من انا بقلم حليمة عدادي ج3

ساعد والده على النهوض، بينما كان ينظر حوله بعينيه الواسعتين، يحاول استيعاب ما يحدث. ثم أجاب قائلاً:
-أنا كويس، بس شكلهم مش عايزين حد يعرف المكان. بعد ما اغمى علينا ، رمونا هنا بره. يلا نروح.
“تفرّق الأطفال الذين كانوا يحيطون بهم، ثم تحرّك “يونس” ووالده في صمتٍ شديد نحو المكان الذي تركا فيه سيارتهما. كان كلٌّ منهما غارقًا في أفكاره.
“يونس” كان يفكّر في كيفية التخلّص من هذه اللعنة، وفي الوقت ذاته كان يخشى أن يتسبّب في ضرر لزوجته. بداخله صراعٌ داخليٌّ مرير، لا يعرف إن كان سينتصر فيه أم لا.
مجرد فكرة أن يكون سببًا في حزنها كانت تقتله من الداخل. كان يفضّل أن يعيش هكذا طَوال حياته على أن يكون سببًا في ألمها.
وحين وصلوا إلى السيارة، قطع شروده صوت والده:
-بلاش تفكر كتير يا ابني. احكي لها وهي هتفكر معاك، وتلاقوا حل.
جلس “يونس” في مقعده وهو يشعر بثقل كبير في قلبه، ثم رد بحسم:
-مش هقول لها حاجه، علشان أنا عارف هي هتعمل أي حاجة علشاني.
أجاب والده بحكمة:
-بس يا ابني، هي هتديك شويه دم، وأكيد مش هيحصل لها حاجة. فكر كويس.
تنهد “يونس” بقلق شديد، و قلبه ينبض بسرعة، بينما كان الألم والصداع يسيطران على رأسه. لا يعرف ما الذي عليه أن يفعله: هل يتبع نصيحة والده ويُخلص نفسه من هذه اللعنة ليعيش هو وعائلته بسعادة، أم يترك “تقى” بعيدة عن كل هذا، مهما كانت التكاليف، ويظل محاطًا بهذه اللعنة، في عالمه المظلم المملوء بالتعقيد؟
عقله مليئًا بالشكوك والتساؤلات التي تلاحقه كالعواصف، وكلما حاول أن يقرر، ازداد التوتر في قلبه. كانت تلك اللحظات بمثابة حافة الجنون التي كان على وشك السقوط فيها.
جلست “تقى” بعد صلاة المغرب، والقلق ينهش قلبها، لم تكن قادرة على الجلوس كأن الأرض تضيق بها، وصدرها يزداد ثقلاً.
لم يهدأ لها بال، ولم تعرف طمأنينة، حتى تراه أمامها بخير، حتى تسمع صوته. ولكن ما دام لا أثر له، ولا خبر، فلا راحة لها.
القلق كان يمزقها، والخوف ينهشها من الداخل، فصارت تتحرك في المنزل بلا هدى، تمسح وجهها بكفها، وهي عادة قديمة عند الخوف.
وفي خضم هلعها، أنقذها من حالتها طرقات على الباب. هرعت بلهفة تركض، تكاد تتعثر من شدة العجلة، لكنها لم تهتم، وكأن قلبها يسبقها، يخبرها أنه هو.
فتحت الباب بسرعة، وما إن رأته واقفًا أمامها حتى انقضت عليه، تعلقت برقبته واحتضنته، واجهشت بالبكاء. كانت تمسك به بقوة كأنها تخشى أن يفرّ منها.


