من انا بقلم حليمة عدادي ج3

-قولي إزاي نجيب الدم؟ إحنا مش عارفين نعملها إزاي؟.
وزعت الساحرة نظراتها بينهم، ثم رفعت يدها وأخرجت سكينًا كبيرًا من تحت الفراش الذي كانت تجلس عليه. بصقت عليه بقطرات من لعابها، ثم أخرجت قطعة قماش ولفّتها حول مقبض السكين. كان كل ذلك تحت أنظار “يونس” القلقة، بينما ابتلعت “تقى” ريقها بقلق واضح.
أما “يونس”، فقد نفد صبره، واتسعت عيناه بفزع، وبدأت الوساوس تتزاحم في رأسه، فانتفض واقفًا من مكانه.
لكن “تقى” أمسكت بيده قبل أن يستقيم، وأعادته إلى جلسته، وهمست له:
-”يونس”، مش باقي كتير… اتحمل، علشان نخلص. أنا معاك.
قالت كلمتها الأخيرة بحنان، ثم نظرت إلى الساحرة، تنتظر ما ستفعله. مدت الساحرة يدها، وأخرجت كأسًا فيه ماء، ووضعته أمامهما، ثم قالت:
-تعالي إنتي قربي علشان آخد منك الدم وإنت تعالى جنبها.
تقدّمت “تقى” برفقة “يونس” نحوها، فرفعت الساحرة يدها وأمسكت بيد “تقى”، ثم وضعت الكأس تحتها، وقالت:
-غمّضي عينيكِ وما تفتحيهمش لغاية ما تحسي بالألم.
اجتاح قلب “تقى” مزيج غريب من الخوف والرهبة.
لم تكن تعرف ما هو بالضبط… هل هو خوف؟ أم شيء آخر؟ لقد تعرضت للتعذيب مرارًا على يد “وليد”، ولم تعد تخشى الألم، لكنها الآن تشعر بشيء يصعب تفسيره.
أدركت أنه لا مفر من هذا الإحساس، إلا إذا نظرت في عينيه.
حينها فقط، قد تهدأ وتطمئن. رفعت بصرها نحوه، والتقت أعينهما. ويا ليتها لم تفعل! ففي عينيه بريق ألم، ودموع اعتذار عمّا تمر به.
الحزن كسا ملامح وجهه، والاختناق ظاهر في تعابيره.
شعرت أنها إن أطالت النظر إليه، ستنهار.
أبعدت نظرها، وأغلقت عينيها. شعرت به يمسك كفها الآخر، يحتضنه بيده المرتجفة، وهمس لها بكلمات أرادت أن تطمئنها:
-أنا معاكِ يا قلبي، اتحملي..حقك عليّا.
أمسكت الساحرة يد “تقى” بقوة، ثم وضعت السكين على كفها، وهمهمت بكلمات غامضة غير مفهومة، قبل أن تغرس السكين فجأة في يدها.
تناثرت الدماء، وتزامنت مع صرخة حادة خرجت من “تقى”، مليئة بالألم، تتخللها شهقات متلاحقة ودموع غزيرة انهمرت من عينيها وهي تنظر إلى يدها التي تنزف، بينما الساحرة تضغط على الجرح حتى يسيل الدم داخل الكأس المملوء بالماء.
في تلك اللحظة، فرت دمعة من عين “يونس” وهو يراها تتألم وتبكي، وقد اعتصر قلبه شعورٌ ثقيل، كأنّه سينفجر من مكانه.




