من انا بقلم حليمة عدادي ج2

-هنتظر منكم أي خبر، و لو احتاجتوني في حاجة أنا موجود، المهم يرجع ابني بسلام مش هتحمل يجرا له حاجة.

أنهى “أحمد” كلماته، ثم تحرك ببطء، يغمره الحزن الذي احتله بالكامل، فلقد أصبح عاجزًا عن معرفة ما يفعل، ولم يعد يدرك أين يتجه أو كيف يتصرف!
كيف يمكنه العودة إلى منزله وقلبه يحترق؟ كانت خطواته كمن يسير على قطع زجاجية، تتمزق روحه مع كل خطوة.
كان يشعر بصوت داخلي يطالبه بالعودة والبحث عن ابنه في كل زاوية وكل شبر، لكنه كان تائهًا؛ لا يعرف من أين يبدأ أو أين يقيم ذلك الشخص اللعين المدعو “وليد”، الذي دخل حياتهم كالكابوس، يلاحقهم أينما كانوا كظلٍ لا يفارقهم!
ومع ذلك، لا يخفف من قلقه سوى الدعاء من أجل سلامة ابنه وعودته سالماً إليهم مع ابنة صديقه.

جلست “زينب” برفقة الفتيات في حالة من القلق، ينتظرن أي خبر قد يبدد هواجسهن. لقد مضى الوقت دون أن يصل أي معلومة حول “أحمد” أو “يونس”، وكأن الزمن قد توقف، وكأن عقارب الساعة قد جمدت في مكانها! كسر ذلك الصمت المطبق صوت أنفاس “حسام” المضطربة، الذي قال بقلق:

-قلبي مقبوض مش قادر أصبر و استنى أكتر من كده؟

جاهدت “زينب” لبلع لعابها بصعوبة، إذ كان الحزن يعتصرها بشدة؛ وكأنها تتألم تحت وطأة نار تحرقها مع مرور كل ثانية تمر دون أي خبر!
انزلقت دمعة خائنة من عينيها رغم محاولاتها لعدم السماح بذلك، ثم نظرت إلى الأفق وقالت:

-مافيش في ايدنا حاجة نعملها غير اننا نستنى أي خبر منهم أو عنهم و ربنا يرجعهم بالسلامه.

شعر بالإحباط وهو يتأمل بحزن ذلك الكرسي المتحرك الذي يجلس عليه، وقد تساقطت دموعه عاجزًا عن تحمل فكرة أي مكروه يصيب شقيقه..
بينما هو في حالة من الضعف لا يمكنه من تقديم أي مساعدة، لقد بذل “يونس” الكثير من أجل شقيقه، أما الآن فهو يجلس بلا حيلة، مما مزق قلبه إربًا، كتم غصته في صدره، ثم تحدث قائلا ً:

-“يونس” عمل عشاني كتير و أنا دلوقتي قاعد هنا عاجز مش قادر اعمله حاجة، أنا بسبب عجزي مش قادر أعمل حاجة!.

عاد الصمت ليخيّم من جديد، ولم يتبقَ سوى صوت شهقات “إيلول ومريم” وأنفاس “حسام” المضطربة التي تكاد تغادر جسده. وكأن المكان تحول إلى كتلة من الحزن، حتى انشلّ الجميع من لحظة حزنهم عندما فتح الباب ودخل “أحمد”!
الذي كان يميل برأسه كناية عن خيبة الأمل. انتفض الجميع من أماكنهم بلهفة وتوجهوا إليه، بينما نطقت “زينب” وعيناها مثبتتان على الباب في انتظار دخول “يونس”!
إلا أنها حين رأت حالة زوجها، أدركت أن الأخبار التي يحملها ليست مبشرة بالخير:
-فين “يونس” و “تقى” يا “أحمد” ليه ما رجعش حد معاك؟!.
لم يتمكن “أحمد” من إخراج الكلمات من بين شفتيه، بسبب شدة حزنه، وكأن الأشواك قد علقَت في حلقه! رفع رأسه، وكان الحزن واضحًا على ملامح وجهه، كغيوم داكنة تغطي السماء.
تحرك من مكانه دون أن ينطق بكلمة، وجلس على أقرب مقعد إليه، مستنشقا نفسًا عميقًا كأنه يكافح ليبقى صامدًا، لكن صمته زاد من قلق من حوله، وبدأ الخوف يتسرب إلى قلوبهم، حتى انقطع “حسام” عن التفكير، قائلاً بقلق شديد:
-بابا بالله عليك اتكلم كفاية الخوف إللي احنا فيه، بلاش تخوفنا أكتر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *