من انا بقلم حليمة عدادي ج3

نظر “حسام” إليه ورفع حاجبه حين لاحظ قلقه وتوتره الظاهر من كلماته، ثم قام من مكانه وهتف بتساؤل:
-مالك يا “يونس”؟ مش على بعضك ليه؟، حاسس إنك قلقان رغم الفرحة، في حاجة مخاوفك؟!
تنهد “يونس” وأخفى قلقه ببراعة، ثم تحرك من أمامهم بظهره وقال:
-مفيش حاجة يا “حسام”، أنا كويس، يلا نطلع، اتأخرنا عليهم.
أنهى كلماته، ومدَّ يده ليفتح الباب، ولكن الباب فُتح قبل أن تمتدَّ يده إليه، ودخلت “زينب”، والفرحة تضيء وجهها. كانت البسمة تزيِّن ثغرها، وسعادةٌ لا توصف تلمع في عينيها.
تقدَّمت نحو “يونس”، وقالت بصوتٍ ممزوجٍ بالسرور:
-ألف مبروك يا قلبي! بجد مش مصدقة. اتمنيت اليوم ده من زمان، وربنا حققه الحمد لله. ربنا يتمم لكم على خير ويسعدكم ويرزقكم الذرية الصالحة، وتملوا البيت عليا عيال ..
نظراتها كانت كفيلة بأن يفعل من أجلها أي شيء. كانت نظرات والدته تحمل سعادةً كبيرة، تلك السعادة التي جعلته ينسى كل مخاوفه من المستقبل. ابتسامتها كانت كمرهمٍ لقلقه، ولا شيء في الدنيا يمكن أن يعادل سعادة الأم.
ابتسامتها وفرحتها بأبنائها كانتا بالنسبة لها بمثابة إنجازٍ عظيم، حلمٍ تحقَّق، وطموحٍ وصلت إليه. ما يُسعد الإنسان أكثر من رؤية فرحة أبنائه، فلذات كبده؟ يتنهَّد صدرها عندما ترى بهجتهم وسعادتهم.
اقترب منها “يونس”، أمسك برأسها بين يديه، وقبَّل جبهتها، ثم ابتعد عنها قليلًا، ونطق قائلًا:
-الله يبارك لنا في عمرك ويحفظك لينا. فرحتك دي تساوي الدنيا كلها يا نور عيني.
ربتت بيدها على ذراعه، والابتسامة لا تفارق وجهها، ثم قالت بحب وحنان:
-ربنا يسعدك يا قلبي. بجد، النهارده فرحتي كبيرة بيكم.
قاطع “حسام” حديثهم، كما اعتاد دائمًا، قائلاً بمرح:
-مفيش مبروك ليا يا ست الكل؟ ولا أنا مش باين عليا إني عريس؟ بصي على البدله، حلوة صح؟
ضحكت “زينب” بخفة على مرح ابنها الدائم، ثم تقدمت إليه وقالت:
-أجمل عريس يا حبيبي، مبروك. ربنا يحفظك ليا ويسعدكم.
ثم نظرت إلى “مؤمن”، واسترسلت في حديثها قائلة:
-وعقبالِك يا “مؤمن”، إن شاء الله. ربنا يشفيك ويرزقك بالزوجة الصالحة، وتبني بيت وعيلة. المهم إنك ما ترجعش للسم إللي كنت تأخذه تاني.
أحنَى “مؤمن” رأسه، يحاول إخفاء تلك الدموع التي خانته، والتي كادت أن تسقط من عينيه. اختنق صوته، وتمنَّى لو كان له أمٌّ تحتضنه، لو كانت له حياةٌ أفضل، لو كان لديه عائلةٌ تحتويه.




