من انا بقلم حليمة عدادي ج1

جمع قليلاً من الحطب ليشعل نارًا صغيرة للتدفئة، كان يود معرفة من هي وما الذي أوصلها إلى هذه الحالة، بعد أن جمع ما يكفي من الحطب، عاد إلى منزله، وعند فتح الباب، صُدم!

******

-أرجوك سيبني أنا ما معرفش عنها حاجه..

تفوهت بذلك إمرأة ذات قوام نحيل، كان جسدها مغطى بالغبار، وهي ترتجف والدموع تنهمر من عينيها، إذ كانت مقيدة إلى عمود خشبي، اقترب منها رجل بتعبير غاضب، واندفع نحوها كعاصفة، ممسكًا بفكها بقوة وصاح بغضب قائلاً:
-فين (الأمانة) إللي سابها “عادل” قبل ما يموت؟ أنا مش هكرر كلامي مرتين.

أطلقت صرخة تعبر عن وجعها وألمها الذي استحكم في قلبها، بينما كانت تذرف الدموع بقهر على فراق أبنائها، مما أشعل نار الحزن في قلبها:
-أنا معرفش صدقني، عادل ما سبش حاجة، أنت وديت بناتي فين؟

-بناتك إنسيهم لحد ما تقولي (الأمانة) فين و إلا مش هتشوفيهم تاني.

تغيرت ملامح وجهه واحتدّت عيناه، ثم صفعها مما جعل صرخة مدوية تنبثق منها، هزت أرجاء المكان، اقترب منها حتى لامست أنفاسه وجهها، وهتف قائلاً:

-لو فضلتي تنكري صدقني هتندمي أنا مش هرحم بناتك خليكِ متأكدة.

أنهى حديثه وخرج من المكان غاضبًا، دون أن يظهر عليه أي تأثر أو يرف له جفن، بينما كانت هي تصرخ وتبكي في آنٍ واحد، وقلبها يحترق على فلذات كبدها. أمالت رأسها ولم تتمالك نفسها فبكت بحزن عميق؛ فقد عاشت منذ وفاة زوجها معاناة تشبه مرارة الصبار، وما يؤلم قلبها أكثر هو قلقها الدائم على بناتها؛ فهي لا تعرف كيف تسير أمورهن وما يتعرضن له..
فجأة انسلّ صوت من خلفها!

-أنا هخرجك من هنا يا “منة”، أنا مش هسكت على الظلم ده.

رفعت رأسها ببطء لتكتشف من يشاركها المكان، وما إن رفعت رأسها ورأت المتحدث، حتى شعرت بصدمة!

-نورهان؟!

**********

شعر بالصدمة عندما لم يجدها في مكانها؛ فكان السرير فارغًا وهي غير موجودة.
زاد من حيرته أنها غيرت مكانها والباب مغلق! نظر في أرجاء الغرفة ثم توجه إلى المطبخ الصغير، ليجدها متكورة في إحدى الزوايا!
كلما اقترب منها؛ كان شحوبها يزداد نظر إلى قدمها التي تنزف بغزارة، ثم هتف قائلاً:
-ما تخافيش، أنا مش هأذيكِ قومي معايا المكان بارد.

خرجت خلفه وهي تشعر بالخوف، ثم جلست في زاوية بعيدة عنه، أشار لها بيده لتقترب من الطعام، بينما ابتعد هو قليلاً. تقدمت نحو الطعام وبدأت تأكل بشغف، استمرت في تناول الطعام بلا انقطاع؛ وكأنها لم تتناول شيئًا منذ زمن طويل، وعندما لاحظ اقتراب الطعام من النفاذ، توجه إلى المطبخ ليحضر لها المزيد. بعد فترة قصيرة، عاد إليها ووضع الطعام أمامها، انتفضت عند شعورها بذلك.
جلس القرفصاء أمامها، ثم نهض وعاد إلى المطبخ، قبل أن يدخل، سمع همهمتها وكأنها تود قول شيئاً، استدار نحوها ليجدها تقف عند الباب؛ ترغب في فتحه! تقدم نحوها وهتف قائلاً:
-هتروحي فين في الوقت ده؟ خليكِ هنا لحد الصبح بعد كده روحي منين ما تحبي ما تخافيش.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *