من انا بقلم حليمة عدادي ج3

تركت الساحرة يد “تقى”، و سحبتها بسرعة، والعبارات تتقطّع من بين شفتيها، وشهقاتها لا تزال مكتومة في صدرها. حاولت التماسك، لكن الألم كان قاسيًا.
خلع “يونس” سترته بسرعة، ثم التقط المقص الموضوع أمام الساحرة، ومزق السترة إلى قطع. أمسك بيد “تقى” ولفّ حولها القماش ليوقف النزيف، ثم أخذ يدها بين كفيه، وقبّلها وهمس بصوت يملؤه الحزن والعجز:
-حقك عليَّ …حقك عليَّ يا “تقى”، وجعتك كتير،أنا إللي كنت المفروض أحميكِ من الوجع، أنا إللي جبته لك.
مسحت دموعها بيدها، وكتمت أنين ألمها، ثم وضعت يدها السليمة على كفه، وقالت بصوت مبحوح بالبكاء:
-أنا معاك،في الوجع، وفي كل حاجة، بلاش تحسس نفسك بالذنب.
قطع حديثهم صوت الساحرة، غاضبة:
-هات إيدك إنت كمان ، بسرعة، لوعايزها تخلص.
مد “يونس” يده، وما زال ممسكًا بيد “تقى”، وعيناه لا تفارق عينيها. لم يغمض عينيه حتى حين شعر بحد السكين يخترق جلده، وينغرس بقوة حتى سالت الدماء الساخنة من كفه.
استدار نحو الساحرة، فرآها تمسح بيده على ثيابهم، ثم تركت يده. لفّ عليها قطعة من ثوبه، وجلسا في صمت، لا يُسمع سوى أنينهما المختنق.
نظرت إليهما الساحرة ببرود، ثم قالت:
-ارجعوا مكانكم… يلا، بعيد.
أمسك بيدها وساعدها على النهوض، ثم جلس إلى جوار والده الذي كان يتابع كل ما يحدث بعينين يملأهما الحزن. لقد تحملوا الكثير، وصمدوا أكثر مما ينبغي، وربّت الوالد على كتف ابنه في محاولة إلى طمأنته .
اقتربت الساحرة وهي تحمل كأسًا يحتوي على ماء ممزوج بدماء “تُقى”، ثم قدمته إلى “يونس”!
لم يفهم ما المقصود، لكنه مد يده وأخذ الكأس منها، وبينما كان ينظر بحيرة بين “تُقى” ووالده، سمع الساحرة تقول:
-اشربه مرة واحدة، من غير ما تاخد نفس بسرعة.
ظل “يونس” في حيرة، تتقاذفه نظراته بين وجه “تُقى” ووجه والده.
كيف يمكن له أن يشرب دماء زوجته؟ أليس ما تحمّله من ألم كافٍ؟ أليس سماعه لأنينها كفيلًا بأن يكسره؟
لكن كعادتها، تدخلت “تُقى”، وقالت بصوت حاسم:
-اشرب يا “يونس”، بسرعة، مش وقت تفكير.
وكأن كلماتها سحرت قلبه، فلم يقدر على مقاومتها. أمسك بالكأس، وارشفه دفعة واحدة دون أن يتذوق طعمه، وهو يشعر بضيق شديد يجتاح صدره!
ما إن أنهى الشرب، حتى اجتاحت جسده حرارة رهيبة، وكأنه أُلقي وسط بركة من النار. اشتد جلده، وخدر جسده بالكامل، ورفع عينيه نحو الساحرة، فرأى أنها بدأت تحرق ثيابهم معًا.


