيوط النهار ، من خلف السحابة السوداء ، التى كان الليل يخيم بها على السماء ، كانت ليان تاركة فراشها ، فأغتسلت وتوضأت وأدت فرضها ، وفكرت أن تخرج لحديقة المنزل ، لإستنشاق بعض الهواء النقى ، قبل إستيقاظ من بالمنزل ، فهى ربما على وشك أن تحرم من كل هذا ،فخرجت لحديقة المنزل بحرص ، فهى تنتعل حذاء خفيف لايصدر صوتاً بسيرها ، أسفل تلك الشجيرة المفضلة لديها ، كانت تجلس بإرتياح ، فعقدت ذراعيها وجلست بصمت تراقب المنزل ، كأنها تريد حفر تفاصيل ذلك المشهد الذي تراه بعقلها ، وبخضم أفكارها ، لم تنتبه لخطوات ذلك الذى يقترب منها وعيناه تتأمل وجهها البرئ على ضوء النهار ، ولكن حدسها أنبأها بأن أحد قادماً بإتجاهها فألتفتت ليان جانبها ، فرأت رفيق يقترب منها ، ولكن عوضاً عن نهوضها لتعود للمنزل ، ظلت ساكنة مكانها ، كأن قدميها لن تستجيب لأمرها ، أو ربما لا يعنيها أمر وجوده أو لا – صباح الخير عاملة إيه دلوقتى قالها رفيق وهو يقف بالقرب منها عاقدًا ذراعيه فتحاشت النظر إليه وردت بإقتضاب : – صباح النور ، الحمد لله نحمد ربنا خير كنت عايز حاجة ألتوى ثغره بإبتسامة قائلاً: – عايز سلامتك يا ليان هعوز منك أنتى ايه يعنى نظرت إليه بسرعة ولمحت فى عينيه هذا البريق من السخرية غير المتناغمة ، وهذا ما جعلها تجفل إذ أن وجهه لم يكن ينم عن شئ ، بل كان أشبه بالبريق المضئ بليلة معتمة ، كان ذلك البريق علامة للهيمنة ، فتذكرت ليان أن رفيق كان منذ أن رأته لم يكن سوى رجل فظ غليظ القلب فزفرت بخفوت وهى تشعر بالإستياء : – أحسن برضه أنك مش عاوز منى حاجة ، ريحتنى والله ضم ذراعيه أمام صدره وقال : – مش بالظبط كده يا ليان ، أنا بس كنت حابب أعرف خططك إيه لأيامك اللى جاية ، لأن لازم أعرف ناوية على إيه – ده شئ ميخصكش قالتها ونظرت إلى ملامحه الجانبية ، وخاصه شعره الكثيف ، وأثر تلك الندبة بوجهه ، كان مزيج من القوة والنضوج والرهبة ، وهذا ما أزعجها كثيراً نظر إليها عن عمد وقال : – ميخصنيش إزاى وأنتى وأخوكى جدتك سابتكم أمانة فى رقبتى ، وأنتى بقيتى أمر واقع فى حياتى كزت ليان على أسنانها وقالت بغيظ : – ممكن أوى تتخلى عننا ويكون أفضل للكل ، لأن أنا الصراحة لا طيقاك ولا طايقة أشوف وشك ولا حتى أسمع صوتك قال رفيق بهدوء : – أنا بس هعذرك علشان الظروف اللى أنتى فيها وبعد كده هيبقى ليا كلام وتصرف تانى معاكى يا ليان لأن مش من طبعى أستغل حد فى ظروف ضعفه قالت ليان وهى تتبسم بسخرية : – شهم أوى أنت الصراحة يا أستاذ رفيق ، هتخلينى أعيط من فرط شهامتك عمقت إبتسامة صغيرة خطوط السخرية المحيطة بفمه وهو يقول : – المشكلة يا ليان أن عقلك لسه بيفكر بمنطق الأطفال بس معذورة أنتى لسه برضه مراهقة ومتعرفيش توزنى كلامك أو أمورك كويس لازم حد يوجهك وجايز الحاجة الوحيدة اللى كنت بعتب على الحاجة علية الله يرحمها فيها ، أنها دلعتك بزيادة ومخلتكيش تعرفى تحطى حدود لكلامك مع حد سواء كنتى بتحبيه أو بتكرهيه ، ودى الصراحة تبقى إسمها قلة أدب ودلع فارغ وتفاهة ألتقطت ليان أنفاسها المتتابعة ، ومازالت كلماته يدوى صداها بعقلها ، فذلك الرجل الطويل غير المبتسم ، والذى يقف أمامها كالمارد ، ليس بشاب يمكن أن ينمق حديثه من أجل إرضاء أحد سواء صغيراً أو كبيراً ، لقد أخافها بوجهه الجامد وملامحه البارزة وعينيه الحادتين وسخريته اللاذعة فأنسابت دموعها رغماً عنها ، ولكن عملت على إزالتها ، وهبت واقفة أمامه وهى تصرخ بوجهه : – أنت واحد قليل الذوق ومعندكش دم كمان أنهت عبارتها ورفعت يدها لتصفعه على وجهه ، فأنتهى بها الأمر ، وكفه العريض قابضاً على أصابعها ، تشعر بسحقه لعظام يدها بيأس حاولت تخليص يدها من بين أصابعه القابضة عليها كقضبان من الحديد ، تحركت بعصبية وهى ترى نفسها تكاد تشعر بأنفاسه تحرق وجهها ، وفجأة كفت عن التحرك ، فنظرت بعيناه تحاول سبر أغوارها ، لمعرفة لما يظل يزعجها إلى هذا الحد رأى هدوءها ، ففضل ترك يدها ، ربما هى تأذت من فعلته ، فنظر إليها ، فتحاشت هى النظر إلى أعماق عينيه ، فسألها : – أنتى ليه بتعملى كده يا ليان ماهو مش معقول كرهك ليا ده كله بسبب أن أشتريت أرض باباكى أنا حاسس كده زى ما يكون فى سبب تانى أحنت رأسها وهى تدلك يدها ، لتخفف شعورها بالألم ، فأجابته بتبرم : – لا تانى ولا تالت هو مش فى ناس أول ما تقابلها تكرهها من غير سبب أهو أنا كده كرهتك من غير سبب رجفة صوتها أنباته بأنها تكذب بهذا الشأن ، ولكن لا يعلم علام هى تكذب ، فتطلع إلى وجهها وقد بدا شاحباً فى ضوء النهار ، وفى عينيها تعبير مبهم ، لا يعلم هل هو تعبير الخجل أم ماذا ، لأن بتلك اللحظة لم يقرأ بها نظرة الكره ، التى أعتاد أن يراها منها فانحنى إلى الأمام ، وأمسك معصمها بأصابعه الطويلة ، فأنفعلت لرد الفعل المباغت ، والرعشة التى تغلغلت فى عظامها وقال : – مش عارف ليه مش مصدقك يا ليان ، المشكلة أنك الواحد يقدر يقرأ اللى جواكى بسهولة ، أينعم فى الأول كان باين فى عينيكى الكره ، لكن فى اللحظة دى لاء ، وأنا زى ما قولتلك أنتى بقيتى أمر واقع فى حياتى ، زى ما أنا كمان بقيت أمر واقع فى حياتك أطلقت زفرة مهزوزة وقالت : – أنت مفكر نفسك دكتور روحانى وهتقعد تحلل شخصيتى وردود أفعالى إبتسم على نحو غريب عندما قالت ذلك فرد قائلاً: – مش دكتور روحانى ولا حاجة بس جايز علشان عارف البنات فى المرحلة دى تقريبا بيفكروا إزاى تقدرى تقولى أن أنا بقول كده من واقع خبرتى صمت لهنيهة فما لبث أن قال بإهتمام بعد شعوره بإرتجافها يدها بين كفه : – أنتى مالك بترتعشى ليه كده ، أنتى بردانة ولا حاسة أنك تعبانة قوليلى لم يكتفى بقوله ، بل رفع يده اليمنى ووضعها على جبينها يخشى أن تكون أصيبت بحمى مفاجئة ، ولكن لم يجد بها شيئاً فإبتسم بدهاء : – حرارتك مش مرتفعة ولا حاجة ، أمم تكونيش مكسوفة علشان ماسك إيدك ، عمر ما فى حد مسك إيدك قبل كده ؟ جفلت ليان ، لأن ثقته الزائدة بأقواله ، أوحت لها بأنه ربما عارك الحياة بالجيد والسىء ، فهل هو رجل خبير بالنفس البشرية وخاصة النسائية ، ليستطيع قول هذا أم ماذا ؟ فأرادت إنهاء هذا الجدل بينهما ، وسحبت معصمها من بين يده وقالت : – الظاهر كده أنك حبيت دور الواصى عليا ، بس أحب أقولهالك مش أنا اللى ممكن أسمع كلام لحد وخصوصاً لو الكلام ده مش عاجبنى زى كلامك كده وفره لنفسك عن إذنك تركته وعادت للمنزل ، فهو يعلم أنها مهمة ليست سهلة أن يستطيع كبح جماح تلك الفتاة ، فهل كان محقاً بقبول رعايتها هى وشقيقها ، أم كان هذا حماقة من جانبه ، أن تعيش بكنفه فتاة ، كالهرة الشرسة ، التى لا تستطيع إخفاء مخالبها ، فتمزق كل من يقترب منها ، ولكنه ظل يسأل نفسه لما يروقه شراستها ؟ صاحبة تلك العينان المُسكرة ، فإن أراد التوبة عن خمر عينيها ، فل ينال توبته أبدًا ، وهذا ما أيقن منه الآن ______________ زرع ماجد غرفته ذهاباً وإياباً ، يكاد يموت قهراً ، كلما تذكر ذلك المشهد ، الذى رأه بالمشفى ، وكيف كان هذا الرجل يحتويها بين أحضانه واضعاً ذراعيه حولها فظل يضرب بقبضة يده بغضب عارم على مكتبه ، حتى شعر بألم شديد فى يده ، ولم يكتفى بهذا بل قام بنثر الاوراق والكتب التى كانت أمامه محدثة جلبة فى الغرفة ، دخلت على إثرها والدته تنظر اليه بتعجب فأنحنت تلملم الكتب وهى تقول بغرابة : –:" فى ايه يا ماجد انت رامى كتبك كده ليه على الأرض ايه اللى حصل" أطلق ماجد زفرة قوية وهو يرتمى على مقعده مغمغماً: –:" مفيش يا ماما بس هم وقعوا منى غصب عنى" وضعت صابرة الكتب من يدها على سطح المكتب ، فرمقته بتساؤل قائلة : –:" هو فى ايه اللى حصل فى العزا يا ماجد من أمبارح ومن ساعة ما رجعنا وانت مش طايق نفسك حتى انت وابوك فضلتوا لاخر العزا ورجعت انا لوحدى من عزا الستات" مسح ماجد وجهه بيده وهو يقول : –:" علشان بابا كان عايز يطمن على ليان وباسم هيعملوا ايه بعد موت جدتهم" تساءلت صابرة بشئ من الفضول : –:" اه وهيعملوا ايه بقى يا ماجد" شعر ماجد بنبرة الفضول بصوت والدته ، ولكنه يعلم أنه فضول من أجل رغبتها فى إبعاد ليان عنه ، فرد بضيق وقال : –:" معرفش يا ماما محدش قال حاجة بس أمها وجوزها شكلهم هيخدوهم معاهم على القاهرة هيروحوا فين يعنى ما هو مش معقول هيعيشوا هنا لوحدهم" قالت صابرة بعدم إكتراث : –:" طيب ربنا يوفقهم اعمل حسابك احنا هنسافر و هنرجع بيتنا بكرة" إعتدل ماجد قائلاً: :" بس بس يا ماما مينفعش نمشى دلوقتى ونسيبهم فى الظروف دى قبل ما نطمن عليهم" عقدت صابرة ذراعيها أمام صدرها وقالت بتبرم : –:" بس ايه وبتاع إيه ما خلاص عزينا وعملنا الواجب نفضل هنا تانى ليه عايزين نشوف مصالحنا أنت ناسى أن الترم التانى فى الدراسة خلاص مبقاش عليه كتير وأنت وأخواتك هترجعوا دراستكم مش عايزة حجج فارغة" أزدرد ماجد لعابه قائلاً برجاء : –:" خلينا بس ياماما اليومين دول و هنرجع البيت بعد ما بابا يطمن ان ليان وباسم هيروحوا مع أمهم وكمان تكون أيام العزا خلصت" مصمصت صابرة شفتيها وهى تقول : –:" أبوك برضه اللى يطمن ولا أنت اللى تطمن على ليان أنا قولتلك سيبك من الموضوع ده خالص اللى فى دماغك لو انطبقت السما على الأرض مش هيحصل يا دكتور" أنتفض ماجد من مكانه وهو يقول بحدة : – :" ماما كفاية كلام بقى فى الموضوع ده كل شوية حرام كده" ردت صابرة قائلة ببرود : –:" انا بس بعرفك اللى فيها يا ابن بطنى " خرجت صابرة من الغرفة ، فجلس ماجد تلك المرة على الفراش، ممتعضاً من حديث والدته ، التى لديها الاصرار التام على التفريق بينه وبين ليان ، ألا يكفى ذلك الخوف الذى زرع بقلبه منذ رؤيته ذلك الرجل المدعو ...رفيق _________________ لم يكن والد زوجته بالعادة يستدعيه هكذا بوقت باكر ، فأثناء خروجه من المنزل ، متجه إلى مقر عمله ، جاءه إتصال مُلح منه بضرورة رؤيته على وجه السرعة ، فقاد أكمل سيارته ،وهو يفكر بأى شأن هو يريده ، فربما زوجته المصون ، ذهبت إليه شاكية ، ولا يعلم تلك القدرة العجيبة التى تملكها بأن تخرج من الأمور بصورة المجنية عليها فزفر أكمل وهو يقود السيارة ، مدمدماً بغيظ : – ياترى يا شهيرة هانم عملتى إيه المرة دى بسلامتك وأبوكى عايز منى إيه ، يارب خلصنى من الناس دى بقى هو انا هفضل اتعاقب على غبائى ده كتير ظل يحدث نفسه طوال الطريق ، حتى وجد نفسه أمام منزل " عامر الرفاعى " فأطلق بوق السيارة ، ففتح الحارس له الباب ، فهو يعلم أنه قائد السيارة هو صهر رب عمله ولج أكمل بسيارته للداخل ، وترجل منها ، إصطحبه رجلاً حتى وصل للمكان المتواجد به عامر ، فهو يبدو عليه أنه يتناول إفطاره فتقدم أكمل قائلاً: – صباح الخير يا عامر باشا رفع عامر يده بترفع يشير إليه بالجلوس: – صباح النور ، تعال أقعد أفطر – جلس أكمل على أحد المقاعد وهو يقول: – شكراً يا باشا أنا فطرت ، أنا جيت علشان حضرتك طلبتنى خير وضع عامر قطعة من الجبن الأبيض بفمه ، وهو يحدق بوجه أكمل ، ولكن سرعان ما قال : – أنا جبتك علشان أعرف أنت مزعل بنتى شهيرة ليه أنتفخت أوداج أكمل فعلا صوته قليلاً : – أنا يا باشا اللى مزعلها أنت مش عارف بتعمل ايه فيا أنا وبنتها كأننا مش عايشين معاها فى البيت رفع عامر يده قائلاً: – وطى صوتك يا أكمل وأنت بتتكلم مفهوم كم يشعر أكمل بالكره تجاهه وتجاه إبنته المدللة بذلك الوقت ، بل يشعر بالمقت الشديد لنفسه ، أنه وقع بالمنتصف بينهما ، ولكن إذا حاول الخروج ، ربما سيتسبب ذلك بخسارة فادحة ، ستتمثل بصغيرته " كنزى " إستند أكمل بمرفقه على المائدة الطويلة وزفر بإرهاق : – أنت عايز منى إيه دلوقتى يا باشا مسح عامر فمه بمحرمة قطنية بيضاء وهو يقول بشبه أمر : – عايز بنتى متضايقش من أى حاجة وتعاملها كويس ومتزعلهاش وإلا أنا كده اللى هزعل وأنت عارف زعلى وحش يا أكمل ولا إيه أظن أنت مش حابب تتأذى ومش هتبقى أنت لوحدك لا وصاحبك رفيق كمان متنساش أنكم انتوا الاتنين شغالين فى السوق بأمرى أنا وممكن أمر واحد كمان وتلاقى نفسكم بقيتوا على الحديدة لم ينبث أكمل ببنت شفة ، بل ظل صامتاً يتطلع بوجه والد زوجته بهدوء ، فطالت النظرات بينهما ، إحداهما فحواها تهديداً صريحاً ، وأخرى مزينة بكراهية مبطنة نهض أكمل عن مقعده وهو يقول بهدوء : – أى أوامر تانية يا باشا علشان أتأخرت على شغلى بس ياريت يا باشا تفكر بنتك أن أنا جوزها وعندنا بنت أحسن تكون ناسية ولا حاجة عن إذنك خرج أكمل من المنزل ،بينما ظل عامر جالساً مكانه ، فهو لا ينكر أن أكمل محق بما قاله ، ولكن حبه الزائد لإبنته ، يجعله يتغاضى عن رؤية الأمور بمنظور أخر غير ماتراه هى ، فهى منذ وفاة والدتها ، وهو يحرص على رعايتها وتدليلها ، لايريدها أن تشعر بالحزن أو الضيق ، حتى وإن كان ذلك على حساب أقرب الناس إليها ، فهو حقاً أب أنانى ، وهو يقر بتلك الحقيقة بداخله _________________ ما يحدث أشبه بالكابوس ، الذى لا طاقة لها على الخلاص منه ، فكان رأسها يمتلئ بضجيج الأفكار ، التى ما فتأت تعود إليها ، مذكرة إياها بمصيرها المحتوم ، فهى تجلس الأن بالصالة الفسيحة ، وتوافدت النسوة ثانية ، لتقديم المواساة لها بثانى أيام العزاء ، كما تجرى العادة بالقرى الريفية ، من أن العزاء يقام ثلاث أيام وضعت يديها على جانبى رأسها وأنحنت للأمام ، تشعر بألم يكاد يفتك برأسها ، فربتت والدتها على ظهرها بقلق : – ليان مالك فى إيه لم تفه ليان بكلمة ، بل غامت عينيها وسقطت من على مقعدها مغشياً عليها ، فصرخت إلهام بفزع وهى تركع بجانبها : – ليان ليان مالك فى إيه ردى عليا تجمع النسوة الجالسات حولها ، تحاول كل منهن إفاقتها ، فصار الهواء ساخناً من تجمع أنفاسهن ، فأشارت لهن إلهام بالإبتعاد وهى تقول : – معلش إبعدوا شوية علشان النفس كده هتتخنق أكتر حرج طفيف ألم بوجوههن ، فأسرعن بتقديم عبارات المواساة ، وأنصرفن سريعاً ، حاولت إلهام إفاقتها ولكنها لا تستجيب لها ، فجسدها أصبح بارداً كالموتى فلم يتبقى أحد معها لمساعدتها ، فجلبت كوب من الماء ترشق وجهها به ، ولكن لم تأتى فعلتها بفائدة ،فهرولت خارج المنزل للحديقة ، التى يجلس بها الرجال فصاحت منادية : – فاروق باسم ألحقوا ليان مغمى عليها إلحقونى أنتفض باسم من جوار رفيق ، فركض للمنزل يتبعه رفيق وفاروق ، أقترب باسم منها وهو يربت على وجهها ،وطفرت عيناه بالدموع وهو يقول: – ليان ليان فوقى متسبينيش يا ليان لم ينتظر رفيق سماع كلمة أخرى من أحد ، بل أنحنى حاملاً إياها ، وخرج سريعاً إلى سيارته المصفوفة أمام المنزل ، وضعها بالمقعد الخلفى وهو يقول : – باسم أركب بسرعة جلس باسم على المقعد المجاور له ، فانطلق رفيق بالسيارة ، ومازال فاروق وإلهام ينظران لبعضهما البعض ، فهو لم يكلف نفسه عناء إخبارهما للمجئ برفقتهم فنظر فاروق لإلهام وشرار يتطاير من عيناه : – هو إيه اللى عمله البنى أدم ده هو مين اللى أداله الحق يعمل كده هو مجنون ده ولا ايه وخد ولادك وطار حتى مقالش تعالوا معانا حاولت إلهام تهدئة زوجها فقالت : – جايز علشان الناس اللى بتعزى برا سابك هنا وانا كمان فى ستات بتيجى كل شوية وضع فاروق يده بخصره وهو يقول: – لا يا شيخة وهو مين أصلا وقاعد هنا ليه لحد دلوقتى مش خلاص عمل الواجب إمبارح مروحش على بيتهم ليه جلست إلهام على الأريكة خلفها وهى تمسح جبهتها : – معرفش يا فاروق ثم يعنى هنطرد الراجل من البيت ونقوله أمشى ثم خلاص هانت بكرة والموال يتفض وكل واحد هيروح لحاله يلا أخرج أنت برا على ما يرجعوا من المستشفى بجهد لا يذكر ، كان رفيق يضع ليان على سرير الفحص الطبى ، من أجل معاينة الطبيب لها ، فبعد معاينتها ،جلس الطبيب خلف مكتبه ودون أسماء عقاقير طبية وهو يقول بمهنية : – هى شكلها أغمى عليها بسبب عدم أكلها ، فحصلها هبوط لازم تاخدوا بالكم منها أكتر من كده ، هى جسمها ضعيف خالص ولازم تتغذا كويس ، أتفضل دى روشتة بأسماء الأدوية اللى لازم تاخدها الفترة دى أخذ رفيق من يده الورقة ، فسمع صوت تأوهات خافتة تأتى من خلفه ، فإستدار إليها وجدها بدأت بإستعادة وعيها المفقود فهمست ليان بضعف : – باسم أقترب منها باسم ، إثر سماعه لها تناديه ، فأخذ يدها بين كفيه وهو يمنع نفسه بصعوبة من البكاء قائلاً : – ألف سلامة عليكى يا ليان كده تخوفينى عليكى يا ليان دا أنا دلوقتى مليش غير ربنا ثم أنتى يا حبيبتى أنزلقت دموعها من بين أهدابها وهى تحاول طمأنته : – متخافش يا حبيبى أنا معاك أهو يلا نروح حاولت الجلوس ، فأسرع باسم بمساعدتها ، فأستندت على كتفى شقيقها ، وهى تترك مكانها ، فهى تشعر بأن قدميها رخوتين ، ولن تستطيع حملها ، كادت تسقط أرضاً لولا ذلك الذراع القوي ، الذى أمتد إليها ليحول بين سقوطها سحبت يدها سريعاً كأن ماس كهربائى أصابها ، فأتخذت من ذراع شقيقها متكًأ ، فعلى الرغم من علمها بأن بنية باسم الجسدية ليست بقوة بنيته ، ولكنها لن تفكر مطلقاً بأن تسمح له بالإقتراب ، حتى وإن كان له الحق بذلك __________________ جلست بالشرفة تراقب النجوم التى ألتمعت بالسماء ، فحبها يشبه تلك النجوم ، فهو لامعاً براقاً ولكنه أيضاً بعيد ومستحيل المنال ، وضعت وجنتها على يدها وهى تتنهد من وقت لإخر ، فإلى متى ستظل هكذا لم تشعر بمجئ بسمة ، إلا بعدما رأتها تفرقع بأصابعها أمام وجهها : – هااااا يا بنتى روحتى فين أرتعشت نسرين فجأة فقال بصوت كاد يذوب من الخوف : – الله يسامحك يا بسمة رعبتينى يا شيخة وقطعتى خلفى قهقهت بسمة وهى تجلس بجانبها ، فوكزتها بكتفها وهى تقول: – اللى واخد عقلك يا حبيبتى يتهنى بيه عادت نسرين ثانية لتأمل النجوم وهى تقول : – هو واخد عقلى بس عقله هو وخداه واحدة تانية شكلى هفضل طول عمرى مليش حظ فى حاجة أبداً يا بسمة ربتت بسمة على ساقها بإشفقاق : – يبقى خلاص سيبك منه بقى وشوفى حالك يا بنتى ، أنتى هتفضلى عمرك كله كده ، دا حتى ميرضيش ربنا – عيزانى أعمل إيه يعنى يا بسمة قالتها نسرين وهى تستدير برأسها لها فتبسمت بسمة قائلة : – عيزاكى تشوفى حالك بقى وبطلى ترفضى العرسان دا انا حتى خطيبى جايبلك حتة عريس لقطة زميله فى الشغل وهو وحيد أبوه وأمه وعنده شقة وعربية وحالته متيسرة تبسمت نسرين رغماً عنها وهى تقول : – هو أنتى وخطيبك بقيتوا فاتحين مكتب جواز وبتوفقوا راسين فى الحلال يا بسمة وكزتها بسمة بضيق وهى تقول : – ده جزائى يا بت أن جيبالك عريس قيمة وسيما دا انا استخسرت أوديه لحد تانى قولت أنتى أولى بيه وفكك بقى من الباشمهندس مالك ده اللى مش هيجيلك من وراه إلا وجع القلب كممت نسرين فم بسمة ، حتى لا يستمع أحد لقولها ، خاصة أن صوتها عالياً ، فهتفت بها قائلة: – أكتمى يا بسمة بصوت ده هتفضحينى منك لله أزاحت بسمة يد نسرين من على فمها وقالت : – ما أنتى تغيظى يا نسرين فوقى بقى من أوهامك دى خليكى عملية شوية بلاش رومانسية المسلسلات التركية دى اللى هتوديكى فى داهية ، هو يا حبيبتى غرقان لشوشته فى حب أنثى اليربوع اللى إسمها ماهيتاب الشريف دى ، يبقى أنتى بقى شليه من دماغك وشوفى العريس ده مش جايز يعجبك وتستلطفيه صمتت نسرين فهى لا تجد ما تقوله ، فربما بسمة محقة بكل كلمة تفوهت بها ، عندما رأى بسمة أنها أستكانت لحديثها مسدت على ذراعها وقالت بلطف : – صدقينى أنا عايزة مصلحتك يا نسرين وأنتى عارفة أنا بحبك قد إيه فعلشان كده بقولك أدى نفسك فرصة وقابلى العريس ده ارتاحتى للموضوع كان بها ما أرتاحتيش يا دار ما دخلك شر وربنا يبعتلك نصيبك اللى يريح قلبك وضعت نسرين رأسها بين يديها وهى تفكر بما أقترحته بسمة ، فحديثها يحمل جزءًا كبيرًا من الحقيقة ، التى ترفض هى أن تراها ، عازمة على أن تظل غارقة ببحر أوهامها من أنه سيأتى اليوم ويشعر مالك بحبها له ، ولكن ربما ستظل منتظرة لأبد الدهر ، فكم هى تشعر بالنقم على قلبها ، الذى لا ينصاع لحديث العقل أبداً ، ولكن يجب عليها أن تروضه على إطاعتها __________________ سمع صوت طرقات خفيفة على الباب ، فنهض من على فراشه ليرى من الطارق ، فى هذا الوقت المتأخر من الليل ، فتح الباب فشعر بالدهشة من رؤيتها واقفة على عتبة الباب بعينان ساحرة وشعر مسدول على كتفها وحول وجهها ، تضع يديها حول جسدها تتلمس الدفء فى هذا الليل الشديد البرودة برودة تغزو الاوصال وترتجف لها الأبدان ، تنظر اليه بعينان حزينتان ، عالق بهم آثار البكاء المرير الذي لم تكف عنه منذ ماحدث لها فلم يمنع دهشته وهو يقول : –:" ليان" خفضت وجهها أرضاً وهى تقول بتلعثم : –:" رفيق أنا أنا........ شعر رفيق بالقلق فقال : –:" فى ايه يا ليان مالك" نظرت إليه والدموع تنهمر من عينيها قائلة : –:" أنا خايفة أوى يا رفيق" قطب رفيق حاجبيه قائلاً بغرابة: –:" خايفة من ايه وايه اللى مخوفك اوى كده" مسحت الدموع بظاهر يدها وهى تقول : –:" خايفة من الدنيا واللى ممكن يجرالى منها بعد ما تيتة راحت وسابتنى" حاول بث الإطمئنان بها فقال : –:" متخافيش يا ليان انا معاكى ومش هسيبك مش عايزك تخافى" مد يده يمسح دموعها بابهامه ، يريدها أن تكف عن البكاء ، فتلك العينان لايحق لها سوى السعادة والفرح ، وجدها تندفع نحوه تضع يديها حوله تخفى وجهها بصدره ، ربما كان اختل توازنه من قوة اندفاعها ، فى الارتماء بين يديه إلا انه ظل ثابتاً ، لا يصدق ما فعلته لتوها ، فرفع يده ببطئ يقبض ويبسط اصابعه فى حركة مترددة ، أيحتويها ام يدفعها عنه ، وجد نفسه يحاوطها بقوة مغمض العينين يستند بذقنه على رأسها ، صار قلبه تقفز دقاته محدثة جلبة بين ضلوعه فمن أين ظهرت له تلك الساحرة ، التي هدمت عالمه الهادئ الخاوى من المشاعر الانسانية فى بضعة أيام قليلة قابلها فيها فسمعها تقول بما يشبه الرجاء : –:" أنا مش عيزاك تسيبنى ابدا أنا مليش غيرك دلوقتى يا رفيق" وقع اسمه منها بتلك النبرة الآسرة على مسامعه ، كنغمة عذبة لاقت هوى بنفسه من سماعها ، فهو يستمع لاسمه يومياً مئات المرات ، لماذا يشعر باختلاف تلك المرة؟ لأن من تتفوه به ليست كمثل أى أحد ماذا فعلتى بى أيتها الصغيرة ؟ كيف غزوتى قلبى وأسرتيه ؟ كيف هدمتى راحتى واستقرار قلبى؟ جعلتيه صاخبا رافضاً الانصياع ، اشعلتى به ناراً ، لا تكفى انهار لاطفاءها ، فكيف السبيل الى العودة الى عالمى القديم ؟ فأنا لا اريد مزيد من الجراح ، فجراحى مازالت تنزف بداخلى فأدمت قلبى ، حتى بدأت أصدق ان ليس لدى قلب بين ضلوعى ، فماذا افعل أنا الآن وانتى قريبة تهدمى ما تبقى من عالمى بعينيكى الآسرة وبكاءك الذى يمزق نياط القلوب ؟ تساؤلات عدة طرحها عقله عليه ، يريد منه إجابة عن كل تلك الاسئلة ، التى لا يعلم كيف سيجيبه عليها ، فهو قد عاد قلبه ينبض من جديد ، تلك النبضات التى حطمت قلبه سابقاً ، تاركة إياه ممزق الفؤاد وبروح فاقدة الحياة ، ولكن بأيام ليست بالطوال عاد قلبه ثانية إلى الخفقان ذلك الخفقان المؤلم وكل هذا بسبب تلك الساحرة الصغيرة فرد قائلاً بعزم وإصرار : –:" أنا مستحيل اسيبك ياليان بعد ما لقيتك عمرى ما هخليكى تبعدى عنى أو اتحرم فى يوم إن اشوفك فيه" يجيبها بإصرار أنه لن يجعلها تبتعد عنه حاسماً أمره ، فهو اولاً وأخيرا آدم الذى لا يستطيع ان يعيش بدون حواء خاصته رفعت اليه وجهها ، فأحاطه بين كفيه و أغمض عينيه ، وظل يقترب منها بدقات قلب عالية صاخبة جنونية ، فكلما اقترب تزداد ضربات قلبه جنوناً فتح عينيه مرة واحدة ، بعد سماعه صوت منبه هاتفه، يعلن عن بداية يوم جديد ، فانتفض من فراشه ومسح وجهه بيده فكل ما حدث ، كان حلم هيأه له عقله اثناء نومه، وقف بجوار الفراش بأنفاس لاهثة ، كأن لايوجد هواء فى رئتيه ، كأنها سلبته حتى انفاسه ، من مجرد حلم وجد نور الصباح يملأ الغرفة ، فاليوم قد فاتته صلاة الفجر التى يحرص على ان يؤديها فى وقتها فدمدم مأنباً لذاته: –:" استغفر الله العظيم هو ايه اللى بيحصل ده أنت أتجننت يا رفيق استغفر الله العظيم" ظل يردد أدعية الاستغفار ، فدلف إلى المرحاض و توضأ وخرج بدأ صلاته ، وهو يحاول تهدئة نفسه ، فهو يحمد الله ان كل هذا مجرد حلم وليس حقيقة ، فهو يجب عليه أن يكف عن الركض خلف تلك الاحلام ، التى كانت السبب بدمار قلبه فى الماضى ١٤–" زوجًا و واصيًا" بعد إنتهاءه من تأدية فرضه ، ظل جالساً مكانه على سجادة الصلاة ، رفع يديه يثنى على الله بالدعاء ، وبعدما فرغ من دعاءه ، أستقام بوقفته و بحث عن هاتفه ، وجده على الكومود بجوار الفراش ، فتح الهاتف وبحث عن إسم شقيقه مالك ، ليطمئن على أحوال المنزل والعمل ، فهو يعلم أنه بذلك الوقت لابد أنه إستفاق من نومه ويستعد للذهاب إلى العمل أنتظر لحظات وجاءه الرد على الطرف الأخر بصوت ناعس : – ألو يا أبيه صاح رفيق قائلاً : – هو أنت لسه نايم يا أستاذ سمع مالك تلك الجملة من رفيق ، فأنتفض من مكانه ، يحاول أن يقمع غضب شقيقه ، قبل أن يسمع منه عبارات الإستياء فرد مالك قائلاً : – أبدا والله يا أبيه أنا صحيت أهو بس أصل أمبارح رجعت من الشركة متأخر فى ضغط شغل جامد أوى هو أنت ناوى ترجع أمتى بقى أنا قربت أفرفر لم يسع رفيق سوى الابتسام على قول شقيقه ، فأطلق نهدة بقلة حيلة وهو يقول : – أه منك أنت يامالك طب لو أنا جرالى حاجة هتعمل إيه وهتمشى الشغل إزاى بسرعة البرق رد مالك وهو يقول بخوف : – بعد الشر عليك يا أبيه ربنا ما يحرمنا منك ابدا احنا من غيرك منقدرش نعيش دا أنت أبونا وأخونا وكل حاجة لينا فى الدنيا صوت شقيقه المتودد له بعبارات المحبة ، إستطاع تسكين غضبه منه ، فعائلته نقطة ضعفه الوحيدة ، وبالأخص مدللته رهف ، التى يهاتفها يومياً ، وتسمعه عبارات التبرم والتذمر ، من تأخره كل هذا الوقت خارج المنزل – المهم خلى بالك من نفسك ومن ماما ورهف وأنا إن شاء الله ممكن أرجع البيت النهاردة أخر النهار قالها رفيق بهدوء ، بينما شعر مالك بأن صوت أخيه يحمل هماً وألماً ، فهم يعلمون سبب تأخره بسبب عمل ألح عليه بالبقاء بتلك البلدة التى سافر إليها ، ولم يمنحهم رفيق تفاصيل أكثر من ذلك ولكن قبل أن يقدم على سؤاله ، أسرع رفيق القول: – سلام دلوقتى ويلا يا مالك قوم شوف شغلك ، أحسن لما أرجع أنا أشوف شغلى معاك إبتسم مالك قائلاً بطاعة : – حاضر يا أبيه قايم أهو وترجعلنا بالسلامة إن شاء الله سلام أنهى حديثه مع شقيقه ، فوضع الهاتف مكانه ، وفكر بالخروج للحديقة ، لعله يراها قد إستيقظت من نومها ، فمازال قلبه يرجف من الخوف ، منذ رؤيتها ساقطة مغشياً عليها ، فكلما حاول منع نفسه من التفكير بها ، يجد قلبه متمرداً ولا ينصاع لأوامره ، فماذا فعلت به بتلك الأيام الماضية التى قابلها بها ؟ فما فعلته هى ، لم تفلح أخريات بفعله طوال سنوات نقم على نفسه من التفكير بها هكذا ، فهل هو مراهق لتفتنه رؤية أنثى ؟ علاوة على ذلك فهو يكبرها بسنوات عدة ، فحتما أصيب بالجنون بداخل المنزل ...وعلى فراشها الذى ظلت تتقلب عليه يميناً ويساراً ، يجافيها النوم وأصابها الأرق ، ويأست من محاولة جلب النوم لعينيها ، فهل ستقضى باقى أوقاتها هكذا ؟ نفخت بضيق من نفسها ، وتركت الفراش ،ولكن قبل خروجها للشرفة ، سمعت رنين هاتفها ، نظرت بالهاتف ، وعيناها تحدق بالإسم الذى ينير الشاشة ، فالمتصل لم يكن أحد سوى ماجد ، ولكن لما يهاتفها بوقت مبكر كهذا ، فعقدت ذراعيها أمام صدرها ، كمن تمنعها من الامتداد وإلتقاط الهاتف ففرت عبرة حارة من إحدى عينيها وهى تتمتم : – سامحنى يا ماجد مدت يدها وأغلقت الهاتف وأمتنعت عن إجابته ، فلا شئ أصبح كالسابق ، فكل شئ تغيير ، وكل هذا بكلمة واحدة خرجت من بين شفتيها ، ولكنها لم تنطق بتلك الكلمة إلا من أجل جدتها الراحلة ، فهى أخذت عليها وعداً وعهداً بأن تستمع لما تقوله ، وهذا ما كان ، فهى أعطتها وعداً جعلها تترك كل أحلامها وأمنياتها جانباً _________________ أثناء وجوده بغرفته ينتهى من ارتداء ثيابه للذهاب إلى عمله ، وجد باب غرفته يفتح تدلف منه شقيقته بملامح وجه غاضبة فعقد حاجبيه قائلاً بتساؤل : –:" ياستير يارب مالك قالبة وشك ليه كده على الصبح يا رورو" كزت رهف على أنيابها وهى تقول : –:" مضايقة يا مالك هفرقع هموت من الملل يا أخى" سألها مالك بدهشة : –:" من إيه يا أختى كفى الله الشر" جلست رهف على حافة الفراش ، وهى تقضم أظافرها بغيظ : –:" أبيه رفيق مش عايز يرجع بقى سافر وقال يوم وراجع دلوقتى بقاله أكتر من اسبوع ومرجعش يا مالك شغل إيه اللى أخره لحد دلوقتى مش عارفة" نظر مالك بالمرآة ومشط شعره وهو يقول: :" فى ايه يا بنتى بيقولك عنده شغل متبقيش عاملة زى العيال كده يارهف ثم هو كلمنى الصبح وقالى إنه إن شاء الله ممكن يرجع البيت النهاردة على أخر النهار " أبتهجت رهف بما سمعته من شقيقها ، فتبسمت قائلة : –:" بجد يا مالك ده أحلى خبر سمعته على الصبح أنت عارف يا مالك أن أبيه رفيق مش أخويا وبس دا كل حاجة فى دنيتى " أماء مالك برأسه وهو يقول بهدوء: –:" عارف بس انا زعلان يعنى انا مش مكفيكى يارهف" أقتربت منه رهف وهى تمسد على ذراعه بلطف وقالت : –:" انت حبيبى يا مالك متقولش كده بس انا من ساعة عينى ما فتحت على الدنيا دى فتحتها على أبيه رفيق عمره ما حسسنى إن أبونا مات وإن ملناش سند ثم أنا ليا مين بعد ربنا غيركم أنتوا" أخذ مالك نفساً عميقاً وقال : –:" عارف يا رهف كفاية أنه ضحى ومدخلش كلية عالية علشان يوفرلنا احنا تعليم أحسن ودخل تجارة ، علشان يقدر يدرس ويشتغل ويجبلنا فلوس ، وهو كان ممكن يدخل كلية هندسة ، تصدقى ساعات بحس كأننا كاتمين على نفسه ومش عارف يعيش حياته ، كل تفكيره فينا وازاى يعيشنا فى مستوى أحسن ، حتى مش راضى يتجوز وانا أصغر منه بكام سنة وخاطب وهتجوز ، ومع ان ساعات بنضحك على اصرار ماما علشان تجوزه بس هى فعلا معاها حق إزاى يفضل حياته كده عايش من غير ما يتجوز ويخلف أولاد ويكون أسرة ويعيش حياته طبيعى " حركت رهف رأسها بحركات متتابعة وقالت : –:" عندك حق والله يا مالك فى كل اللى قولته تصدق نفسى موت يتجوز ويخلف أولاد وأبقى أنا عمتو وأحب ولاده زى ما بحبه دول أكيد هيبقوا يجننوا من حلاوتهم زى أبوهم دا أنا هاكولهم أكل كده" دلفت والدتهما الغرفة بابتسامة بعد سماعها حديثهما عن شقيقهما الأكبر ، فتقدمت منهما وهى تقول : –:" ياسلام على حبايبى لما يبقوا عاقلين وحلوين كده" قبلها مالك على وجنتيها وهو يقول : –:" منمن حبيبة قلبي صباح الخير ايوة كده يومنا هيبقى فل إن شاء الله علشان شوفت القمر ده" ضربته منى بخفة على ذراعه : –:" صباح الورد عليكم أنت مش هتبطل بكش يا واد أنت" نظرت رهف لوالدتها وقالت : –:" ماما أنا راحة مع مالك الشركة'' نفض مالك أذنيه ، لعله لم يستمع جيداً لما قالته ، فهتف بها قائلاً: –:" نعم يا أختى راحة معايا فين" إبتسمت رهف قائلة بوداعة : –:" راحة معاك الشركة سلامة ودانك يا مالك" هز مالك رأسه رافضاً وقال : –:" لاء مش هتيجى معايا خليكى هنا" تحدثت والدته بلطف وقالت: –:" ماتخليها تروح معاك يا مالك وفيها إيه" أنتفخت أوداج مالك وهو يقول بغيظ : –:" يا ماما دى بتيجى بتقلب الشركة بالسوبر ماركت اللى شيلاه معاها فى شنطتها اللى رايح واللى جاى تديله لبان يا ماما" لوت رهف شفتيها وهى تقول بإمتعاض : –:" أنا غلطانة يعنى بفرفش الموظفين ايه ده لا حمد ولا شكرانية ايه الناس دى" حاول مالك إنهاء هذا الجدل فقال : –:" يلا علشان افطر خلينى الحق شغلى مش فاضيلك يا ست رهف" فكسا الحزن وجهها وهى تقول : –:" اخس عليك يا مالك خدنى معاك بقى يا أخى" نظرت اليه بوداعة ، كقطة صغيرة تتلمس العطف من صاحبها فلم يطاوعه قلبه ان يخيب رجاءها له فزفر قائلاً بقلة حيلة: –:" أمرى لله البسى وتعالى وحسك عينك تعملى حركة قرعة من حركاتك فى الشركة انتى فاهمة" ضحكت رهف وقالت : –:" ابداً يا حبيبى انا هقعد ساكتة وغلبانة ومؤدبة وكيوتة وربنا يسامحني على الكدب اللى بقوله ده" تبسمت منى على قولها وهى تقول: –:" يبقى شكلك ناوية تطينيها يا سوسة" مطت رهف شفتيها ، كأنها على وشك البكاء قائلة : –:" أنا سوسة يا مامتى ماهو أنا بقالى أكتر من أسبوع أهو غلبانة ومش لاقية أبيه رفيق علشان أفتن على أى حاجة" استغل مالك انشغال شقيقته بالحديث مع والدته ، فتسلل من الغرفة حتى يستطيع أن يلوذ بالفرار منها ولكنها لمحته فصاحت به: –:" انت بتتسحب كده ورايح فين انت ها" إلتفت إليها مالك قائلاً بحنق : –:" استغفر الله العظيم شكل يومى النهاردة طويل" فردت رهف قائلة بتفكه : –:" أطول من حبل الغسيل كمان " لم تكف عن المزاح والمشاكسة هى وشقيقها ، فذهبت سريعاً إلى غرفتها لارتداء ثيابها ، حتى تذهب معه ، قبل أن يتركها ويذهب بدونها ، فهناك مرح ينتظرها اليوم فى ...الشركة ______________ تتسابق دقات قلبه قبل قدميه فى الخروج من المنزل ، حتى يذهب الى عمله لرؤيتها ، رؤية فتاة أصبحت كنسمة هواء لطيفة ، تنسيه ولو مؤقتاً تلك المأساة التى يعيش بها ،أوقفته زوجته بصوتها وهى تناديه ، فتيبست يده على مقبض الباب ، فهو يريد الخروج من سجنه ، الذى يعيش به معها إلتفت إليها يقلب عينيه بتأفف ، فماذا تريد فهو لم ينسى تلك المشاجرة ، التى حدثت بينهما البارحة عندما أخبرته بنيتها فى السفر الى اليونان مع اصدقاء لها ، فتذكر حدة صوته عندما شرع يذكرها بأبنتها وبأنه زوجها ويجب ان تضع ذلك ببالها عوضاً عن نمط حياتها المتفاخر فألحت بنداءه قائلة –:" أكمل" نفخ أكمل بضيق قائلاً : –:" أفندم نعمين خير" أشتعلت عيناها بلهيب الغضب وقالت : –:" ايه أسلوبك ده فى الكلام ما تتكلم كويس يا أكمل" عقد أكمل ذراعيه وإبتسم إبتسامة سخيفة وهو يقول : –:" أنتى عايزة إيه فى يومك ده يا شهيرة ورايا شغل كتير" جلست شهيرة على مقعد واضعة ساق على الأخرى وهى تهتف به: –:" عايزة افكرك ان النهاردة عيد جوازنا" رفع أكمل حاجبيه قائلاً بسخرية: –:" وده من ايه كفى الله الشر" نقرت بأصابعها على ذراع المقعد وهى تقول: –:" انت بتقول ايه ، بقى أنا بقولك النهاردة عيد جوازنا تقولى كده" عاد أكمل لسخريته ثانية وهو يقول : –:" قولى عيد خيبتنا عيد وكستنا عيد مأستنا مش عيد جوازنا" ألتوى ثغرها وهى تقول : –:"ما تقولها كده بصراحة يا أكمل انت تعرف واحدة تانية ولا متجوز عليا وخايف أعرف بس صدقنى لو ده حصل فعلاً متتخيلش ممكن أعمل فيك إيه أو أخلى بابى يجبلى حقى منك إزاى" حاول أكمل مسايرة سخريتها ، فرد قائلاً: –:" متجوز! مش لما أبقى افلح فى جوازى منك ابقى اتجوز تانى سلام يا شهيرة علشان الحق شغلى عطلتينى على الفاضى" داعبت أطراف شعرها وهى تقول: –:" يعنى أنت مش هتحضر البارتى اللى عملته دا أنا خلاص عزمت الناس" تجمدت أطرافه على مقبض الباب إلا إنه استطاع القول : –:" وكمان عاملة بارتى وعازمة الناس وأنا آخر من يعلم لما ضيوفك ييجوا ويسألوا عليا قوليلهم جوزى مات" لم يزد كلمة اخرى ، فخرج صافعاً الباب خلفه ، فيكفى ما يحدث منها الى هذا الحد ، فهو لن يتحمل اكثر من ذلك ، فلو بامكانه ، كان ذهب إلى تلك الفتاة يرجوها ، أن تاخذه هو وابنته ، إلى ذلك الحى الفقير ، الذى شعر فيه براحة لم يجدها فى حياة الغنى والرفاهية ، التى يحيا بها مع تلك المرأة المسماه ...زوجته _________________ ظلت الصباح بأكمله فى غرفتها ، كأنها تخشى أن تخرج من الغرفة ، فهى كأنها ملاذها ، واذا تخطت باب الغرفة ، ستدخل الى الجحيم ، كأن هناك نيران تنتظرها ستلتهم روحها سمعت طرق على باب غرفتها ، خشيت أن يكون الطارق ذلك الرجل الدنئ المدعو فاروق ، قد عاد مرة أخرى فاستطاعت كلمة واحدة مرتجفة ان تخرج من حنجرتها قسراً وهى تسأل من الطارق ، فقالت بخوف لم تستطيع إخفاءه :" مين اللى بيخبط" جاءها صوت شقيقها باسم وهو يقول : – : " دا انا يا ليان انا باسم" تنهدت بارتياح كبير ، عندما سمعت صوت شقيقها ، فنهضت من على فراشها ، وأدارت المفتاح بمقبض الباب ، نظرت لباسم وهى تقول بتساؤل : –:" ايوة يا باسم فى ايه" إبتسم لها شقيقها وقال: –:" جايلك علشان تنزلى تاكلى ماما حضرت الأكل وأنتى حابسة نفسك فى أوضتك من الصبح دا حتى عم محسن وماجد جم تحت هم كمان" وكأن هذا ما كان ينقصها ، أن يكون حاضراً وشاهداً على تلك الكارثة ، التى ربما ستحل على رأسها بعد قليل ، فماذا تفعل هى الآن؟ فهى لم تكن تريد أن يكون حاضراً بذلك الجمع ، حتى يتسنى لها فيما بعد أن تبرر له ماحدث ،ولكن ربما أملها هذا لن يتحقق فأماء برأسها وهى تقول: –:" ماشى يا باسم هغير هدومى وجاية" رد باسم قائلاً: –:" هسبقك وابقى تعالى هروح أنادى لأستاذ رفيق هو كمان علشان يفطر" غص حلقها بعد ذكر إسمه ولكنها لم تتفوه سوى بكلمة واحدة: –:" ماشى" ولجت إلى المرحاض ، ونظرت الى تلك المرآة المعلقة على الجدار ، رأت عيناها قد كساها الحزن ، فأصبحت باهتة وذابلة فتحت صنبور الماء تغترف منه بيديها ، تغسل وجهها مراراً وكأن الماء سيزيل ذلك الحزن ، الذى قبع فى مقلتيها خرجت من المرحاض وأدت صلاتها ، وشرعت بإرتداء ثياب الحداد السوداء التى لم تزد وجهها سوى بهاء وجمال رغم حزنها خرجت باقدام مرتجفة ، وهبطت الى الطابق السفلى ، وجدتهم مجتمعين ، كأنهم باجتماع مغلق سيحدد مصيرها هى وشقيقها ولكنها لم تلمحه جالساً معهم ، فلم تدوم حيرتها طويلاً ، ورأته قادماً ، فدلف رفيق من الباب بملابس أنيقة و ملامح وسيمة وهيبة رجولية ، وقلب يكاد يؤلمه من شده خفقاته ، عندما وقع نظره علي تلك الساحرة الصغيرة تعجب الحاضرين من وجوده حتى الآن ، فهم ظنوا أنه رحل بالصباح الباكر ، قبل أن يفيقوا من نومهم ، ولكن لما زال موجوداً هنا ولم يرحل ؟ تقدم رفيق بخطواته حتى أصبح بمنتصف الصالة ، فهتف بهم بهدوء – :" السلام عليكم" رد جميعهم قائلين : –:" وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته" أقتربت منه إلهام تشير له بالجلوس وهى تقول: –:" اهلا يا استاذ رفيق اتفضل كويس أنك لسه موجود علشان تفطر معانا" نظر له فاروق بإمعان ، فهو يريد الانتهاء من هذا الأمر ، قبل أن يرحلوا عن هذا المنزل ، الذى سيصبح بعد وقت قليل ، كأنه مهجور ولن يكون أحداً مقيماً به فشبك يديه قائلاً بنفاذ صبر ظهر بوضوح بصوته : –:" اهلا يا أستاذ كنت عايز اتكلم معاك علشان اشوف أنت دفعت تكاليف قد ايه فى العزا علشان اديهملك" حرك رفيق رأسه برفض قاطع وقال : – :" شكراً انا مش عايز حاجة كلها حاجات بسيطة ، الله يرحمها الحاجة علية" وكزت إلهام زوجها فاروق بكتفه وهى تقول : –:" مش وقته الكلام ده يا فاروق خلينا ناكل اللقمة الأول" حدجها فاروق بنظرة غاضبة وهو يقول من بين أسنانه : –:" أنا بس عايز أدفعله اللى هو صرفه فى العزا ، علشان احنا كمان راجعين بيتنا وياعالم هنتقابل تانى ولا لاء" لم يكن يعنى ماجد من تلك الجلسة سوى سؤال واحد ، لما رفيق مازال هنا ؟ فلم يكبح جماح فضوله فقال : –:" هو أنت ليه فضلت قاعد هنا لحد ما العزا خلص مرجعتش بيتكم ليه يا أستاذ رفيق مش كنت بتقول انك مسافر مسافرتش ليه" وكزه والده بكتفه ، حتى يكف عن حديثه السخيف ، فهذا ليس من آداب إكرام الضيف فأقترب محسن من أذن إبنه قائلاً : –:" ماجد ايه اللى بتقوله ده عيب كده أنت ايه اللى جرالك كل ما تشوفه تقول كلام زى الدبش'' رد ماجد قائلاً بإستياء : –:" هو أنا عملت ايه يعنى يا بابا أنا بسأله عادى " –:" كده عادى طب قلة الذوق تبقى ازاى دا أنت كأنك مش ماجد إبنى اللى أعرفه" قال محسن عبارته ، التى لم تخلو من التقريع والتأنيب لولده ، فلم يتفوه ماجد بكلمة اخرى ، فهو حقا قد تمادى فى حديثه معه ، وهو ليس له أى حق مشروع فى مخاطبته بتلك اللهجة الغير مهذبة على الاطلاق ولكن بعد لحظات أجابه رفيق وهو ينظر لليان نظرة ذات مغزى : –:" أنا خلاص إن شاء الله مسافر دلوقتى" أشارت إلهام لتلك المائدة ، التى وضعت عليها طعام الفطور وهى تقول: –:" طب اتفضل علشان تاكل قبل ما تسافر اتفضلوا يا جماعة يلا الفطار جاهز" مثلما حدث بذلك اليوم ، من تجمعهم حول المائدة بعد أنتهاء اليوم الأول بالعزاء ، فاليوم تجمعوا أيضاً ولكن تلك أخر جلسة لهم سوياً ، فكل منهم سيذهب بطريقه فالتفوا جميعهم حول المائدة ، وكأن كل فرد منهم فى عالم خاص به ، ولكن عالم تلك الحورية ، لم تستبين ملامحه حتى الأن ، فهناك ثلاثة أزواج من العيون تراقبها ، فنظرة خبيثة من زوج والدتها ، ونظرة غاضبة من ماجد ، ونظرة شاردة من رفيق قبل أن يتمعن أكثر بالتحديق بها ، سمع رفيق رنين هاتفه فاعتذر منهم وهب واقفا ، بعد ان لمح اسم صديقه أكمل ينير الشاشة ، فخرج الى حديقة المنزل رد رفيق قائلاً: –:" أيوة يا أكمل خير فى إيه" أجابه أكمل وهو يقول بغرابة : –:" ايه يا أبنى أنت أستحليت القاعدة عندك ولا ايه ، أنت ناوى تقعد عندك بقية السنة لو كده عرفنى ، أنت روحت وقولت عدولى" حك رفيق جبهته قائلاً بإرهاق : –:" اسكت يا أكمل دى كانت سفرية لها العجب والله أنا حاسس أن الأيام اللى فاتت دى أن كنت بحلم" شعر أكمل بالقلق فسأله : –:" ليه يا ابنى حصل ايه انت قلقتنى" أجابه رفيق قائلاً بصوت هادئ : –:" لما أرجع هحكيلك على كل حاجة دى حاجة متتقلش على التليفون يا أكمل" ضحك أكمل وقال : –:" ليه هى حاجة عيب ولا ايه عملت ايه يا رفيق" إبتسم رفيق على مزحة أكمل فرد قائلاً: –:" أتلم ياض أنت أنا مش ناقصك بس غريبة أنت بتهزر وبتضحك يا أكمل ، هى مراتك نسيت تنكد عليك النهاردة ولا ايه" أغتمت ملامح وجه أكمل فقال : –:" الله يسامحك انت بتفكرنى ليه يا رفيق" تغضن جبين رفيق وهو يقول : –:" ليه هو أنت نسيتها ولا إيه شكل وراك مصيبة يا أكمل" إبتسم أكمل قائلاً : – :" الظاهر كده ومصيبة هتجيب أجلى واحتمال أجلك معايا كمان" صاح رفيق بإستنكار : –:" نعم يا أخويا وأنا مالى تجيب أجلى ليه هو أنا عملت حاجة" ندت عن أكمل زفرة حارة وهو يقول: –:" أنت ناسى عامر الرفاعى يا رفيق ، حمايا العزيز ممكن يعمل ايه علشان خاطر ننوسة عينه" رد رفيق قائلاً بثقة : –:" مش أنا اللى بخاف يا أكمل دا ياما دقت على الرأس طبول هجى دلوقتى وأخاف من أى حد أنا بخاف من ربنا وبس" حاول أكمل تغيير دفة الحديث ، فقال متسائلاً : –:"المهم سيبك من ده كله دلوقتى فى عملاء مهمين هييجوا بكرة وانت لازم تبقى موجود " أجابه رفيق قائلاً : –:" إن شاء الله أنا راجع النهاردة متقلقش سلام دلوقتى" – :" مع السلامة" انهى مكالمته مع صديقه ، وعاد الى الداخل مرة أخرى وجدهم انتهوا من تناول الطعام ،فرفعت بصرها إليه ، لاتحيد بعينيها عنه ، ولكن نظرة تحمل كل معانى الألم والشقاء والكراهية ، نظرة تكاد تشبع قلبه طعناً بتلك السهام المسمومة الكارهة التى تنفذ من عينيها ، والتى لا تخفى عنه فهو يعلم مدى كرهها له ، ويكاد يصاب بالجنون من كثرة تفكيره فى سبب كرهها له هكذا ، فهو لا يصدق أن السبب هو شراءه أرض أبيها الراحل ، فهو يشعر أن هناك سبب خفى، لا يعلم ماهو ، وهذا ما يجعلها تكرهه ولا تنفك أن تتشاجر معه تسمعه تلك الكلمة ( أنا بكرهك) بقوة وهى تضغط على يديها وتكز على أسنانها ، وكأنها تريد أن تحمل خنجراً بيدها تطعنه به تراه مسجى بدماءه تحت قدميها فنظر لهم قائلاً بهدوءه المميت كعادته : –:" انا مضطر أسافر دلوقتى علشان ورايا شغل ومصالح كتير يلا يا ليان أنتى وباسم علشان نمشى الطريق طويل من هنا للقاهرة" أنتفض فاروق من مكانه وهو يصرخ بوجهه حانقاً: –:" يمشوا معاك على فين يا أستاذ أنت ، أنت جرالك ايه هو علشان قعدت يومين معاهم وساعدتهم أفتكرت نفسك من بقية أهلهم ، متشكرين على شهامتك يا سيدى بس يلا أتفضل بقى كفاية كده ، وأنتى يا إلهام يلا هاتى ولادك خلينا نمشى " أنتظر رفيق حتى أنتهى فاروق من صب جام غضبه عليه ، فحاول قدر إستطاعته قمع ذلك الغضب ، الذى طفا على سطح وجهه ، فرد قائلاً ببرود : –:" يمشوا معايا علشان هييجوا يعيشوا معايا فى بيتى ماهو مش معقول هسافر وأسيب مراتى وأخوها هنا لوحدهم أو أخلى حد غيرى ياخدهم أعين متسعة على أخرها ، وأفواه فاغرة باندهاش ، ووجوه مصدومة ، وعقول لا تعى ما قاله ، فاغمضت ليان عينيها بتعب ،و تسللت دموعها من بين أهدابها ، فأول من وقع بصرها عليه بعد ذلك الخبر المدوى ، الذى ألقاه رفيق لتوه هو ماجد فتحركت رأسه لا إرادياً ، كأنه ينفض عن أذنيه ما سمعه ، فخرج صوته قائلاً بصدمة : –:" أنت بتقول إيه يا استاذ أنت أنت جرا لمخك حاجة " أفتقر ماجد للذوق ، الذى يجعله يهذب حديثه مع من هو أكبر منه سناً ، ولكن بعد ذلك التصريح ، الذى سمعه منه ، تخلى عن كل معانى الأدب والكياسة فحدجه رفيق بنظرة نارية مستاءة ، إلا أنه أستطاع القول ببرود : –:" قولت مش همشى إلا مع مراتى وأخوها وأظن يا أستاذ ماجد تحترم نفسك وأنت بتكلم حد أكبر منك ولا إيه وفعلا زى ما سمعت كده ليان مراتى على سنة الله ورسوله" أرادت الصراخ لتجعله يكف عن قول تلك الكلمة ، التى وضعت النهاية فى حكاية خيالية لم يكتب لها ان تستمر أكثر من ذلك ، فقصور أحلامها التى شيدتها من أمانيها ، تهدمت فوق رأسها ، وكل هذا يرجع سببه لذلك الرجل المسمى رفيق ، فلا يوجد غيره تستطيع تحميله ذنب ماحدث ، حتى وإن لم يكن مذنباً بعد أن خر فاروق ساقطاً على المقعد خلفه بعد سماع قول رفيق ، خرج صوته خافتاً من جوفه الذى نشبت به نيران الخوف من أن يكون رفيق محقاً بقوله : –:" ممراتك ازاى يعنى مش فاهمين وأمتى وإزاى ده حصل" قلب رفيق عينيه بملل قائلاً : –:" هو ايه اللى ازاى! مراتى على سنة الله ورسوله واتجوزتها لما كانت جدتها فى المستشفى " تبسم فاروق بسخرية وهو يقول : –:" وانت بقى فاكرنا هبل وهنصدق كلامك ده مش كده شوفلك لعبة تانية ألعبها" بذلك الوقت أقتربت إلهام من إبنتها ، لعل هى من ستضع حداً فاصلاً لذلك القول ، فمدت يدها ورفعت وجهها لها متسائلة : –:" الكلام ده بجد ياليان" شعرت ليان بجفاف فى حلقها ، فابتلعت لعابها عدة مرات ، حتى خرج صوتها غريباً على مسامعها وهى تقول : –:" أيوة أنا أبقى مراته وهو جوزى" خرج والد ماجد عن صمته ، فرمق ليان بتساؤل : –:" طب ليه مقولتوش وخبيتوا علينا " ردت ليان قائلة : –:" دى كانت رغبة تيتة الله يرحمها " لم ينتظر ماجد أن يسمع كلمة أخرى ، فخرج سريعاً يتبعه والده ، الذى لم تقل دهشته عن الحاضرين ، فكيف حدث كل ذلك ؟ حاول فاروق التشبث بالأمل لأخر دقيقة ، فهتف برفيق : –:" أنا مش مصدق كل الكلام اللى بتقولوه ده ايه اللى يثبت كلامكم ده" رد رفيق بهدوء كعادته دائماً: – :" حضرتك ممكن تسأل المحامى والسمسار اللى كانوا شاهدين على عقد جوازنا وكمان المأذون لأن قسيمة الجواز لسه مش معايا دلوقتى حتى الحاجة علية اتنازلتلى عن الوصاية على باسم وبرضه الورق مع المحامى وممكن نبعتله ييجى وتسأله براحتك" وضع يديه بجيبى بنطاله ، بإنتظار قرارهما الأخير ، بشأن إستدعاء المحامى والسمسار ، لتأكدهما من الأمر ، ففاروق اخذت عيناه تطوف بوجه ليان ، وحديث رفيق يرن بأذنيه واضعاً الحد الفاصل لاحلامه ، التى كانت قريبة التحقيق ، فتلك الزيجة هدمت احلامه الوردية فعقدت إلهام ذراعيها أمام صدرها ، وهى تقول بتبرم واضح : –:" لازم المحامى ييجى يا فاروق ونفهم كل حاجة ماهو مش أى حد ييجى يقولنا أنه اتجوز بنتى يبقى خلاص هصدقه وهسيبهاله" فحالها لم يكن يفرق عن حال زوجها كثيراً ، فكل شئ تم تخطيطه قد أنتهى قبل أن يبدأ ، حاول فاروق الإقتراب من ليان ، إلا انه وجد رفيق يسد عليه الطريق ، بقامته الطويلة وجسده الضخم ، فتلك القابعة خلفه ، أصبحت ملكية خاصة ولا يصح لأحد الإقتراب منها أو لمسها رفع فاروق وجهه لرفيق ، نظراً لقصر قامته أمامه ، ففح بصوت كريه : – أنت واقف ليه كده فى طريقى أبعد ، أنا لازم أفهم منها إيه اللى حصل أنحنى رفيق برأسه إليه فهمس بأذنه حريص على ألا يسمعهما أحد : – ليان خلاص بقت مراتى وتشيلها من دماغك خالص هى وأخوها ، لأن أنت لسه متعرفنيش ، ومتفتكرش إن أنا إبن أكابر وذوق والكلام ده ، لاء دا أنا جبتها من تحت أووى ، ومولود ومتربى فى حارة ، يعنى أعرف أمتى أبقى ذوق مع الذوق وأمتى أبقى بلطجى مع اللى يحاول يقرب على حاجة تخصنى ماشى يا أستاذ فاروق ، وليان واخوها دلوقتى يخصونى لم ينبس فاروق ببنت شفة ، بل إستمع لتحذيره للنهاية ، فتلك الثقة التى يتحدث بها ، جعله يتيقن من أن ذلك الشاب ، ربما يعلم شيئاً عما حدث بالماضى ، فهل من الممكن أن تكون علية أخبرته بما حدث ؟ __________ تنتقل من مكتب لآخر ، تحدث فوضى وجلبة عارمة بمزاحها مع العاملات بالشركة ، حتى خرج أخيها على إثر سماعه صوت ضحكات عالية ، تأتى من أمام غرفة مكتبه ففتح مالك الباب قائلاً بتساؤل : –:" ايه ده فى ايه ، وايه أصوات الضحك العالية دى أنتى بتعملى إيه يا رهف" أنكمشت ملامحها بأسف وهى تقول بوداعة ، لتنقذ نفسها من براثن شقيقها الغاضب : –:" سورى يا مالك كنت بهزر مع نسرين شوية ونسينا نفسنا متزعلش يا حبيبى" وضع مالك يديه بخصره وهو يقول : –:" لا والله عال صوت الضحك عمال يرن فى الشركة كلها ، دا زمان كمان الناس اللى حوالينا سمعونا " أطرقت نسرين برأسها أرضاً وهى تقول بإعتذار : –:" آسفة يا مستر مالك بس والله دى رهف اللى دمها زى العسل ومقدرتش أمسك نفسى" قفزت رهف من على سطح المكتب ، الذى كانت جالسة عليه ، فإبتسمت إبتسامة عريضة وهى تقول ببلاهة : –:" ايه ده أنت اسمك مستر مالك يا لوكا" جحظت عيناه من قولها ، فرد قائلاً بغضب : –:" لوكا! بت أنتى إحنا مش ف البيت أنتى فاهمة اسكتى خالص" لوت رهف فمها فما لبثت أن ردت قائلة : –:" خلاص سكتنا يا أخويا" وصل مالك إلى حافة صبره منها ، فقال من بين أسنانه بغيظ : –:" تعالى معايا يا أم دم خفيف" قام بسحبها من رسغها يجرها خلفه ، حتى وصل الى مكتبه فنظر اليها بغضب شديد وهو يقول: –:" حلو كده يا رهف عمالة تضحكى وبتقوليلى قدام السكرتيرة يا لوكا أنتى فكرانا فين هنا أنا أستاهل ضرب الجزمة أن جبتك معايا " نفخت رهف بضيق وملل وقالت : –:" دا ايه الملل ده انا هروح ياعم معندكوش حاجة مسلية خلى السواق يروحنى يلا خلاص أنا قفلت من الخروجة الناشفة دى" تهلل وجه مالك وهو يقول: –:" يا فرج الله بجد هتروحى هطلبك السواق حالا بس كده عيونى" ضيقت رهف عينيها وهى تقول بتفكه : –:" يا سلام على الندالة عايز تسربنى زى القطة الضالة يا مالك ومصدقت أقولك عايزة أروح" تبسم مالك بدون مرح قائلاً : –:" ماهو لو مسربتكيش دلوقتى أنا اللى هتشل منك يرضيكى اخوكى حبيبك يتشل" مطت رهف شفتيها وهى تقول بلطف : – :" بعد الشر عليك يا لوكا" كمن سكبت مزيداً من الوقود على نيران مشتعلة ، فصرخ بها : –:" الله يحرق ده دلع يا شيخة اللى يجيب قلة القيمة ده" تجاهلت رهف ثورته عليها وعادت تقول : –:" طب وحياتك انت لوكا لايقة عليك أوى" كور مالك قبضة يده وقال : –:" رهف غورى روحى يلا " دبت رهف الأرض بقدميها قائلة: –:" ماشى هغور فينك يا أبيه رفيق تشوف مالك بيعمل فيا إيه وأنت مش موجود" دفعها مالك برفق صوب الباب وهو يقول : –:" يلا من هنا وكملى فقرة التمثيل بتاعتك دى فى البيت بلاش استعباط عطلتينى عن الشغل ولو أبيه رجع ملقاش كل حاجة تمام هيعمل منى بطاطس محمرة" وصلت رهف لمقبض الباب ، ولكن قبل خروجها ، عادت تنظر لوجه شقيقها فقالت : –:'' حتى الاستعباط ممنوع ايه ده فين الاخوة فين المحبة فين الباب يا مامااااا" فهى رأت شقيقها يتطاير الشر من عينيه بسبب مزاحها ، وربما هو على وشك إلقاءها خارجاً ، فهى قد تسببت بتعطيله عن عمله اليوم ، الذى إذا عاد أخيه الاكبر ، ولم يجده قد أنجز ما عليه من مهام ، فسيسمعه كلاماً لا يريد أن يسمعه منه ،فخرجت رهف وفرت هاربة من المكتب ، وهى مازالت تضحك على شقيقها، الذى كان على وشك الانفجار ، من أفعالها الطفولية رأته نسرين يركض خلف شقيقته ، فتعلقت عيناها به ، ولكن خفضتها سريعاً ، فلما هى تصر على تعاسة قلبها أكثر بتعلقها بشخص ، ربما ستكون هى أخر فتاة يفكر بها فى يوم من الأيام ؟ وهل نسيت سريعاً ذلك العهد الذى أخذته بالإقلاع عن أوهامها والتفكير بمستقبلها ؟ فتباً لقلبها الخائن للعهد _________________ يكاد يقتلع شعر رأسه من جذبه المتكرر له ، فهو حتماً سيصاب بالجنون الآن ، فكيف حدث هذا ؟ وكيف أستطاع ذلك الرجل أن يأخذ تلك الفتاة من بين يديه ؟ وكيف يأخذ من دق قلبه لها ؟ تكاثرت الأسئلة برأسه ، للبحث عن إجابات ، فلم يجد سوى الاجابات التى مزقت قلبه فتلك الفتاة رسم أحلاماً عديدة تجمعه بها ، فهو كان يحلم بأنها ستكون زوجته ، حتى أنه فكر أين سيعيشان بعد زواجهما ، و بات يفكر فى أسماء لأولاده منها ، فكل شئ قد أنهار امام عيناه ،فقد هدم ذلك الرجل عالمه بكلمة واحدة ، خرجت من فمه وأصابت قلبه بسهم مسموم فدلف والده تتبعه والدته ، فهى قد علمت بما حدث ، ولا يخفى على أحد تلك السعادة المرسومة على وجهها والمتملكة من قلبها ، بابعاد تلك الفتاة عنه رأى والده حيرته ، فأقترب منه قابضاً على ذراعه قائلاً بمواساة : –:" أهدى يا ماجد مش كده يا حبيبى" نظر إليه ماجد وعيناه ملتمعة بالدموع قائلاً : –:" أهدى ! أهدى إزاى يعنى يا بابا إزاى ده حصل وليه اصلاً حصل أنا هتجنن هتجنن" ضربت صابرة كفيها ببعضهما البعض وهى تقول: –:" وفيها إيه يعنى يا أبنى لما تتجوز ربنا يسعدها إحنا مالنا بيها" حول ماجد بصره لوجه والدته ، التى لم تأخذها الشفقة عليه كوالده ، فخرج صوته ملتاعاً بألم : –:" إحنا مالنا إزاى يعنى يا ماما وأنتى عارفة أن أنا بحبها" ردت صابرة قائلة ببرود وجمود: –:" واديها اتجوزت يا دكتور هتعمل ايه يعنى ها خلاص موضوع وخلصنا منه وخليك فى مستقبلك دا أنا إن شاء الله هجوزك ست ستها وواحدة تشرفك ، أنا ياما قولتلكم أن بنت إلهام ملهاش أمان زى أمها محدش صدقنى ، أديها أهى مع أول فرصة جتلها وقعت واحد غنى وأتجوزته " لم يستساغ محسن ما سمعه منها ، وخاصة شقها الأخير من حديثها ، فرد قائلاً: – خلاص يا صابرة ملوش لازمة كلامك ده الله أعلم كانت ايه الظروف لجوازهم مش عايزين نظلم حد ترك الحديث مع زوجته ، فعاد لولده قائلاً بلين : –:" جايز أمك عندها حق بخصوص أن موضوعك مع ليان خلاص خلص لحد كده " رد ماجد قائلاً بإصرار : –:" لاء مخلصش يا بابا وأنا لازم أعرف كل حاجة وايه اللى حصل بالظبط" تجهمت ملامح والدته وهى تقول : – :" وهتعرف ازاى يعنى يا ماجد خلاص بقى يا أبنى متوجعش دماغك" عاد ماجد لإصراره ثانية وهو يقول : –:" لاء يا ماما ، أنا لازم اتكلم مع ليان" هم ماجد بالخروج من الغرفة ، فقبض والده على ذراعه ينهرهُ عن فعل ذلك قائلاً : –:" أهدى يا ماجد وبلاش جنان ليان دلوقتى على ذمة راجل يا ابنى ومظنش انه هيسمحلك تقعد تتكلم معاها" أفلت ماجد ذراعه من قبضة يد والده وهو يقول : –:" ميهمنيش جوزها ولا غيره" قال ماجد عبارته وخرج سريعاً من المنزل يريد رؤيتها لتمنحه تفسيراً لكل ما حدث ، فأسرعت صابرة بوكز زوجها بذراعه لعله يلحق بإبنهما ، قبل أن يرتكب حماقة ، أو أن يصيبه ضرر من لقاءه مع زوج ليان ١٥– " إعتراف سخيف" قاد فاروق سيارته بسرعة قصوى ، فكان على وشك فقدان السيطرة على أعصابه ، وتفادى الاصطدام بالمارة عدة مرات ، حتى وصل الأمر بزوجته أن تطلق صرخات عالية من الخوف بسبب تلك السرعة الزائدة ، التى يقود بها ، فبعد معرفتهما بزواج ليان ومجئ المحامى وإخبارهما بالحقيقة كاملة ،وأن ليان حقاً زوجة رفيق ، وجدوا أنفسهما راحلان من المنزل ، وتركا ليان واخيها مع رفيق ، ليغادر بهما الى منزله فوضعت إلهام يدها على صدرها وهى تقول بخوف : – :" حاسب يا فاروق انت كده هتموتنا" ضرب فاروق المقود بغيظ وهو يقول : –:" فى ايه يا إلهام انتى كمان متوجعيش دماغى بصويتك ده " ندت عن إلهام زفرة حارة مرتجفة وهى تقول: –:" سوق بالراحة انت هتموتنا يا فاروق والعصبية بتاعتك دى مش هتفيدك بحاجة " جز فاروق على أسنانه مغمغماً بغيظ عظيم : –:" شوفتى الولية القرشانة لعبتها صح ازاى " أماءت إلهام برأسها وهى تقول: –:" أنا مجاش فى دماغى أنها ممكن تعمل كده ابدا" –:" واهى عملت ودلوقتى مش هنقدر ناخد بنتك منه لانها مراته حتى باسم هى اتنازلت له عن وصايته " قال فاروق عبارته وعاد ينظر للطريق أمامه بينما إلهام زفرت بشعور من الراحة وهى تقول: – :" بس تصدق كده أحسن انها اتجوزت وتبقى فى حماية راجل علشان مبقاش قلقانة عليها" صاح بها فاروق بغضب : –:" وهى معانا مكنتش هتبقى فى حمايتنا" نظرت إلهام من نافذة السيارة وهى تتحاشى النظر إليه وقالت : –:" انت كنت عايزها تغنى عندك فى الصالة يا فاروق وانت كنت عمال تقنعنى بالموضوع بس من جوايا مكنتش موافقة كده أحسن" قبض على المقود بقوة وهو يرد جواباً على قولها : –:" هو أنتى كان صعبان عليكى إن إحنا نبقى اغنيا ونعيش فى مستوى كويس" لوت فمها وهى تقول: –:" بأنك تخلى بنتى عرض عندك فى الصالة" زاد حنقه منها ، فصرخ بوجهها قائلاً : –:" خلاص اكتمى بقى اهى خلاص الفرصة ضاعت من ايدنا" ردت إلهام قائلة بعدم إكتراث : –:" أحسن برضه أنها ضاعت'' كف فاروق عن الحديث ، فكلام تلك المرأة ، يصيبه بالضيق فهو الآن يلعن حظه العاثر ، الذى جعل ذلك الرجل المدعو رفيق يظهر بتلك اللحظة الحاسمة ، ولكنه لن يجعل اليأس يصيبه ، فتلك الفتاة لابد أن يأتى الوقت المناسب ، وستكون تحت قبضة يده ، وهو سيعمل جاهداً لتحقيق ذلك الهدف _______________ نفخ رفيق بضيق فلقد سأم حقاً من الحديث معها ، فهو منذ ساعة تقريباً وهو يقنع تلك الفتاة العنيدة ، أن تحزم امتعتها ،حتى يعودوا الى منزله ، وهى تقابل مطلبه بالرفض القاطع فألتمعت عيناها بالشرار وهى ترد قائلة : –:" قولتلك مش هاجى معاك يعنى مش هاجى معاك انت مبتفهمش" فهى لم يعد لديها ما تخسره ، فهى خسرت كل شئ دفعة واحدة ، ولم يعد يعنيها ما سيحدث لاحقاً برزت عروقه بجبهته وهو يقول بغضب شديد: –:" احترمى نفسك احسن والله العظيم اوريكى وشى التانى وانتى لسه متعرفنيش" ردت قائلة بسخرية : –:" لاء ما أنا اعرفه يا استاذ انت" تركها رفيق وأقترب من باسم قائلاً بلين : –:" باسم روح انت جهز شنطتك على ما اتكلم مع ليان شوية" لم يرد باسم كلمته ، بل قال بإستسلام تام : –" حاضر" ذهب باسم لتنفيذ ما قاله رفيق ، فنظرت اليه بتلك النظرات الكارهة والتى قد سأم منها ، وهى تقول بإصرار : –:" أنت بتقوله يجهز شنطته ليه أخويا هيقعد معايا ومش هيروح ف حتة انت فاهم" رفع سبابته بوجهها محذراً إياها من مغبة الإستمرار بعنادها الطفولى وهو يقول : –:" بقولك ايه انا مش فاضى للعب العيال بتاعك ده بقى انا زهقت من تصرفات العيال بتاعتك دى يا أنسة يا محترمة" نظرت ليان لأظافرها ، لتتجاهل حديثه لها ، فردت قائلة ببرود : –:" هو ده اللى عندى اذا كان عاجبك واخبط دماغك فى الحيطة" جذبها بغتة من مرفقيها ، حتى أستقامت بوقفتها ، فصاح بوجهها غاضباً: –:" أنتى قليلة الادب ومحتاجة تربية من اول وجديد وانا هربيكى يا ليان واعلمك الأدب" لوت ثغرها بسخرية وقالت: –:" حلوة النكتة دى اعلى ما فى خيلك اركبه يا استاذ انت" فتاة سليطة اللسان حقاً ، لاذعة كبرتقالة مرة تناولها عن طريق الخطأ ، إذا لم تكف الآن عن حديثها السخيف والمهين ، فربما سيخرسها هو بطريقة تعجزها عن الحديث أياماً ، فماذا يفعل معها أيصفعها على وجهها ام يعانقها كما حلم بها بين يديه؟ لاحظت أنه كف عن الحديث ، وكأنه يضمر لها نية سيئة ، لا تعلم لما شعرت بالخوف عندما رأت نظراته تتجول على وجهها ؟ كأنه يخطط لشئ يريد تنفيذه ولكنه يرتب افكاره اولاً نبضة تلو نبضة ، و رجفة تلو رجفة ، وخوف تملك من فؤادها رأته يقترب بوجهه منها ، فأرتد رأسها للخلف وهى تنظر له بذعر ، وكأن يديها أصبحت عاجزة عن دفعه قبل ان يصل اليها فأستطاعت أن تفلت من بين يديه ، وظلت ترتد بخطواتها للخلف ، حتى اصطدمت بمقعد خلفها ، فوجدت نفسها تجلس عليه وهى ترفع عينيها اليه كأرنب مذعور فجف حلقها وهى تقول : –:" فى ايه مالك انت بتقرب منى ليه كده ابعد عنى" قال رفيق بتسلية : –:" أصل ما سمعتش منك الكلام كويس فقربت علشان اسمع بتقولى ايه" وجدته يقترب أكثر كأنه وجد شئ مسلى، فوجدته يضع يديه على طرفى المقعد ينحنى اليها ، فأصبح وجهه مقابل لوجهها ، لا تفصلهما سوى سنتيمترات قليلة ، لا تكفى أن تستنشق هواءاً ،حتى صار كل منهما يسمع صوت انفاس الآخر ، فأنفاس مضطربة خائفة ، وأنفاس مشتاقة هادئة نظرت اليه بعيون جاحظة ، فماذا سيفعل ذلك الرجل الآن بها ، فهى من وضعت نفسها بهذا المأزق منذ البداية فكأنها نسيت كل شئ ، تستنشق رائحة عطره ، الذى فاح من ثيابه قاصداً أنفها ، من إقترابه الحميمى منها ، فما ذلك العطر الذى يستخدمه ، فهو كأنه يضع عطر للتنويم المغناطيسى فأطرافها اصابها الخدر ، تشعر بعقلها يصيبه الشلل ، فتسمرت عينيها على وجهه ، وكأنه إذا أخبرها الآن ، بأى أمر ستوافق بدون أى مناقشة او اعتراض فهتف بها بصوت هادئ : –:" هتقومى تجهزى شنطتك وتيجى معايا ولا ايه يا ليان" اللعنة على تلك الثقة التى يملكها ، و تلك النبرة الهادئة التى يتحدث بها هذا الرجل ، كأنها ستهرول سريعا الى غرفتها وتقوم بتنفيذ ما قاله ، ولكن لا لن ترضح لاوامر ذلك المتغطرس ، فهى حرة وستظل كذلك ، فكل هذا الكلام يتردد بداخلها ، تريد أن ترمى به فى وجهه ، ولكن كأن تلك الكلمات فى مكان ما بعيد مهجور ، لا تجد الطريق الى الخروج فأفكارها اصبحت تائهة فى صحراء عقلها الآن –:" لاء" كلمة واحدة خرجت من حلقها ، فأعصابها مشدودة كوتر على وشك الانقطاع ، اذا استمرت على تلك الحالة ، رفع احدى حاجبيه تعجباً من قوة ارادة تلك الفتاة ، التي لا تنصاع أبدا لأى كلمة يقولها روح متمردة وعينان ملتمعة بقوة ، يقبع خلف تلك القوة الواهية ، فتاة هشة كالقطن الذى إذا ضغط عليه ينكمش بين أصابعه مطيع ولين فقال تلك المرة بهدوء مثير : –:" ليان أنا مش فاضى للعب العيال بتاعك ده انا ورايا شغل كتير ولازم امشى ومينفعش اسيبك انتى وباسم هنا افهمينى يا حبيبتى" نقمت عليه بأنها أستمعت لتلك الكلمة من فمه ، وهى كانت تريد سماعها من ماجد ، فردت قائلة بحدة : –:" وانا قولتلك مش هاجى معاك وأنا مش حبيبتك وانت لازم تطلقنى بسرعة" مد يده وداعب وجنتها بلطافة وهو يقول: –:" هو احنا لحقنا نتجوز علشان اطلقك ياليان" خفض يديه يتحسس فكها ، لمسة من نار احرقت بشرتها ، فلماذا هى عاجزة عن ردع يده حتى تكف عن التجول على صفحة وجهها؟ غائباً هائماً بما يفعله ، فما الذى يحدث معه؟ فربما هو أصبح مغيب أو ربما تلبسته شياطين الجن ، فيتصرف هكذا ، فمن يراه الآن لا يصدق انه منذ عدة أيام ، كان لا ينظر إلى أى امرأة كانت أو فتاة فلم تستهويه بنات حواء ، منذ ذلك الموقف السخيف الذى حدث معه منذ سنوات ، عندما كان ببداية ريعان شبابه ، أما الآن فيده تتجول على وجه تلك الفتاة ، لا تكف عن تحسس أدق تفاصيل وجهها ، كأنه اعمى يتحسس طريقه فى الظلام فأزاحت ليان يده بغضب ، تحاول أن تدارى ذلك الضعف الذى بدأ يسير بأوردتها ، فهى لم يلمسها أحداً من قبله ، ويبدو عليه أنه خبير بفنون إغواء عقلها وقلبها فعادت وتذكرت ما كان من أمرها سابقاً ، فهتفت به بحدة : –:" انا مش مراتك دا كلام وخلاص والورقة اللى بتثبت ده ملهاش لازمة انت أبقى تبلها وتشرب مايتها" عوضاً عن أن تثير مزيداً من حنقه ، جاءها صوته هيناً ليناً : –:" دى مش ورقة وبس يا ليان دى قسيمة جوازنا يعنى انتى دلوقتى بقيتى ليان رفيق رسلان عارفة يعنى ايه كلامى ده" أقترب منها ثانية ، فظل الصراع بداخلها على أشده، فهل جهلها بتلك الأمور ، جعلها لا تحسن التفكير مع أول مرة تشعر بإقتراب رجل منها ، خاصة إذا كان يملك ما يخوله أن يفعل ما يشاء فردت ليان بصوت شابه الضعف : –:" مش عارفة ومش عايزة أعرف وابعد بقى عنى" –:" انتى عيزانى ابعد دلوقتى يا ليان" نبرته دافئة هادئة هامسة مثيرة للضعف ، الذى يسرى الآن فى مفاصلها ، فهى حتى إن إستطاعت أن تنهض من مكانها فقدميها لن تتحمل وزن جسدها على الرغم من ضعف بنيتها الجسدية ، فربما ستسقط جالسة فى مكانها مرة أخرى ما تلك الافكار التى تزاحمت بعقلها الباطن حول ذلك الرجل ؟ فتلك هى المرة الاولى ، التى تشعر بأحد قريب منها الى هذا الحد ، الذى يجعلها ترى ذلك النبض اسفل عنقه ، فهى ترى عظمة نحره تجرى صعوداً وهبوطاً ، وكأنه يبتلع ريقه ليبلل حلقه الذى ربما أصابه جفاف شديد فزاد بالأمر حتى أقترب هامساً أمام وجهها : –:" ها مردتيش عليا يا ليان" أصطدمت عيناها بحركة شفتيه ، وتلك الأنفاس الدافئة تضرب وجهها بدون رحمة أو هوادة ، فبالكاد خرج صوتها وهى تقول: –:" عايزنى ارد عليك بخصوص ايه" لم ينتبه رفيق من قبل على تلك الشامة الصغيرة أسفل شفتها السفلى ، فقال وعيناه عالقة بها : –:" ليان أنا مش هفضل طول النهار مستنيكى توافقى تيجى معايا أنا طولت بالى معاكى بما فيه الكفاية لازم تسمعى كلامى بقى " أجابته ليان بتلعثم : – :" ماهو أصل فى حاجة أنت متعرفهاش وهى أن أنا بحب واحد تانى لم تكد تنهى حديثها ، وإعترافها السخيف ، الذى لم تتفوه به إلا من أجل أن تثير غضبه وحنقه ، وربما يتركها بحالها ،حتى لمحت ماجد يقف على عتبة ذلك الباب المفتوح على مصراعيه ، وكأنهما تناسوا أمره بعد رحيل والدتها وزوجها وجدها تنظر لشئ خلفه ، فتتبع نظراتها وإستدار برأسه و نظر من خلف ظهره ،وجد ذلك الشاب يقف أمام الباب ، يرى ذلك المشهد الحميمى ، الذى لو رأه أى احد ، سيظن انهما عاشقان كانا على وشك تبادل العناق ، فهو رأى يد رفيق تحتضن وجهها ، وهى جالسة مطيعة ولا تبدى إعتراضاً نيران شبت فى قلبه وكل حواسه ، ماذا يفعل ذلك الرجل؟ وكيف تسمح له بذلك؟ كيف تسمح له بلمس شئ من المفترض ان يكون له هو ؟ استقام رفيق بوقفته ووضع يده بجيبه ينظر إليه نظرة باردة مستفهمة من وجوده هنا فى هذا الوقت فهتف به ببرود : –:'' افندم فى حاجة يا ايه معلش انت اسمك ايه" رد ماجد بغيظ : –:" اسمى ماجد محسن" أماء رفيق برأسه كأن الأمر ليس يعينيه ، ولكنه رد قائلاً : :" اه خير يا ماجد محسن فى حاجة" تجاهل ماجد قوله ، فنظر لليان وهو يقول: –:" ليان انا عايز اتكلم معاكى شوية ممكن" تجاهل ماجد ذلك الرجل عمداً ، ووجه حديثه لتلك الفتاة الجالسة بقوى واعصاب على وشك الانهيار ، فما ذلك المشهد السخيف الذى رأها فيه الآن فلم تحسن خروج حروفها من فمها وهى تقول: –:" ااايوة يا ماجد كنت عايزنى فى ايه " أشار ماجد بيده للخارج وهو يقول : –:" عايز أتكلم معاكى على انفراد ممكن نخرج الجنينة" ما الذى يهذى به هذا الشاب الآن ؟ وكيف له ان يتحدث معها هكذا ؟ فهو لا يحسب له حساباً ، كأنه ليس له أهمية وجدها تقف تمر بجواره ذاهبة مع ذلك الشاب ، فمد يده التقط معصمها قبل ان تتجاوزه وتخرج إلى الحديقة فصاح بها بغضب : –:" أنتى راحة فين حضرتك هوا واقف وسطكم " حاولت نفض يده عن معصمها فلم تفلح بذلك ، فقالت وعيناها على وشك البكاء : –:" سيب ايدى وانا خارجة الجنينة هشوف ماجد عايز ايه" حدجها رفيق بنظرة مفاداها أنها يجب أن تطيعه بما يقول ، فهتف بها بحدة : –:" بس انا مسمحش لمراتى تقعد مع حد غريب حتى لو كان معرفة" تبسمت ليان قائلة بسخرية وقالت : –:" مراتك! سيب ايدى بقولك" نفضت يده عن معصمها تريد أن تتحدى ذلك الكبرياء اللعين الذى يملكه هذا الرجل ، الذى يظن انها ستطيعه فيما يقول ولكن قبل ان تخرج ، وجدته يجذبها من حجابها بطريقة مؤلمة ، فهو قد اكتفى من عناد تلك الفتاة ، فهو لم ينسى غضبه من تصريحها الغبى منذ دقائق ، فكيف لها بإخباره أنها تحب شخص أخر ، فتلك الفتاة تجاوزت كل الحدود التى تأمن سلامتها تأوهت تحت يده فشعرها مشدود مع حجابها ، فهتف بها رفيق ببرود : –:" هقولهالك لأول واخر مرة يا ليان كلمتى متتردش انتى فاهمة وانت يا استاذ الكلام اللي عايز تقوله قولهولها فى وجودى مش كده يا ليان" خفف من قبضة يده على حجابها ، فتنفست بعمق محاولة تهدئة تلك العواصف التى تعصف بقلبها الآن ، مرددة كلمة واحدة " بكرهك" ، فياليت السماء تسقط على رأسك الآن ، تنهى حياتك أيها الرجل ، أمنية يتردد صداها فى قلبها يعجز لسانها عن قولها ، ولكن عوضاً عن تركها أحاط كتفها يقربها منه يلصقها به ، فلغرابتها استكانت بوقفتها ولم تتفوه بكلمة اعتراض ، فهو كأنه يسلبها حتى حق الإعتراض فحاولت أن يخرج صوتها طبيعياً وهى تقول: –:" كنت عايز تقولى إيه يا ماجد" رأى ماجد خضوعها له ، فأعتلت نظرة إشمئزاز وجه وهو يقول: –:" مبقاش له لازمة الكلام يا ليان واه نسيت اقولك مبروك على الجوازة ربنا يسعدكم" حاولت ليان أن تبرر له موقفها من تلك الزيجة فقالت بما يشبه الرجاء : –:" ماجد بس اسمعني" أولاها ماجد ظهره قائلاً: – :" مبقاش له لازمة أنك تتكلمى يا ليان عن اذنكم'' خرج ماجد من الباب مهرولاً ، كأنه ينفر ان يجمعه سقف واحد مع تلك الفتاة ، التى يرى الآن انها مخادعة رأت هى ذلك فدفعت ذلك الواقف بجوارها بكل ما تحمله من قوة وهى تصرخ بوجهه : –:" عاجبك كده ارتحت" أخذ وجهها بين يديه وعيناه تطلق شرار وهو يقول بغيرة عاصفة ، لا يعلم كيف إجتاحت حواسه بتلك اللحظة: –:" وهو عايز منك ايه ده كمان وانتى ايه علاقتك بيه اصلاً ها انطقى قولى ردى عليا" صار قلبه كالجمر المحترق ، فهل يشعر بالغيرة ؟ نعم فهو يغار بشدة ، ففتاة وبضعة أيام فعلوا به ، ما لم تفعله سنوات طوال من البرود والصقيع الذى كان يحيى به ، أما الآن فهو أصبح لهيباً حارقاً ربما يطالها يحرق ما تبقى من روحها المتمردة ، فحصون كالصخر أصبحت هشة كأوراق الشجر فى يوم خريفى تتساقط من على اغصانها رمقته بكره كعادتها عندما تنظر إليه فردت قائلة بشعور من القهر : –:" أنت عارف أنا عمرى ما هسامحك أبدا على أى حاجة وعلى حياتى اللى هتدمر على إيدك وعلى حياتى اللى انتهت من قبل ما تبتدى " تغضن جبينه بتساؤل قائلاً: –:" وأنا عملتلك ايه لده كله دى كانت رغبة جدتك قبل ما تموت" طالعته بصمت ولكن سرعان ما قالت : –:" وانت وافقت ليه ها لو كنت رفضت كان هيبقى كويس ومكنتش تيتة هتضغط عليا علشان اوافق بس انت ما صدقت ووافقت وخليتنى اضطر اوافق علشان تيتة متزعلش بس عارف خلاص اللى كنت خايفة عليها خلاص راحت فأنت تطلقنى بهدوء كده وتروح لحالك ولا كأنك شوفتنى ولا عرفتنى وانا همسحك من ذاكرتي باستيكة" –:" خلصتى اللى عندك يلا بقى خلينا نمشى" قالها رفيق ببرود متجاهلا حديثها ومطلبها ، فهى إن كانت تظن أنه سيستمع لما قالته فهى واهمة فكزت على أسنانها وهى تقول: –:" انا نفسى اعرف انت جنسك ايه بالظبط يا بارد انت" بدون مقدمات وجدت نفسها محمولة على كتفه ، كمتاع مهمل تصرخ بصوت عالى وتضربه بقبضة يدها على ظهره ، فلم يتأثر بوابل ضرباتها له ، حتى وصل إلى غرفتها ، فأطلق سراحها بوسط الغرفة ، تنظر اليه كقطة شرسة على وشك غرز مخالبها فى وجهه فتتابعت أنفاسها وهى تقول: –:" ايه اللى انت عملته ده وازاى تشيلنى كده ها " –:" قدامك نص ساعة متزدش دقيقة تكونى جهزتى شنطتك أحسن وقسما بربى لهاجى اخدك زى ما انتى حتى لو مكنتيش مكملة لبسك وده اخر كلام عندى" بعد ان ألقى حديثه ، أو بالأصح تهديده لها ، خرج من الغرفة فركضت الى الباب تغلقه خلفه بقوة ، وكأنها تريد تحطيم الباب على رأسه ، وتجعل جسده حطاماً ،ذلك الجسد الصلب الذى لم يتأثر حتى بحملها فهى شعرت كأنه معتاد على حمل أثقال تفوقها وزناً بكثير فدمدمت بغيظ : –:" روح يا شيخ منك لله " أرتأت أنه من الأفضل لها ، أن تسايره قليلاً حتى لا تصدر منه أفعالاً ، ربما ستجعلها نادمة لما تبقى من عمرها ، فهى لم ترى بعد شئ من قسوته ، فهى كانت تظن انه سيتعامل معها بالحديث فقط ، ولكن ربما تفكيرها الساذج هو من جعلها تظن أنه ربما يكتفى بالحديث وحسب _______________ أوشك على الانتهاء من عمله والعودة للمنزل ، فوجد نفسه يخرج من مكتبه ،و يدلف الى مكتبها ، متذرعاً بأى حجة ليتحدث معها ويراها فحمحم قليلاً ورفعت هى وجهها عن الأوراق أمامها فابتسمت ابتسامة خفيفة تهب واقفة من على مقعدها قائلة: –:" ايوة يا مستر أكمل حضرتك عايز منى حاجة" حاول إيجاد ما يسعفه من حجة يستطيع قولها ، فرد قائلاً بجدية : –:" أه كنت بسأل على ورق اخر مناقصة علشان عايز اراجعه قبل ما امشى" ردت سارة قائلة: –:" بس حضرتك الورق جبتهولك على المكتب من بدرى هو حضرتك مشفتهوش" قال أكمل بحرج : –:" ايه ده بجد أنتي جبتيلى الورق بجد" أماءت سارة برأسها وهى تقول: –:" أيوة حضرتك وحتى حضرتك قولتلى سبيه اراجعه" دلك أكمل مؤخرة عنقه قائلاً بشعور طفيف الإحراج: –:" اه الظاهر ان انا عندى زهايمر بقى" أطرقت سارة برأسها أرضاً وهى تقول: –:" ألف سلامة على حضرتك" عاد أكمل ووضع يده بجيبه وهو يقول : –" الله يسلمك وعلى فكرة كنزى بتسلم عليكى" تبسمت سارة إبتسامة وضاءة وقالت : –:" الله يسلمها وربنا يباركلك فيها ويجعلها ذرية صالحة إن. شاء الله" أمن أكمل على دعاءها بقوله : –:" اللهم آمين طب أنتى مش هتمشى الوقت خلاص وقت الانصراف" رفعت سارة ملف من الأوراق وهى تقول بمهنية جادة : – :" انا كنت براجع ورق العملاء اللى هييجوا بكرة ان شاء الله علشان يبقى جاهز على الاجتماع" نظر إليها أكمل قائلاً بإعجاب : –:" أنتى شاطرة فى شغلك أوى يا سارة " ردت سارة قائلة بخجل من إطراءه لها : –:" شكرا يا مستر أكمل وإن شاء الله دايما أكون عند حسن ظن حضرتك" اصطبغ وجهها بذلك اللون الاحمر ، وهى تراه ينظر اليها هكذا ، فهى غير معتادة على ان يحدق بها احد أو أن يطيل النظر إليها هكذا ، فتمنت أن ينصرف الآن ، فوجهها على وشك ان تنفجر منه الدماء من فرط خجلها ولكنه لم يتزحزح من مكانه وكأن قدميه تيبست فى ذلك المكان ، متناسى بذلك تلك المرأة التى تنتظره فى المنزل الآن فأفاق على حاله المرير ، فهو يجب ان يذهب الآن فهتف بها قائلاً: –:" عن اذنك يا سارة أسيبك تكملى شغلك" –:" أتفضل يا مستر أكمل" قالتها سارة وعادت لتنهى عملها ، بينماخرج هو سريعاً من مكتبها ، يلعن تفكيره وتلك الافعال ، التى يفعلها كالمراهقين ولما لا فهو لم يختبر الحب من قبل ، فهو تزوج من إمرأة لجمالها وحسبها ونسبها ، وليس لأن قلبه دق لها فظن انه بعد زواجهما ، ستجعله عاشقا لها ، ولكنها لم تفعل سوى ان تميت بداخله كل المشاعر الجميلة التى يشعر بها الرجل تجاه محبوبته ، وكل هذا بسبب انانيتها التى ليس لها حد فبعد خروجه وأنهاءها إعداد الورق المطلوب لإجتماع الغد ، لملمت سارة اغراضها ، لتذهب الى منزلها ، ولكنها تفكر فيما ألت اليه حياتها منذ عملها هنا ، فهى الآن تخطو فى طريق وعر محفوف بالمخاطر ، اذا تجرأت وفكرت بأكمل بشكل آخر يتنافى مع المفترض ان يكون بين مدير و فتاة تعمل لديه __________________ إستطاعت التسلل من الباب الخلفى للمنزل ، وخرجت للشارع ، فهى بعد إنتهاءها من إعداد وترتيب حقيبتها ، أرادت الذهاب لرؤية تلك الأرض التى كانت ملكاً لأبيها سابقاً ، وملكاً لزوجها حالياً ، فهى خشيت ألا يجيب مطلبها بتوديعها ، بحجة أنه لا يملك الوقت الكافى لذلك ، بل يريد العودة إلى منزله سارت على الأرضية الترابية ، وهى تنظر خلفها لتتأكد من عدم مجيئه خلفها ، سواء هو أو شقيقها ، فهى ستذهب على أن تعود سريعاً قبل أن يكتشفا أمر غيابها – الحمد لله محدش شافنى تلك هى الجملة الوحيدة التي قالتها بإرتياح ، وهى تقف أمام ذلك الممر المائي الفاصل بين الطريق والأرض ، فنظرت بحزن لجدول الماء ، فهى ستحرم من هذا الهدوء والجمال ، فتذكرت أوقاتها السعيدة ،وأمنايتها واحلامها التى نسجتها سراً وهى جالسة بهذا المكان أنحنت وقبضت قبضة من تراب الأرض ، تفركه بين أصابعها ، لتشعر بملمسه ، فتلك البقعة توارثتها عائلتها جيل من بعد أخر ، ولكنها بالنهاية آلت للغريب ، ولكن ذلك الغريب زوجها ، وبإمكانها أن تظل الأرض ملكاً لها ، ولكنها لم تفكر مطلقاً بشأن إستغلال ذلك على بعد عدة أمتار ، لمحت ليان بكر الذى جاء للبلدة لرؤية عائلته سراً ، مثلما يفعل منذ أن تم طرده من منزله ومن البلدة بأكملها ، فهو يحاول أن يوارى وجهه ، ولكنها إستطاعت أن تميزه ، عندما طار الوشاح الملثم به فكأنه أنتبه على وجودها ، خاصة بذلك الوقت ، الذى بدأ الفلاحين يعودون لمنازلهم ، فالليل أوشك على إسدال ستائره بعد وقت ليس بالكثير حاولت أن تطلق ساقيها للريح ، قبل وصوله إليها ، فهى رأته يأتى مهرولاً بخطواته ، كأنه يريد أن يلحق بها قبل أن تلوذ بالفرار ، فركضت تحاول العودة للمنزل ، قبل أن يدركها وربما يحدث ما لا يحمد عقباه ولكن حظها عسيراً ، فهى الآن تسير بذلك الدرب الضيق الخالى من وجود إناس بإمكانهم أن يساعدوها داست بدون إنتباه على حجر ، فكانت على وشك السقوط ، فوجدت يد غليظة تقبض على ذراعها فأستدارت برأسها وجدت بكر ينظر لها بمكر : – عاش من شافك يا بنت إلهام ، أنتى مفكرة نفسك كده راحة تجرى على فين ها حاولت الإفلات من بين يده ، وهى تصرخ عالياً: – سيبنى وأبعد عنى ألحقونى يا نااااااس كمم فمها بيده ، ليمنع صراخها ، فتبسم بشر قائلاً : – ناس مين اللى هيلحقوكى دا أحنا هنا الحتة يعتبر مقطوعة يعنى محدش هيحس بيكى خالص كادت عيناها تقفز خارج مقلتيها ، فما رأته من سيمات الشر البين على وجهه ، جعلها تتيقن من أنه لن يفلتها من يده ، فأنسكبت دموعها غزيرة من عينيها ، فهى حقاً حمقاء ، فلما تركت المنزل وجاءت لهنا ؟ فمن بإمكانه أن يساعدها الأن أزاحت يده بصعوبة من على فمها وهى تنادى قائلة بصوت مستغيث ، تعلم أنه لن يجدى نفعاً ، ولكنها لم تجد ضرراً من المحاولة : – رفيييييييق ألحقنى قطب بكر حاجبيه قائلاً بغرابة: – مين رفيق ده كمان اللى بتنادى عليه ، وفرى صوتك يا حلوة ، علشان لسه هندمك على اللى عملتيه فيا وطردى من البلد بسببك جرها خلفه لذلك المنزل المهجور ، فلا أحد يسكن هنا ، فالمكان خاوياً منذ سنوات طوال ، وأمتلأ بالقمامة والغبار وسكن به القطط والكلاب ، دفعها للداخل ، فلم تتحمل دفعه لها ، فسقطت على الأرض يكاد وجهها يتهشم بأكمله من إرتطامها بسطح الأرض الصلب ، فأصابها جرح صغير بجبهتها ولكن قبل أن يأتى بأى حركة ، وجد من يقبض على ثيابه من الخلف ، فلم يمهله رفيق فرصة ليعى ما يحدث ، فبدأ بلكم وجهه ، وتسديد الضربات بوجهه وباقى أنحاء جسده ، بعد جهد إستطاع بكر أن يتفادى تلك اللكمة التى كانت ستصيب عينيه اليمنى ، ولكن رفيق طرحه أرضاً ، وجثم على صدره ، وهو يسدد له اللكمات بقرب فمه ، فكلما يتذكر ما كان ينتوى فعله بزوجته ، يزداد غضبه أكثر فصرخ به بجماع صوته : – أنت كنت هتعمل فيها إيه يا كلب رأت ليان بكر يبصق الدماء من فمه ، فشعرت بالخوف ، فهى تخشى أن يقتله بثورة غضبه وهو لا يعى ما يفعل ، فنهضت من مكانها وحاولت جذب رفيق وهى تقول بصوت أقرب للتوسل : – سيبه دا ممكن يموت فى ايدك وتروح فى داهية سيبه كللت محاولتها بالنجاح ، وهى تراه يتركه ولكن نظرته لها ، لم تكن بأقل شراسة من تلك التى كان يرمق بها بكر حاول أن يلتقط أنفاسه اللاهثة ، فأغتنم بكر الفرصة وفر هارباً من المكان ، قدر ما أمكنه جسده المصاب فلم يبالى رفيق بهروبه ، بل قبض على ذراعها وهو يقول : – كويس كده اللى كان ممكن يجرالك لو أنا ملحقتش أنقذك منه أنتى عايزة تعملى فيا إيه بالظبط ، وليه تخرجى من ورايا وتخلينى أفضل أدور عليكى ولولا باسم قالى على المكان اللى دايما تقعدى فيه مكنتش جيت وشوفت الكلب ده من بعيد وهو بيحاول يجرى وراكى وجابك على هنا لم تجد ما تبرر به فعلتها سوى البكاء ، فكأنه أنتبه على قطرات الدماء التى تساقطت من جبهتها ، فتحسس جبينها وأخرج من جيبه محرمة ورقية ومسح دماءها ، وبعد إنتهاءه لم يعى ما يفعل ، إلا بعدما جذبها إليه وطوقها بذراعيه ، وشد بساعديه حولها فغمغم وهو يقترب برأسه من أذنها قائلاً بصوت مرتجف : – أنتى عايزة توصلينى لإيه بالظبط يا ليان ، أنتى لو كان جرالك حاجة كنت هتجنن يلا علشان نروح بيتى قصدى بيتنا بتردد رفعت يدها وحطت بها على ظهره ، فقواها منهكة للغاية ، و لم يعد لديها طاقة على مجادلته أو أن تتحداه ، فتلك هى المرة الاولى التى تشعر بالإمتنان والراحة لرؤيته ، فهو حال بين وقوعها بأكثر الأمور شراً ، فحتى وإن كانت تمقته ، فهى لن تنكر شعورها بالراحة وهو يحتويها هكذا بحنان مثلما كان يفعل والدها الراحل ، فهل إستكانت هى للطفه حالياً ، لأنها بتلك اللحظة تفتقد والدها ، أم أن هناك شئ أخر ، لا تستطيع هى تفسيره بوقتها الحالى _________________ وقفت منى بمطبخها ، تعمل بجد فى تجهيز وتحضير أشهى المأكولات ، فولدها الحبيب سيصل إلى المنزل اليوم ، فهو هاتفها يخبرها بحضوره ، وأنه بطريقه الآن للمنزل ، فأصرت هى ان تعد له كل الأطباق الشهية التى يتناولها من يدها هى فقط فأقتربت منها الخادمة تقول بإحترام : –:" ياست منى خليكى انتى وانا هعمل كل حاجة'' تبسمت لها منى وهى تقول : –:" لاء انا رفيق بيحب يأكل الاكل ده من ايدى وانا اللى هعمله" ردت الخادمة قائلة : –:" يوصل بالسلامة إن شاء الله يا ست منى " ساعدتها الخادمة قدر سماحها لها بذلك ، فهى منهمكة بتحضير الاطباق ، كأنه كان غائباً منذ سنوات طويلة ، وليس من عدة أيام فقط دلفت رهف الى المطبخ ، تغمض عينيها تتلذذ برائحة الطعام الشهى الذى تراه الآن امامها والذى يتصاعد منه البخار فقالت رهف بإعجاب : –:" الله ايه الروايح اللى تخلى الواحد يموت من الجوع دى" ردت منى قائلة بحماس وسعادة: –:" اخوكى رفيق قرب يوصل البيت يا رهف" صفقت رهف بيدها وهى تقول : –:" بجد ابيه رفيق قرب يوصل أنا هطلع فريرة اغير هدومى انا هستناه على البوابة اصلا" ذهبت رهف سريعاً الى غرفتها ، واغتسلت وأنتقت ثوباً أنيقاً لترتديه ، فأخيها سيصل اليوم ، فهى قد اشتاقت اليه كثيرا واشتاقت الى دلاله لها فبعد ان انتهت من ارتداء ثيابها ، هرولت سريعاً إلى الأسفل لتكون باستقباله عندما يصل ، فكانت والدتها انتهت هى الأخرى من اعداد الطعام ، وأبدلت ثيابها تنتظره هى الأخرى بلهفة وشوق قاد رفيق سيارته وجلس بجواره باسم ، بينما تجلس تلك العنيدة فى المقعد الخلفي ، فهو يتذكر ملامح وجهها وهى تخرج من غرفتها وبيدها حقيبتها تجرها خلفها ، تكاد تضرب الأرض بقدميها كطفلة صغيرة ، أجبرت على تناول دواء لاذع ضد رغبتها، فعلى الرغم من هدوءها معه بعد إنقاذه لها من بين براثن بكر ، فبمجرد عودتهما للمنزل لأخذ الحقائب ، عادت ثانية لعنادها ، وكأنها ليست تلك التى أرتجفت بين ذراعيه وهو يحتضنها ، كأنها مصابة بإنفصام فى الشخصية نظر إليها فى مرآة السيارة ، فعقدت حاجبيها وتحولت ببصرها عنه سريعاً ، ونظرت من نافذة السيارة ، فهى تريد أن تفتح باب السيارة وتفر هاربة ، قبل ان تصل الى بيت ذلك الرجل الذى اصبح يسمى زوجها فتبسم رفيق لباسم قائلاً بمودة : –:" البيت هينور ياباسم" رد باسم قائلاً بخجل : –:" منور بيك يا استاذ رفيق" إبتسم له رفيق إبتسامة تشجيع وهو يقول: –:" بلاش تقولى يا أستاذ دى ممكن تقولى يا أبيه رفيق زى اخواتى ما بيقلولى انت دلوقتى زيهم" أماء باسم برأسه قائلاً –:" شكراً يا ابيه رفيق" –:" الشكر لله يا باسم بس انا معرفش لدلوقتى انت فى سنة ايه" قالها رفيق وعاد ينظر للطريق أمامه ثانية ، بينما أسرع باسم بإجابته : –:" فى اولى ثانوى وناوى إن شاء الله أدخل كلية هندسة" نظر له رفيق نظرة خاطفة وهو يقول: – :" ان شاء الله انا اخويا خريج هندسة وممكن يساعدك هو كان شاطر أوى فى الرياضيات هو اسمه مالك" –:" ان شاء الله وانت يا ابيه رفيق خريج ايه" قالها باسم بفضول ، فهو لا يعلم عنه شيئاً سوى أنه أتى لشراء ارض أبيه وعاد وهو زوجاً لشقيقته وواصياً عليه فأجابه رفيق بهدوء : –:" انا خريج تجارة وكمان دكتور فى كلية تجارة جامعة القاهرة" رفع باسم حاجبيه قائلاً: –:" ايه ده دا انت كده تبقى ليان .... صاحت به ليان قبل أن يكمل حديثه قائلة : –'' باسم خلاص بقى اسكت وبطل كلام دماغى وجعتنى" فهى لا تريده ان يخبر رفيق بكونها طالبة فى كلية التجارة جامعة القاهرة، فهى لاتريد أن تفسر أى شئ حولها الآن ، فهى تجد استمتاع بمضايقته فنظر لها بالمرآة قائلاً : – :" أنتى سكتيه ليه متخليه يكمل كلامه حتى اعرف انتى فى كلية ايه ولا مدخلتيش كلية واكتفيتى بالثانوية" زفرت ليان بضيق وهى تقول: – :" اه اكتفيت بالثانوية علشان اقعد احلب الجاموسة فى بلدنا عايز حاجة بقى" تبسم رفيق على قولها وهو يقول: –:" الله يكون فى عون الجاموسة منك يا ام لسان اطول منك" غمغمت ليان بصوت منخفض ولكنه إستطاع سماعها وهى تقول : –:" استغفر الله العظيم يارب صبرنى يارب على ما بلتنى" – :" والله دا انا اللى مفروض ادعى ربنا يصبرنى عليكى" قالها رفيق رغبة منه فى أن يثير غضبها ،كما تفعل هى دائماً معه فردت قائلة: –" ممكن تسوق وانت ساكت ولا اقولك انا هحط الهاند فرى فى ودنى بلاش قلبة دماغ" وضعت سماعات هاتفها فى اذنها ، حتى لا تسمع صوته ، فقامت بتشغيل القرآن الكريم ، حتى شعرت بثقل فى اجفانها فبالأونة الأخيرة لم تنل القسط الكافى من النوم ظل يتأملها وهى نائمة هادئة جميلة ، ولكن رأى دموع تذرف من عينيها ، فهى تشبه وردة يبللها قطرات الندى المتساقط من عينيها ، لو بيده الآن لكان مسح دموعها ، وأخبرها الا تبكى ، فدموعها لا يجب ان تبلل وجهها ، حتى وان كانت تشبه حبات اللؤلؤ المتناثر على وجهها شد بيده على مقود السيارة بقوة ، حتى شعر بألم في يديه ، عندما تذكر تصريحها بأنها تحب شخص أخر ، فحاول تهدئة نفسه ، حتى يصل الى منزله ، الذى افتقد به أمه وإخوته ، فكم اشتاق لرؤيتهم المحببة إليه وصل رفيق الى ذلك الحى الراقى الذى يقطن به ، فقام بالضغط على زمور السيارة ، الذى أطلق صوتا عالياً ، جعلها تنتفض من نومها بفزع ، فوجدت رجل يهرول سريعاً لفتح تلك البوابة الحديدية الكبيرة فمسحت وجهها وهى تقول : –:" ايه ده ايه الصوت المزعج ده" إبتسم رفيق إبتسامة صفراء وهو يقول: – :" ده صوت الكلاكس علشان الحارس بتاع الكومباوند يفتح البوابة وندخل البيت علشان ده كومباوند مغلق " لوت ثغرها وهى تقول: –:" مش تعمله براحة انت فزعتنى وانا نايمة الله يسامحك" حاول أن يجارى نبرة السخرية بصوتها فرد قائلاً: –:" معلش المرة الجاية هبقى اعملهولك صامت" كل هذا وباسم جالس يتابع الحوار بين شقيقته وزوجها ولا يفقه شيئاً ، فشقيقته أصبحت حادة الطباع ، وتلك ليست من عادتها ، فهى كانت هادئة دائما ، فلماذا الآن تتصرف بهذا الاسلوب الخالى من الأدب والذوق ، والذى إذا سمعها احد سيظن أنها فتاة وقحة تفتقر إلى حسن الأخلاق وصلوا الى المنزل الخاص به ، فترجل رفيق اولاً من السيارة و تقدم بضع خطوات ، لمحته رهف التى كانت تنتظره بشوق كبير ، فركضت اليه وارتمت بين ذراعيه تتعلق بعنقه ، فهى كانت على وشك اسقاطه أرضاً من اندفاعها نحوه ، فحملها عن الأرض ودار بها بسعادة ، فاثناء تقبيله لرأسها ، علقت عيناه بدون قصد بالمنزل المجاور له ، الذى يفصل بينه وبين منزله سياج حديدى ، فرآى إمرأة تقف بالشرفة ، فظن أنها ربما تكون المالكة الجديدة ، فهو كان يعلم أن صاحب المنزل كان يريد بيعه ولكن عندما دقق النظر بها ووجدها تلوح له بطرف أصابعها ، فغر فاهه بصدمة وقال : – معقولة دى ليلى وإيه اللى جابها هنا بقلم سماح نجيب.