من انا بقلم حليمة عدادي ج3

هرعت “تقى” بسرعة إلى الخارج، ولم تمر سوى ثوانٍ حتى عادت تجري وفي يدها كأس من الماء. جلست بجانب “يونس”، ورفعت رأسه قليلاً وساعدته على شرب الماء.. ابتلع الكأس دفعة واحدة وكأنّه لم يشرب الماء منذ وقت طويل. أبعدت الكأس عنه، فبقي يلهث وكأنّه ركض مسافة طويلة، ثم أعاد رأسه إلى المخدة وقال بصوت خافت:
-أنا آسف يا “تقى”، أنا آسف.
بلهفة، احتضنت “تقى” كفه بين يديها، وابتسمت وهي تحاول تخفي مرارة قلقها، وقالت:
-بتتأسف على إيه؟ المهم إنك تكون كويس، ومفيش حاجة تانية تهم.
لمعت عينيه، وهو ينظر إليها، وأول مرة يغرق في تفاصيل عينيها ويقرأ ما في قلبها.. فالعين تبوح بما في القلب، وكان يشعر بوحشية الدنيا ومرارة الأيام، وكأن حياته كانت محطمة…. ولكن حين ظهرت هي، كنسمة دافئة، جلبت السكينة إلى حياته، وصارت مرارته حلواً، وحطام حياته ربيعاً مشرقاً.
طال التحديق في عينيها وكأنهما مغناطيس يجذبهما، ولم يعد يرى شيئاً سوى تلك الكلمات المتحجرة في صدره، التي كانت تبوح بها عيونه.
ازداد احمرار خجلها، وأمسكت بوجنتيه بين راحتي يديها، وقطعت لحظة الصمت قائلة:
-ارتاح دلوقتي يا “يونس” علشان تبقى كويس، إنت تعبان.
وضع يده على يدها التي كانت على خده، وابتسامة عذبة ظهرت على شفتيه، وقال:
-بس إنتِ دواء تعبي ومسكن ألمي. خليكِ معايا علشان يخف ألمي..
احمرت وجنتاها بشدة، ودفء الخجل غمر وجهها حتى كاد يلتهمه.. نظرت إلى الأرض سريعًا، وكأنها تهرب من عيون الجميع التي كانت تترقبها بنظراتها المتسائلة. قلبها كان ينبض بسرعة، وشعرت وكأن الأضواء مسلطة عليها، فكل نظرة من الحضور كانت تجعلها تزداد توترًا. لم تكن تتوقع أن يكون هذا الموقف بهذا الشكل، وكلما حاولت رفع عينيها، شعرت بأن أعينهم تلاحقها أكثر.
تنبهت “زينب” إلى الموقف سريعًا، وطلبت من الجميع الخروج ليأخذوا قسطًا من الراحة.
لم ينبس أحد منهم بكلمة، وخرجوا تباعًا، تاركين “تقى” مع “يونس”.
وعندما خرج الجميع، أغلقت “زينب” الباب وراءها ثم توجهت إلى الخارج حيث مكان الجلوس، حيث جلس الجميع في انتظار معرفة هوية تلك السيدة.
أما “أحمد” و”زينب”، فقد كانا يعرفان هويتها جيدًا، وقد زادت زيارتها قلقًا بالنسبة لهما.
كسر صمت المكان المشحون بالتوتر صوت تلك السيدة، التي بدأت حديثها قائلة:



