من انا بقلم حليمة عدادي ج1

-بصي يا سكره، إحنا هنا إخواتك ماشي، والبت “شوكي” هتقوم تعملنا كيكه، ونسهر مع بعض نتعرف على بعض أكثر ..
هزت رأسها بالموافقة، ثم قامت من مكانها واتجهت نحو النافذة، حيث وقفت تراقب المارة وضجيج الشوارع، كان على شفتيها ابتسامة تحمل في طياتها حزناً عميقاً، بينما كانت تشاهد العالم من حولها يتحرك بحرية.
كان البعض برفقة عائلاتهم، وآخرون مع أزواجهم، وكل منهم يسير في طريقه.
لكنها كانت تفتقر إلى الحقيقة، فلم تكن تعرف أين تتواجد أو من هي، وأين عائلتها؟
تغلغل الحزن والقهر في قلبها، حيث شاهدت فتاة في نفس عمرها تجلس بين والديها، وتحتضن يديهما وتخطو معهم بفرح.؟
ولم تستطع السيطرة على دموعها وهي تراقب المشهد، بينما كان الألم يعتصر روحها.
**********
بينما كانت تحتضن ابنتها وتدعو بأن تمر الأمور على خير وتصل إلى وجهتها بسلام، شعرت فجأة بتوقف السيارة، ثم سمعت صوت فتح الباب، وتحدث أحدهم قائلاً:
-شيلي الشريط من على عينك وانزلي يلا بسرعه ..
بمجرد انتهاء حديثه، أزلت القماشة عن عينيها وأغمضت عينيها لفترة ثم فتحتهما مجددًا لتعتاد على الضوء، بعدها أمسكت بيد ابنتها ونزلت، وانطلقت السيارة.
نظرت حولها إلى الشارع، حيث كان الظلام يكتنف المكان، ولم تكن هناك سوى بعض الأضواء القليلة المنبعثة من نوافذ المنازل المحيطة.
لم يتبقَ في الأجواء سوى صوت صفير الرياح وهي تحرك الأشجار، مما أضفى جواً من الخوف على قلبها، فشعرت برعشة تسري في عروقها.
قبضت على يد ابنتها وتحركت ببطء، تشعر بالتيه والرعب يسيطران عليها في ظلام الليل الموحش، بدأ عدد المارة يتضاءل ببطء، وكل شخص يسعى للعودة إلى منزله وملاذه.
جلست على أقرب مقعد، تفكر في ما يجب أن تفعله؛ كانت تعرف موقع منزل الهلالي، إلا أنه بعيد بعض الشيء، ومع ذلك أدركت أن الطريق لن يكون آمناً في هذا الوقت، فكل الأروقة مليئة بالخطر، أخذت نفساً عميقاً، وتنهدت بضيق، ثم نظرت إلى ابنتها وقالت:
-إيلول إحنا مش هنقدر نمشي في الشارع في وقت زي دا إحنا نستخبى هنا والصبح نبقى نروحلهم ..
ما أن أنهت كلماتها حتى سمعت صوت خطوات تقترب منها، وكانت هناك محادثة مستمرة بين شخصين! شعرت برعشة تسري في جسدها وانتابها رعب شديد، بينما كانت تلتفت بعشوائية بحثًا عن مكان للاختباء، لكن الزمن كان قد فات ووصل شخصان أمامها.
كان كل منهما يتمايل في مشيه، كانوا في حالة سُكر ولا يشعرون بشيء، اقترب منها احدهم، وقفت في مكانها كأن حركتها قد شلت، وعينيها تحدقان فيه بذعر.
مدّ يده ليمسك بذراع “إيلول”، لكن “منة” كانت أسرع منه، حيث سحبت ابنتها إلى الوراء، ومع كل خطوة تتراجع فيها، كان يقترب منها أكثر، حتى وصلت إلى ركن ضيق!
قامت “منة” بتوزيع نظراتها على المكان، ووعَت أنها محاصَرة ولا مفرّ لها؛ استجمعت قواها وصاحت بأعلى صوتها:



