من انا بقلم حليمة عدادي ج3

-علاج يونس وفك اللعنة مرتبط بتقى! هي اللي تقدر تنقذه.

تقلّصت المسافة بين الزمن والدهشة داخلها، وامتلأت عيناها ببريق مفاجئ. سعادة ولهفة امتزجتا في قلبها، كأن روحها استعادت نبضها من جديد.
لم تتردد، أمسكت بيد “يونس” بقوة، وابتسامة مشرقة ارتسمت على وجهها، ثم قالت:
-أنا مستعدة يا بابا، أعمل أي حاجة! قولّي إزاي أساعده؟

في تلك اللحظة، غاص قلب “يونس” بين صراعين. يعلم يقينًا أنها لن تتراجع، لكنه لن يسمح لنفسه بأن يضحي بها. زفر بعمق، وكأن صدره اختنق بثقل القرار، ثم أمسك يديها بين يديه وقال:
-مش هتعملي حاجة يا تقى، ماشي؟ ولا هقبل إنك تتعرضي للخطر.

شهقت بهدوء، ثم بلعت ريقها بصعوبة. كانت عيناها تتحركان ببطء على وجوه من حولها، كأنها تبحث عن تأييد، أو ربما عن مخرج. لكنها وجدت فقط نظرات القلق، والصمت المطبق. عقدت حاجبيها، وكأنها تستعد لمعركة، ثم قالت بعزم لا يلين:

-هعمل يا “يونس” كل حاجة أقدر عليها! بابا، قولّي. طلبت منكم إيه؟ وأنا هعمله. مفهوم؟

-تقى، أنا قلت بلـ…

توقفت الكلمات على شفتيه، حين رفع والده يده في هدوء، مشيرًا له بالتوقف. التفت إليها ثم قال بنبرة هادئة، ولكنها محمّلة بالثقل:

-بنتي،أنا هقولك، بس بلاش تاخدي قرار وإنتي مستعجلة. الدجالة طلبت شوية دم منك، وخصلة من شعرك، وهدوم فرحكم. وأنك تيجي معانا.
ساد صمت قصير. حتى أنفاسهم أصبحت محسوبة. الجميع ينظر “لتقى”، ينتظر ردة فعلها.
” أحمد” كان يراقب ملامح وجهها، لعله يجد تردّدًا، أو حتى لمحة خوف. لكنه لم يرَ إلا نظرة حادة، فيها من الإصرار أكثر مما توقع! هي لن تتراجع.

ساد الصمت لعدة ثوانٍ، والأنظار كلها تتجه نحو “تُقى”. منهم من رأى في عينيها أملاً، ومنهم من ترجّاها بصمت أن تتراجع، وآخرون أظهروا القلق من قرارها المرتقب.
لكن لم يدرك أيٌّ منهم أنها قد اتخذت قرارها منذ زمن، ولم تعد بحاجة إلى تفكير.
كانت تنظر إليه فقط، تكلّمه بعينيها، تخبره بما يعجز لسانها عن قوله، حتى قطعت لحظة التوتر والترقب بصوت حاسم، قائلة:
–عمي…. يونس. من بُكرة تجهّزوا نفسكم، هنروح للدجالة.

قالت كلماتها بإصرار وعزيمة لم تترك مجالًا للاعتراض، رغم علمها التام برفض “يونس” القاطع للفكرة.
لكنها لم تكن تنوي التراجع، فهي مستعدة أن تفدي من تحب بروحها دون أن يطرف لها جفن.
لم يحتمل “يونس” إصرارها؛ إذ شعر كأن كلماتها خنجر يمزق قلبه، وهلع يعصف بروحه كلما فكّر أنها ستذهب معه بقدميها إلى وكر شيطان. كيف سيقبل عقله أو قلبه بذلك؟
لم يرد على كلماتها، بل وقف من مكانه وسط نظرات الجميع القلقة تجاه صمته، وقد احترموا خوفه على زوجته. نظر إليهم بعينين ممتلئتين بالضيق، ثم قال بصوت مخنوق كأن أنفاسه تُثقل صدره:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *