البارت 1 في إحدى ليالي الشتاء الباردة، وبينما كانت الأمطار تهطل بغزارة والرياح تعصف بقوة، كانت تركض تحت المطر بكل قوتها. حينما سمعت اقتراب أصواتهم، زادت سرعتها حتى شعرت بانقطاع أنفاسها وتعثرت، وسقطت عدة مرات بسبب الطين. أثناء ركضها في ظلام الليل وتحت المطر، شعرت بشيء حاد يخترق قدمها دون أن ترى شيئًا. تأوهت بألم مكتوم ثم وضعت يدها على فمها لكتم أنفاسها. جلست على الأرض متنهدة بقوة ودموعها تنهمر كالشلالات. لمست قدمها بيدها ثم سحبت ما اخترقها، وضغطت على الجرح بيدها شاعرة بألم شديد. فجأة، سمعت صوتًا يقترب، فحاولت تمالك نفسها ووقفت بصعوبة شديدة، ثم استمرت في المشي رغم الألم الذي كاد يهلكها. لم تعد تحتمل ما يحدث، فقد نزفت قدمها بشدة وفقدت قوتها من الركض، فصارت تتمايل أثناء المشي، وكلما حاولت أن تخطو خطوة كانت تسقط في الطين، ثم تنهض بمجهود وتستمر في السير. ولكن في لحظة شعرت بدوار، وتلاشت الرؤية أمامها، وسمعت بعض الأصوات تقترب منها، ومن حسن حظها لمحت ضوءًا قريبًا منها فاتجهت إليه بصعوبة بالغة حتى اقتربت منه ووجدته منزلاً صغيرًا. طرقت الباب بقوة وهي ترتجف.. ببطء فتح الباب، وظهر شاب من ورائه مغطى الرأس والوجه، حيث لم يكن مرئيًا منه أي شيء، قبل أن تفهم الموقف، سمعت صوتًا يقترب، فهرعت نحو الداخل وتركت الشاب يقف في مكانه. عندما سمع صوت أقدام تقترب من المكان، أغلق الباب بسرعة واندفع نحو الداخل! وجدها تقف في أحد زوايا الغرفة، حيث كان جسدها يرتعش من برودة الجو والماء يتقطر من ثيابها، وكانت الدماء تغطي قدمها النحيلة. اقترب من المصباح المتوهج على إحدى القطع الخشبية، ثم أغلق الضوء وجلس يتأمل من خلال النافذة، لكنه لم يرَ شيئًا بسبب الظلام الغامض، ظل ينصت حتى سمع ابتعاد أصواتهم، ثم صاح بصوت مرتفع وقوي، قائلاً: -أنتِ مين ؟ و مين إللي بعتكّ؟ نظرت له بهلع وهي تعبر عن ألمها بأنين، وهزت رأسها برفض.. اندلع غضبه عندما تجاهلت سؤاله، فاقترب منها بغضب وأضاء المكان، وكلما اقترب منها أكثر، انتفض جسدها ذعرًا، وصل أمامها ولامست أنفاسه وجهها. ثم أمسك عنقها بقبضته القوية وضغط عليها بعنف، ذرفت دموعها وارتفع أنينها، وهي تشير له بإصبعها على شفتيها محاولةً أن تُبلغه بأنها لا تستطيع التحدث! بعدما فهم ما تقصده، ترك عنقها وأشاح وجهه بعيدًا عنها، سمع فجأة صوت ارتطام على الأرض، استدار ببطء ووجدها ملقاة على الأرض، وجسدها يرتعش بشدة بفعل برودة الجو القارس، اقترب منها وزفر بحنق من هذه المشكلة، حملها برفق ثم وضعها على سريره وغطاها بعناية، خرج بعد ذلك وأغلق الباب بإحكام. جمع قليلاً من الحطب ليشعل نارًا صغيرة للتدفئة، كان يود معرفة من هي وما الذي أوصلها إلى هذه الحالة، بعد أن جمع ما يكفي من الحطب، عاد إلى منزله، وعند فتح الباب، صُدم! ****** -أرجوك سيبني أنا ما معرفش عنها حاجه.. تفوهت بذلك إمرأة ذات قوام نحيل، كان جسدها مغطى بالغبار، وهي ترتجف والدموع تنهمر من عينيها، إذ كانت مقيدة إلى عمود خشبي، اقترب منها رجل بتعبير غاضب، واندفع نحوها كعاصفة، ممسكًا بفكها بقوة وصاح بغضب قائلاً: -فين (الأمانة) إللي سابها "عادل" قبل ما يموت؟ أنا مش هكرر كلامي مرتين. أطلقت صرخة تعبر عن وجعها وألمها الذي استحكم في قلبها، بينما كانت تذرف الدموع بقهر على فراق أبنائها، مما أشعل نار الحزن في قلبها: -أنا معرفش صدقني، عادل ما سبش حاجة، أنت وديت بناتي فين؟ -بناتك إنسيهم لحد ما تقولي (الأمانة) فين و إلا مش هتشوفيهم تاني. تغيرت ملامح وجهه واحتدّت عيناه، ثم صفعها مما جعل صرخة مدوية تنبثق منها، هزت أرجاء المكان، اقترب منها حتى لامست أنفاسه وجهها، وهتف قائلاً: -لو فضلتي تنكري صدقني هتندمي أنا مش هرحم بناتك خليكِ متأكدة. أنهى حديثه وخرج من المكان غاضبًا، دون أن يظهر عليه أي تأثر أو يرف له جفن، بينما كانت هي تصرخ وتبكي في آنٍ واحد، وقلبها يحترق على فلذات كبدها. أمالت رأسها ولم تتمالك نفسها فبكت بحزن عميق؛ فقد عاشت منذ وفاة زوجها معاناة تشبه مرارة الصبار، وما يؤلم قلبها أكثر هو قلقها الدائم على بناتها؛ فهي لا تعرف كيف تسير أمورهن وما يتعرضن له.. فجأة انسلّ صوت من خلفها! -أنا هخرجك من هنا يا "منة"، أنا مش هسكت على الظلم ده. رفعت رأسها ببطء لتكتشف من يشاركها المكان، وما إن رفعت رأسها ورأت المتحدث، حتى شعرت بصدمة! -نورهان؟! ********** شعر بالصدمة عندما لم يجدها في مكانها؛ فكان السرير فارغًا وهي غير موجودة. زاد من حيرته أنها غيرت مكانها والباب مغلق! نظر في أرجاء الغرفة ثم توجه إلى المطبخ الصغير، ليجدها متكورة في إحدى الزوايا! كلما اقترب منها؛ كان شحوبها يزداد نظر إلى قدمها التي تنزف بغزارة، ثم هتف قائلاً: -ما تخافيش، أنا مش هأذيكِ قومي معايا المكان بارد. خرجت خلفه وهي تشعر بالخوف، ثم جلست في زاوية بعيدة عنه، أشار لها بيده لتقترب من الطعام، بينما ابتعد هو قليلاً. تقدمت نحو الطعام وبدأت تأكل بشغف، استمرت في تناول الطعام بلا انقطاع؛ وكأنها لم تتناول شيئًا منذ زمن طويل، وعندما لاحظ اقتراب الطعام من النفاذ، توجه إلى المطبخ ليحضر لها المزيد. بعد فترة قصيرة، عاد إليها ووضع الطعام أمامها، انتفضت عند شعورها بذلك. جلس القرفصاء أمامها، ثم نهض وعاد إلى المطبخ، قبل أن يدخل، سمع همهمتها وكأنها تود قول شيئاً، استدار نحوها ليجدها تقف عند الباب؛ ترغب في فتحه! تقدم نحوها وهتف قائلاً: -هتروحي فين في الوقت ده؟ خليكِ هنا لحد الصبح بعد كده روحي منين ما تحبي ما تخافيش. أنهى كلماته ثم توجه نحو خزانة صغيرة، حيث استخرج منها ثيابًا قطنية، بعدما لاحظ ملابسها المبللة وبرودة الجو، و وضعها أمامها وقال: -أنا هنام في المطبخ خذي راحتك و غيري هدومك دي. على الرغم من مخاوفها، إلا أنها شعرت بصدق كلماته، وقد أخذ هو غطاءه، وذهب إلى المطبخ حيث أغلق الباب بالمفتاح، ثم جلس على إحدى المقاعد، وأزال القناع عن وجهه، وبدأ يلمس وجهه. مرر يده ببطء على نصف وجهه المخيف، واستند برأسه إلى الوراء، بينما أغمض عينيه متألمًا؛ حيث اجتاح قلبه شعورٌ عميق من الألم في كل مرة يلامس فيها وجهه ،ويستعيد ذكريات يجهد نفسه لنسيانها. حاول النوم، ولكن لم يتمكن، هرب النوم من جفونه، تململ في مكانه بقلق، وراوده شعور بعدم الارتياح، كانت البرودة تتسلل إليه من النافذة مع تزايد صوت الأمطار واشتداد الرياح. أزاح الغطاء عن قدمه ونهض ليعد فنجانًا من القهوة. وفجأة، سمع صراخها! مما جعله ينتفض من مكانه بفزع. ثم وضع قناعه بسرعة، وفتح الباب ليجدها أمامه، تبكي بانهيار. أشار لها للدخول إلى المطبخ ،فركضت نحو الداخل وهي تبكي. ثم توجه نحو الباب، حيث سمع طرقات قوية تكاد تكسر الباب! من أنا البارت 2 اقترب من الباب حتى يتحقق من هوية الطارق، وهو يدرك تمامًا أنه لا يتوقع زيارة أحد في هذا الوقت! ولكن ما يعانيه من قلق هو احتمال حدوث أمر ما للفتاة، فتح الباب ببطء، وعندما انفتح، اندفع شخص مبلل إلى الداخل وهو يصرخ بغضب، نظر إليه الآخر بنظرة يملأها الاستياء من تصرفه غير المقبول، وقال: -جاي تعمل إيه في وقت زي ده يا "حسام"؟ أنا قولت لك مش عايز حد يجي عندي .. أخذ "حسام" نفساً عميقاً، جفف وجهه بطرف يده، وهتف قائلاً: -ده مش وقت كلام! ادخل هاتلي هدوم ألبسها وأكل أنا جعان، وحطب كثير علشان أتدفى، إيه هتبخل عليا يا يويو؟ اقترب منه وأمسك بثيابه قائلاً: -أنا حذرتك قبل كدا متجيبش الاسم ده على لسانك تاني، اسمي "يونس" أنا مش عارف إنت اتحدفت عليا من أنهي مصيبة! .. ابتسم "حسام" إذ كان دائماً قادراً على استعداء غضب شقيقه، بعد ذلك، جرى نحو المطبخ، لكن "يونس" حاول منعه، إلا أنه فات الأوان؛ دخل إلى المطبخ ليجدها منكمشة على الأريكة تبكي، نظر إليها ثم صرخ و قال: -هي دي آخرة تربيتك يا "زينب" ابنك المحترم جايب بنت على بيته؛ سمعتنا راحت ليه كدا يا بني .. غضب من تسرع شقيقه، ثم قام بدفعه إلى الخارج وعاد إلى الفتاة قائلاً: -ماتخافيش دا أخويا بس هو مجنون شوية، خليكِ هنا لغاية ما أرجع .. سمع صوت "حسام" يصدح من الخارج قائلاً: -أنا سامعك على فكرة؛ بتسوء سمعة أخوك قدام البنت يا ظالم .. أغلق "يونس" الباب وخرج إلى حيث كان يجلس أخوه، وجده أمام المدفأة، ثم أحضر له بعض الملابس وقال: -أنا قولت لكَ متجيش هنا مش عايز حد يجي ورايا .. هتف "حسام" و نظره مثبت على باب المطبخ قائلاً: -مين البنت دي وليه خايفه بالشكل دا؟! أنت مش النوع إللي بيتعرف على بنات! .. تنفس الصعداء وبدأ يسرد له كل ما جرى، حتى حين سمع طرقاته على الباب، وعندما أنهى رواية ما حدث، هتف قائلاً: -أنا مش عارف أتصرف إزاي؟ باين عليها خايفه، و المشكلة إنها مش بتتكلم !.. توقف "حسام" لبرهة، مفكراً في ما قاله شقيقه، ثم تحدث قائلا ً: -أنا خايف تكون عامله عملة؛ و جاية تستخبى عندك هنا، و تودينا في داهية! ومن جهة ثانية خايف نسيبها وتتأذى، باين عليها إن في حد كان بيعذبها !.. وقف "يونس" أمام النافذة، يراقب الأمطار بتفكير عميق؛ غارقا في حوار داخلي يدور في ذهنه حول ما قاله شقيقه، كان في صراع داخلي، غير مدرك أياً من أفكاره يستمع إليها؟ هل يتوجب عليه أن يتركها معه ويحاول البحث عن أهلها، أم أنه يجب عليه تركها تخرج و تواجه مصيرها وتعود من حيث أتت؟ أوقف صوت المنبه شروده، مُعلناً عن قدوم وقت صلاة الفجر. تحرك من مكانه باتجاه الحمام، فتوضأ وأدى صلاته، ثم جلس يدعو (الله) أن يُرشده إلى الطريق الصحيح. وعند انتهائه، لاحظ أن شقيقه قد غفا، توجه إلى المطبخ لإعداد وجبة الإفطار، وطرق الباب لتنبيهها قبل الدخول، لكن لم يكن هناك أي رد! حاول مرارًا، ومع ذلك، في اللحظة الأخيرة، انتابه شعور القلق؛ ففتح الباب بسرعة. ما إن خطى إلى الداخل حتى صُدم، وتوسعت عيناه على مصرعهما على مشهد، وظل متصلبًا في مكانه حين أبصر..... ******** وقفت في صمت، عينيها مثبتتين عليها دون أن تُنطق بكلمة، بينما كانت تدور في ذهنها آلاف الأسئلة حول دافع "نورهان" لإنقاذها، رغم كونها من بين أكثر الأشخاص كراهيةً لها؛ هل هناك خطة مُحكمة وراء ذلك؟ قاطع صوت "نورهان" شرودها قائلةً: -"منة" دا مش وقت تفكير؛ خلينا نخرج من هنا الأول وأنا هقولك ليه أنقذتك مع إني بكرهك !.. على الرغم من قلق "منة" والخوف الذي يعتري قلبها؛ فإنها تجد نفسها مضطرة لوضع ثقتها في "نورهان" والخروج من هذا السجن الذي تآكلت جدرانه حولها، في حين يشتعل قلبها لفراق أبنائها. -تمام يا "نورهان" خلينا نمشي بسرعه، بس هنخرج من هنا إزاي وهما بره و الحراسة مشدده؟! أتمت "نورهان" فك الحبال التي كانت حول "منة"، ثم قالت: -إنتي ناسيه أنا مين؟ أنا أقدر أدخل أي مكان من غير ما حد يعرف أو يحس! .. همست "منة" بحديث خافت قائلة: -لأنك حية هتقولي ليا، مش ناسيه يا ختي .. أنهت فك الحبال المتشابكة، ثم تحركوا ببطء نحو الباب، نظرت "منة" إليه بحيرة، متسائلةً عن كيفية تمكنهم من الفرار وهو مغلق؟! وفي خضم حيرتها، أخرجت "نورهان" مفتاحًا من سترتها، ثم أقدمت على فتح الباب ونظرت إلى الخارج، وجدت جميع من كانوا يحرسون المكان نائمين، فمنهم من ركن رأسه إلى الحائط، ومنهم من افترش الأرض الصلبة! نظرت إليهم باستغراب حالهم، ولكن "نورهان" كانت الأسرع، فسحبتها من يدها إلى الخارج، ثم انطلقوا بعيداً عن المكان. بينما أسرع الاثنتان في خطواتهما، بدأت الشمس تبزغ بنورها المتألق معلنة بدء يوم جديد. شعرت "منة" بإحساس الحرية، فتوقفت واستنشقت الهواء بعمق حتى ملأت رئتيها، وكانت مفعمة بالسعادة، إلا أن هذه السعادة لم تدم طويلاً، حيث توقفت فجأة سيارة أمامها ونزل منها عدد من الرجال؛ لم تنجح في الهروب، حيث كانوا أسرع منها وتمكنوا من الإمساك بها بسهولة، ثم اقتربت منها "نورهان" وهتفت قائلة: الثقة الكبيرة مش كويسه يا"منة"؛ وعدوك هيفضل عدوك حتى لو مدلك إيده علشان يساعدك! .. اجتاحت "منة" مشاعر الغضب بشكل شديد، فصاحت قائلة: -إنتي فاكره إنك لو أخذتيني هتوصلي للي عايزاه؛ إنسي يا "نورهان" أنا معرفش حاجه عن (الأمانة) .. تقدمت "نورهان" نحوها، وقد كانت تلمح في عينيها لمعة من الشر، وقالت: -أنا معايا حاجة تخصك يا"منة" ولما تشوفيها؛ هتعترفي جوزك خبى (الأمانة) فين؟ هاتوها يلا .. قاموا بسحبها بقسوة إلى السيارة رغم مقاومتها، لكن محاولاتها كانت بلا جدوى أمام قوتهم. ثم انطلقوا حتى وصلوا إلى مبنى متهالك، حيث أدخلوها داخله وقيدوها بإحكام، في تلك الأثناء، دخل رجل برفقة فتاة صغيرة كانت تبدو في حالة مزرية! نظرت "منة" إليها بصدمة، والدموع تملأ عينيها و قالت: -إيلول؟! ********* اجتمع مع أفراد عائلته حول مائدة الإفطار في أجواء من الصمت، حيث كان كل منهم يتناول طعامه بهدوء، كسر هذا الصمت والدهم "أحمد" قائلاً: -"زينب" هو "حسام" فين أنا مش شايفه؟! و"يونس" لسه ما رجعش من الغابة؟ .. وضعت "زينب" ما كانت تحمله في يديها، ثم قالت: -"يونس" لسه مارجعش، و"حسام" راح وراه؛ أنت عارف إنه مش هيرضى يسيب أخوه لوحده بيخاف عليه. ابتسمت ابنتهم ثم أضافت بسخرية: -مش عارفه ليه بحس كإن "يونس" لسه عيل صغير الكل خايف عليه، و "حسام" مش بيسيبه ، و انتوا بتسألوا عليه في كل وقت!.. أطلق "أحمد" تنهيدة عميقة، ثم نطق بكلمات لم يفهمها سواه: -لازم نخاف على "يونس" أوي الفترة دي لأن حياته مهدده بالخطر! .. نظرت زوجته إليه بدهشة عندما رصدت قلقه، ثم قالت: -مالك يا "أحمد" ليه كل الخوف دا؟! إطمن "يونس" بقى راجل وهيعرف يحمي نفسه و"حسام" معاه. بينما كان مشغولًا في الحديث مع عائلته، وصلته رسالة، وعندما قرأ محتواها، انتفض من مكانه بفزع وهتف قائلاً: -مش ممكن !. من أنا البارت 3 دخل "يونس" المطبخ عندها، رأى الفتاة تقف في إحدى أركان المطبخ، وهي تضع الس\كين على شريان يدها اليسرى، وكان ارتجاف يدها قويًا وصوت بكائها يتصاعد ببطء، ولّدت لديه صدمة كبيرة؛ فاندفع نحوها بسرعة أمسك بيدها بقوة وضغط عليها بشدة، حتى سقطت الس\كين من يدها. ثم أطلق سراح معصمها ونظر إليها بنظرة غضب قائلاً: -انتِ مجنونه عايزه تقتلي نفسك؛ فاكره كده هترتاحي تبقي غلطانه!. لم تصدر منها أي كلمة، بل عبرت عما بداخلها من خلال بكاءٍ شديد، جلست على الأرض، وجسدها يرتعش بقوة، بينما جلس القرفصاء بجانبها محاولاً السيطرة على غضبه، لقد شعر بالشفقة عليها عندما رأى حالتها و قال: -مش عارف السبب إللي وصلك للحالة دي؟ بس الانتحار عمره ما كان حل، إنتِ عارفه أنه حرام، ما تعسرت إلا و تيسرت، و ما ضاقت إلا فرجت. أجالت نظرها نحوه، وكانت عيونها تفيض بالدموع، وأشارت بيدها كأنها تحاول أن تتحدث، لكنها لم تنجح في ذلك! وعندما شعرت بالعجز؛ انهالت بالبكاء، لم يكن يعلم كيف يتصرف وهو يشاهدها تعجز حتى عن التعبير عما يختلج في صدرها، تنفس بعمق وشعر بالحزن، ثم تحدث قائلاً: -بصي مهما كانت مشكلتك، أنا هساعدك فيها، يالا امسحي دموعك و هجهز لكم فطور، انتِ و "حسام" و هتروحي معانا البيت علشان نعرف ندور على حد من أهلك. شعرت بالقلق من فكرة الذهاب معهم؛ إذ لم تكن تعرفهم جيدًا، مما جعلها تتساءل كيف يمكنها الوثوق بهم؟! ومع ذلك، لم تكن تعرف أي طريق تسلكه، فباتت في حيرة من أمرها، في تلك اللحظة، قطع شرودها دخول "حسام"، الذي كان يفرك عينيه من تأثير النوم و تحدث قائلا ً: -صباح النور يا جماعه "يونس" عملت ايه للبنت مخليها خايفه كده؟! أكمل "يونس" تجهيز الإفطار وأجاب قائلاً: -ما عملتش حاجه! اقعد مكانك و انت ساكت، علشان بعد الفطور نروح البيت؛ التليفون بتاعي فصل شحن و أكيد بابا قلقان عليا. توقف "حسام" عن الكلام، ثم خرج ليغسل وجهه ويجهز المائدة في الخارج، بعد فترة، أنهى "يونس" جميع ما كان يقوم به، وجلسوا يتناولون الطعام في صمت، بعد فترة من السكون، قطع "يونس" هذا الصمت قائلاً: -مش عارف اسمك بس هيبقى اسمك "تقى" لغاية ما نعرف فين اهلك، و اطمني إحنا مش هنأذيكِ. ألقت عليه نظرات تحمل الشكر والامتنان، ثم عادت لتتأمل طبقها دون أن تتناول شيئًا، كسر صمت اللحظة صوت رصاصة اخترقت زجاج النافذة!.. ******* شعرت بصدمة عارمة عندما رأت ابنتها في قبضتهم، حالتها كانت مؤلمة للغاية، وكاد قلبها أن ينفطر من شدة الألم، صرخت عليهم تطالبهم بفك قيودها، لكنهم تجاهلوا نداءها وكأن قلوبهم متحجرة، انهالت أدمعها بعد فشل محاولتها، وتحدثت بعبارات مفعمة بالحسرة قائلة: -اسفه يا بنتي ما قدرتش احميكِ من شرهم انتِ و اخواتك. انفجرت "نورهان" بالضحك حتى طغى صوتها على المكان، ثم تركت "إيلول" واقتربت من "منّة"، مستمتعةً بمعاناتها دون أن تشعر بأي شفقة اتجاه حالها، فقد تمكن الحقد والكراهية من السيطرة على قلبها. -بصي يا "منة" السكوت مش في صالحك، اتكلمي بسرعة وساعتها هسيبك انتِ و بنتك تروحي من هنا. لم تستطع "منة" التحكم في غضبها أكثر، فانفجرت قائلة بصوتٍ غاضب: -انا قلت ليكم قبل كده، أنا مش عارفه مكانها، و لا عارفه إيه هي (الأمانة) دي! "عادل" ما عرفنيش حاجة عنها، ليه مش عايزه تفهمي أنتِ و جوزك. سيطر الغضب على "نورهان"، فانطلقت نحو "ايلول " ممسكةً بخصلات شعرها، مما جعلها تصرخ بكامل قواها، فاندفع صراخها ليكسر سكون المكان. في حين كانت "منة" تشبه طائرًا حبيساً، تحاول جاهدةً التحرر والركض نحو ابنتها، لكن القيود اللعينة كانت تحول بينها وبين ذلك، ثم صاحت بصوت متأثر يعكس شعورًا بالعجز قائلة: -"نورهان" سيبي بنتي هي مش عارفه حاجة، و لا لها دخل في حاجة، كلامك معايا أنا، انتِ عارفه اذا جوزك عرف إنك خطفتينا مش بعيد يقتلك؟. أطلقت "نورهان" زفرة من الغضب، ثم دفعت "إيلول" بقوة، مما أدى بها إلى الارتطام بالأرض الصلبة تحتها وهي تبكي بذعر! بعدها التفتت إلى الأشخاص الذين يقفون خلفها قائلة: -هاتو ليا الكرباج هجلد بنتها أصادها ومش هوقف لغاية ما تتكلم وتقول مكان (الأمانة) فين؟ و إلا هدني أجلدها لغاية ما تموت "إيلول". انتفضت "منة" بفزع، وصاحت بصوت مفعم بالذعر، وقلبها يكاد ينفطر من الخوف على صغيرتها، قائلة: -نورهان، بنتي لأ.. صدقيني مش عارفه حاجه لو كنت أعرف كنت قولت لجوزك. لم تُعطِ "نورهان" اهتماماً لكلمات "منة"؛ إذ كانت مشغولةً فقط بالسعي للحصول على (الأمانة) التي يطمح الجميع إلى استعادتها، والتي اختفت بعد وفاة "عادل" منذ عدة سنوات! ورغم ذلك، استمر الجميع في البحث عنها؛ لأن الشخص الذي يسعى للحصول عليها هو رجل ثري، وقد أعلن عن مكافأة مالية كبيرة لمن يتمكن من العثور عليها. -بصي يا "منة".. في الحقيقة أنا زهقت منك و من إنك مصرة ماتقوليش مكانها فين؟ أمسكت السوط، وكان يلمع في عينيها شرٌ واضح، ثم رفعته في الهواء استعدادًا لضرب جسد الطفلة النحيفة! لكن فجأة، شعرت بشيء يعوقه، كأن قبضة قوية تمسك به وتثبته في مكانه! ********** منذ أن قرأ الرسالة، تجلى عليه الخوف بشكل واضح، وهو يحاول إجراء اتصال دون جدوى، لاحظت زوجته تغير ملامحه وقلقه، فتوجهت إليه بالسؤال: -"أحمد" مالك قول فيك إيه؟ ساكت ليه كده؟ مين بعتلك الرساله دي؟ هتف بصوت يحمل نبرة من القلق، قائلاً: -وصلتني رساله من أحد اصدقائي، انهم قدروا يوصلوا لمكان "يونس"! وبتصل بيه تليفونه مقفول، خايف عليه. غرقت "زينب" في مشاعر الخوف العميق، إذ تغير لون وجهها وبدت عليه علامات القلق، فنادت بقولها: -"أحمد" اعمل حاجة! أو نروح لهم أنا قلبي مش مطمن مش ممكن اتحمل يحصل لهم حاجة، مستني اية؟! شعر بالعجز بينما يرى أبنائه في خطر، حيث يقف عاجزاً عن اتخاذ أي إجراء، حتى لو حاول الذهاب إليهم، فلن يتمكن من الوصول في الوقت المناسب، لو كان لديه جناحان، لكان طار إليهم بسرعة -حتى لو نزلت دلوقت مش هنلحق نوصل لهم، عايزهم بس يردوا عليَّ؛ علشان اقول لهم يغيروا المكان بسرعه، بس مفيش رد "يونس" قافل و "حسام" مش بيرد! توقفوا في حالة من الحيرة والعجز، بينما الخوف يسيطر على قلوبهم، أمامهم كانت ابنتهم تنظر إليهم بدهشة، تشعر بالقلق من توترهم، وتتبادر التساؤلات في ذهنها حول ما يجري وما الذي يثير قلق عائلتها. -ماما بابا اية إللي مخوفكم كده و ليه خايفين على اخواتي! ممكن تفهموني ايه إللي بيحصل، انا حاسه إن في حاجة؟! أخذ والدها نفسًا عميقًا ورد عليها قائلاً: -مش وقته يا "مريم" روحي لغرفتك مش وقت الشرح دلوقت يالا اسمعي الكلام. استمعت إلى والدها ودخلت غرفتها، بينما ظل "وليد" مع زوجته محاولاً الاتصال بهم مرة أخرى، ولكن دون جدوى! وفجأة سمعوا صراخ ابنتهم الذي ملأ المكان و دب الذعر في قلوبهم! من أنا البارت 4 انتفضوا من أماكنهم بقلق، بينما تحرك "يونس" لكي يستطلع مصدر تلك الرصاصة، محاولاً تحديد ما إذا كانت مقصودة أم طائشة أطلقها أحد الصيادين! لكن يد "حسام" منعته من التقدم عندما أمسك بكتفه و هتف قائلاً: -"يونس" أُقف مكانك؛ دول أكيد إللي بيدوروا عليك عرفوا مكانك، أو ممكن حد عايز ياخذ البنت! .. توقف "يونس" واستدار نحو شقيقه بحثًا عن حلٍ لهذه المشكل، بينما كانوا يتناقشون في محاولة لإيجاد حلٍ ينقذهم من تعرض أحدهم للأذى، سمعوا أصوات طرقات غير عادية على الباب! كانت كل ضربه تجعل الباب يهتز، مما جعل "حنين" تشعر بالخوف وتنتفض، إذ انكمشت جسدياً وراحت تبكي، وعندما رأت الباب يهتز، انتفضت من مكانها في ذعر أمسكت بذراع "يونس" بقوة، مشيرة بيدها نحو الباب بخوف، سحبها هو خلفه إلى المطبخ، قائلاً بسرعة: -"حسام" إفتح الشباك بسرعة خلينا نهرب منه قبل ما يكسروا الباب .. أسرع "حسام" بفتح النافذة، وقبل أن يتمكن من القفز إلى الخارج؛ انفجر الباب ودخل عدد من الرجال إلى المطبخ، متسلحين بأسلحة نارية يوجهونها نحوهم. في تلك اللحظة، أدرك "يونس" أنه لا مفر لهم من هؤلاء الشياطين، وشعور بالخوف انتابه تجاه شقيقه، حيث كان يعرف أنه هو الهدف المقصود! أحد الرجال بادَرَ لكسر الصمت المشحون بالتوتر قائلاً: -"يونس" سلم نفسك؛ وماتجبرناش ناخدك بالقوة، سلم نفسك وبلاش تعرض إللي معاك للخطر، والبنت دي تخص زعيمنا .. عندما رأتهم "حنين"، اجتاحت مشاعر الحزن نفسها، واحتل الخوف قلبها، و ظلت ممسكة بذراع "يونس" بقوة؛ كأنها ترغب في إبلاغه بأنها بحاجة إلى حمايته منهم. نظر" يونس" إليهم بتمعن عله يجد مخرجًا، لكنه أدرك أن عددهم كان كبيراً وأنهم بدأوا يتقدمون نحوه، في تلك اللحظة، استشعر أنه لن يتمكن من الخروج من هنا فهتف قائلاً: -أنا هاجي معاكم لكن سيبوا البنت تمشي مع أخويا، إنتوا جايين هنا علشان تاخدوني أنا هي مالهاش علاقة بيا .. لم يُعيروا اهتمامًا لكلماته، فتقدموا نحوه وأمسكوه بقوة ثم سحبوه إلى الخارج، بينما تولى الآخرون الإمساك "بحنين"، حاول "حسام" الدفاع عن شقيقه، لكن أحدهم أطلق رصاصة أصابت قدمه، مما أسقطه أرضًا! تحت وطأة الألم والعجز، وهو يشاهد شقيقه يأخذونه إلى الموت. كان آخر ما سمعه هو صوت صراخ "يونس"، وبعدها فقد الوعي. ********* شعرت "نورهان" بشعلة الغضب تتأجج بداخلها، واستدارت بغضب لتكتشف من يلوح بالسوط في الهواء ويمتلك الجرأة للقيام بذلك. لكنها شعرت بالصدمة عندما رأت زوجها خلفها، ينظر إليها بنظرات ملتهبة، واستفاقت من دهشتها عندما تلقّت صفعته القوية أطاحت بها ارضاً ثم انحنى وصرخ قائلاً، وهو يُشدد على كل حرف من عبارته: -جاتلك الجراءة دي منين يا "نورهان"؟ تلعبي من ورايا تخطفي "منه"؛ كنتي فاكره إني مكنتش هعرف إنتي ناوية على إيه؟ أنا عيني كانت عليكِ من زمان، وأحب أقولك إن الرجالة إللي معاكِ دول كلهم رجالتي! .. كانت نظراته كفيلة بزرع الرعب في قلبها؛ فقد كانت تدرك تمامًا مدى جبروته وقسوته، وعدم رحمته تجاه من يحاول التلاعب معه. وعلى الرغم من ارتعاش جسدها، حاولت الوقوف عندما ابتعد عنها وهو يستمتع بخوفها؛ لكن سرعان ما نهضت واقتربت منه، وجثت على ركبتيها أمامه، و هتفت بتوسل قائلة: _ سامحني.. سامحني يا "وليد" أنا مكنش قصدي ألعب عليك؛ أنا اخذتها علشان أخوفها وأجبرها إنها تتكلم، وتقول على مكان (الأمانة) وهي إيه ؟.. ابتسم ساخراً من كلماتها، مدركاً أنها مجرد أكاذيب؛ تهدف إلى إنقاذ نفسها. ولكن هيهات، فهو يراقبها منذ فترة طويلة ويعلم بكل تفاصيل تحركاتها، سحب س\لاحه من خلف ظهره، ثم وجهه نحوها، ضاغطاً على الزناد و هتف قائلا ً: -عايزه تقولي إيه قبل ما تموتي؛ شمي آخر نفس ليكي في الدنيا! .. ارتجف قلبها من الخوف، و ذرفت الدموع من عينيها، مدركةً أنه لا يمزح؛ فهو يق\تل بدم بارد دون رحمة أو شفقة. هزت رأسها بشكل عشوائي وهي تتوسل إليه، لكنه لم يكترث، بل رفع قدمه ودفعها بقوة إلى الوراء حتى أطلقت صرخة مدوية في المكان! وقبل أن تتفوه بأي كلمة، أطلق رصاصة استقرت في جانبها، لتسقط ج\ثة هامدة بلا حراك! ماتت وقلبها مليء بالحقد والكراهية، بينما كانت "إيلول" تصرخ بذعر وهلع من هول المشهد، استدار إليها "سعد" وقال: _ اسكتي أحسن هيكون مصيرك نفس مصيرها، مش عايز أسمع صوتك إنتي فاهمه اربطوها جنب أمها ومش عايز ولا غلطه .. انهمرت دموع "منَّة" بحرقة وهي تستشعر عجزها أمام مصيرها المحتوم، بينما كانت ابنتها تعاني من الرعب، ولا تملك من القوة ما يمكنها من مواجهة قسوة "وليد". -بالله عليك يا "وليد" سيبنا في حالنا؛ صدقني أنا معرفش حاجة عن (الأمانة) دي "عادل" مقاليش حاجة وقولي البنت فين؟! .. تقدم نحوها بخطوات مدروسة حتى أصبح أمامها مباشرة، ثم رفع فوهة الس\لاح نحو رأسها وقال: -إتكلمي يا "منه" أنا صبري بدأ ينفذ؛ عايز أعرف "عادل" كان مخبي إيه؟ وليه كلهم بيدوروا عليه؟! أنا عرفت مكان (الأمانة) .. بدت على ملامح "منة" علامات الدهشة والاستغراب، حيث كانت لا تزال غير قادرة على فهم مفهوم (الأمانة) ولماذا يتم البحث عنها؟! ثم تحدثت قائلة: -إيه إللي "عادل" مخبيه و إيه هي (الأمانة) ؟ أنا هتجنن .. ************* اندفع الوالدان نحو غرفة ابنتهما بفزع وقلق حينما سمعوا صراخها، ثم فتحوا الباب ودخلوا مسرعين تجلى الغضب على وجوههم عندما رأوها واقفة على السرير، ممسكة بالهاتف بيدها، وتقفز فرحًا! فهتفت والدتها بغضب قائلة: -"مريم" إيه التصرفات دي؟ إنتي شايفه خوفنا على اخواتك! انتي خضيتنا هو دا وقت هزار! .. أخفضت رأسها خجلاً من تصرفها الطفولي، فهي عندما تشعر بالفرح تندفع للصراخ دون أن تدرك العواقب! وعندما علمت بقدوم ابنة عمها، انطلقت تصرخ بفرح، عبرت عن أسفها بسبب القلق الذي تسببت به لأهلها قائلة: -أنا آسفة مكنش قصدي؛ أنا أول ما شوفت رساله من "شهيرة" إنها جايه بكرة من فرنسا فرحت أوي .. تنفس "أحمد" الصعداء عندما رأى أنها بخير، وكان ذلك كافياً، لكن قلقاً عميقاً كان ينهش داخله. ثم وجه كلامه إلى زوجته قائلاً: -"زينب" خلوا بالكم من نفسكم، أنا رايح عند "يونس" و"حسام" قلبي مش مطمن أدعوا إني ألاقيهم بخير !.. -ربنا معاك إن شاء الله تلاقيهم بخير و ترجعوا بالسلامة .. غادر "أحمد" منزله تاركًا زوجته وابنته في حالة من التوتر والقلق من المجهول, فجأةً، سمعوا صوت سقوط شيء على الأرض، مما دفعهم للخروج بقلق للتحقق مما يحدث! لكنهم لم يجدوا شيئًا مريبًا، غير أن القلق تملّكهم عندما لاحظوا الباب مفتوحًا على مصراعيه، وشاهدوا ظل شخصًا واقفًا في الخارج! اقتربت "مريم" من الباب لتتحقق من هوية الشخص الموجود في الخارج، وعندما خرجت، صُدمت وبقيت تحدق في ذلك الشخص دون أن تتفوه بكلمة. ********* فتح عينيه ببطء، شاعراً بألم يجتاح جسده، نظر حوله فوجد المكان مظلمًا، حيث تواجدت فيه آلات حادة. حاول أن يتذكر ما حدث عندما أخذوه، لكن آخر ما يتذكره هو سقوط شقيقه، ثم شعر بأحدهم يرش شيئًا على وجهه، ومنذ ذلك الحين لم يعد يتذكر شيء! فجأة تذكَّر "تقى"، فانتفض من مكانه؛ لكنه اكتشف أنه مُقيَّد بسلاسل قوية تعوق حركته. حرك رأسه بحثًا عنها حتى رآها ملقاة على الأرض، بلا حراك! انتابه القلق، فهتف قائلاً: -"تقى"..." تقى".. إنتِ سمعاني من أنا البارت 5 شعر "يونس" بقلق وخوف من احتمال تعرض الفتاة للأذى بسببه. حاول النهوض، لكن تلك القيود كانت تعيق وتعرقل حركته، ولم يستطع تحرير نفسه منها؛ رغم محاولاته المستميتة لإجماع قواه والتحرك نحوها. حاول أن يهتز ويترنح بشكل عشوائي ليجعل المقعد الذي يجلس عليه يتحرك! لكن بسبب سرعته وقوته سقط المقعد أرضًا، تأوه من الألم عند إصطدامه بالأرض، وضغطت عليه القيود. زحف بالكرسي حتى اقترب منها وفجأةً، سقط القناع الذي كان يخفي وجهه، حاول أن يحرك يده لإسترجاع القناع، لكنه لم ينجح. لذا ترك أمره لله ثم هتف منادياً: -تقى، تقى بالله عليك ردي عليا أو إتحركي حتى عشان أطمن. فتحت عينيها ببطء وحركت بصرها في المكان بعشوائية، حتى وقع نظرها على وجه "يونس" المخيف! إتسعت عيناها بشكل مفاجئ، وانتفضت من مكانها لتصبح جاثية على ركبتيها، بينما انكمشت ملامح وجهها التي عبرت عن خوف عميق. انعكس بوضوح على تعبيراتها، أدرك "يونس" أنها شعرت بالخوف من مظهر وجهه، لكنه لم يكن معنيًا بذلك، إلا أن هذا الأمر كان يؤلمه دائمًا، رأى كيف أن الناس تخشى الاقتراب منه، فتنفس بعمق ثم قال : -متخافيش من شكلي، ممكن تساعديني أقوم ؟ إيدي بتوجعني، بسرعه علشان نفكر إزاي هنطلع من هنا؟ عندما أنهى كلماته، نهضت بسرعة وإقتربت منه؛ محاوِلةً دعمه لرفعه عن الأرض، كانت المهمة صعبة نظرًا لجسدها النحيف، ولكنها تمكنت بعد جهد جهيد من رفعه، جلست أمامه تلهث، بينما كان هو يصك على أسنانه من شدة الألم ثم قال : -أنتي كويسه ؟ في حاجة بتوجعك ؟ عارف أنو كان صعب ترفعي الكرسي بيا!. رفعت بصرها إليه، و شبه إبتسامة إرتسمت على شفتيها، ثم هزت رأسها في إشارة رفض، بعد ذلك، وقفت وإقتربت منه، وبدأت تتأمل السلاسل، محاولةً إيجاد حل لفكها. حاولت سحب يده من قبضة السلاسل، لكنه تأذى وأطلق تأوه ألم، فابتعدت عنه بسرعة ونظرت إليه بتعبير أسف، تنهد بضيق مدركًا عجزه عن فك هذه القيود. سرت في ذهنه آلاف الأسئلة حول سبب ملاحقته وما الذي يريده منه الآخرون، والآن يبدو أن الجميع يتعرض للأذى بسببه، حتى الفتاة التي لجأت إليه، فقد وجدت نفسها في مأزق بسببه، نظر إليها فوجدها تحدق به في صمت دون أن تصدر عنها أي رد فعل، شعر أنه يتتوق لإفشاء ما في داخله، فاستجمع أنفاسه وقال : -مش عارف أنا مين؟ وليه دايما بهرب و ليه ديما أهلي بيحاولوا يخبوني؟! و ليه الناس دي بيدوروا عليا؟ أنا بقيت حاسس إني مجرد خطر على أقرب الناس ليا؛ كلهم بيتأذوا بسببي!. تجلت آثار الحيرة على ملامحها وراودتها تساؤلات داخل ذهنها، رفعت يدها كأنها تسأله، لكنه لم يتمكن من فهم ما تود التعبير عنه. زمت شفتيها بدافع من الإحباط، وبعد دقائق من الصمت استطاع أن يفهم ما ترغب في قوله، فضحك وقال: -أسف بجد ..مش قادر أفهمك كويس، إنتي قصدك ليه بهرب ؟ أومأت برأسها تأكيدًا ثم جلست تستمع إليه بإهتمام، لتكتشف سبب وجوده، حيث كان الفضول واضحًا في عينيها للتعرف على هذا الشخص الذي بدا غريبًا. -هتصدقي لو قلت لك مش عارف ليه بهرب؛ بابا رفض يقولي حاجة حتى عن سبب التشوه الغريب إللي في وشي! بينما كان يتحدث، كانت هي تنصت له في صمت، وفجأة سمعت صوت خطوات قادمة، فإنتفضت من مكانها وركضت نحوه؛ وقفت خلفه كمن تبحث عن ملاذ، أمسكت به بقوة وجسدها يرتجف من الخوف، وبدأت دموعها تتلألأ في مقلتيها. شعر بخوفها من حركة يدها التي كانت تتشبث بها في ذراعه، فتحدث إليها محاولاً تهدئتها قائلاً: -متخافيش ربنا معنا، إهدي متبينيش ليهم إنك خايفه، تمام ؟ فتح الباب ودخل رجلان يرتديان ثيابًا سوداء، يتبعهما رجل يبدو من مظهره أنه طبيب، حيث كان يحمل حقيبة بيده، إقتربوا من "يونس"، وبدأ الطبيب بفحصه بدقة، مشيرًا إلى وجهه بتعبير من الاشمئزاز. ثم قام برفع ملابسه عن ذراعه، ليشهق بفزع عندما لاحظ ذراع "يونس" الغريبة، حيث كان جلده يشبه جلد الثعبان ! مما أثار الخوف في نفسه، شعر "يونس" بغل شديد يملأ صدره، وإشتدت حدة نظراته حين بدأوا يبعدون ملابسه عنه، وظهرت علامات الاشمئزاز والقرف على وجوههم! لم يستطع تحمل هذا الموقف، فإنفجر هاتفا بغضب : -شيل إيدك عني إنتوا عايزين ايه مني ؟ إنتوا مين و بتعلموا كده ليه؟ عندما رصدت "تقى" ملامح الغضب على وجه "يونس"، إستجمعت قواها وتركت ذراعه التي كانت تمسك بها بقوة، ثم تقدمت نحو الطبيب ودفعته بقوة إلى الوراء، نظر إليها الطبيب بعبوس قبل أن يقترب منها، ويأخذ خصلات شعرها بين يديه ضاغطًا بقوة، ثم أطلق لها هذه الكلمات : -بصي لولا إن الباشا طلب مني ماحدش فيكم يتأذي؛ كنت قتلتك.. افضلي مكانك و إلا هفصل دماغك عن جسمك. إنفجرت مشاعر الغضب لدى "يونس" بشكل قوي فتسبب في تحريك الكرسي بعنف! لكن تم الإمساك به بإحكام، ترك الطبيب "تقى" وتقدم نحو "يونس" مرة أخرى، ثم فتح حقيبته وأخرج منها حقنة تحتوي على سائل، أمسك بذراع "يونس" ليوجه الحقنة نحوه، وفجأة أطلق صرخة و سقطت الحقنة من يده! ********** وصل "أحمد" إلى الغابة، فنزل من سيارته وقلق كبير يعتصر قلبه، ركض نحو المنزل بقلب ينبض بشدة، وعندما لمح الباب مفتوحًا؛ تملكه الذعر. دخل المنزل صارخًا بأسماء أبنائه، ولكنه لم يتلقَّ أي رد! هرع نحو المطبخ، وعندما وصل إلى هناك، كانت الصدمة في انتظاره؛ عندما رأى إبنه يفترش الأرض و تحت قدميه بركة من الدماء، هوى قلبه و تجمدت الدم في عروقه. تقدم نحوه بجسدٌ يرتعش من الخوف والرعب جثا بجانبه، ثم رفع رأسه عن الأرض وصرخ بذعر قائلاً : -"حسام".. "حسام" يا بني رد عليا إنت سامعني، استحمل يا بني. أنهى كلماته وحاول حمل إبنه على ظهره، لكنه لم يفلح فأمسكه من ذراعيه وسحبه ببطء، وكان قلبه يتألم من أجله، وبعد معاناة، تمكن من مساعدته للوصول إلى السيارة، وبعد جهد كبير إستطاع إدخاله فيها، ثم إستقل مقعده وإنطلق بسرعة جنونية. ********* شعرت "مريم" بالذهول عندما اكتشفت أن من كان في الخارج ليست إلا إبنة عمها "شهيرة". حدقت بها دون أن تتفوه بكلمة، وكانت عيناها تعكسان سعادة غامرة، استيقظت من حالة الصدمة عندما اقتربت منها "شهيرة" وعانقتها بحرارة، ثم صاحت فرحة: -وحشتيني أوى أوى يا مريومه قلت أعملها لكم مفاجأة. فصلت "مريم" بين العناق، ثم مدت يدها لتسحبها إلى الداخل، وهتفت تعبر عن فرحتها قائلة: -أجمل مفاجأة يا شوكي وحشتيني اوي.. اوي تعالي ندخل عند ماما هتفرح اوي . دخلوا الغرفة ليجدوا "زينب" جالسةً في حالة من الحزن، حيث كانت تضع رأسها بين يديها ولم تلاحظ دخولهم على الإطلاق؛ إذ كان ذهنها مشغولاً بأبنائها وزوجها. كانت تشعر بالخوف الذي ينهش في أعماقها، وتعاني من ضيق يكاد يخنقها، فجأة.. إنتشلها من أفكارها صوت "مريم" الذي يتردد في أرجاء المكان، وهي تصيح بسعادة قائلةً: -ماما.. ماما بصي مين جه! شوكي وصلت أخيرا البيت نور. رفعت "زينب" رأسها، محاوِلةً رسم إبتسامة على ثغرها، لكن خيوط الألم كانت واضحة في ملامح وجهها، ودموع متلألئة تجمعت في جفونها. انتاب "شهيرة " شعور بالقلق عندما رأت وجه زينب، حيث إجتاحها الخوف في تلك اللحظة! فإقتربت منها، وحيّتها ثم أمسكت بيدها، وهتفت بقلق متسائلة: -مالك يا طنط؟ إنتي كويسه .. ليه في دموع في عيونك؟ هو إيه اللي حصل يا "مريم" و ما قلتليش . لم تتمكن "زينب" من كبح دموعها، فتدفقن على وجنتيها، بينما كان داخلها تعاني من وجع يفتك بها ببطء.. ثم هتفت قائلة: -"يونس" و "حسام" في خطر و عمك راح كمان و أنا لسه مش عارفه حاجة عنهم خايفه اوي اوي و لا حد اتصل حتى لغاية دلوقتي!. تبدلت ملامح "شهيرة" وتغلغل الحزن في عينيها، ثم وقفت تلامس وجهها بيدها بشكل متقطع، أخذت نفسًا عميقًا عندما شعرت بصعوبة في التنفس، ثم نطقت قائلةً: -نبلغ البوليس أو نعمل حاجة ليه قاعدين كده، مش عارفين عنهم حاجة؟!. قطع حديثهم رنين هاتف "زينب"، الذي أعلن عن استقبال اتصال كانت بانتظاره بشغف. وعندما لمحت اسم زوجها، أسرعت بفتح الخط ووضعت الهاتف على أذنها للإستماع إلى ما حدث، بينما كان القلق يتسرب إلى قلبها. انشغلتا "مريم" و"شهيرة" بترقب تعابير وجهها لمعرفة ما وقع. فجأة، تبدلت ملامحها وأنهمرت دموعها، فسقط الهاتف من يدها. ************ تحولت ملامح "وليد" إلى ملامح الغضب، حيث أمسك بفكها بين يديه وضغط عليه بقوة، مما جعلها تتأوه من الألم وتظهر معالم المعاناة على وجهها. لم تتمكن من النطق، فقد شل حركتها، ثم تحدث قائلاً: -عاملة نفسك مش عارفه يا "منة" اومال الطفل إللي جوزك كان مخبيه، و بعته لصاحبه أنتي مش عارفة أن إللي هياخد الطفل هيبقى غني؟!. ترك فكها، ثم ابتعد عنها، وعلى شفاهه ابتسامة تحمل في طياتها شيئاً من المكر، استمر قائلاً: - هسيبك إنتي و بنتك بس بشرط لو نفذتيه هتتحرري مني. أخذت أنفاسها المرهقة وهي تتنفس بصعوبة من شدة التعب، ثم قالت متسائلة: -إيه هو الشرط ده ؟ من ٱنا البارت 6 قبل أن يغرز الطبيب الحقنة في ذراع "يونس"، شعر بضربة قوية على ظهره؛ جعلته يصرخ من الألم، وسقطت الحقنة من يده. ضغط على أسنانه وشعر وكأن عظام ظهره قد انكسرت! وعندما استدار، وجدها تنظر إليه بغضب وبيدها عمود خشبي، حيث أدرك أنها هي من قامت بضربه. تجلت علامات الغضب على ملامحه، فتقدم نحوها، لكن قبل أن يقترب، شعر بألم شديد يكاد يفتك به. نظر إلى الرجال الذين كانوا معه بنظرة غاضبة، جراء صمتهم وعجزهم عن اتخاذ أي إجراء! ثم هتف، وقد غلب عليه الألم قائلاً: _ إنتوا فايدتكم إيه؟ أنا جايبكم علشان تحموني مش شايفين البنت كانت هتقتلني؟! تقدم أحدهم نحوها، ثم أمسك بذراعها بقوة، مما جعل ملامح الألم تظهر على وجهها وهي تحاول الفرار من بين أنامله، ثم قال: _ إحنا آسفين ماخذناش بالنا منها، كنا مركزين في شكل الراجل الغريب ده، كمل شغلك .. نظر إليها بنظرات غاضبة، ثم استدار نحو "يونس" ليواصل ما بدأ به، لكن صدمته كانت كبيرة عندما رأى السائل الذي كان في الحقنة قد سكب على الأرض! التقط الحقنة بسرعة من الأرض، لكن الوقت قد فات، فتركها هناك واستدار إلى "تقى" غاضباً، حيث ارتفع مستوى غضبه مع ابتسامة "تقى" التي تحمل في طياتها شعور الانتصار. إذ تمكنت من إحباط ما كان يطمح إليه، كانت ابتسامتها كالسيف الذي جعله يشعر بأن حنجرته قد جُمدت حمل حقيبته، ثم وجه كلماته إليهم قائلاً: _ يلا نمشي من هنا شغلنا باظ بسببها، الحقنة كانت واحدة بس علشان مايحسش بحاجة .. خرج الطبيب وهو يعرج، فيما تبعه رجاله، نظرت "تقى" إلى "يونس" الذي كان صامتًا، محدقًا في الفراغ أمامه، وعلامات الحزن تجلت على وجهه. حرك رأسه ليلقي نظرة على ذراعيه اللتين تم نزع ملابسه عنهما، وكان شكلهما يبعث على القلق، كان يشعر بأنه أصبح مُهملاً ومنبوذًا من الجميع، إذ يسعى الآخرون إلى استغلاله لتحقيق مصالحهم. لم يكن يرغب في أن يكون بهذه الصورة، فهو لم يختر كيف يكون، بل وُلِد بهذه الطريقة! وكأن "تقى" أدركت ما يدور في ذهنه، فتوجهت نحوه بخطوات تصدر صوتًا واضحًا لتجذب انتباهه، لم يتمكن من رفع رأسه لكي لا تشعر بالخوف من مظهره، إذ يصبح مخيفًا عندما يغضب، تنهد بحزن ثم قال: _ أنا كويس متشكر أوي خربتِ الحقنة وخطتهم فشلت .. لم تصدر عنها أي صوت، بل تحركت وبدأت تدور في المكان، متفحصةً كل زاوية فيه لعلها تجد مخرجًا. لا تدري من أين اكتسبت هذه الشجاعة، فقد كانت تشعر بالخوف القاتل ومع ذلك، حين رأت قهر "يونس" أمام الطبيب، لم تعرف كيف حصلت على تلك القطعة، لكنها وجهتها نحوه وضربته بكل قوتها. أثناء تفحصها المكان، كان صراع من مشاعر الارتباك والخوف يتغلغل داخلها، اتجاه ما قد يحدث في المستقبل ومصيرها المجهول مع هذا الشخص الغامض! أصبحت عاجزة عن توقع الأحداث، وخشيت أن يحدث شيء سيء لها أو "ليونس". وفي خضم تلك المشاعر، لفت نظرها إلى نافذة في ركن عالٍ قليلاً، فتحركت بحماس وبدأت في نقل القطع الخشبية ووضعها تحت موقع النافذة؛ لتتمكن من الوصول إليها لاحقًا. وعندما شعر" يونس" بصمتها، انتابه القلق من احتمال حدوث مكروه لها، وعندما رفع رأسه، وجدها تحمل القطع وترصها فوق بعضها البعض، مما أثار إعجابه، فهتف مستفسرًا: _ "تقى" إنتي بتعملي إيه؟ ليه بتشيلي الخشب وتحطيهم هناك ليه؟ ممكم تتأذي الخشب تقيل! استدارت نحوه ثم أشارت بيدها نحو النافذة، قبل أن تعود لاستكمال حمل القطع، حينها أدرك أنها قادرة على الوصول، لكن "يونس" لاحظ أن القطع غير مرتبة وقد تسقط في أي لحظة؛ مما قد يُسبب لها أذىً جسيمًا نظرًا لارتفاعها. لذا، تحرر من صمته وهتف بتحذيرها قائلاً: _ "تقى" أوعي تطلعي فوقيهم؛ دول مش محطوطين كويس وممكن يقعوا بيكي وتتأذي! خلينا نفكر في حل تاني أحسن من دا .. لم تعر كلماته أي اهتمام، فهزت كتفيها بلا مبالاة، ثم صعدت بحذر فوق قطع الخشب، ورفعت يدها محاولةً فتح تلك النافذة الصغيرة. فجأة، شعرت بهزات تحت قدميها، وبدأت تفقد توازنها في محاولة منها للتماسك، ولكن عندما مالت قطع الخشب، لم تجد ما تُمسك به، فسقطت بقوة. صدمت رأسها بإحدى القطع، ثم انحنت نحو الأرض حتى غُرِس وجهها في التراب، ولم يُسمع منها أي صوت، عدا صوت "يونس" المستمر منذ لحظة سقوطها! حتى توقفت عن الحركة بلا أي صوت، حاول تحريك الكرسي وهو يصرخ، لكنه كان يشعر بالعجز: _ تقى..يا تقى.. تقى ردي عليا، إنتي مش بتسمعي الكلام ليه؟ أنا قلتلك بلاش ..تقى ************* سقط الهاتف من يدها؛ عندما تلقت خبر إصابة ابنها الذي كان يصارع الموت، لم تتمكن من تحمل ما سمعته، فقد كان ابنها، ثمرة كبدها، بين الحياة والموت، و اندثرت دموعها في لحظة من الفزع. ثم أخرجت صوتها بصعوبة قائلةً: _" حسام" في المستشفى ابني متصاب يارب .. احفظه هو... لم تكمل منعتها غصة حادة وقفت بمنتصف حلقها، لتعض على شفتيها بأسنانها و تناثرت دموعها على وجنتيها. اقتربت "مريم" من والدتها وهي تبكي، غير مدركة ما تفعل، حيث تجري دموعها بينما تمسك بيد والدتها محاولةً تهدئتها. ومع ذلك، كانت والدتها بحاجة أيضًا إلى من يطمئنها، بينما كانت "شهيرة" متسمرة في مكانها، تراقب بلا حركة أو كلمة. استجمعت "زينب" قواها، ثم بدأت بالكلام قائلةً: _ يلا بينا نروح المستشفى نطمن على "حسام".. يارب إبني يكون بخير .. تحركت "زينب" و"مريم" بسرعة، بينما ظلت "شهيرة" متجمدة في مكانها، حيث كانت علامات الجمود بادية على وجهها. ورغم ذلك، كان قلبها مشتعلاً بنار من القلق والانفعال، وقد أخرجها من شرودها صوت "مريم"، التي قالت: _ "شهيرة" إنتي كويسه؟! بقالي مده بنادي عليكِ يلا نروح المستشفى .. شعرت الكلمات تتجمع في حلقها كخنجر يجرحها، فتنهّدت ثم أجابت قائلة: _ روحوا إنتوا أنا مش قادره، أنا هفضل هنا لما توصلوا إبقوا كلموني علشان أطمن على" حسام" .. عادت "زينب" إليها، وأمسكت بيدها قائلةً : _ إحنا مش هنسيبك لوحدك؛ تعالي معانا، قلبي هيبقى مشغول عليكِ .. لم تستطع "شهيرة" العثور على سبب مقنع للرفض، فوافقت على الفور وخرجت معهم، بينما كانت تكافح لوقف دموعها وتحاول إخفاء حزنها، مسبغةً على وجهها ابتسامة زائفة. ************* حدقت "منة" في "وليد" بتوتر، تنتظر معرفة الشرط الذي قد يفرضه عليها! يكفي أن يتركها هي وطفلتها لتغادر هذا المكان المشؤوم. جلس "وليد" على أحد المقاعد الحديدية القديمة، مظهراً ابتسامة تفيض بالشعور بنشوة الانتصار، وكأنه اقترب من تحقيق هدفه، ثم هتف قائلاً: _ الشاب بقى في إيدينا وهو مرتبط مع سر (الأمانة) .. الشرط الأول تقوليلي أي هو السر إللي يربط "يونس" (بالأمانة) علشان أقدر آخدها .. أطلقت تنهيدة من الضيق وهي تشعر بالغضب من تصرفه، حيث رجع يسألها وكأنها تدرك كل شيء! طوال حياتها، كانت بعيدة عن زوجها، ولم يكن يجمعها به سوى أبنائهما، كيف يمكنه أن يخبرها عن هذا السر؟ ومن هو" يونس" الذي يتحدث عنه؟ تلك التساؤلات دارت في ذهنها بلا توقف ثم هتفت قائلة: _ أنا معرفش مين "يونس" ولا أعرف السر إللي يربطه (بالأمانة)! ، إيه هو شرط التاني؟. اقترب منها حتى باتت أنفاسه تلامس وجهها، فحرّكت رأسها بعيدًا عنه، مما عكس على ملامحها علامات النفور والاستياء، عند رؤيته لهذا التصرف، تراجع عنها ثم قال: _ الشرط الثاني يا "منة" إنك تتجوزيني على سنة الله ورسوله .. شعرت" منة" بالدهشة جراء كلماته، وكأن الكلمات قد اختنقت في حلقها! دار في ذهنها العديد من التساؤلات، لكنها حاولت استجماع قواها وقالت: _ وأنا مش هتجوزك لو هموت هنا يا "وليد"؛ إنت أكثر شخص أنا بكره في حياتي ولا يمكن أفكر مجرد تفكير إني اتجوزك! .. غضب من ردها الواضح، ثم تقدم نحو ابنتها وأمسك بها بشدة من ذراعها، مما جعلها تطلق صرخة مدوية في المكان، حاولت "منة" أن تصرخ بفزع لتطالبه بترك ابنتها، لكنه تجاهل صرخات الطفلة ووضع الس\لاح على رأسها، ثم قال: _ يا إما تنفذي شروطي وإلا تخسري بنتك للأبد؟ الخيار ليكي وهديكِ وقت علشان تفكري .. ************* بقلق شديد، أسرعوا في أروقة المستشفى يسألون عن غرفة "حسام"، وبدت عليهم علامات الذعر، قبل أن يتجهوا نحو الغرفة المعنية، حتى سمعوا نداء "أحمد" من إحدى الاروقة حيث كان جالسًا على أحد المقاعد الحديدية، أمام الغرفة التي يتواجد بها "حسام" هرعوا إليه بقلق، وعندما وصلوا، قالت "زينب" بلهجة مفعمة بالقلق: _ طمني يا "احمد" "حسام" مالوا هو كويس؟ ابني حصله إيه؟! .. تنهد" أحمد" بعمق حيث كان الحزن والقلق يطغيان على ملامحه، وهو يتأمل يديه الملطختين بدماء ابنه، ثم نطق قائلاً: _ لسه ماحدش خرج من عنده من ساعة ما وصلنا، بإذن الله "حسام" هيكون بخير .. ضغطت على شفتيها لتمنع صوت شهقاتها العالية، وقلبها يكاد يتفجر من بين ضلوعها، أي ألم تتحمله هذه الأم قلبها ينفطر على ابنها، مثل سيف يذبحها كلما مرت الدقائق فجأة. انطلقت شهقات بكائها ملء المكان، وصدى صوتها يتردد في الأرجاء، بدأت عيناها تتجولان بقلق، وعندما تذكرت "يونس"، اهتز قلبها خوفًا مما قد يحدث له؛ فقد باتت غير قادرة على التحمل. انهارت ساقاها وسقطت على ركبتيها، لكن "شهيرة" و"مريم" هرعتا ليدعماها وتساعداها على الجلوس، ثم تحدثت بصوت خافت قائلة: _ أومال "يونس" فين إبني فين يا "أحمد"؟ ماتقولش إن حصله حاجة؟! .. استقام "أحمد" وتقدم نحوها، ثم جلس القرفصاء أمامها ممسكًا يدها، وكأنه يواسيها رغم ألمه، كان يأمل أن يظل قويًا من أجلها، ثم أجابها قائلاً: _ إطمني هيكونوا بخير الظاهر إنهم خطفوا "يونس" شكلهم وصلوا له؛ أنا بعمل كل جهدي علشان أعرف مكانه .. لم تتحدث، بل وضعت يدها على فمها وانهمرت دموعها بينما كانا في هذه الحالة عندها، خرج الطبيب من غرفة "حسام"، فتوجهوا إليه بسرعة وقلق، تملؤهم مشاعر متناقضة. ولكن، عندما نظر إليهم الطبيب، بدت على وجهه تعابير الحزن. من أنا البارت 7 شعر بالعجز واليأس، فقد غلب عليه إحساس القنوط، حاول التقدم نحوها، لكن قلة الطعام والشراب أضعفت طاقته، إضافة إلى تلك السلاسل الملعونة التي تعيق حركته. أطلق زفرة ضيق، وصفعت صرخاته المكان من حوله، وهو يسعى لتحريك الكرسي، لكن دون جدوى. بينما هو يبذل قصارى جهده، فجأة رفعت رأسها، وتساقطت الدماء من جبهتها على وجهها. عانت بشدة وهي تقف بصعوبة تحت وطأة الألم، ثم وضعت يدها على جبينها، وعندما شعرت بشيء سائل، رفعت يدها لتكتشف ما بها، وفجأة تبدلت ملامح وجهها، حيث بدت مظاهر الرعب واضحة عليها! لم تتمكن من السيطرة على خوفها وبدأت تصرخ بشكل هستيري، ثم سقطت على ركبتيها، حيث راحت تفرك يديها بالأرض وهي تبكي بشدة. سعى "يونس" إلى إيقافها بكلماته عسى أن تستمع له، لكنها لم تعره أدنى اهتمام! استمرت في تمريغ يديها بقوة على الأرض حتى نزفت، بينما كان أنينها يرتفع رويداً.... رويداً .. وعندما أدرك "يونس" أن محاولاته لن تجدي نفعًا، صرخ بصوت عالٍ قائلاً: _ "تقى" اهدي مفيش حاجة؛ ده مجرد جرح بسيط قومي كدا هتعوري ايدك. بمجرد أنهى حديثه، توقفت ورفعت رأسها لتنظر إليه، وقد انهمرت دموعها على وجنتيها، مختلطة بجراحها وعلامات الذعر بادية على ملامحها. نهضت ببطء، تحتضن نفسها بذراعيها وهي تترنح تحت وطأة الهلع، ثم تقدمت نحوه بنظرات مشوبة بالخوف لم يفهمها، حتى وصلت إلى جانبه وجلست بجانب قدميه! عندما ابصر رعبها من قطرات الدم؛ أدرك أنها قد عاشت مأساة مؤلمة جعلتها تخشى من الدماء. تنهدت تنهيدة تحمل في طياتها معاناة وآلامًا، وازداد شعورها بالخوف، لم يعد يفكر سوى في كيفية إبعاد هذه الفتاة عن هذا الخطر، والسعي للعثور على أهلها ليعتنوا بها. تحدث دون أن ينظر إليها حتى لا يتزايد خوفها من مظهر وجهه، ثم نادى بكلمات ليطمئنها قائلاً: _ مفيش حاجة تخوف إنتي كويسه ماتخافيش أنا جنبك تمام .. *********** بين قلقها على ابنتها والتحديات الصعبة التي فرضها الشرط المفروض عليها، اجتاحها شعور من الذعر خوفًا من فقدان ابنتها. حيث أدركت أنها تجهل الكثير عن هذه (الأمانة) وشرطه الثاني، طلبه للزواج منها، رغم تفضيلها الموت على العيش مع شخص نرجسي خالٍ من الرحمة. إلا أنها أدركت أن الوقت ليس مناسبًا للعناد والرفض، بل ينبغي عليها أن تواصل المحاولة لبلوغ ما ترغب به، تنهدت بتعب وقالت: _ أنا موافقه على الجواز يا "وليد" بس؛ سيب بناتي وبالنسبة (للأمانة) فأنا معرفش عنها حاجة صدقني .. ابتسم بشر واقترب منها، محاولًا الإمساك بيدها، لكنها تحركت بعشوائية، مُبديَةً اشمئزازها منه؛ ولأنه شعر بالاستمتاع بحالتها هذه قال: _ أنا هصدقك المرة دي يا "منه" رجالتي هياخدوكِ لبيتي وهناك هتجهزي لكتب كتابنا .. أنهى حديثه ثم اقترب من "إيلول"، وكانت ابتسامة مكر تعلو وجهه! أمسك برفق وجنتيها بيديه، مما جعل جسدها ينتفض بينما سقطت الدموع من عينيها في حالة من الخوف. قهقه "وليد" عاليا ثم قال: _ خايفه ليه أنا عمو وقريب هبقى بابا ومش هعذبك تاني .. ابتعد عنها وهو يضحك بطريقة جنونية، ثم استدعى بعض الرجال الذين دخلوا على الفور واصطفوا أمامه في استعداد لتنفيذ أوامره. ثم أشار نحو "منة" وتحدث قائلاً: _ فكوا "منه" وبنتها وخودهم البيت عندي جيبولها هدوم جديده وأكل .. توجهوا بسرعة لتنفيذ طلبه؛ وأطلقوا سراح "منه" وابنتها. وما إن تم فك الحبال عنهما حتى أسرعت إلى ابنتها، معانقة إياها بقوة، وانفجرت في بكاءٍ مؤثر بينما كانت ابنتها منهارة في أحضانها. أظهر "وليد" استياءه وتحدث قائلاً: _ خدوهم بسرعه مش عايز غلطه، أنا ماشي عندي حاجة مهمه .. أنهى حديثه وانصرف مسرعًا، بينما ابتسمت "منة" وعزمت على تنفيذ ما تفكر فيه، تمسكت بيد ابنتها بقوة وسارت نحو الخارج. وحين خرجوا، أصرت على إمساك يد ابنتها بشدة، وعندما نظرت إليهم، وجدت أنهم لم يولوا انتباههم لهما! سحبت ابنتها وركضت بعيدًا بكل قوتها، وفي تلك اللحظة، وقف أحدهم دون حركة، واستخرج س\لاحه، وأطلق رصاصة دوّت في المكان! ********** انتظروا تصريحات الطبيب بقلوبٍ تتراقص فيها مشاعر القلق، وأرواح تكاد تنفصل عن الأجساد من شدة الخوف مما قد يُعلنه. وبعد لحظة من الصمت الثقيل، نطق الطبيب بأسفٍ قائلاً: _ الرصاصة دخلت في مكان خطير في رجله؛ للأسف مش هيقدر يمشي لفترة طويله، يمكن مع العلاج هيرجع يمشي زي الأول .. انزلقت كلمات الطبيب على مسامعهم كالصاعقة، فاجتاحت قلوبهم بصدمة لا تصدق. انفجرت "زينب" في نوبة من البكاء، بينما سعى "أحمد" جاهداً للتماسك، و هتف بكل أمل متسائلا ً: _ يعني مفيش أمل يا دكتور أرجوك إعمل أي حاجة؛ إبني لما يعرف مش هيستحمل .. أجاب الطبيب قائلاً: _ إحنا عملنا إللي علينا ربنا يشفيه .. أنهى الطبيب حديثه وترك المكان، اقترب "أحمد" من زوجته محاولًا تقديم المواساة لها، بينما كان قلبه يتألم من فقد أبنائه، واحد في الداخل والآخر لا يعرف مصيره. كان يشعر كأنه محاصر بين نارين، ربت على يدها قائلًا: _ إهدي يا "زينب" "حسام" قوي وهيكون بخير، فترة وهتعدي وإن شاء الله هيبقى كويس .. أخذت نفسًا عميقًا، محاولًة إخراج صوتها الذي اختنق بالدموع. كانت الكلمات تتعثر في حلقها، بينما شعرت أن قلبها يكاد يخرج من بين ضلوعها، فكل نفس تتنفسه يذكرها بمعاناة أبنائها. لم تحتمل أن يتعرض أي من أبنائها للأذى؟ خفضت رأسها إلى الأرض، مغمضة عينيها في محاولة يائسة للسيطرة على دموعها المتدفقة. تبدو وكأنها لم تعد قادرة على فعل أي شيء سوى الانهيار في البكاء؛ ارتفعت أصوات شهقاتها، وهي تهمس بصوت مفعم بالألم: _ مش قادره يا "أحمد" ابني لو حصله حاجة أنا هموت ، أنا مستعده أديه روحي بس هو يقوم بالسلامة .. وضعت "زينب" يدها على خديها لتجفف دموعها، داعيةً بأن يكون أبناؤها بخير. وكانت "مريم" التي لا تقل حالتها عن حالة والدتها، تذرف الدموع خوفاً على مصير إخوتها. حاولت "شهيرة" أن تواسيها قليلاً مسكت يدها تربت عليها، وبعد فترة بدت كالسيف الحاد على رقابهم، أقر الطبيب بزيارة "حسام"، وما إن استمعت "زينب" بموافقته حتى اندفعت نحو الباب واقتحمت الغرفة. اجتمع الجميع حول "حسام"، وكل منهم يسأله بلهجة مشوبة بالقلق عن حالته. لكن "حسام" كان نظره مشدودًا نحو "شهيرة"، حيث بدت ملامح الغضب واضحة على وجهه. حاول النهوض لكنه شعر بآلامٍ في جسده، فعاد إلى مكانه متألماً ثم تحدث بنبرة حادة قائلاً: _ إيه إللي جابك هنا؟ إطلعي بره مش عايز أشوفها طلعوها بره !.. ************** مرت اللحظات وازدادت برودة الجو، وفي كل مرة كان ينظر إليها، يجدها صامتة، لكنها كانت تسرق النظر إليه في كل ثانية، تقترب بجانب قدميه كأنها تشعر بالأمان لوجوده. فجأة، انتفضت مذعورة عندما سمعت أحدهم يفتح الباب، فاستحكمت في قبضتها عليه، وعينيها مصوبتان نحو الباب! دخل عدة رجال ومعهم "وليد"، ثم اقترب "وليد" من "يونس"، وضحك بصوت عالٍ قائلاً: _ وأخيراً لقيتك يا "يونس" وهلاقي (الأمانة) كمان معنديش وقت عايزك تقولي فين (الأمانة) بسرعة. .. غضب "يونس" حتى أصبح لون عينيه كالمزيج من الدماء، واكتسب وجهه مظهراً مخيفاً يُثير الرعب في نفوس من يراه!. وعندما لمح "وليد" هيئة "يونس"، ارتدَ إلى الوراء مذعوراً وقال: _ ده مش بني آدم دا شيطان اربطوه كويس دا مش بني آدم عادي! .. كانت كلمات "وليد" بمثابة قطع زجاج مكسور، تجثم في قلب "يونس"، تتحرك عشوائيًا مثل طائر جريح داخل قفصه، اهتز بقوة، مما أضفى عليه منظرًا مريبًا! لم يحرك تلك القيود التي تعيق حركاته، وسقط به الكرسي إلى الأرض، بينما "وليد" يراقبه بخوف. في تلك الأثناء، كانت "تقى" تقف تراقبه، وعندما سقط، أسرعت نحوه محاولًة إسناده ليستعيد توازنه. ولكن "وليد" كانت أسرع منها، فأمسك بذراعها ليبعدها عن "يونس" إلا أنها فاجأته بدفعة قوية إلى الوراء كادت أن تفقده توازنه! ثم نظرت إليه بنظرات مليئة بالكره والغضب، وبدأت تتحرك نحو "يونس"، لكن شعرت به يمسك بمعصمها ويجذبها نحوه، ثم صاح قائلاً: _ إنتي شكلك نسيتي أنا مين؟ ولا عامله نفسك مش عرفاني؟ كنتي فاكره إنك هتقدري تهربي مني .. نظرت "تقى" إليه بدهشة، وضيقت عينيها مستفسرة؟! حاولت سحب ذراعها منه، لكنها فشلت في ذلك أمام قوته، حيث ضغط على معصمها حتى تأوهت من الألم. ورغم ذلك، تماسكت ونظرت إليه بغضب، في تلك الأثناء، كان "يونس" يحاول النهوض، إلا أنه شعر بالعجز والقهر، لكنه لم يستسلم ولم يرغب في إظهار ضعفه أمامهم. وفي لحظة اقترب منه اثنان، أعاداه إلى مكانه مرة أخرى. وجه "وليد" أنظاره نحو "يونس"، حيث كانت تلمع في عينيه لمعة شر، ثم تحدث قائلاً: _ إنت شكلك عنيد يا "شيطان" بس هتتكلم غصب عنك وتقول إيه علاقتك (بالأمانة) وهي فين؟! ابتسم "يونس" ابتسامة تحمل طابعاً مرعباً، ثم صرخ بصوت قوي قائلاً: _ أنا معرفش حاجة، ومعرفش إيه هي (الأمانة) إللي بتتكلم عنها ،بس إنت هتندم أوي على إللي إنت عملته دا .. عبر "وليد" عن استيائه بضغطه على أسنانه، عندما أدرك أنه لن يحصل على أي شيء بسهولة من "يونس". وقرر أن يلجأ إلى استخدام القوة عله يتمكن من تحقيق ما يرغب، ثم وجه حديثه لأحد رجاله قائلاً: _ هات الكرباج وأفضل أضربه من غير ما تقف لحد ما ينطق ويقول كل حاجة .. أنهى حديثه ثم تراجع إلى الخلف وهو يمسك "بتقى" التي كانت تحاول الفرار منه، بينما قام أحد رجاله بمدّ سوطٍ وانهال به على جسد "يونس"! ومع كل ضربة من السوط، لم يكن الألم يدفع "يونس" إلى الصراخ من شدة الوجع، بل من وطأة القهر الذي يعتصره! حاولت "تقى" دفع يد "وليد" عنها بكل قوة، وكأنها قطة متوحشة، إذ ازدادت شراسةً وظهرت القوة في عينيها، لتعضّ يد "وليد" بكل ما أوتيت من قوة! دفع "وليد"" تقى" بعيدًا عنه، ممسكًا بيده وهو يعاني من الألم. استغلت هي انشغاله، واندفعت نحو الرجل الذي يقوم بضرب "يونس"، حيث أمسكت بذراعه بقوة مما أعاق حركته. وفجأةً، شعرت بشيء حاد يلامس رقبتها...! من أنا البارت 8 توقفت "منة" للحظة لتستوعب أن كل شيء بخير، حين مرت الرصاصة بجانبهما دون أن تصيبهما بأذى! كادت أن تتوقف أنفاسها عندما سمعت صوت الطلقة النارية، وتجمدت في مكانها، حيث سرت في أوصالها قشعريرة، وجفّ حلقها. لم تعد قادرة على التحمل و سقطت على ركبتيها وهي تحتضن ابنتها في يديها، تحاول استعادة أنفاسها المسلوبة. وفجأة، شعرت بفوهة س\لاح موجهة إلى رأسها؛ احتضنت "منة" جسد ابنتها النحيل بين ذراعيها، محاولة حمايتها من بطشهم. عندما أدركت أنه لا مفر لهما، شعرت بكآبة تسكن حلقها، وتجمعت الدموع في عينيها بسبب مرارة الهزيمة التي تذوقها، ولم تستطع الهرب. لعنت في سرها تلك (الأمانة) التي كانت سبباً في معاناتها. وفجأة انتشلها من تفكيرها عندما انتزعتها قبضة قوية من ذراعها وسحبها بقوة، حتى كادت تسقط ثم تحدث قائلا ً: _ المرة دي الرصاصة عدت من جنبك، لكن المرة الجايه هتيجي في دماغك فما تحاوليش تهربي مرة تانية .. أنهى حديثه المليء بالتهديدات، ثم ألقى بها نحو السيارة، و أمسك بابنتها التي كانت تبكي بفزع، ولم يُظهر أي تعاطف، سحبها خلفه كما يُسحب قطعة قماش بلا معنى! شعرت بالقهر حين عجزت عن فعل أي شيء من أجل ابنتها، وصرخت بصوت يملؤه الألم قائلة: _ سيب بنتي ماتعملش معاها كدا البنت مريضه أرجوك سيبنا نمشي .. توقفت الكلمات في حلقها وسقط قلبها هلعًا؛ حين رأت ابنتها تغلق عينيها ويسقط جسدها على الأرض بلا حراك! صرخت بفزع، ودموعها تتناثر على وجنتيها، حتى كاد صوتها أن ينحبس _ بنتي "إيلول" إنتي سمعاني اعمل حاجة بنتي بتروح مني؟! .. دفعها بقوة حتى اصطدمت بالسيارة، دون أن يبالي كأنه يدفع شيئًا غير ذي قيمة، ثم حمل "إيلول" ووضعها في السيارة، وعاد إلى "منة"، سحبها من ذراعها ودفعها إلى الداخل بجانب ابنتها. بعد ذلك، أشار إلى الرجال الذين كانوا معه، ثم استقل مقعده وانطلقوا. بينما في الخلف، بكت "منة" بمرارة وفزع، وهي تمسك برأس ابنتها بين يديها، منادية بصوتٍ مفعم بالحزن قائلة: _ "أيلول"... "أيلول" ردي عليا أنا آسفة يا حبيبتي ماقدرتش احميكِ .. ازداد بكاؤها حين لم تجد منها ردًا، فأخذت تقلب جسدها الضعيف البارد بين يديها. ************ انتفضت "تقى" خوفًا، ثم استدارت ببطء وهي تحاول طمأنة نفسها بأن كل شيء سيكون على ما يرام. فوجئت بـ "وليد" خلفها، حاملاً س\كينًا حادًا، وعيناه مليئتان بالشر. ثم اقترب منها، و مرر الس\كين على وجنتيها، وهتف بغلٍ قائلاً: _ شكلك نسيتي إللي كنت بعمله فيكي؛ أنا هفكرك بيه يا قطة وهعرف السبب إللي يخليكِ تدافعي عن "الشيطان" دا؟! نظرت "تقى" إليه بثبات، ولم تتزحزح جفونها رغم مخاوفها الداخلية، إذ كانت ترفض أن تُهزم أمامه. من جهة أخرى، كان "يونس" يشعر بقلق عميق، ليس بسبب نفسه، بل خشيةً أن تتعرض "تقى" لأي أذى نتيجة وجودها معه، بينما هو مقيد اليدين وعاجزاً عن فعل أي شيء بسبب تلك القيود اللعينة. وفي تلك اللحظة، نظر "وليد" إليهم بملل، ثم سحب "تقى" بعيداً عن" يونس"، وأمسك بالسوط ورفعه في الهواء. ثم بدأ ضرب جسد "يونس" بقوة وغضب دون رحمة، حاولت "تقى" الاقتراب نحو "يونس"، لكنهم أمسكوا بها بشدة، وهي تكافح من أجل الإفلات من أيديهم وعيناها تشتعلان غضباً. إلا أنهم كانوا أقوى منها، فلم يكن بإمكان جسدها الضعيف أن يقاوم، فسقطت على ركبتيها بينما هم يمسكون بها من ذراعيها. ولكنها لم تستسلم، بل استجمعت كل قواها ووقفت ثابتة، محاولة الصراخ، ولكن صوتها خذلها وكُتمت الكلمات في حلقها!. حين رأى "وليد" أن "يونس" وقد غطى جسده بالدماء، واستشعر التعب والألم بوضوح على ملامحه؛ توقف عن ضربه. و ترك السوط من يده وهو يلهث، ثم صرخ قائلاً: _ ماعنديش وقت أضيعه معاك قول (الأمانة) فين وإيه إللي تعرفه عنها؟ رفع "يونس" رأسه بصعوبة، حيث كان الألم يمزق جسده نتيجة الجروح النازفة، وقد تغير لون وجهه وأصبح مظهره مخيفًا لمن ينظر إليه! ضغط على أسنانه بألم، ثم نطق بصوت ضعيف قائلاً: _ أنا معرفش حاجة عنها، ولا أعرف هي فين لو عايز تقتلني أقتلني بس سيب البنت تروح هي ما تعرفش حاجة .. انفجر "وليد" غضبًا من رد "يونس"، وتقدم نحوه بسرعة، ممسكًا بكتفه وضاغطًا بأظافره على إحدى جروحه، متحدثًا بصوت يسوده الغضب قائلاً: _ لو متكلمتش؛ هفضل أعذب فيك ليل نهار لحد ماتتكلم ! والبنت مش هسيبها، أنا همشي دلوقتي وهرجع ثاني لما عقلك يرجع لك .. أنهى حديثه وتوجه نحو" تقى" قائلاً: _ أنا هرجع بالليل علشان أخذك؛ هرجعك لنفس المكان يمكن عقلك يرجعلك .. أنهى حديثه ثم أشار إلى رجاله بالخروج تاركين "تقى" خلفهم. وغادروا المكان بينما تبعهم "وليد" ، حالما خرجوا، انتفضت "تقى" من موضعها، وازدادت عيناها تألقاً، ونظرت بتركيز نحو شيء ما.. و البسمة على ثغرها! ************** حاولت والدته تهدئته بصعوبة، إذ بدا كأنه أصيب بالجنون منذ أن شاهد "شهيرة". أمسكت بيده وبدأت تربت عليها، ثم هتفت قائلة: _ "حسام" اهدى يا حبيبي "شهيرة" مالهاش ذنب! إنت تعبان لازم ترتاح صحتك أهم .. أدار وجهه بعيدًا عنها، محاولًا كبح جماح غضبه، بينما تلاحقت ذكريات الماضي في ذهنه، وكأنها أعادت فتح جراح كادت تندمل. وفجأة، انتفض عندما تذكر شقيقه، وهتف بقلق قائلاً: _ ماما .. بابا ... "يونس" فين؟؟ هو كويس صح إنتوا لقيته صح؟! خفض "أحمد" رأسه إلى الأسفل، وهتف بحزن قائلاً: _ لسه منعرفش عنه حاجة؛ مش عارف اخذوه فين قلبي وجعني عليه ربنا يحميه ويحفظه .. حاول التحرك ولكنه لم يتمكن من تحريك قدمه، فنهض متحركاً بعشوائية، مصمماً على الذهاب إلى شقيقه مهما كانت الظروف، دون أن يعود من دونه. حاولت والدته وشقيقته تهدئته، وعندما عجز عن ذلك، أطلق صرخة انفعالية قائلاً: _ إنتوا هاديين كدا إزاي و"يونس" مش هنا؟! مش عارفين إذا كان كويس ولالا هما أكيد بيعذبوه ! أمسكت "مريم" بيده، وهي لا تقل حالاً عنه، والدموع تتجمع في جفونها، ثم هتفت بصوت مبحوح قائلة: _" يونس" قوي وهيكون كويس وإن شاء الله هيرجع لينا بالسلامة .. بينما كانا يتبادلان الحديث، ويحاول كل منهما طمأنة الآخر، وقفت "شهيرة" على مسافة بعيدة عنهما، تتابع المشهد بعيون تملؤها الدموع، بينما تسعى للتماسك. تمنّت لو كانت والدتها ووالدها بجانبها، لترتاح قليلاً، لكنهما رحلا عن الدنيا، مما جعلها تشعر بالوحدة والانكسار في غيابهما. "تعد الحياة بدون الوالدين كالعالم المظلم الذي يفتقر إلى النور، وهي تشبه الجماد الذي يفتقر إلى الروح، فلا معنى للحياة دون وجودهم، فهم نبضها وجوهرها." لاحظت "مريم" ما يدور في ذهنها، إذ إنها الأقرب إليها وتعرفها جيدًا، فنهضت نحوها وأمسكت بيدها، ثم قالت: _ مالك يا شوكي زعلانه ليه تعالي إقعدي معانا .. _ مش هقدر "حسام" بيكرهني مش عايزني افضل معاكم خليني هنا .. تنهدت، فهي تدرك جيدًا أسباب كراهية "حسام" "لشهيرة"، وتفهم أنه لا يعكس مشاعر حقيقية، بل هو ناتج عن جروح الماضي. ثم قالت: _ مش كده يا "شهيرة"؛ "حسام" لسه مجروح من إللي حصل هو مش عارف الحقيقة كلها، تعالي معايا .. لم تترك لها الفرصة لتعبر عن أي شيء، بل سحبتها معها نحو "حسام"، ثم وجهت إليه الكلمات، قائلة: _ "حسام" كده مش هينفع ؛ لازم تسمع من "شهيرة" أو من ماما، هي ليه عملت كده؛ ماتحكمش عليها من غير ما تعرف الحقيقة؟! ضغط على قبضته، محاولًا السيطرة على مشاعر غضبه، ثم نطق بصوت منخفض يحمل في طياته الغضب قائلاً: _ ليه هربتي يوم كتب كتابتا ليه؟! عايز جواب واحد بس .. ************* تجلت البهجة في عيني "تقى" عندما لمحت المفاتيح ملقاة على الأرض، حيث سقطت من "وليد" أثناء ضربه "لـيونس" الذي لم يكن مدركاً لذلك. اندفعت "تقى" نحوها بسرعة، والتقطتهما بفرح، ثم رفعتهما أمام عينيها وهي تحركهما عشوائيًا لإصدار صوت؛ وقد جذب هذا الصوت انتباه" يونس"، الذي رفع رأسه بفضول ليكتشف مصدره. وعندما رأى المفاتيح في يدها، استفسر منها بدهشة قائلاً: _ "تقى" إنتي جبتي المفاتيح دول منين! وهتعملي بيهم ايه ؟!.. عندما أنهى حديثه، اقتربت منه ووضعت المفتاح في قفل السلاسل وأدارتها ببطء، وهي تدعو أن يفتح القفل وأن ينجوا من هذا السجن. وفجأة، انفتح القفل، فقفزت بفرحة وكأنها طفلة، وشرعت في فك باقي السلاسل، وكانت مفعمة بالسعادة، وعندما انتهت، وقف "يونس" يتألم، وهتف قائلاً: _ طلعتي شطوره وذكية وأنا إللي كنت فاكرك جبانه، لازم نخرج من هنا بسرعه قبل ما يرجعوا .. نظرت إليه وهي تضم يدها إلى صدرها بتعبير متجمد، ثم اتجهت نحو الباب! رفع حاجبه بتعجب من تصرفها، ثم تبعها ببطء نتيجة لألم جسده. عندما وصل إليها، بدأت تجرب المفاتيح واحداً تلو الآخر، ولأن العدد كان كبيراً، بدت متوترة. لحسن حظهم، عندما جربت آخر مفتاح، انفتح الباب، ودخل ضوء الشمس إلى المكان، شعرت بسعادة غامرة وفتحت الباب بسرعة، ثم خرجت ببطء! لكنها عادت مسرعة عندما رأت عددًا من الرجال يراقبون المكان. تحرك "يونس" ببطء، وكانت خلفه، حتى اقترب من الرجال، ثم التقط صخرة صغيرة من الأرض ورماها في الاتجاه المعاكس؛ ليشوش انتباههم عندما ألقى تلك الحجرة. تفرق الرجال يبحثون عن مصدر الصوت، هنا استغل "يونس" الفرصة وانطلق مسرعاً اتجاه الأشجار، بينما كانت "تقى" تلحقه، ومع تقدمهم في عمق الغابة، تفاجأوا بظهور صوت من خلفهم ينادي قائلاً: _ أقف مكانك إنت رايح على فين بالسرعة دي ؟ من أنا البارت 9 توقفوا على أثر الصوت، وظنوا أنهم وقعوا مجددًا في قبضة "وليد". توقفت "تقى" في مكانها، وشلّت حركتها، وازدردت لعابها بصعوبة، وعندما استدار" يونس" نحو مصدر الصوت، انتفضت من مكانها، وأمسكت بثيابه بقوة، حتى كادت أن تسقط من شدة خوفها. نظر إليها "يونس" ليطمئنها، ثم انتقل تركيزه إلى الرجل الذي كان يقف بعيدًا عنهم، لكنه لم يكن قريبًا بما يكفي، بعدها جال بنظره في المكان ثم تحدث قائلاً: _ "تقى" الراجل بعيد عنا يالا، بسرعة، خلينا نجري وندخل جوا الغابة أكتر علشان نشتت انتباهه ماشي .. هزت رأسها بالموافقة، لكن عندما حاول "يونس" التحرك، أدرك أنها لا تزال ثابتة في مكانها، تحدق أمامها، لم يكن أمامه خيار سوى أن يمسك بيدها ويجري بها، وإلا فلن ينجوا من هنا. اقترب منها وأمسك كفها بين قبضته، ثم انطلق بسرعة رغم الألم الذي يشعر به، فهو يعلم أن الوقت ليس مناسبًا للتفكير. ركضوا بين الأشجار الكثيفة حتى تعمقوا فيها...فجأة، سقطت "تقى" على ركبتيها تاركةً يده. عاد إليها معتذرًا؛ فقد ركض دون أن يدرك أنها لا تملك القوة الكافية لتحمل كل هذه المسافة، قدم لها يد العون ليساعدها على النهوض ثم قال: _ أنا آسف جريت من غير ما أعرف إنك مش هتقدري تجري كل المسافة دي إنتي كويسة ؟ قامت بمسح العرق المتصبب من جبهتها، ثم التفتت إليه فجأة، وفتحت فمها بدهشة عندما رأت الدماء تسيل من خلف قميصه! أشارت له بيدها إلى كتفه، نظر إلى ما تشير إليه ثم قال: _ ماتخافيش دا جرح بسيط، يلا نتحرك من هنا، يمكن نوصل للطريق ونلاقي حاجة نركبها ونبعد عن هنا.... تحرك ببطء من أجلها، بينما كانت تتبعه بخطوات متعبة تحت أشعة الشمس الحارقة، حتى بدأ العرق يتصبب من جبينها وجف حلقها من العطش. كانت تتنفس بصعوبة مع كل خطوة، وعندما لاحظ الإرهاق الواضح على ملامحها، توقف عن السير والتفت إليها قائلاً: _ تعالي نقعد هنا شوية علشان ترتاحي وبعدها نكمل.. إنتي تعبانة أوي .. حركت رأسها رافضة، وأشارت بيدها إلى الأمام لتستأنف السير. تعجب من إصرارها على المضي قدماً رغم تعبها، فحاول التواصل معها، لكنها استمرت في المضي قدماً دون أن تلتفت إليه. تنهد بضيق من تصرفها وناداها قائلاً: _"تقى" إسمعي الكلام اقعدي علشان ترتاحي شوية ممكن يكون الطريق لسه طويل .. تجاهلت حديثه واستمرت في سيرها، مما أضفى على وجهه معالم الإحباط من عنادها، مضى خلفها في صمت، حتى كسر هذا الهدوء صوت سيارة تقترب من المكان، فظهرت الابتسامة على وجهيهما وتحركا سريعًا نحو مصدر الصوت! بعد لحظات قليلة، وجدوا أنفسهم على طريق، لكن لم تكن هناك أي وسيلة مواصلات، حيث كان الطريق يمر عبر الغابة، جلسوا بجانب الطريق على أمل أن يمر شخص ما لمساعدتهم! في تلك الأثناء، سمعوا صوت هدير يقترب، فانتبهوا بسرعة وترقبوا شاحنة تقترب منهم، أشار يونس بيده للشاحنة لتقف، بينما عادت "تقى" إلى الوراء بخوف! وعندما اقتربت الشاحنة، توقفت فجأة، ونزل منها رجل في مقتبل العمر، بدت على ملامحه الخوف من منظر" يونس"، لكنه تمكن من استعادة رباطة جأشه وطرح تساؤلاً قائلاً: -إنت مين و بتعمل إيه في الغابة الكبيرة دي؟! الغابة فيها خطر كبير، على الأقل خاف على البنت إللي معاك .. أجاب "يونس" بتعب واضح، فقد تمكن منه الألم ولم يعد بإمكانه التحمل: _ لوسمحت خرجنا من هنا إحنا كنا مخطوفين ممكن تأخذنا معاك على المدينة؟ على الرغم من شعور الرجل بالخوف والرهبة، إلا أنه أبدى تعاطفه مع حالة 'تقى"، وطلب منهم أن يتقدموا، في بادئ الأمر، خافت "تقى"، لكن "يونس" تمكن من إقناعها قائلاً: _" تقى" يلا تعالي إنتي قوية ماتخافيش من حاجة لازم نطلع معاه علشان ماحدش يمسكنا ونرجع للعذاب من تاني... يلا. بعد قليل، وافقت "تقى" على الصعود إلى الشاحنة برفقته، فانطلقوا معاً... استرق "يونس" نفساً عميقاً، ثم أمال رأسه إلى الخلف وأغمض عينيه. بعد مرور فترة طويلة، وما زال "يونس" مغمض العينين، شعرت "تقى" بقلقٍ كبير، واحتارت في كيفية التصرف، بدأت العديد من الأفكار السلبية تدور في ذهنها! فتساءلت في خفاء إن كان "يونس" قد فارق الحياة، ولهذا لم يفتح عينيه؟! انتابها شعور بالصدمة، لكن سرعان ما خطرت لها فكرة، فاتخذت قرارًا بتنفيذها. نزعت حذاءها من قدمها، وبيدين مرتجفتين، اقتربت من "يونس" وضربته بقوة؛ عندها انتفض فجأة صارخًا بفزع، في حين اتسعت عينا "تقى" بذهول. أمسك "يونس" بذراعه متألماً وهو يستطلعها بنظرة مليئة بالدهشة من فعلتها ثم تحدث قائلاً: _ مالك يا "تقى"؟ في حد يعمل إللي عملتيه دا ضربتيني ليه كنتي هتكسري ايدي! .. أشاحت إليه بنظرة جانبية وهي تعقد شفتيها، ثم انخفضت برأسها موجهة عينيها نحو الأرض. تنهد "يونس" وعاد إلى مكانه مستغربًا من تصرفاتها. ********** استرجعت "شهيرة" ذكرياتها عن الأحداث التي مرت بها في الماضي، والتي كانت وراء هروبها يوم عقد قرانها! جلست بجوار "مريم"، وانهالت دموعها بينما قالت: _ أنا هربت غصب عني يا "حسام" يومها عرفت إن "عمر" خطف ماما وطلب مني إني أسافر عنده هناك وإلا هيقتلها .. شعر "حسام" بقلق وغضب شديدين بسبب المدعو "عمر"، بالإضافة إلى استيائه من عدم إبلاغها له، كما أثار تساؤلاته هدوء عائلته، مما يوحي بأنهم كانوا على دراية بالأمر! تحدث بغضب قائلاً: _ طب ليه ماقولتيش يا "شهيرة" و انتوا كنتوا عارفين صح اتكلم يا بابا؟! حاول "أحمد" تهدئة "حسام" لكي لا يتعرض للأذى، فهو بحاجة إلى رعاية واهتمام، حيث أن الوقت والمكان غير مناسبين للنقاش، واقترب منه محاولًا إنهاء الموقف قائلاً: _ "حسام" مش وقت كلام في الموضوع ده؛ إنت لسه تعبان "زينب" خذي البنات وروحي .. حاولت" زينب" التحدث، لكن "أحمد" أوقفها بإشارة من يده، مما أضفى صمتًا على الأجواء. كان "حسام" ينظر إلى "شهيرة" بحزن مختلط بالغضب، حيث كانت نظراته تحمل لومًا وعتابًا. لم تستطع "شهيرة" تحمل الموقف أكثر من ذلك، فركضت خارجًا ودموعها تتساقط على وجنتيها. تنهد "أحمد" بحزن نتيجة كل ما يجري، ثم توجه بالكلام إلى "مريم" قائلاً: _" مريم" روحي وراها ماتسيبيهاش لوحدها، "زينب" روحي معاهم؛ أنا هروح أدور على "يونس" ... غادر الجميع تاركين "حسام" في صراع داخلي عنيف، حيث كان يتوعد لذاك المدعو "عمر" الذي حرمَه من الفتاة التي أحبها، والتي كان ينوي الاجتماع بها في إطار الحلال. كانت لديه أحلام عديدة معها، ولكن تلك الأحلام انهارت في لحظة. حاول تحريك قدمه، لكنه عجز عن ذلك، فأعاد رأسه إلى الوراء متنهداً بألم، حتى أن دخوله الطبيب أنشله من تفكيره : _ حمدلله على سلامتك ماتزعلش فترة وهتعدي، أنا عارف إنه هيبقى صعب عليك إنك تمشي برجل واحدة .. نزلت كلمات الطبيب كخنجر حاد في قلب "حسام"، حيث اتسعت عيناه من هول الصدمة كيف يمكن أن يُحرم من القدرة على المشي على قدميه؟ هل ما سمعه حقيقة أم إنه مجرد وهم ناتج عن التعب؟ أخذ نفسًا عميقًا وصرخ قائلاً: _ دكتور إنت بتقول إيه ؟ إنت متأكد من إللي بتقوله؟ إزاي يعني مش هقدر أمشي على رجلي من ثاني ..؟! أجاب الطبيب بطمأنينة قائلاً: _ إطمن مع العلاج هتقدر تمشي عليها من تاني بإذن الله بس الموضوع محتاج وقت طويل .. أنهى الطبيب حديثه، ثم قام بفحص "حسام"، و غادر بعد ذلك ليتركه غارقاً في دوامة أفكاره، يدعو أن يخرج من محنته سالماً، وكله يقيناً بأن الله قادر على كل شيء. ************ جلست تبكي في ركن الغرفة منذ أن حلت في هذا المنزل، فقد أُخذت ابنتها منها، واضطُرت لتنفيذ جميع أوامرهم لضمان حياة ابنتها، حتى طعامها تناولته رغماً عنها، وارتدت الملابس بالقوة! تملّكها شعور بالضيق وانهمرت دموعها، فقد استنفدت قواها وصبرها على التحمل. نهضت من مكانها ودخلت الحمام حيث توضأت، ثم أخذت قطعة قماش فردتها على الأرض وأدت صلاتها ودموعها تتساقط بغزارة. وبعد انتهائها من الصلاة، رفعت يديها إلى الله، متضرعةً له، فهو الوحيد القادر على الرؤية والسماع والقدرة على كل شيء. أطلقت همسة منخفضة قائلة: «هونها عليا يارب ..لقد ضاقت بي الدنيا، ولا ملجأ إلا إليك، فزدني صبرًا ! ربي لقد أصابني من التعب ما يكفيني، و ما رأيت ثقلًا على قلبي مثل ثقل هذه الأيام اللهُمَّ هَون .. ثُم هَون .. ثُم هَون .. ثُم أَرِح نَفْساً لا يَعلمُ بِحَالِهَا إلَّا أَنتَ، وهون علينا ما لا نستطيع تحمله يا الله.» أنهت دعاءها وجففت دمعها، ثم عادت إلى مكانها. وفجأة، سمعت صوت صراخ مألوف؛ إنه صوت ابنتها! نهضت من مكانها بهلع واندفعت نحو الباب، فتحته بسرعة وخرجت تبحث عن مصدر الصوت فجأة، لاحظت قطرات صغيرة من الدم على الأرض، فتبعته حتى وصلت إلى إحدى الغرف، وما إن دخلت، حتى تجمدت قدماها وفتحت فمها في صدمة. ********* بمجرد وصولهم إلى المنزل، جلس كل فرد في صمت، منشغلًا بأفكاره القاسية، كان من بينهم القلق والحزن، حيث خاض كل منهم معركته بشكل فردي. وضعت "شهيرة" رأسها بين يديها وشعرت بالاختناق؛ وكأن الهواء قد سُحب من حولها. لم يكن عقلها يتوقف عن التفكير في الماضي، حيث استرجع ألم الذكريات المؤلمة التي كانت تُمزق قلبها إربًا، وتحطم سكونها. شعرت بيد تربت على كتفها برفق، وعندما رفعت رأسها، وجدت "زينب" إلى جانبها، مررت يدها المرتعشة على وجهها، وتحدثت بحزن قائلة: _ ليه ماقولتيش "لحسام" عن سبب هروبي من هنا ؟! "حسام" بقى يكرهني .. أدركت "زينب" أنها ارتكبت خطأً؛ عندما أخفت عن ابنها سبب هروب "شهيرة"، ومع ذلك لم يكن لديها خيار سوى إخفاء ذلك عنه؛ لتجنب وقوعه في ورطة أكبر... تنهدت ثم قالت: _ مكنش عندي حل تاني لو كنت قولت ليه؛ أكيد كان قتل "عمر" ودخل السجن أنا عارفه "حسام" متهور .. توقف حديثهم فجأة إثر طرقات قوية على الباب، مما جعلهم ينتفضون! أشارت لهم" زينب" بالتزام الصمت، ثم توجهت نحو الباب وفتحته ببطء؛ وما إن رأت الطارق حتى صرخت بصوت عالي قائلة: _ "يونس".. يونس! أصيبت بنوبة هلع عندما رأت جسد "يونس" الملطخ بالدماء، وحالته المزرية التي تعكس شدة التعب! اندفعت نحوه واحتضنته بقوة، وهي تُبكي بحرقة، وقد أرتفع صوت شهقاتها، بينما ركضت الفتيات نحوها، استجابت "مريم" لصراخها، والتحقت بشقيقها ووالدتها، حيث احتضنوه جميعًا باكيين... تأوه "يونس" من الألم، و هتف مازحاً وقال: _ أنا كويس إبعدي شوية كسرتي عظامي يا مريومه أنا كويس .. ابتعدت" مريم" عنه وضربت ذراعه برفق، وهي تبدو عابسة. ضحك على تصرفها الطفولي ثم تقدم إلى الداخل، بينما كانت والدته تمسك بيده، ألقى التحية على "شهيرة" ثم دخلوا. جلس على أقرب مقعد بتعب، فنظرت "زينب" إلى "مريم" وقالت: _ بسرعه هاتي علبة الاسعافات علشان أنظف الجرح، واطلعي جهزي له هدوم نظيفة و أكل .. بمجرد أن أنهت "زينب" حديثها، أسرعت "مريم" وعادت بعد فترة قصيرة تحمل علبة الإسعافات الأولية، وضعتها أمام والدتها، ثم صعدت إلى غرفة شقيقها وتبعتْها شهيرة. بدأت "زينب" في معالجة جروح ذراعيه، وفجأة انتفض من مكانه حين تذكر "تقى".. وأخذ يلتفت حوله في ارتباك، ثم قال بصدمة متسائلاً: _ "تقى" فين يا ماما ؟! من أنا البارت 10 شعرت وكأن الأرض تدور من تحت قدميها، ولم يعد جسدها قادراً على حملها؛ عندما رأت أحد رجال "وليد" جاثياً على ركبتيه، يضع يده على عينيه والدماء تتساقط منه، وهو يصرخ من شدة الألم! تحركت في الغرفة بشكل عشوائي بهلع، تبحث عن ابنتها بفزع، خائفة من أن يكون قد أصابها مكروه. خرجت من الغرفة وهي تركض في ذعر، وجسدها يرتجف وهي تتبع قطرات الدماء، بينما يتسارع تنفسها نتيجة لنبضات قلبها القوية، كادت أن تفقد وعيها من شدة الخوف. توقفت فجأة عندما سمعت شهقات خافتة تأتي من احدى الزوايا، اتجهت نحو مصدر الصوت بشغف، حتى عثرت على ابنتها، ملتفة حول نفسها في ركن ضيق، اندفعت نحوها بسرعة، واستقبلتها بذراعيها، محتضنة إياها بقوة. كانت ابنتها تصدر أنينًا وتتوتر جسديًا، في حين كانت تتحدث بصوت ضعيف مفعم بالذعر، قائلة: -ماما ده كان بيخوفني وأنا مسكت س\كينه وضربته في عينه كان في دم في دم ! عندما لاحظت الحالة المزرية التي عليها ابنتها، انتابها القلق خشية أن يحدث لها شيء، فاحتضنت وجهها بين يديها بلطف، وصاحت بصوت ملآن بالحنان قائلة: -اهدي ماحصلش حاجة يا قلبي يلا بينا نخرج من هنا، خلينا نروح عند "حنين"، هنشوف "حنين" مش عايزاكِ تخافي .. تحدثت "ايلول" وصدرها يرتفع بشدة نوبات بكائها وكان صوتها مختنقًا بالدموع قائلة: -بجد يا ماما هنروح عند "حنين" مش هنتعذب ثاني عند عمو الشرير؟ .. إنتهت "إيلول" من كلماتها، وقبل أن تتمكن "منة" من الرد، سمعت صوت خطوات قادمة، سحبت ابنتها إلى ركنٍ ضيق وعانقتها بشدة، مُكتمةً أنفاسها كي لا يلاحظون وجودهما. مرت ثوانٍ قليلة حتى اختفى صوت الخطوات، ثم أخرجت "منة" ابنتها من مخبئهما، أمسكت بيد ابنتها بقوة واندفعت نحو الدرجة السفلى بسرعة. وفجأةً، سمعت أصواتًا في الخارج، فتوقفت لتفكر في ما يجب عليها فعله، لكن شعرت فجأةً بيدٍ تُلقى على كتفها. ********** قفز منتفضاً من مكانه حين لم يجدها بينهم، وشعر بقلق وخوف واضحين على معالم وجهه، نظرت إليه والدته باستغراب من حالته؛ فلم تكن قد لاحظت وجود "تقى" عند وصوله! انطلق مسرعاً يبحث عنها خارجاً، والقلق يعتري ملامحه، وقد تنفس الصعداء عندما رآها جالسة أمام الباب، تراقب المكان في صمت، جلس القرفصاء أمامها، ثم سألها بقلق قائلاُ: -خضيتني عليكِ يا "تقى" قاعدة هنا ليه تعالي ندخل .. وضعت رأسها بين كفيها، ولم تظهر أي ردة فعل، بينما كانت شهقاتها تتصاعد؛ احتار "يونس" ولم يعرف ماذا يفعل، فحاول تهدئتها قائلاً: -"تقى" مالك؟ هو في حاجه زعلتك، حد قالك حاجة اهدي طيب، تعالي ندخل عند ماما و اختي ونتكلم بعدين .. جففت دموعها بطرف يدها، ورفعت رأسها بينما كانت تفكر، وهي لا تدري أين هي أو من تكون؟! لا تتذكر هويتها، شعرت بألم يكاد يحطمها، ذاكرتها فارغة، فلا تحمل أي شيء من ماضيها سوى ذكريات قصيرة مع "يونس"، واسمها الذي اختاره لها! كانت "تقى" غارقه في دوامة أفكارها، وكأن عاصفة تعصف بها من الداخل، اقتربت منها "زينب" وجلسة بجوارها، ثم أمسكت بيدها؛ انتفض جسد تقى بفزع عند شعورها بلمسة يد على يدها! لكن عندما نظرت إلى "زينب"، هدأت روعها وظهر على وجهها ملامح القلق والحيرة، وهي تحاول تذكر أي شيء ينقذها من تلك الدوامة، حينها تفوهت "زينب" قائلة: -أنا عارفه يا بنتي أنك خايفه، أنا مش عارفه إنتي مين بس مفيش مشكله، تعالي معايا أعرفك على البنات ونتعرف عليكِ .. نظرت" تقى" إليها بتردد، ثم اتجهت بنظراتها إلى "يونس" وكأنها تستفسر عما إذا كان يوافق على حديث "زينب"، أم ينبغي عليها الابتعاد عن هذا العالم المتوحش؟. أومأ "يونس" برأسه كأنه يشجعها على الدخول مع والدته، ثم نهض من مكانه وقال: -تعالي يا "تقى" علشان أعرفك على عيلتي، دي ماما "زينب" وجوا في "مريم" اختي و"شهيرة" بنت عمي و "حسام" أخويا .. توقف عن الحديث، وبدت على وجهه ملامح الألم والفزع حين تذكر شقيقه وما حدث له! جالت في ذهنه آلاف التساؤلات حول مكان شقيقه وحالته، ابتلع ريقه بصعوبة ثم نطق بصوت مفعم بالحزن قائلاً: -ماما "حسام" فين عرفتوا حاجة عنه هو أكيد كويس حد راح شافه في الكوخ؟ أمسكت "زينب" بيد "تقى" و نهضت، ثم اقتربت من ابنها وربتت على كتفه، وقالت: -اطمن يا حبيبي "حسام" كويس هو في المستشفى .. أطلق تنهيدة عميقة حين علم أن شقيقه بخير، فقد كاد يموت من القلق عليه؛ فهو ليس شقيقه فحسب بل صديقه المقرب، ورغم أنه الأصغر بينهما، يعتبره بمثابة والده! كان دائمًا داعمًا وسندًا له في كل تقلبات الحياة، سواء في أحزانه أو أفراحه، وظهرت على وجهه ابتسامة حين تذكر كل اللحظات الجميلة التي قضياها معًا، و تحدث قائلاً: -الحمدلله إن "حسام" بخير كنت هموت من القلق عليه خلونا نروح عنده .. -حبيبي أخوك بقى كويس بعد ما ترتاح نبقى نروح المستشفى، أنا هكلم أبوك أطمئنه عليك لأنه راح يدور عليك .. أنهت حديثها ثم دخلوا إلى الداخل، حيث كانت "زينب" تمسك بيد "تقى"، بينما كان "يونس" يمشي أمامهم. وقد وجدوا "مريم" و"شهيرة" قد انتهيا من إعداد ما طلبته منهما "زينب". نظر الاثنان إلى "تقى" باستفسار، إذ لم يسبق لهما رؤيتها من قبل! أما "تقى"، فكانت تشعر بالتوتر والخجل، وكأنها في عالم جديد مخيف بالنسبة لها، لا تعرف فيه أحدًا سوى "يونس"، الذي جعلها، خلال الأيام القليلة التي قضتها معه، تعتاد على وجوده. جلس الجميع في صمت، كلٌ في مكانه، حتى كسر "يونس" هذا السكون وهو يشير بيده نحو "مريم" قائلاً: _ دي عسولة البيت "مريم" أختي هي سعادة البيت و فرحته .. ثم أضاف مازحاً وهو يتطلع إليها: -و نكدية البيت كمان لما تزعل تقلب الدنيا وعصبيه .. ربعت ساعديها معًا و زمت شفتيها، بينما كانت تنظر إليه بعينين ملئتا بالغضب، ثم نطقت قائلة: -على فكرة دا ظلم مين دي إللي نكدية اعترف إني عسل و سكرة البيت .. انفجر ضاحكًا على تصرف شقيقته، ثم توقَّف بعد نوبة الضحك وأكمل تعريف عائلته عليها، ثم روى لهم كيف تعرَّف على "تقى" وكل ما حدث لهما. لم يرغب في إخبار والدته عن التعذيب الذي تعرَّض له كي لا يحزن قلبها، وعندما انتهى من حديثه قال: -مريومه كلمي بابا خليه يجي، أنا هدخل ارتاح تعبان أوي خذي "تقى" معاكي خليها ترتاح هي كمان ولما اصحى نبقى نتكلم.. أومأت "مريم" برأسها موافقة على ما قاله شقيقها، ثم أخذت "تقى" برفقة "شهيرة"، ولكن" تقى" لم تكن مرتاحة؛ إذ كانت تلتفت كل لحظة خلفها نحو "يونس" حتى اختفى عن أنظارها. ودخلت معهما إلى إحدى الغرف، حيث جلست على حافة السرير وهي تشعر بالخوف، وعندما لاحظت مريم خوفها، اقتربت منها وبدأت بالتحدث: -بصي يا سكره اعتبري نفسك في بيتك، تعالي معايا علشان تغيري هدومك وترتاحي وأنا هنزل أجيبلك أكل ماشي .. اومأت برأسها ببطء، مما جعل ردها واضحًا بالنسبة لها، بينما كان جسدها يرتعش من الخوف! رغم ذلك، حاولت أن تبدو ثابتة، متجنبةً إظهار الاضطراب الذي يثقل كاهلها، عندما لاحظت "مريم" صمتها، أدركت أنها تشعر بالخوف، فجلست بجانبها وربتت على يدها قائلة: -ماتخافيش ماحدش هيعملك حاجة أنا نازله هكلم بابا و "شوكي" هتفضل معاكي لحد ما ارجع وننزل عند" يونس" .. أنهت حديثها، ثم وقفت واتجهت نحو الباب، وقبل أن تخرج، استدارت نحو "شهيرة" وقالت: -شوكي خلي بالك منها أنا شوية وراجعه، علشان ننزل مع بعض وإنتي يا سكرة ماتخافيش .. أنهت كلماتها وغادرت الغرفة، في حين قامت "شهيرة" بإخراج بعض الملابس من الخزانة ثم جهزت الحمام، وطلبت من "تقى" أن تدخل إلى الحمام وتخبرها بما تحتاجه. ************ بعد أن انتهى "يونس" من تغيير ملابسه وتضميد جروحه، خرج من غرفته، ليجد والدته جالسة برفقة "مريم" على مائدة الطعام. تساءل في نفسه عن مكان "تقى"، إذ كانت شقيقته هنا! اقترب منهم وجلس على أقرب كرسي، ثم بادَرهم بتساؤل قائلاً: _" مريم" فين "تقى" أنا قلتلك خليكي معاها لحد ماتخلص و ترتاح شوية؟! .. أجابته "مريم" قائلة: -سبت "شهيرة" معاها ونزلت علشان أكلم بابا وأبلغه إنك رجعت، أنا هطلع عندها علشان تنزل تأكل معانا، وبعدها تقدر ترتاح .. بمجرد أن أنهت حديثها، نهضت من مقعدها واتجهت نحو غرفتها حيث تتواجد "تقى". في تلك الأثناء، كانت "زينب" تراقب تعابير ابنها بصمت وحيرة، وفي ذهنها يدور سؤال أرقها، فمنذ وصوله، لاحظت انشغاله وقلقه بشأن هذه الفتاة المجهولة، التي لا يعرفون عنها شيئًا سوى الاسم الذي أطلقه عليها" يونس"!. أخيرًا، خرجت من صمتها وسألته قائلة: -"يونس" إنتَ تعرف البنت دي قبل كدا؟ نظر إليها بتعجب واضح، إذ أخبرها عن لقائهما الأول وأنه لم يكن يعرفها مسبقًا! ولكن ما أثار فضوله هو سبب السؤال، فأجابها قائلاً: -لا يا ماما .. هعرفها منين؛ أنا حكيت لكم عن أول مرة عرفتها فيه! ليه السؤال ده؟! -لأن خوفك عليها و اهتمامك بيها وقلقك لما مش لقيتها معانا وخوفك الواضح ده، مش غريب شوية؟ ولا إيه!.. أخذ نفسًا عميقًا ثم رد عليها قائلًا: -ماما أنا لما كنت مخطوف، كانت بتدافع عني بكل الطرق؛ مع إنها كانت خايفه، ساعتها حسيت إنها مسؤوله مني، وإني لازم أحميها لغاية ما ألاقي أهلها وأوصالها ليهم بأمان. توقف عندما سمع ضجيجًا في الغرفة وصراخ الفتيات! شعر بالقلق ووقف بسرعة وقبل أن يتجه نحو الغرفة، خرجت شقيقته مسرعة، وعلامات الذعر واضحة على وجهها، قالت بصوت مرتجف: -يونس إلحق "تقى"؟! .. ********** كان الهدوء يحيط بالغرفة، حيث لا يُسمع سوى صفير الرياح، ولكن في داخله، كانت أفكاره تعج بالضجيج والصراعات المستمرة. كانت عيناه مفتوحتان تحدقان في سقف الغرفة، تتأملان الفراغ. جسده كان منهكًا، وروحه مثقلة، وضيق في صدره يكاد يخنقه، أصبح التنفس بالنسبة له شاقًا، وكانت الأسئلة تتكرر في ذهنه كل ثانية: « هل يجب عليه أن يسامح "شهيرة" ويعيد الأمور إلى ما كانت عليه!، أم أن الأمر قد انتهى ولم يعد هناك ما يهم بعد أن فقد قدمه ولم يعد قادرًا على السير؟!» أطلق تنهدة من الضيق، وكان قلبه يخفق بسرعة، كأنه يخوض سباقاً لا يرغب في التوقف، حاول إغماض جفنيه للهروب من هذا الضجيج، لكن قلبه رفض الاستسلام للصمت. فشلت جميع محاولاته، برغم أن لسانه يردد كلمات الفراق؛ إلا أن قلبه يصرخ منادياً بالبقاء. قطع صراعه صوت طرقات على الباب، ثم دخل الطبيب المشرف على حالته وتحدث قائلاً: -عامل إيه دلوقتي يا "حسام" حاسس بألم أو تعب؟ أخذ نفسًا عميقًا كما لو كان يستعيد أنفاسه المسلوبة، ثم رد قائلاً: -الحمدلله يا دكتور الألم خف شوية، لكن رجلي مش قادر أحركها من مكانها ! _دا طبيعي يا "حسام " الجرح لسه جديد، والعلاج لسه في أوله؛ يعني هياخد وقت أصبر .. تأمل "حسام" في صمته، كأنه كان يتمنى أن يفصح عن مشاعر ألمه، فكان ألم قلبه يمزقه بشدة، وكاد أن يأخذه إلى العزلة. تذكر أنه لم يؤدي الصلاة في أي وقت، كانت أوقات الصلاة وقراءته اليومية للقرآن سبباً في شعوره بالراحة والطمأنينة، تنهد بعمق وقال: -دكتور أنا عايز أصلي وعايز مصحف أو تليفون اقرأ منه؛ علشان أطمن وقلبي يهدى شوية أومأ الطبيب برأسه ثم غادر، ولم تمضِ سوى لحظات قليلة حتى عاد ومعه هاتف، وحجر حتى يتيمم حسام، لأنّه لا يستطيع الوضوء أو الوقوف. وضع الهاتف جانباً، ثم نظر إلى الطبيب بتعبير من الشكر و الامتنان، وقال: -شكرا بجد يا دكتور، جزاك الله خيراً. -الشكر لله، تقبل الله منك.. هسيبك أنا دلوقتي و أرجع لك بعدين. أنهى الطبيب حديثه وغادر، بينما بدأ "يونس" صلاته وهو يجلس بنصف جلسة بسبب الألم الذي يعاني منه. وبعد انتهاء صلاته، أمسك بهاتفه وبحث عن أقرب صورة لقلبه، وهي "سورة يوسف"، التي تزرع الطمأنينة في قلبه وتعينه على الصبر في مواجهة كل ما أصابه. بينما كان يقرأ شعر، بس\كينه و راحة داخلية وهدوء عميق. القرآن راحة للقلب وحياة للنفس حين تداهمك جيوش الهم واليأس ردد الآيات بقلبك، قف عند الآية وتذوقها بقلبك، يا للذة القرآن!!♡ اللهم اجعـل القــرآن العظــيم ربــيع قـلوبــنا وجـلاء هـمـومنا وغمومنا ونـور أبصارنــا وهـــدايـتــنــا فــي الــدنــــيـــا والآخــــرة اللـهم ذكرنـا مـنـه ما نَسيـنا وعلمنا منه ما جهـلنا اللهم ارزقنا تلاوته على الوجه الذي يرضيك عنا من انا البارت 11 نظر إليها بذهول، يحاول استيعاب ما قالته اخته، وبعد لحظات قليلة، أدرك أن "تقى" قد تعرضت لمكروه، فانتفض من مكانه وهرع نحو الغرفة التي توجد فيها. وكانت والدته تلحقه بقلق شديد، وعندما وصل إلى الغرفة، فتح الباب بعنف و ركض نحو "شهيرة" التي كانت تقف أمام باب الحمام، تنادي باسم "تقى"، اقترب منها وتحدث بقلق شديد قائلاً: -"تقى" فين حصل لها إيه؟ ردّت بصوت مُتوارٍ فيه القلق قائلةً: -سمعنا حاجة وقعت على الأرض، ولما نادينا عليها ماردتش قلقنا؛ يمكن يكون حصلها حاجة .. لم يسمع بقية كلماتها، فاندفع نحو الباب وجمع شتات قواه، ليقوم بركله بقوة عدة مرات دون أن يتحرك. تنفس بعمق، متجليًا القلق على وجهه، خشية أن تكون قد أصيبت أو تعاني؛ لأنها لا تستطيع التحدث أو الاستغاثة! ازداد إحساسه بالرعب مع كل فكرة تخطر على باله، عن احتمال تعرضها لأذى يجعلها عاجزة عن إنقاذ نفسها. ابتعد قليلاً وضرب الباب بكل ما أوتي من قوة، حتى سالت الدماء من كتفه جراء الجروح التي أصيب بها، وبعد فترة مشحونة بالقلق والخوف، تمكن أخيرًا من كسره. تنفس الصعداء عندما كسر الباب، وعاد إلى الوراء يلهث، مبتعدًا عن المدخل ليتيح لهم حرية التصرف أثناء إخراج "تقى". توجه نحو الباب واضعًا يده على كتفه، يكتم نزيفه، لكن صوت والدته أوقفه قائلة: -"يونس" تعالى شوف البنت مالها؛ دي واقعه على وشها ولسه زي ماهي! البنات مش قادرين يقربوا منها .. استدار بسرعة لدي سماعه كلمات والدته، وشعر بوخزة مؤلمة في قلبه، ثم انطلق بخطوات متسارعة نحو الحمام، حيث دخل بحالة من القلق الشديد، وقد ارتعدت أوصاله عند رؤيته لجسدها الساكن المنقلب على وجهه! أخذ نفسًا عميقًا كأنه يحاول استجماع قواه ليعرف ما حدث، ثم أمسك بذراعها وأدارها نحوه، وقد شهق الفتيات من الفزع عندما رأوا الدماء على جبهتها، حيث كانت قطراتٍ الدم تتساقط على وجهها! لم تدم صدمته طويلاً، نهض وارتجف قلبه، ثم قال بتلعثمٍ مفعم بالرّهبة: -أنا مش عارف حصلها إيه بنات تعالوا شيلوها ودوها على السرير بسرعه .. أنهى حديثه وابتعد عنها، اقتربت "مريم" و"شهيرة" منها، ثم حملوها بسرعة، حيث كان جسدها النحيل خفيفًا! في سرعة البرق، نقلوها إلى السرير ووضعوها عليه برفق، هرعت "مريم" إلى خزانتها، أحضرت زجاجة عطر ووضعت قليلًا منه على أطراف أصابعها، ثم قربته إلى أنف "تقى" في محاولة إفاقتها. بينما أشاح "يونس" بصره بعيدًا عنها، إلا أن حواسه كانت معهم. فجأة، صرخت" مريم" فرحًا عندما لمحت" تقى" تحرك أصابعها ورموشها ترفرف. فزع "يونس" لدى سماعه صرخة شقيقته، ورفع رأسه سريعًا بقلق؛ أبصر" تقى" تفتح مقلتيها ببطء، ويدها تتحرك لتضعها على جبهتها، عندها أدرك أن رؤيتها للدماء قد يؤدي بها إلى حالة من الانهيار. فدنى منها بخطوات مسرعة، ثم قال: -"مريم" هاتي الدواء والشاش خلينا ننظف الجرح إللي في راسها قبل ما تشوفه .. استدارت "مريم" نحوه، وقد ارتسمت على وجهها علامات التعجب!، حيث أنها لم تتمكن من فهم مغزى حديثه فسألت قائلة: -طب ما تشوفه دا جرح عادي؟ استنى تفوق الأول خلينا نطمن عليها وبعدين ننظفه .. لم يُجِب "مريم"، بل كان تركيزه موجهًا نحو" تقى"، متخوفًا من أن تُصاب بالذعر مرة أخرى عند مشاهدتها لقطرات الدماء. لكن والدته كانت عون في تلك اللحظة، حيث أمسكت بيد "تقى" قبل أن تصل إلى رأسها، واحتضنتها برفق، قائلة: -اهدي يا حبيبتي مفيش حاجة، إنتي كويسة شكلك ما كلتيش حاجة من فترة؛ علشان كده وقعتي.. "مريم" روحي حضري الأكل وهاتيه بسرعة عشان "تقى" تاكل .. غادرت "مريم" الغرفة بسرعة لتنفيذ طلب والدتها، ونزلت ورائها "شهيرة". بينما انتظر "يونس" في مكانه، صامتًا دون أن ينطق بكلمة واحدة، حتى انتشلته والدته من شروده بصوتها قائلة: _"يونس" حبيبي روح ارتاح، بس لازم تاكل أي حاجة الأول ونبقى نروح لأخوك بالليل؛ علشان نطمن عليه .. رسم ابتسامة خفيفة على شفتيه وقال: -حاضر يا ماما خلي بالك منها ممكن تتعب .. -اطمن ياحبيبي أنا هفضل معاها هنظف لها الجرح وأغيرلها هدومها وأكلها ولما تنام هنزل خليك مطمن .. أومأ برأسه ثم غادر، تاركًا "زينب" تهتم بحالة "تقى". تنفس الصعداء، فقد كانت مجرد فكرة تعرضها للأذى كالثقل على قلبه؛ أصبح يشعر بأنه ملزم بحمايتها، مما يجعله مصممًا على حمايتها مهما كانت التكاليف، حتى وإن كانت على حساب حياته!. ********** سرت البرودة بجسدها تدريجياً لدرجة جعلتها ترتجف، و بلعت ريقها بصعوبة، وكأن أشواكًا قد انغرست في حلقها. تجمدت الدماء في أوردتها حين شعرت بيدٍ على كتفها، أغمضت عينيها بشدّة وأخذت نفسًا عميقًا لتواجه قسوة "وليد". استدارت ببطء، ممسكةً بيد ابنتها بقوة، حيث كان الجزع يسيطر على قلبها مما قد يحدث. وعندما التفتت، رأت خلفها سيدة في مقتبل العمر، بدا عليها التعب وعلامات مرور الزمن! وقبل أن ينطق لسانها، بادرتها السيدة قائلة: -إسمعيني يا بنتي مش هتقدري تخرجي من هنا "وليد" وصل هو تحت دلوقتي لو نزلتي ممكن يأذيكِ .. انهمرت دموعها بغزارة وكأنها شلال، وعجزت عن القيام بأي شيء أمام قسوة "وليد". لم يعد لديها طاقة؛ فقد فقدت ابنتها، والآن على وشك فقدان الأخرى، شعرت بضيق شديد، وضعت يدها على صدرها، ومن ثم رفعت رأسها داعية بكل انكسار أن يخلصها ربها من ظلم "وليد" وقسوته. قُطعت أفكارها عندما قالت تلك السيدة بعبارات مليئة بالشفقة: -إنتي صعبتي عليا أنا هخرجك من هنا، بس أوعي تجيبي اسمي أو سيرتي لأي حد؛ لأنهم هيقتلوني .. تألقت ملامحها بالفرح، واندفعت نحو السيدة لتقبل يدها تعبيراً عن شكرها وامتنانها، لكن السيدة سحبت يدها بسرعة وقالت: -مفيش وقت تعالي معايا بسرعة هننزل للمطبخ هخرجك من هناك .. دخلت السيدة إلى المطبخ، وهي تتلفت يمينًا وشمالًا بقلق، بينما كانت "منة" خلفها تكاد أن تفقد وعيها من هول الخوف من أن يمسك بها "وليد" وتعود إلى الجحيم! فتحت السيدة بابًا خلفيًا بدا كالجدار عند النظر إليه من مسافة، وفور فتحه ظهرت أشجار كثيفة متشابكة، ثم استدارت نحو "منة" وقالت: -أخرجي من هنا بسرعه، هتلاقي جنينه شجرها كثير إمشي بسرعه لحد ما توصلي للطريق .. -بشكرك أوي مش هنسى معروفك دا طول ما أنا عايشه .. أنهت حديثها ثم أمسكت بيد ابنتها بقوة، وانطلقت مسرعة بخطوات سريعة، تخطوا خارج الباب تركض بين الأشجار دون أن تنظر خلفها؛ كل ما تريده هو الهروب والنجاة من جحيم وليد! بعد أن ركضت مسافة قصيرة، شعرت بالتعب ووضعت مرفقيها على ركبتيها لتلتقط أنفاسها، كانت تلهث بصعوبة، ثم نظرت إلى طفلتها وقالت: -لازم نكمل استحملي شوية يا حبيبتي، هنروح لبيت" الهلالي" هو إللي يقدر يحمينا من" وليد" .. -خلينا نمشي يا ماما أنا مش تعبان، المهم أشوف "حنين" وحشتني أوي .. تحركوا من الموقع، وهم يدعون أن يمر الأمر بسلام حتى يصلوا إلى وجهتهم دون أذى. لم يمضِ الكثير من الوقت حتى تمكنوا من الخروج من وسط الأشجار، حيث وجدوا الطريق المؤدي إلى المدينة. واصلوا السير باتجاه المدينة، حتى كسر صمتهم صوت "إيلول" وهي تقول: -ماما إنتي عارفه مكان "حنين" علشان نروح عندها بسرعة؟ .. حبست" منة " دموعها المتجمدة في جفونها، فهي لا تملك أدنى فكرة عن مكان ابنتها، ولا تدرك إن كانت لا تزال على قيد الحياة بعد الأحداث المؤلمة التي تعرضت لها منذ اختطافهما؟! وبأسىٍ عميق، أخرجت تنهيدة تحمل في طياتها آلامها، وقالت: -أنا معرفش عنها حاجة خلينا نروح الأول لبيت الهلالي، وهو أكيد هيقدر يلاقيها أو ممكن يعرف عنها حاجة .. أطلقت تنهدًا عميقًا، ثم نظرت حولها، عندما تأكدت من أن الأخرى قد ابتعدت عن المكان، جلست على إحدى المقاعد لتستريح قليلاً قبل أن تستأنف مسيرتها. ولم تمض إلا ثوانٍ قليلة، حتى وقفت أمامهم سيدة تحمل صينية كبيرة مملوءة بالفطائر والمخبوزات، ويبدو أنها بائعة متجولة. نظرت" إيلول" إليها بشغف، وقد اشتد جوعها، قبل أن تتحدث، هتفت السيدة قائلة: -خدي أكل ليكِ و لبنتك باين إنها جعانه، ما تفكريش في الفلوس بس ادعيلي، أنا شايفه حالتكم شكلها إيه أكيد مفيش معاكم فلوس .. عقب انتهاء حديثها، قدمت لهم بعض قطع الفطائر، و البسمة على ثغرها، شعرت "إيلول" بالسعادة تجاه ذلك، فأمسكت بقطعة منها وتناولتها بشغف وجوع شديد، بينما تناولت "منة" القليل فقط، ثم نظرت إلى السيدة وقالت: -جزاكي الله خيراً أنا مش عارفه اشكرك إزاي ربنا يجبر بخاطرك .. فجأة، شعرت بدوار شديد، وزادت ثقل رموشها، مما جعل الرؤية من حولها مشوشة! أصيبت بالذهول من حالتها، وعندما نظرت إلى جانبها، رأت ابنتها تستند برأسها إلى الوراء وتغمض عينيها! حاولت أن تتحدث، لكن لسانها أصبح ثقيلاً، وشعرت بشلل في حركتها! ازدادت حدة الدوار، وبدأت الأرض تدور بها و فقدت وعليها! *********** بعد فترة من الراحة، خرج من الغرفة ليجد "زينب" والفتيات يجلسن ويتبادلن الأحاديث. انضم إليهن، حيث بدأوا يسألون عن كيفية البحث عن عائلة" تقى" التي لا تتحدث، أثناء حديثهم، سمعوا طرقات على الباب، فنهضت "مريم" وقالت: -أنا هفتح دا أكيد بابا .. أنهت حديثها وتوجهت نحو الباب، وما إن فتحته حتى وجدت والدها أمامها، الذي لم ينطق بأي كلمة، بل اندفع نحو الداخل كالإعصار وهو ينادي باسم ابنه بلهفة قائلة: -"يونس".." يونس" ابني ألف حمد و شكر ليك يارب إنك رجعته لينا بخير وسلامه .. قام "يونس" من مجلسه مسرعًا نحو والده، وعانقه بقوة، ورغم كبر السن، يبقى الأب هو السند والداعم الذي نحتاجه في أوقات ضعفنا وفي كل مراحل حياتنا. تغمر الدموع عيون "أحمد" وهو يشكر الله ويثني عليه لرؤيته ابنه بخير وعودته سالماً، ثم ابتعد عنه، و تكلم بقلق قائلاً: -طمني عليك إنت كويس حد عملك حاجة إنت بخير .. أمسك "يونس" بيد والده، وجلسا معًا على الأريكة القريبة، فأخبره بكل ما جرى دون أن يذكر التعذيب الذي تعرض له، حتى لا يزيد حزنه، استمع "أحمد" إليه بقلق يشوبه الحزن على ما تعرض له ابنه. كان يدرك أن حياة فلذة كبده معرضة للخطر في أي لحظة، فقد ظل منذ طفولته يكافح من أجل حمايته، وكلما كبر "يونس"، تزايد خوفه عليه. -الحمدلله يا حبيبي إنك رجعت بالسلامة من غير ما تتأذي، لكن حياتك لسه في خطر خد بالك .. أحدق "يونس" برأسه إلى الأرض، وقد تسلل إليه شعور بالحزن، إذ بات يدرك أن وجوده يشكل خطرًا على عائلته وعلى كل من يقترب منه. شعر بالتعب من الهروب والمشاكل، وبدأ يتساءل: « من أنا؟ ولماذا أعيش بهذه الطريقة؟ وماذا يريدون مني؟» حين رأت والدته حزنه، تنهدت بضيق، وتفوهت لتخرجه من شرنقة أحزانه قائلة: -أنت زعلان ليه يا حبيبي مش هيحصل إلا إللي ربنا كاتبه، بلاش تفكر كثير وقوم بينا خلينا نروح "لحسام"؛ دا هيفرح أوي لما يشوفك .. أدرك "أحمد" أن زوجته لا تريد أن تثير أحزان ابنه، لذا قرر تغيير الموضوع قائلاً: -مستنين إيه يلا بينا نروح عند "حسام" ده هيفرح أوي .. استعد الجميع للرحيل إلى المستشفى، وفي أثناء حديثهم تذكر يونس" تقى"، فوجه نظره نحو شقيقته قائلاً: -مريم إنتي خليكِ هنا؛ "تقى" ممكن تفوق في أي لحظة، و ممكن تخاف لما ما تلاقيش حد جنبها .. اقتربت "مريم" منه بلطف، ووضعت يدها على كتفه، ثم تحدثت بابتسامة قائلة: -اطمن "تقى" في عينيا لحد ما ترجعوا، متخفش عليها هي في أمان معايا .. -تسلميلي يا مريومتي وأنا راجع هجيبلك معايا حاجة حلوه يا صغنن. .. ضغطت على أسنانها بغضب ودفعت كتفه بكوعها، قائلة بنبرة مشبعة بالغيظ: -على فكرة أنا مش عيله صغيرة علشان تجيبلي حاجة حلوه أنا عايزه فلوس مقابل إني أفضل معاها.. اقترب منها وأمسك بأذنها وهتف مازحًا: -إنسانه مادية! كنت حاسس إنك مش هتقعدي من غير مقابل! .. -طبعاً أومال عايزني اقعد معاها من غير مقابل؛ الواحد لازم يستغل الفرص إللي زي دي علشان يحوش شوية فلوس .. -ماشي لما ارجع و نتكلم في حكاية الفلوس دي. قطع حديثهم صوت والدهم من الخارج وهو ينادي، فهرع "يونس" بسرعة إلى الخارج، ليجد الجميع في السيارة، استقل إلى جانب والده، ثم انطلقوا. ********* في الغرفة التي يتواجد فيها "حسام"، انتابه شعور بالضيق والملل، ساد الهدوء المريب المكان، وكان الهواء مشبعًا برائحة الأدوية، تنهد بحسرة وتعب، فلم يعد قادرًا على تحريك قدمه. لم يكن هناك ما يخفف وحدته، حتى قطع سكون الغرفة طرقات على الباب، نظر نحو الباب بترقب ليعرف من الطارق، وعندما فتح، ظهر "يونس" ومعه أفراد عائلته! عند رؤيته، غمر قلب "حسام" شعور بالسعادة، فهتف بفرح قائلاً: -"يونس"... "يونس" إنت واقف قدامي بجد ولا أنا بحلم .. اقترب "يونس" منه وساعده على الجلوس، ثم احتضنه بينما كان يشعر بالحزن بسبب ما حل بأخيه، وكل ما يجري بسببه. حاول كبح دموعه ليمنعها من الانهيار ثم ابتعد عن "حسام" ووجه له حديثه متسائلاً: -"حسام" إنت كويس أنا آسف ماقدرتش احميك كل دا بسببي .. -"يونس"... اسكت هزعل منك؛ إنت بتقول كدا ليه؟! انسى المهم طمني عليك أنا بحمد ربنا اني شوفتك بخير .. أجاب "يونس" بعبارة تحمل في طياتها الحزن قائلاً: -أنت بالحالة دي بسببي لو ماكنتش معايا مكنش كل دا حصل؟! .. استشاط "حسام" غضبًا من حديث "يونس"، و تحدث بجدية قائلاً: -"يونس" إنت عارف إني بتعصب من الكلام دا، كفاية تلوم نفسك قدر الله وما شاء فعل انسى .. -"حسام" إهدى خلاص أنا آسف المهم صحتك .. حاول "حسام" تغيير مجرى الحديث و تفوه بسؤالٍ مازحاً: -صحيح توته فين؟ أنت لقيت أهلها ؟ هي كويسه نسيت أسالك عنها ليكون حصلها حاجة؟ .. -هي كويسه الحمدلله لسه ما لقيتش أهلها، لما نرجع البيت هنبقى نتكلم .. ثم أردف بغيظ قائلا: -وبعدين إيه توته دي؛ ما تحترم نفسك يابني أحسن ما أقوم اضربك؟ .. ضحك" حسام" حتى دمعت عينيه، فقد اشتاق إلى شقيقه وممازحته له، ثم أضاف بين ضحكاته: -بتغيري يا بطة و لا إيه؟! اعترف أنا كنت حاسس إنكم لبعض !.. -ايه؟ مين دا إللي بيغير أنا اعرفها منين علشان أغير عليها؟! هي هتفضل معانا لحد ما نلاقي أهلها زيها زي "مريم"! .. مر الوقت بسرعة البرق بالنسبة "لحسام"، الذي لم يتوقف عن المزاح مع شقيقه ووالدته. أما "شهيرة"، فقد كان يتجاهلها طوال الوقت، مما تسبب في حزنها وقررت أنها لن تتحدث معه. بعد انتهاء الزيارة، خرجوا من عنده وتركوه وحده يفكر في ما إذا كان قد تصرف بشكل صحيح أم أخطأ مع "شهيرة"؟!. في الخارج، لم تكن "شهيرة" أقل حزنًا منه، استقلوا السيارة وانطلقوا نحو المنزل، وعند وصولهم، وجدوا "مريم" جالسة مع "تقى" أمام التلفاز يشاهدان أحد البرامج، وما إن أبصر "أحمد" تقى حتى اتسعت عيناه، وهتف بصدمة قائلاً: -إنتي!؟ من أنا ★*******★*************★ البارت ١٢ فتحت عينيها بذهول وقلق، تتفحص المكان حولها، كانت غرفة متهالكة، تستند إلى الجدار، وابنتها بجانبها! أدركت أنها مختطفة، واسترجعت في ذهنها آخر ما حدث، تلك السيدة التي قدمت لها قطع الحلوى! حاولت أن تأخذ نفسًا عميقًا، إلا أن شعورًا عميقًا ومؤلماً كان يتغلغل داخلها بلا رحمة، إحساسًا يصعب وصفه، يمزق كيانها من الداخل، على الرغم من أنها كانت تتظاهر بالصمود أمام الظروف. حتى أن ريقها أصبح كقطع الزجاج المكسور، حتى بلعه مؤلمًا، حيث كانت تظن أنها قد عانت بما فيه الكفاية وأنها قد هربت من جحيم "وليد"، لكنها وقعت في فخٍ أشد قسوة، حيث أعادتها الأمور إلى جحيمها من جديد! تساءلت في حيرة عما إذا كان "وليد" هو من قام بذلك، أم أنه شخص آخر؟ نظرت أمامها، عيناها تائهتان، وغارقَتان في الفراغ، لم تعد تسمع حتى نداء ابنتها؛ فقدت قوتها ورغبتها في تحمل كل الخطط التي وضعتها من أجل الهروب، فقد تهاوت كل تلك الآمال فوق رأسها وتهدمت أشلاءً. رفعت رأسها ببطء، وجالت بنظرها في كل ركن بصمت، لم تعد تفكر في الهروب، لقد استسلمت، وبقيت تنتظر ما سيحدث لاحقًا. بعد مرور بضع دقائق، ظلت في نفس وضعها، ساكنة، غارقة في دوامة من الحزن، كان بكاء ابنتها بمثابة يد تُنشلها من بئر أحزانها. التفت نحو ابنتها، تحدق بها في حسرة وشعور بالعجز، ثم احتضنتها برفق ومسحت على شعرها بحنان، متجاوزة غصتها، وقالت: -مش عارفه أقولك إيه يا حبيبتي، أنا حتى مش قادره أصَبّر نفسي ولا استحمل أكتر من كده .. بينما كانت تتحدث مع ابنتها، سمعت خطوات تقترب من المكان فجأة، تحرك مقبض الباب وفتح ببطء، مما جعلها تتجمد في مكانها، وكأنها تنتظر حكمًا. عندما فتح الباب، دخل رجل قوي البنية، وكان الغضب واضحاً على ملامحه، اقترب منها، ودقق النظر في وجهها، ثم تغيرت ملامحه فجأة، وضرب الحائط خلفها بيده، مما جعلها تشعر بالفزع. ثم استدار ووجه كلمة إلى الشخص الذي خلفه بغضب قائلاً: -مين الست دي يا غبي؟ أنا قلت لكم هاتو حد تاني؟ جيبتوا البلوة دي منين رجعوها حالاً للمكان إللي أخدتوها منه .. -أوامرك يا بيه هنرجعها ..قومي يلا يا مصيبة .. لم تصدق "منة" ما سمعته هل يعتزمون إطلاق سراحها؟ هل تم اختطافها عن طريق الخطأ؟! عادت البسمة إلى وجهها واستعادت روحها، فأغمضت عينيها وهي تشكر الله.. أمسكت بيد "إيلول" وبدأت تتحرك خلف الرجل، ولكن قبل أن تخرج، استوقفها اقترب منها، شعرت بالقلق من نظراته، وقبل أن تتمكن من التحدث، أخرج شريطًا من جيب معطفه ووضعه على عينيها، ثم قال: -القماشه دي تفضل على عينيكِ لغاية ما تخرجي من هنا، لو حاولتي تشيليها؛ هقتلك .. أومأت برأسها ثم تحركت خلفه، وهو يرشدها إلى الطريق حتى وصلا إلى السيارة، دفعهما نحو الداخل بلا رحمة؛ مما جعل "إيلول" تتأوه من الألم عندما اصطدمت بباب السيارة، ثم انطلقت بهم، وهم لا يبصرون شيئاً. *********** حدقوا به بدهشة واستفسار حول كيفية معرفته "بتقى"، لكنه لم يلتفت إلى تعبيراتهم المتعجبة، بل عجل نحوها وجلس على الأريكة المقابلة لها، وكانت مظاهر الصدمة واضحة على وجهه، إذ لم يكن بعد يصدق ما يحدث! ثم تحدث قائلاً: -"حنين" بنتي إنتي هنا بجد؟ كنتوا فين إنتي وأختك و والدتك من بعد ما "عادل" إتوفى؟! أنا مالقتش لكم أثر!. فتح "يونس" فمه في صدمة مندهشًا كيف يمكن لوالده أن يعرف" تقى"؟ ولدت في ذهنه ألف فكرة، ولكن سرعان ما نزع تلك الأفكار من رأسه، وبدأ يتحدث عندما لاحظ صمت "تقى" قائلاً: -بابا "تقى" ما بتقدرش تتكلم، ممكن نفهم إنت تعرفها منين؟ وليه بتنده لها بإسم "حنين"؟! .. انتاب "أحمد" شعور بالصدمة، فتغيرت ملامحه، وحاول استيعاب ما قاله "يونس"! نظر إليها ثم تحدث بتساؤل قائلاً: -يعني إيه ما بتقدرش تتكلم؟ "حنين" كانت بتتكلم حصلها إيه؟! تقدم "يونس" نحوهم وجلس بجانب والده، ثم رد قائلاً: -أنا معرفش يا بابا من ساعة ما قابلت "تقى" وهي مش بتتكلم !.. ثم أضاف متسائلاً قائلاً: -بابا إنت تعرفها منين؟ استعاد "أحمد" ذكرياته التي مضى عليها زمن طويل، وانفرجت شفتاه بابتسامة وهو يسترجع تلك اللحظات، فهتف قائلاً: -"حنين" بنت "عادل" صاحبي، ده كان أكثر من أخويا؛ هو إللي كان بيهربك من مكان لمكان لما كنت صغير، لحد ما مات غدر، من ساعتها عيلته اختفت وما قدرتش أعرف لهم طريق! .. تذكّر "يونس" فور أن والده ذكر اسمه؛ فقد قضى وقتًا طويلًا معه أثناء ملاحقتهم له، وبعد فترة اختفى ولم يعد لديه أي أخبار عنه! لكن ما أثار حيرته هو "تقى"؛ لماذا كانت تهرب، وأين كانت عائلتها؟ كل هذه التساؤلات جالت في ذهنه، ثم نظر إلى شقيقته وقال: -"مريم" هاتي ورقة وقلم علشان "تقى" تقول لنا فين أهلها ومين إللي كانت بتهرب منه .. عجلت "مريم" بتنفيذ طلب شقيقها، في حين ظل الجميع جالسين في صمت، كانت "تقى" تراقبهم بنظرات تائهة وقلقة، وقد غلب الحزن على ملامحها مما جعلها تبدو في حالة من الانكسار. شعرت بالحيرة حين وضع أمامها الورقة التي أحضرتها "مريم"، ثم قال: -"تقي" ما تخافيش من حاجة تمام، اكتبي هنا أهلك فين، وكنتي بتهربي من مين؟ أمسكت بالقلم بيد مرتعشة، وعيونها تتنقل بين "يونس" والورقة، بينما كان وجهها خاليًا من التعبيرات، يحاكي حالة من الضياع! شعرت بأن كل شيء قد تلاشى من ذاكرتها، فباتت غير قادرة على استرجاع أيُّ شيء أو إدراك ما يحيط بها! اجتاحت رأسها دوّامة من الدوار، ورغم محاولاتها المستميتة حتى تستجمع أفكارها، لم تُجدِ نفعًا! انحنت برأسها نحو الورقة وكتبت بعض الحروف، وهي تردد في ذهنها عبارة "من أنا؟"، ثم وضعت الورقة أمامهم! تطلع كلاهما إلى الورقة بتركيز، وعند رؤيتهما للكلمتين، تبادلا النظرات بصدمة وهتفوا بصوت موحد: -أنا مين ؟! أغلق "أحمد" عينيه وأخذ نفسًا عميقًا، ثم أعاد فتحهما وتحدث بهدوء قائلاً: -"حنين" إسمعيني احنا مش هنأذيكِ، إنتِ مش فاكراني طيب فين والدتك فين أختك؟! .. نظرت "تقى" إلى "أحمد"، وتجمعت الدموع في عينيها، بينما بدت ملامح الخوف واضحة على ملامحها، ثم نهضت بسرعة من مكانها ووقفت خلف "يونس"؛ كأنها تبحث عن الحماية، متأملة فيهم برعب. وكلما التقت نظرات "أحمد" بها، تمسكت بأريكة "يونس" بقوة! وعندما رأى "يونس" خوفها، ترك الورقة من يده وتوجه إليها قائلاً: -"تقى" اهدى مفيش حاجة تعالي اقعدي خلاص، مش هسألك خالص، مفيش حد هيقرب منك أنا هنا .. كأن كلماته قد زرعت الطمأنينة في قلبها، فتوجهت نحو مكانها بينما كانت تلقي نظرة خلسة على "أحمد"، وعندما جلست، انكمشت في مكانها وذهنها مشغول بالأفكار، في تلك الأثناء، كسر "يونس" صمتهم قائلاً: -"تقى" دا بابا "أحمد" هو عايز يساعدك؛ علشان ترجعي لأهلك وتعيشي معاهم، متخافيش محدش هيأذيك بس قولي ليَّ تعرفي إيه؟ تراخت ملامحها قليلاً، ثم ركزت على الورقة التي بين يديها، حيث بدأت بتدوين بعض الكلمات بيد ترتجف، مع كل كلمة تكتبها، كانت تشعر بتيارات الخوف تتجلى بوضوح، وعندما انتهت، قدمت الورقة له وعينيها تجوب المكان بحذر، أمسك "يونس" الورقة بسرعة، ثم قرأ ما كتبته بصوت مرتفع قائلاً: -أنا مش فاكره أي حاجة عن حياتي، آخر حاجة فاكراها، إني فتحت عينيا لقيت نفسي في مكان قديم، وجسمي كله دم وشكلي متبهدل كنت مرميه على الأرض قمت من مكاني و قدرت أهرب. نظر الجميع إلى بعضهم البعض بدهشة، متسائلين هل تخبرهم الحقيقة أم أنها تخفي شيئاً ما؟ وإذا كانت صادقة في حديثها، فهذا يعني أنها تعاني من فقدان الذاكرة، مما سيجعل من المستحيل عليهم معرفة مكان عائلتها! زفر "أحمد" زفرة حانية، فقد شعر بالحزن؛ لفشله مجدداً في العثور على عائلة صديقه، نهض من مكانه ثم قال: -الظاهر إن "حنين" اتعرضت لحادثه وفقدت الذاكرة! والمشكلة إنها ماتقدرش تتكلم! أنا هطلع أرتاح شوية بكرة نبقى نفكر في حل .. أنهى "أحمد" حديثه ثم دخل إلى غرفته، في حين توجهت "زينب" إلى المطبخ لتحضير وجبة العشاء، نظر "يونس" إلى "تقى" التي كانت تبدوا خائفة، وقال: -"تقى" خليكي مع البنات متخافيش اعتبريهم إخواتك، هنا مفيش حد هيأذيكي حاولي تتعودي على وجودك معاهم .. أومأت برأسها وهي تستمع إلى حديثه، محاولًة تنفيذ ما أوصاها به والتكيف مع الوضع وفي تلك الأثناء، شعرت بيد تربت على كتفها. عندما استدارت، رأت "مريم" بجانبها تنظر إليها بابتسامة، وقالت: -بصي يا سكره، إحنا هنا إخواتك ماشي، والبت "شوكي" هتقوم تعملنا كيكه، ونسهر مع بعض نتعرف على بعض أكثر .. هزت رأسها بالموافقة، ثم قامت من مكانها واتجهت نحو النافذة، حيث وقفت تراقب المارة وضجيج الشوارع، كان على شفتيها ابتسامة تحمل في طياتها حزناً عميقاً، بينما كانت تشاهد العالم من حولها يتحرك بحرية. كان البعض برفقة عائلاتهم، وآخرون مع أزواجهم، وكل منهم يسير في طريقه. لكنها كانت تفتقر إلى الحقيقة، فلم تكن تعرف أين تتواجد أو من هي، وأين عائلتها؟ تغلغل الحزن والقهر في قلبها، حيث شاهدت فتاة في نفس عمرها تجلس بين والديها، وتحتضن يديهما وتخطو معهم بفرح.؟ ولم تستطع السيطرة على دموعها وهي تراقب المشهد، بينما كان الألم يعتصر روحها. ********** بينما كانت تحتضن ابنتها وتدعو بأن تمر الأمور على خير وتصل إلى وجهتها بسلام، شعرت فجأة بتوقف السيارة، ثم سمعت صوت فتح الباب، وتحدث أحدهم قائلاً: -شيلي الشريط من على عينك وانزلي يلا بسرعه .. بمجرد انتهاء حديثه، أزلت القماشة عن عينيها وأغمضت عينيها لفترة ثم فتحتهما مجددًا لتعتاد على الضوء، بعدها أمسكت بيد ابنتها ونزلت، وانطلقت السيارة. نظرت حولها إلى الشارع، حيث كان الظلام يكتنف المكان، ولم تكن هناك سوى بعض الأضواء القليلة المنبعثة من نوافذ المنازل المحيطة. لم يتبقَ في الأجواء سوى صوت صفير الرياح وهي تحرك الأشجار، مما أضفى جواً من الخوف على قلبها، فشعرت برعشة تسري في عروقها. قبضت على يد ابنتها وتحركت ببطء، تشعر بالتيه والرعب يسيطران عليها في ظلام الليل الموحش، بدأ عدد المارة يتضاءل ببطء، وكل شخص يسعى للعودة إلى منزله وملاذه. جلست على أقرب مقعد، تفكر في ما يجب أن تفعله؛ كانت تعرف موقع منزل الهلالي، إلا أنه بعيد بعض الشيء، ومع ذلك أدركت أن الطريق لن يكون آمناً في هذا الوقت، فكل الأروقة مليئة بالخطر، أخذت نفساً عميقاً، وتنهدت بضيق، ثم نظرت إلى ابنتها وقالت: -إيلول إحنا مش هنقدر نمشي في الشارع في وقت زي دا إحنا نستخبى هنا والصبح نبقى نروحلهم .. ما أن أنهت كلماتها حتى سمعت صوت خطوات تقترب منها، وكانت هناك محادثة مستمرة بين شخصين! شعرت برعشة تسري في جسدها وانتابها رعب شديد، بينما كانت تلتفت بعشوائية بحثًا عن مكان للاختباء، لكن الزمن كان قد فات ووصل شخصان أمامها. كان كل منهما يتمايل في مشيه، كانوا في حالة سُكر ولا يشعرون بشيء، اقترب منها احدهم، وقفت في مكانها كأن حركتها قد شلت، وعينيها تحدقان فيه بذعر. مدّ يده ليمسك بذراع "إيلول"، لكن "منة" كانت أسرع منه، حيث سحبت ابنتها إلى الوراء، ومع كل خطوة تتراجع فيها، كان يقترب منها أكثر، حتى وصلت إلى ركن ضيق! قامت "منة" بتوزيع نظراتها على المكان، ووعَت أنها محاصَرة ولا مفرّ لها؛ استجمعت قواها وصاحت بأعلى صوتها: -ساعدونا في حد سامعني ابعدوا عني أنا مفيش معايا حاجة .. لم يكترثوا لصرخاتها، واندفع أحدهم نحو ابنتها ممسكًا بها من ثيابها بشدة! لم تحتمل "منة" هذا التصرف؛ فاستلّت حجرًا من الأرض وضربت به رأسه بقوة، مما أدى إلى ارتخاء جسده وتركه لابنتها التي كانت تصرخ بفزع! هرعت الطفلة نحو والدتها واحتضنتها بقوة، انشغلت "منة" لتطمئن على ابنتها، متجاهلة الأمر مع الرجل الآخر الذي كان خلفها، ولكن سرعان ما شعرت بشيء حاد يخترق ظهرها، مما جعلها تصرخ وسرعان ما ارتخى جسدها وسقطت على وجهها! عندما رأى الرجل سقوطها، ساعد صديقه على الفرار، بينما جلست ابنتها "أيلول" تبكي بجوار والدتها قائلة : -ماما.. ماما ردي عليا أنا خايفه ماما .. ********** اجتمعوا حول المائدة لتناول وجبة العشاء، لكنهم انغمسوا في صمت ثقيل، حيث كان كلًا منهم غارقًا في أفكاره ومشاغله، بعضهم يحمل الحزن في قلبه، وآخرون يكتفهم الخوف. أما "تقى"، فكانت غارقة في شرودها، تتأمل في طبقها بلا اهتمام، غير قادرة على تناول أي لقمة. كان التفكير ينهش عقلها، والحزن قد استقر في قلبها، فلم تستطع استحضار أي ذكريات عن ماضيها، ولا تعرف أي طريق تسلكه أو إلى أين تتجه، فهي وحيدة، ومكوثها في منزل "يونس" لن يطول؛ إذ لا تربطها بهم روابط سوى الصداقة التي كانت تجمع والدها بهم، ولا تزال حتى الآن تجهل الكثير عن ذلك. إن الشعور بالوحدة قاسٍ للغاية، كأنك محاصر داخل متاهة بلا مخرج، حيث تسيطر عليك الفراغات، ويكاد ذهنك ينفجر من كثرة الأفكار التي تنهشك كمرض. كسر سكون المكان صوت "مريم" المرِح، حين لاحظت صمت المكان الرهيب، فقالت: -ايه ساكتين ليه؟ بسبب السكوت ده حاسه إن مليش نفس للأكل .. أجابت "زينب" بهدوء، قائلةً: -حبيبتي نتكلم نقول إيه؟!، كلنا تعبانين عايزين نكمل أكل ونقوم علشان نرتاح .. تألقت بسمتها على وجهها وهي تسترجع ذكرياتها مع "حسام"، ثم هتفت قائلة: -"حسام" كان دائماً يعمل جو جميل ومرح، أخويا وحشني أوي .. تحدث الجميع عن "حسام" وذكرياته معهم، رغم أنه ابتعد عن المنزل لفترة وجيزة، إلا أن مكانه ظل شاغرًا؛ وكأنه قد غاب لأعوام عن موطنه. لم تستطع "زينب" أن تخفي دموعها، فقد شعرت بفراغ عميق في قلبها، تعودت على وجود ابنها وصوته الذي كان يشبع الأجواء بالحيوية والمرح، تنهدت بحزن، ثم قالت: -ربنا يقوموا بالسلامة ويرجع وسطينا، ونفرح بيه قريب إن شاء الله .. حل الليل سريعاً وانتهى الجميع من تناول وجبتهم، فتوجه كل فرد إلى غرفته بعد إتمام ما كانوا يقومون به. في غرفة "شهيرة"، جلست على سريرها غارقة في أفكارها، وقد غلبها الحزن الذي يجتاح قلبها. كانت تشعر بالحيرة وعدم اليقين حول ما ينبغي عليها فعله، فقدت والديها، وأصبح "حسام" خارج الصورة أيضاً، مما جعل استمرار وجودها في منزل عمها بلا معنى، وشعرت بأنها بحاجة للعودة إلى حيث كانت! مسحت دمعة انهمرت من عينيها وتنهدت بضيق، ثم أغمضت عينيها، لعلها تنال بعض الراحة. شق سكون الليل صوت أذان الفجر، ليبعث الحياة من جديد ويعلن قدوم يوم جديد مليء بالأمل. انطلق كافة أفراد الأسرة لأداء الصلاة؛ فتوجه "أحمد" وابنه إلى المسجد، بينما قامت النساء بأداء الصلاة في المنزل، نظرت "مريم" إلى والدتها وقالت: -ماما ليه ماصحتيش "تقى" علشان تصلي معانا؟ يمكن ما سمعتش الأذان! .. -البنت كانت مرعوبة؛ لما دخلت علشان أصحيها كانت نايمه والتعب باين على وشها، صعبت عليَّ أصحيها سيبتها ترتاح، ومن بكرة إن شاء الله هبقى أصحيها معانا .. أنهت حديثها، ثم جلست كل واحدة منهن ممسكة بمصحفها، تقرأ ما تيسر من القرآن الكريم. "وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا" . بعد فترة من الزمن، انتهوا، جلست "زينب" تسبح على يدها بينما توجهت "شهيرة" إلى المطبخ لتحضير فنجان من القهوة لتخفيف صداعها، في تلك الأثناء، أخذت "تقى" كوبًا من الماء لترتشف منه. فجأة كسر سكون المكان صرخت مدوية قوية من شدتها صمت الأذان! و ادخلت الرهبة الى قلوبهم وهتفوا بصوت واحد: -"تقى"..!؟. ********** بعد انتهاءه من الصلاة، شعر براحةٍ نفسيةٍ عميقةٍ؛ حيث تلاشى كل همٍ كان يثقل صدره، استند بظهره إلى العمود خلفه وبدأ يستغفر، بمرور وقت قصير. فجأة، شعر بيدٍ تربت برفقٍ على كتفه، فرفع رأسه ليجد والده أمامه. -"يونس" إنت كويس؟ عدى وقت طويل وإنت قاعد مكانك ماتحركتش! نهض من مكانه مبتسمًا وقال: -أنا ما خدتش بالي من الوقت، حسيت براحة نفسيه الحمدلله يلا بينا نروح .. أنهى حديثه وخرج من المسجد ليجد تجمعًا من الناس يتحدثون بكلمات متداخلة وغير مفهومة، وكان بعضهم يظهر عليه القلق بينما كانوا يتطلعون إلى ذلك التجمع! وفجأة، اقترب منهم شاب في سن "يونس"، يركض وهو يلهث، وحين وصل إليهم، جلس على الأرض ليسترد أنفاسه، اقترب "يونس" منه بقلق، وهتف بتساؤل قائلاً: -في إيه يا "علي" الناس دي متجمعة كدا ليه؟! -في ست مقتولة في آخر الشارع و ماحدش قادر يقرب منها.. -إيه...؟ بقلم حليمة عدادي. رواية من أنا.