البارت 22 استدار "أحمد" بذعر، ليجد زوجته "زينب" ملقاة على الأرض. تسارعت خطواته نحوها، وعيناه مليئتان بالقلق، وعقله غارق في أفكار مرعبة. في اللحظة الأولى، ظن أنها أصيبت برصاصة. اقترب منها بسرعة، وقد ارتجف جسده من الخوف. هزّها بلطف، لكنها لم تستجب! تطلّع إلى وجهها، فلاحظ شحوبها وجسدها الثابت، ولا شيء يدل على الحياة سوى النفس الخافت الذي كان يصدر منها. تنفّس بعمق حين تأكد أنها لم تُصَب، بل سقطت من شدة خوفها. -"زينب"! "زينب"، أنتِ كويسة؟ نادى بها بصوت مرتفع، وهو يمسك بكتفيها. في تلك اللحظة، شعر قلبه وكأنّه يختنق؛ ماذا لو كانت قد تعرضت لأذى شديد؟ بدأ يضغط على يديها بشدة، بينما قلبه ينبض بسرعة متسارعة. ثم، وببطء، بدأت عيناها تتحرك. فتحت عينيها بهدوء، واستقامت واقفة، وقالت: -"أحمد"... أنا كويسة. بس... الخوف هو إللي خلاني يغمى عليا واقع. تنهد "أحمد" بارتياح عميق، وعيناه تغرقان في الدموع من شدة الفرح. تنفس بارتياح، ثم رفع بصره بسرعة عندما تذكر القناص، ليتأكد إذا كان لا يزال موجودًا. لكنه لم يجد له أي أثر. أخذ نفسًا عميقًا وقال: -الكل يدخل جوه، وحتى الولد ده شيلوه دخلوه جوه. هنطلب له دكتور هنا، لأنه هو كان المقصود بالرصاصة دي . شكله في حد عايز يقتله. تقدّم الجميع إلى الداخل كما أمرهم "أحمد"، وسط أجواء مشحونة بالقلق. تبعه اثنان يحملان الشاب إلى داخل المنزل، بينما انطلق "أحمد" لإحضار أحد الأطباء للكشف عن حالة هذا الشاب. احتدت ملامح "يونس" واشتعل غضبه وهو يشاهد شخصين أمام مطعمه يقومان بتحطيم المقاعد الخارجية ويهشّمون كل ما أمامهم بأقدامهم، مع ضحكاتهم المستفزة التي زادت من اشتعال غضبه. تقدّم نحوهم بخطوات متسرعة، غارقاً في غضبه حتى أنه لم يدرك ما يدور حوله. وعندما شعروا باقترابه، هربوا سريعاً، لكنه لم يتوقف، بل تبعهم! وقبل أن يتمكن من اللحاق بهم، استقلوا دراجة نارية وانطلقوا بسرعة كبيرة. أدرك "يونس" أنه لن يستطيع اللحاق بهم، فوقف في مكانه ليتنفس بعمق، فقد كانت أنفاسه قد انقطعت. بعد لحظات، وصل إليه "حسام"، الذي لم يكن قادراً على الركض بسبب قدمه المصابة. وقف بجانبه، معبّراً عن غيظه بتنهيدة طويلة، لكنه حرص على أن يبقى هادئاً كي لا يدفع "يونس" للقيام بأي تصرف يندم عليه. ثم ربت على كتفه بلطف قائلاً: -اهدى يا "يونس"، ربنا ينتقم منهم، مش عارف هما مين؟ وعايزين منا إيه؟!. -أنا عارف كويس مين دول، وعارف مين إللي بعتهم. قال "يونس" هذه الجملة بصوت غاضب، والشرر يتطاير من عينيه!. نظر "حسام" إليه ثم رفع إحدى حاجبيه مندهشاً، ثم قال متسائلاً: -مين طيب؟ ولو أنت عارف مين بعتهم تعالى نقدم بلاغ في القسم ؟ تنهد "يونس" بضيق، مدركاً أنه لن يستطيع التخلص من همومه ما لم يبتعد عن "وليد" ورجاله. فقد شعر أنه سيظل مطاردًا منهم في كل مكان، وأنهم سيؤذون كل من يقترب منه، مما أثر سلبًا على كل فرد في عائلته! بدا له وكأن الهواء من حوله قد انعدم، مما زاد من شعوره بالازدحام والضيق. -وليد، واللي معاه مفيش غيرهم، طول ما أنا معاكم، هيفضلوا يدايقوا فيكم ويمشوا ورايا! أنهى حديثه، ثم توجه نحو المطعم وهو في حالة سيئة، حيث كان يواجه صراعًا داخليًا عنيفًا، لم يُترك منه سوى قلب مجروح. خلفه، كان "حسام" يشعر بالشفقة على حال شقيقه، فبدأ يرتب ما تشتت ويجمع ما انكسر. ثم دخل ليواصل عمله في الطهي، عاقدًا العزم على أن يؤدي ذلك في صمت خارجي، رغم العاصفة الحزينة التي كانت تعصف بداخله. ************** في منزل "أحمد"، اجتمع الجميع في حالة من الترقب والقلق، ينتظرون ما سيقرره الطبيب بشأن الشاب. كان التوتر يتسلل إلى قلوبهم بسبب الأحداث المقلقة التي وقعت في الخارج، وأصبحوا يدركون أنهم في خطر لا مفر منه. هذا الخطر سيستمر ما دام "يونس" موجودًا، لكنه وعائلته قد عاهدوا أنفسهم على حمايته مهما كلفهم الأمر. لن يكونوا هم سببًا في معاناته، لكن عليهم التزام الحذر. بهدوء وتركيز، بدأ الطبيب في تحضير المحاليل اللازمة للمريض، يراقب حالته عن كثب. ومع مرور الوقت، قام بتوصيل المحلول عبر الوريد، مع مراعاة راحة المريض وطمأنته بعد الانتهاء من الفحص. ثم استدار وقال بجدية: -باين عليه ما أكلش من كام يوم وده السبب في فقدان وعيه. ومن خلال الكشف والأعراض إللي عنده، ممكن يكون شاب مدمن. لازم نعمل تحاليل علشان نتأكد من ده، وبعد شوية هيفوق لما المحلول يخلص. وقف "أحمد" ولم يظهر على وجهه أي تعبير مما يثير الانتباه، ثم نطق قائلاً: -شكراً ليك يا دكتور، تعبناك معانا. إن شاء الله يفوق بس وساعتها نشوف هنعمل إيه في التحاليل. خرج الطبيب، وجلس أفراد العائلة في صمت يترقبون عودة هذا الغريب إلى وعيه، علّهم يعرفون هويته! نظرت إليه "زينب"، وأحزنها مظهره؛ كانت ملابسه ممزقة، وحذاؤه بالياً، وملامحه شاحبة، وكأنها ملامح شخص من الموتى، مع هالات داكنة تحت عينيه. كان جسده نحيفاً، فنظرت إلى زوجها وقالت: -زعلانه عليه بجد، شكله باين عليه معندوش عيلة ، يمكن يكون صحيح من العيال المدمنين أخذ "أحمد" نفسًا عميقًا، ثم نظر إلى الشاب قائلاً: -مش عارف يا "زينب"، بس اللي متأكد منه إن حد بعته، وكان عايز يخلص عليه، يفوق ونشوف إيه حكايته هو كمان؟! ربّتت "زينب" على كتفه كنوع من الدعم النفسي، فهي تعرف جيدًا كم هو خائف على عائلته، وكيف أنه يخشى فقدان "يونس" بسبب هؤلاء الوحوش البشرية. الخطر أصبح محيطًا بهم من كل جانب، ولا أحد يعلم نوايا "وليد" الشيطانية أو متى سيقوم بما ينوي فعله. نظرت إليه وقالت، محاولةً طمأنته: -إحنا هنبقى تمام، ما تخافش، كل حاجه هتبقى تمام إن شاء الله. بعد فترة من الانتظار، بدأ الشاب يفتح عينيه ببطء محاولاً التكيف مع إضاءة المكان. أحكم إغلاق جفونه وفتحها عدة مرات حتى اعتاد على الضوء، ثم نطق بصوت خافت قائلاً: -أنا فين؟ انتوا مين؟! هرع إليه "أحمد" حين سمع صوته ورد عليه قائلاً: -انت اللي مين يا ابني؟ وإيه إللي دخلك بيتنا وطلعت في اوضة بنتي إزاي؟ ومين بعتك؟ خفض الشاب بصره عندما استرجع كل ما حدث، وظهر عليه الخجل بوضوح. حاول النهوض، لكنه فَقَدَ توازنه وسقط في مكانه. أمسك به "أحمد" وساعده على الاسترخاء، ثم قال: -اهدأ، إنت لسه تعبان، لو مش قادر تتكلم دلوقتي، ارتاح شوية وبعدين نتكلم وتحكيلنا كل حاجة؟ هز رأسه بنفي، وكان الألم واضح على ملامحه، والخوف جلي في عينيه، وقال بصوت متردد: -أنا كويس... كويس... بالله عليك ما تطلبش البوليس، وانا هقولك على كل حاجة. -اتكلم، أنا سامعك. اطمئن، مفيش بوليس، المهم تقولي الحقيقة. أغمض عينيه بإحكام، وكأنه يحاول الهروب من الألم الشديد الذي يعذب رأسه. ثم فتح عينيه وأخذ يسترجع ذكرياته الماضية، وقال بصوت منخفض: -اسمي "مؤمن"، ده كل إللي أعرفه عن نفسي، كبرت في ملجأ، ولما وصل عمري اتناشر سنة، هربت من دار الأيتام. بدأت أسرق وأنام في الشوارع لحد ما في يوم جه إللي إسمه "وليد" وأخذني وقال لي هشتغل معاه، لكن للأسف كان أسوأ شغل ممكن أعمله! توقف عن الحديث، وانعكس الألم على ملامح وجهه، بينما ابتلع ريقه الذي كان كأشواك تمزق حلقه. هنا تحدث "أحمد" قائلاً: -شغل إيه اللي كنت بتشتغله مع "وليد"؟ -كنت باخد أنواع المخدرات وأوصلها لمكان تاني لناس شكلها بتشتري منه، وبعدين أرجع له بالفلوس، وأنا تحت مراقبة الرجالة بتوعه لو أخدت أي جنيه، كنت بتعذب ألف مرة. لدرجة إني بقيت مش قادر أتحملهم، وبقى ده شغلي، واللي بالنسبة لي كان جحيم. توقف عن الكلام، فابتلع تلك الغصّة العالقة في حلقه كما لو كانت داءً يمزّقه، ودموع محبوسة خلف جفونه تتصاعد كلما استرجع ما مرّ به من مآسٍ في هذا الطريق المليء بالأشواك والشياطين البشرية التي قادته إلى هذه المساحة المرهقة. كان واضحًا، كوضوح الشمس، أن نهايته تلوح في الأفق. ولما لمح "أحمد" صمته وحزنه الظاهر على ملامحه، سأله قائلاً: -إيه إللي خلاك تفضل معاهم وانت مش طايقهم؟ كان ممكن تهرب وترجع للملجأ، ليه فضلت معاهم؟ أخذ نفسًا عميقًا، وظهرت غيمة من الحزن والإرهاق على عينيه، وقال: -علشان بقيت مدمن على السم ده، وبقيت لو بعدت مش هقدر أعيش من غيره، وهرجع لهم تاني. وده إللي خلاني أجي هنا. تأملوا فيه، بينما كانت تدور في أذهانهم آلاف الأسئلة في انتظار أن يكمل حديثه ويكشف عن سبب قدومه لهم. كانوا يدركون تمامًا أن "وليد" هو الذي أرسله، لكنهم لم يعرفوا الدافع وراء قدومه. قام "مؤمن" بمسح جبينه بيده ليجفف عرقه، رغم برودة الطقس، إذ كان يتعرق بسبب شدة الألم الذي يعانيه. لكنه تمالك نفسه، وأضاف قائلاً: -"وليد" بعتني عشان أقتل بنت اسمها "حنين" هنا، عشان هي السبب في إنه خسر عينه. إداني صورتها وجابني لحد هنا، بس ما قدرتش أعملها. ما قدرتش أقتلها، مش قادر أؤذي حد. عشان كده استخبيت في الأوضه بتاعة البنت دي، ومش عارف أعمل إيه؟ مرر "أحمد" بيده على شعره محاولًا كبح غضبه الذي بدأ يتصاعد داخله كعاصفة. كان يعلم أن "وليد" لن يظل هادئًا إلا إذا حصل على ما يريد. طغى عليه طمعه وجشعه حتى أنه لم يعد يشعر بأنها إبنة شقيقه!. كيف لشخص أن يخون شقيقه ولا يحمل في قلبه رحمة؟ لقد أصبح كشيطان يتبع شهواته، وأعمى عن الحق. تنهد بضيق، ثم نظر إلى "مؤمن" وقال: -إنت هتروح مصحة علشان تتعالج من السم ده، وقبل ما أخدك هبلغ البوليس بكل حاجة، و أنت قولهم عن مكان "وليد" واللي معاه علشان نخلص منهم. انتفض "مؤمن" من مكانه بفزع، حتى أن آهة من شدة الألم انطلقت من شفتيه. أصبحت علامات الخوف واضحة على ملامحه، فصاح برجاء قائلاً: -بالله عليك ما تبلغش للبوليس، هياخدوني أتسجن وأنا ماليش ذنب، "وليد" هو السبب! -اهدأ، إنت مالكش ذنب. إنت هتساعد البوليس عشان يقبضوا على "وليد"، هما بيدوروا عليه من زمان. أنا معاك ماتخفش مش هسيبك غير لما تدخل المصحة وتخف. بعد انتهاء عملهم وحلول المساء، جلس "يونس" على أقرب مقعد أمامه، ممسكًا بفنجان من القهوة ليأخذ قسطًا من الراحة بعد يوم طويل شاق قضاه في الطهي والتنقل من مكان لآخر، حتى بدأ يشعر بتعب قدميه. جلس "حسام" أمامه في صمت استمر لثوانٍ، حتى كسر "يونس" هذا الصمت قائلاً: -أنا تعبت النهارده أوي، لازم نروح البيت ونشوف بابا عمل إيه مع إللي حصل هناك. -يلا نروح علشان ترتاح، اليوم كان طويل. نهض "يونس" ببطء، وتظهر على وجهه علامات التعب والهم. كان خلفه حزن عميق، رغم محاولته إخفاءه، لكن ملامحه لم تستطع إخفاءه! أغلق المطعم ثم انطلق هو وشقيقه في طريقهما إلى منزلهما، سارا معًا في صمت، وكأن الحديث أصبح ثقيلاً على ألسنتهما. في تلك اللحظات، كان الكلام مثل الملح على الجراح، مؤلمًا للغاية في حالة الإرهاق التي كانا يشعران بها. عندما اقتربا من المنزل، لمحا عناصر الشرطة تخرج من مدخلهم، بالإضافة إلى سيارة الإسعاف. انقبضت قلوبهما وأصابهما شعور بالذعر، راودتهما أفكار سلبية متعددة. ركض "يونس" بأقصى ما يستطيع، بينما كان "حسام" يسير خلفه بصعوبة حتى وصلا بسرعة. وما إن بلغا المكان حتى وجدا "أحمد" يقف أمامهم مع رجال الشرطة الذين كانوا يغادرون. تقدم "يونس" نحو "أحمد" وسأله بلهفة:: -بابا في إيه؟ البوليس هنا بيعمل إيه؟انتوا بخير؟ ربت "أحمد" على كتف "يونس" برفق، متحدثًا بكلمات تهدئ من روعهم، فقال: -اطمنوا، الكل تمام. تعالوا جوا وهقولكم كل حاجة. تقدموا إلى الداخل، حيث كان الجميع واقفين، بينما كان الأطباء يصطحبون "مؤمن" معهم، توقف "مؤمن" لحظة، ونظر إلى "أحمد" قائلاً: -شكراً ليك جداً يا "أحمد" بيه، بتمنى أتعافى، وإن شاء الله ييجي يوم أعيش حياة زي ما كنت بحلم بيها. سامحوني لو سببت لكم أي إزعاج. -على إيه يا ابني، بتمنى لك كل الخير وإن شاء الله تتعافى من السم ده وتبني حياة جميلة. هاجي أزورك وأطمن عليك. خرج الأطباء مع "مؤمن"، بينما بقيت العائلة في الغرفة جلست أسرة "أحمد" وأبناؤه في انتظار أي خبر عما يحدث داخل المنزل. كانت الأجواء مشحونة بالتوتر والقلق، وكل شخص منهم كان في حالة ترقب أخذ والدهم نفسًا عميقًا، محاولا أن يستجمع شجاعته ليروي لهم تفاصيل ما جرى، لكن كان واضحًا في عينيه القلق الشديد الذي لا يستطيع إخفاءه. ثم أخذ يقص عليهم كل ما حدث حتى انتهى. أما "يونس"، فكان جالسا يستمع إلى والده، وقلبه يدق بسرعة لدرجة أنه شعر وكأن صدره سينفجر. كان عقله مشوشا تماما، غير قادر على استيعاب ما حدث. اللحظة التي اكتشف فيها أن من هاجموا المنزل كانوا يستهدفون محبوبته وأنهم كانوا يخططون لقتلها بسببه، كانت وكأنها صاعقة أصابته. شعور الذنب كان يثقل صدره، ظنا منه أنه السبب، وألمه كان لا يُطاق. كان يحاول أن يظهر ثابتًا، لكن كان واضحًا على وجهه الخوف الشديد بلع لعابه بصعوبة وهو يحاول أن يهدئ نفسه، ثم نظر إلى والده وقال بصوت مختنق عينيه مليئة بالقلق: -طيب، البوليس مسكت "وليد" ولا لسه؟ هو ممكن يهرب في أي لحظة؟ _ اطمن يا ابني، البوليس عرف من "مؤمن" المكان وإن شاء الله هيمسكوه ونرتاح منه. بلاش تفكر كتير، روح ارتاح شوية. تنفس بعمق وكأن ثقلًا يجثم على صدره، ثم تحدث قائلاً: -أنا السبب في كل إللي بيحصل، "تقى" كانت هتموت بسببي، و"وليد" بيلاحقني. وأنا في الأول كنت سبب موت والد "تقى" لأنه كان بيحميني، والنهارده عيلته كانت هتموت، أنا السبب، أنا السبب. أنهى كلماته ثم خرج مسرعًا دون أن يلتفت إلى ندائهم، وكأن أذنه قد صُمت ولم يعد يسمع شيئًا سوى صوت حزنه الذي يعصف داخله. ********** بعد يومين من التقلبات بين السعادة والحزن، ورد خبر القبض على "وليد" ورجاله في المكان الذي كانوا يختبئون فيه. وقد ساهم "مؤمن" بشكل كبير في هذا الإنجاز، حيث قدّم للشرطة كافة المعلومات التي كان يمتلكها عنهم، مما سهل مهمتهم. أثار هذا الخبر فرحة عائلة "الهلالي"، ولكن سرعان ما تحولت هذه الفرحة إلى قلق عميق بسبب اختفاء ابنهم "يونس"، الذي خرج من المنزل في حالة من الحزن ولم يعد! لم يتلقوا أي أخبار عنه، حتى أن هاتفه كان مغلقًا، مما زاد من توترهم وقلقهم مع مرور كل دقيقة. في الصباح، توجه "حسام" إلى المطعم وعقله مشغول بشقيقه، رغم أن والده أكد له أنه يعرف مكان "يونس"! أما "تقى"، فقد كانت منعزلة، تبكي بمفردها، عاجزة عن معرفة ما يجب أن تفعله؟ كانت تشعر بالحزن الشديد بسبب ما يحدث لهم منذ اللقاء الأول. "يونس" يتعذب، وهو الآن مختفٍ، يلوم نفسه ويشعر بالمسؤولية عن كافة الأحداث التي حدثت. خرجت من غرفتها، وملامحها شاحبة نتيجة قلة النوم وعمق الحزن الذي يعتريها. تقدمت نحو "أحمد" وهتفت قائلة: -عمي، ممكن طلب؟ بتمنى ما ترفضش طلبي. -قولي يا بنتي، إذا قدرت أنفذه ليك، مش هتأخر عليك. عيونها مليئة بالقلق والدموع تكاد تلمع في عينيها. تنهدت بعمق، ثم قالت بصوت مكسور وكأنها تكبح دموعها: -أرجوك، عمي، أنا لازم أتكلم مع "يونس". لو سمحت، خدني عنده، أنا مش قادره أستنى أكتر من كده. عايزه أعرف هو فين؟، وأشوفه قبل ما يعمل حاجه في نفسه. اقترب "أحمد" منها بلطف، ورفع يده ليربت على كتفها بحنان أبوي، ثم قال: -اهدي يا "تقى"، متقلقيش، "يونس" هيكون بخير. هو في بيت الغابة، وأنا متأكد، يلا نروح له، تعالي يا "مريم" معانا. أنهى "أحمد" حديثه ثم توجه إلى الخارج، وتبعته "تقى" و"مريم". استقلوا السيارة وانطلقوا نحو وجهتهم، في جو من الترقب والقلق، كان "أحمد" يشعر بقلق عميق بشأن غياب "يونس"، وكان قلبه مشدودًا بالهموم، تفكيره يتنقل بين الأمل واليأس. أما "تقى"، فكانت تكبح دموعها بصعوبة، وقد استحوذ عليها الخوف والقلق العميق. مرَّ يومان كاملان دون أن تذوق طعم النوم، وكلما راودتها فكرة تعرضه للأذى، كانت تلك الفكرة تعصر قلبها وتجد صعوبة في التنفس. في كل سجدة، كانت تدعو له أن يكون بخير وألا يمسه سوء، فهي تعاني من ألم الفراق الذي يكاد يفتك بها. نظراتها كانت مشدودة إلى الغابة طوال الرحلة، وعقلها شارد في المجهول، تتمنى لو كانت قادرة على الطيران للوصول إليه بسرعة؛ لتطمئن عليه. كانت تتمنى أن يكون بعيدًا عن الخطر، وأن تعود الأمور إلى مجاريها كما كانت. بعد فترة من الصمت والقلق، توقفت السيارة فجأة، ليحل التوتر مكانه. ترجلوا من السيارة وتوجهوا نحو المنزل الصغير الذي بدا وكأنه يحمل بين جدرانه ذكريات أليمة. توقفت "تقى" لوهلة، تأملته بحزن عميق، وكأنها تسترجع تلك اللحظات التي بدأ فيها كل شيء. هنا بدأت قصتها، وهنا وجدته منقذًا لها، وهنا أيضًا اختطف معها. كان هذا المكان هو نقطة الانطلاق لحكاية مليئة بالهموم والمآسي، ومن هنا انطلقت كل تلك الآلام التي طاردتها. كل شيء كان قد بدأ من هذا المكان البسيط، لكن الذاكرة لا تُنسى، ولا يمر الزمن دون أن تعيدها إلى حيث الألم. طرق "أحمد" الباب، ومع كل ضربة، كان التوتر يتصاعد في قلوبهم، وكأن الصوت نفسه يعبّر عن قلقهم الشديد! كانت "تقى" في حالة يرثى لها، عيونها مغرقة بالدموع، وتمسك موضع قلبها بيدها وكأنها تمنع نفسها من الانهيار. أنفاسها كانت تتسارع بشكل غير طبيعي، وكأن الخوف قد استولى على كل خلايا جسدها، يختصر حياتها في لحظة واحدة. لو كان الخوف يقتل، لكانت قد فارقت الحياة من شدة الألم. مرَّ الوقت بطيئًا، وكل شيء كان يسير على أعصابهم، وعندما لم يتلقوا أي رد، اقترب "أحمد" من الباب وقرر أن يضربه بكتفه ليفتحه، لكنه فوجئ عندما اكتشف أن الباب لم يكن مؤصّدًا من الداخل! دفعه برفق، ففتح الباب بسهولة. وعندما دخلوا، ارتجف الجميع من شدة القلق، وعندما وطأت أقدامهم الأرض داخل المكان، وجدت عيونهم ما كانوا يخشونه! اتسعت أعينهم بشكل غير طبيعي، وتجمّدت الكلمات في أفواههم. كانت الصدمة أقوى من أن تتحملها نفوسهم. وفي تلك اللحظة، شقّت صرخة "تقى" هدوء المكان وكأنها صرخة ألم تنبع من أعماق قلبها. -يوووووونس... يوووونسس! من أنا البارت 23 اتسعت عيونهم وامتلأت قلوبهم بالصدمة عندما رأوا "يونس" ملقًى على الأرض. هرعوا نحوه في حالة من الذعر، وتقدمت "تقى" نحوه والدموع تتساقط من عينيها. ركعت بجانبه، وضعت رأسه على فخذها، ونادت بصوت مخنوق بالبكاء: -"يونس"، "يونس"، رد عليا! لكنها لم تتلقَّ سوى همسات غير مفهومة، وعرق يتصبب من جبينه بسبب ارتفاع درجة حرارته. وضعت يدها على رأسه وصرخت بصوت عالٍ: -عمي حرارته مرتفعة! تعالوا بسرعة، شيلوه وحطوه على السرير، نعمل له كمدات بسرعة، وروح جيب له دواء! حملوه بسرعة ووضعوه على سريره، حيث غطته "مريم" ببطانية ثقيلة لتحميه من البرد القارس الذي كان يخيم على المكان. في تلك اللحظة، هرعت "تقى" إلى المطبخ، وهي تسرع الخطى، لتحضر بعض الماء وقطعة قماش نظيفة. بعد ثوانٍ معدودة، عادت مسرعة، وألقت نظرة على وجه "يونس" الذي بدا شاحبًا، ثم جلست بجانبه. بقلق بالغ، بدأت تطبق الكمادات على رأسه بحذر، في محاولة لتخفيف حرارته المرتفعة. بينما كان "أحمد" يقف في زاوية الغرفة يراقب المشهد بحزن عميق، كان قلبه ينفطر لرؤية حالته. شعر بالعجز، وكأن الزمن قد توقف، فلم يكن هناك شيء يستطيع فعله إلا الانتظار. ثم تنهد بعمق وقال بصوت متألم: -أنا هروح أجيب له شوية أدويه، شكله أخذ برد. وإنتوا خليكم معاه لحد ما أرجع. عقب انتهاء حديثه، خرج مسرعًا، بينما "مريم"، التي كانت تراقب الوضع، لم تجد ما تفعله سوى التوجه إلى المطبخ لإحضار بعض الحساء لشقيقها. وبينما كانت هناك، في المطبخ، كان صوت "تقى" يشق الصمت في الغرفة المجاورة، حيث بقيت بالقرب من "يونس"، تجلس بجواره وتهمس إليه كما لو كان يسمعها، وقلبها مليء بالحزن والهموم. - ما كفاية عمال كل شوية تخوفني عليك يا "يونس" كده، إنت مش هترتاح غير لما تموتّني؟ ليه بتعذب نفسك و تعذبني معاك؟ مصر تزعل نفسك دايمًا، كده مفيش فايدة! بص وصلت حالتك لفين؟ كانت كلماتها تتسلل برقة، لكن الألم كان يلوح في صوتها. في تلك اللحظات، كان الحزن يسيطر عليها، وهي تشعر وكأنها عاجزة عن فعل شيء لمساعدة "يونس"، الذي بدا ضائعًا في همومه. كان مشغولًا في عمله، لكن أفكاره كانت تائهة في هموم شقيقه، الذي كان يعاني من أمرٍ ما، وكان يشعر بحزن عميق تجاهه. فهو ليس فقط شقيقه، بل صديقه المقرب وسنده في الحياة، رابط قوي يجمع بينهما يتجاوز مجرد صلة الدم. وفجأة، انتزعت رائحة احتراق الطعام انتباهه وأخرجته من دوامة أفكاره، فانتفض من مكانه سريعًا ورفع القدر عن النار، لكن للأسف كان المقبض قد اقترب من اللهب، فتعرّض لحروق بسيطة في يده. وضع القدر جانبًا وهو يشعر بضيق شديد، وفجأة، سمع صوتًا مألوفًا يقطع الصمت، قائلًا: -الشيف بتاعنا زهق من الطبخ ولا إيه؟ شقت الابتسامة شفتيه، فقد كان يعرف هذا الصوت عن ظهر قلب، حتى لو كان بين آلاف الأصوات. استدار إليها ليجدها جالسة على أحد المقاعد، والبسمة تزين وجهها. اقترب منها وقال وهو يحاول إخفاء أثر الحزن في صوته: -"شهيرة" عندنا يا مرحبا يا مرحبا، وأنا بقول ليه المطعم منور النهارده؟ لا والله مش زهقان، بس تقريبا سرحت في حاجة. أنهى حديثه وعاد لاستكمال ما بين يديه، مركزًا نظره على ما يعمل فيه، في حين قامت هي من مكانها بسرعة، وارتدت المئزر على خصرها، ثم توجهت إلى جانبه، قاصدة أن تساعده في عمله. وقفت هناك لحظة، ثم قالت له بحنان: -عارفه إنك بتفكر في" يونس" وقلقان عليه، هو محتاج وقت عشان يرتاح ويبقى لوحده شويه، أنا سبت عمي و"تقَى" راحوا عنده عشان يطمنوا عليه. أجابها وهو لا يزال شارد الذهن، وكأن كلماتها لم تخرج عن ذهنه: -عارف يا "شهيرة"، بس بالي مشغول عليه. نفسي يفرح ويبعد عن الحزن، أتمنى طول عمره يعيش بعيد عن أي ألم، لأنه دايمًا حزين، مفيش يوم يعدي عليه من غير ما يكون في حزن في عينيه. -ماتزعلش ،هو أخيراً خلص من "وليد" و إن شاء الله هيتجوز هو و "تقى" و تكون حياتهم سعيدة، عقبالك يا استاذ "حسام" ابتسم "حسام" وهو ينظم الطعام على الأطباق، ثم رفع رأسه وقال بروح مليئة بالأمل: -عقبالي على إيه؟! أنا لسه مستني المشاكل كلها تخلص، يا آنسة "شهيرة"، علشان نقدر نتجوز ونحتفل مع بعض. "شهيرة" ضحكت بلطف وقالت: -إن شاء الله يا "حسام"، كل تأخيره و فيها خيره، الأهم إن "يونس" يكون بخير. أخذ "حسام" نفساً عميقاً ثم تابع بنبرة هادئة: -إن شاء الله. الفرح يتم على خير، بس الأهم إن كل واحد فينا يكون سعيد. "وليد" وخلصنا منه و كده هنطمن. ابتسمت "شهيرة" وأومأت برأسها: -أكيد يا "حسام"، وإللي جاي أحسن. المهم إننا نقف جنب بعض، ومهما حصل، ربنا كبير. ثم نظر "حسام" إلى الأطباق وهو ينظمها مرة أخرى: - بإذن الله يا "شهيرة"، كل حاجة هتتحل، وإللي جاي أحسن بكتير. لا تزال "تقى" جالسة بجانب رأسه، تضع الكمادات على جبينه في محاولة يائسة لخفض الحرارة المرتفعة. كان لسانها يردد آيات من القرآن الكريم، حتى عم الهدوء على المكان. كانت عيناها تتنقل بين وجهه وجبينه، تراقب تحركاته في صمت. فجأة، لاحظت أنه بدأ يحرك رموشه قليلاً، ثم ببطء، فتح جفونه. همس بصوت ضعيف، بالكاد يُسمع: -ما تعيطيش، أنا كويس. نطق بهذه الكلمات بصعوبة، وكأن لسانه يثقل من شدة الحرارة. نظر إليها قليلاً، ولاحظ أنها كانت تمسح دموعها بسرعة، فتأثرت نظراته برؤيتها. مسحت دموعها على عجل وابتسمت ابتسامة باهتة على وجهها، ثم قالت بصوت ملئه الأمل: -أنا مابيطش خالص، إنت كويس؟ إنت سامعني؟ "مريم"! هاتي الشربة بسرعة علشان هأكله. كان قلبها يخفق، لكنها حاولت أن تُبدي قوتها أمامه، رغبة في أن تطمئنه وتجعله يشعر أن كل شيء على ما يرام. خرجت "مريم" من المطبخ بسرعة، حاملة وعاء الحساء الدافئ بين يديها. وضعته أمام "تقى" على الطاولة بسرعة، ثم انتقلت إلى الجهة الأخرى من السرير لمساعدتها في إحكام إسناد "يونس" على الوسادة؛ حتى يستطيع الجلوس بشكل مريح ويتمكن من تناول الحساء. لكن بالرغم من محاولاته، كان "يونس" ما زال غير قادر على الجلوس بشكل مستقيم بسبب التعب والإرهاق الشديد الذي يشعر به. بمجرد أن تمكنا من مساعدته قليلاً في رفع رأسه، قامت "تقى" بوضع الملعقة في الحساء وتقديمها له، تطعمه كما لو كان طفلًا صغيرًا، بحرص شديد واهتمام. كانت عيناها مليئة بالقلق، بينما "يونس" كان يبتسم بصعوبة، يحاول أن يظهر أنه بخير رغم الألم الذي يشعر به. وبعد لحظات، رفع يده قليلاً، إشارةً منه ليوقفوا إطعامه، وقال بصوت ضعيف: -كفايا يا "تقى"... مش قادر... حاسس معدتي بتوجعني. فأجابته "تقى" بحنو، وهي تضع الملعقة على الطاولة: -شوية بس يا "يونس"، علشان تخف بسرعة... بابا راح يجيب الدواء حاول تتحمل. كان وجه "يونس" شاحبًا، لكن نظراته كانت مليئة بالامتنان و الحب. تناول القليل من الحساء بصعوبة، وكلما حاول يبتلع القليل إلى فمه، كانت ملامحه تتجعد من شدة الألم. لحظات قليلة فقط، حتى بدا واضحًا على وجهه أنه لم يعد قادرًا على متابعة الطعام! وضعت "تقى" الملعقة جانبًا بحذر، ثم ساعدته على الاستلقاء في مكانه، وضعت الغطاء عليه بهدوء، لكن عندما وضعت يدها على جبهته، شعرت بحرارته المرتفعة مجددًا، فتنهدت بعمق وحزن. كانت تشعر بحيرة كبيرة، لا تعرف ماذا تفعل لتخفف عنه الألم أو لتقوي من حالته. جلست بجانبه في صمت، تراقب تنفسه الثقيل وتدقق في ملامحه التي تحمل كل معاناة المرض. وفي تلك اللحظات من القلق والصمت، فجأة سمعت صوت الباب يفتح. دخل "أحمد" مسرعًا، ممسكًا بيده الدواء، وجلس أمامهم، وقال بسرعة: -عامل إيه دلوقتي؟ فتح عيونه؟ أنا جبت له الدواء، ساعديني علشان ياخده. قامت "تقى" بسرعة، وكأنها شعرت أن الوقت يمر بسرعة أكبر من قدرتها على التفكير. بيدين مرتجفتين، ساعدته على أن يتناول الدواء بصعوبة، إذ كان جسده غير متوازن، وكلما حاولوا أن يسندوه قليلاً، كان يسقط مرة أخرى. في النهاية، بعد أن تمكنوا من إعطائه الدواء، وضعوا الغطاء عليه بحرص، وغطوه بالكامل. عندما تأكدت "تقى" أنه قد استقر أخيرًا، قالت بلهجة محملة بالقلق: -عمي، أنا هقوم أطبخ لكم حاجة، علشان من الصبح ما أكلتوش حاجة. توجهت "تقى" إلى المطبخ، وتبعتها "مريم" بخطوات سريعة، بينما جلس "أحمد" بجانب "يونس"، يمرر يديه بحنان على شعره الناعم، لكن وجهه كان غارقًا في الحزن، فقد بدا واضحًا أنه يعاني من الألم ويشعر بثقل ما مر به. مرت دقائق ثقيلة قبل أن تعود الفتيات إلى الطاولة، حامِلتَيْنِ قليلًا من الطعام، حيث وضعوهما على المائدة الصغيرة بشكل منظم. ثم جلس الجميع حول الطاولة في صمت، بينما كان قلب "تقى" مشغولًا بما يحدث مع "يونس". نظرت إليه بعينين مليئتين بالقلق ثم تحدثت بصوت منخفض، محاولًة كسر سكون اللحظة: -عمي، هو بقى أحسن دلوقتي؟ نقدر نديه شوية أكل؟ تقدم "أحمد" قليلاً من الطاولة وأجابها بصوت هادئ لكنه مليء بالحنو، وكأنّه يحاول طمأنتها: -سيبيه يا بنتي يرتاح شوية بعد ما أخد دواه، عشان نقدر ناخده بالليل على البيت. أومأت "تقى" برأسها بصمت، وأعادت النظر إلى "يونس" بقلق، بينما جلسوا جميعًا، يبدأون في تناول وجبتهم في صمت مطبق، كأن الكلمات قد خانتهم في تلك اللحظة. لم يفارق نظرها "يونس" لحظة، وكانت مشاعرها تتأرجح بين الحزن العميق والقلق المستمر على حالته التي تبدو أكثر هشاشة من أي وقت مضى. أما هناك في المطعم مرت عدة ساعات، وهي تواسيه وتساعده، تحاول تخفيف قلقه المستمر بشأن شقيقه. نجحت في ذلك بشكل كبير، حيث انشغل بالحديث معها، وبدأ ينسى جزءًا من همومه. حتى حل المساء، وأصبح الوقت قد مر بسرعة. قامت بتنظيف بعض الأواني، ثم نزعت المئزر عن جسدها وجففت يديها. عندما انتهت، التفتت إليه بابتسامة خفيفة وقالت: -"حسام"، أنا لازم أرجع البيت، اتأخرت، وإنت خلص إللي باقي، مش باقي كتير. استدار إليها، وفي عينيه كان هناك نظرة من الامتنان والشكر. لقد خففت عنه الكثير من الهموم والأعباء، وأحس بشيء من الراحة بعد يوم طويل. تقدم نحوها وقال، وهو يحاول العثور على الكلمات: -مش عارف أقولك إيه يا "شهيرة"، بجد، خفّفتي عنّي كتير. تعبتك معايا أوي انهارده. هزّت رأسها بنفي خفيف، ثم ابتسمت وقالت بصوت هادئ: -مافيش تعب يا "حسام"، إحنا واحد في تعبنا وزعلنا. هسيبك دلوقتي، ربنا يسهّل. ثم نظرت إليه لحظة، وكأنها تحاول إخفاء مشاعرها، لكنها شعرت أنها قدمت له ما تستطيع، ثم غادرت المطعم و إلتفت هو إلى عمله. ************* جلسوا يتبادلون الحديث حول مختلف المواضيع في انتظار أن يستفيق "يونس". كانت "تقى" ترقبه بتركيز، تراقب ملامحه بعناية، ولاحظت ارتخاء عضلات وجهه وظهور الهدوء عليه. شعرت بشيء من الراحة، تنفست بعمق، وتمنت أن يفتح جفنيه ويعود إلى حالته الطبيعية. لم يمضِ سوى لحظات قليلة حتى بدأ "يونس" يفتح عينيه ببطء، ثم أغلقهما مجددًا ليعتاد على الضوء الساطع في المكان. بعد لحظات، تحركت شفتاه، ثم نطق بصوت خافت: -مايه ... مايه. هرعت "تقى" إلى المطبخ بسرعة، قلبها ينبض بعجلة، ولم تسمع باقي كلماته. جلبت كأس الماء وعادت إليه مسرعة، ثم مدت الكأس إلى "أحمد" الذي كان قريبًا منه. ساعدوه في أن يستند على الوسادة بشكل مريح، ثم أخذ "يونس" الكأس بيده وأخذ شربة واحدة كبيرة كأنه لم يشرب منذ أيام. تنهد بارتياح، ثم قال: -الحمد لله، أنا كويس. بلاش نظرة الحزن اللي في عيونكم دي، خليكم مطمنين. ربت "أحمد" على يد "يونس" بحنان، وقال بابتسامة دافئة: -إحنا كويسين يا ابني، ناقصنا بس نشوفك بخير. ابتسم "يونس" ابتسامة خفيفة، وأجاب بهدوء: -أنا بخير، كفاية عليا وجودكم جنبي. ربنا يحفظكم ليَّ. قال كلماته وهو يرمق "تقى" بنظرات مليئة بالحب والامتنان. أما "تقى"، فقد خفضت رأسها خجلاً من تلك النظرات، وقد كست حمرت الخجل وجنتيها. ساد الصمت لبرهة، حتى كسرته "مريم" قائلة بصوت يحمل الكثير من القلق: -الحمد لله على سلامتك يا بيه! قلقتنا عليك، كده تعمل فينا كده ؟ ده توته كانت هتموت من الخوف! كلمات "مريم"، التي نطقت بها بعفوية، كانت كفيلة بأن تُشعل في قلبه مخاوفه. مجرد فكرة حدوث شيء لـ"تقى" يجعله يشعر بالذعر الذي لا يستطيع أن يتخلص منه بسهولة. نظر إليها بتردد، ثم تنهد بعمق، وحاول أن يخفف عن نفسه بالكلمات، رغم أن قلبه كان ينبض بعنف. قال بصوت منخفض، متحشرج من أثر التعب: -بعد الشر عليها... أنا كويس، بس تعبت شوية... آسف تعبتكم وزعلتكم. أحست "مريم" بحجم التوتر الذي يعصف به، فحاولت أن تخفف عن الجو الكئيب الذي يحيط بهما. ابتسمت ابتسامة مرحة، رغم قلقها عليه، محاولة أن تبعث بعضًا من الراحة في قلبه وتزيل عن كاهله هذا التعب. ثم قالت بنبرة لطيفة: -"حسام" ما طمنتهوش عليك المرة دي؟ منكد علينا في البيت؟ -أنا بقيت كويس، يلا نرجع على البيت علشان ماما زمانها بالها مشغول علينا. بعد مرور بعض الوقت، استمروا في الحديث دون أن يلاحظوا كيف مر الوقت بسرعة. ثم استعدوا للذهاب إلى منزلهم. قامت "مريم" و"أحمد" بإخراج "يونس" إلى الخارج حيث كانت السيارة، بينما تبعتهما "تقى" حتى وصلوا إلى الخارج. استقلوا السيارة، حيث كان "أحمد" و"يونس" في الأمام، والفتيات في الخلف، ثم انطلقوا نحو وجهتهم.. مع غروب الشمس، بدأ عدد الزبائن في المطعم يتناقص، ومرت الدقائق وكأنها ساعات، فلم يكن هناك أي شخص جديد يأتي. كان الجميع قد بدأ يتوجه إلى المساجد استعدادًا لصلاة المغرب، خاصة وأن موعد الأذان قد اقترب. في تلك الأثناء، قرر "حسام" إغلاق المطعم والتوجه إلى المسجد ليصلي قبل أن يعود إلى منزله. دخل "حسام" المسجد، فوجد أن المكان كان مليئًا بالمصلين. صلى بخشوع وتضرع إلى الله أن يهدئ قلوبهم، وييسر لهم أمورهم، وأن يبعد عنهم كل حزن وهم. كان يشعر في تلك اللحظات بالسكينة والطمأنينة، كما لو أن صلاته كانت تواسيه في أيامه الصعبة. بعد أن انتهى من الصلاة، خرج متجهاً إلى منزله. وعندما اقترب من باب المنزل، رأى سيارة والده متوقفة أمامه. نزل شقيقه "يونس" من السيارة، بينما كان والده يقف بجواره. شعر "حسام" بلهفة كبيرة، فهرع إليهما، وفور وصوله إليهما، هتف قائلاً بلهجة مليئة بالقلق: -طمني عليك، إنت كويس كده؟ تخضنا عليك يا "يونس"! أجاب "يونس" بهدوء، محاولاً تهدئة روعه قائلاً: -أنا كويس يا "حسام"، متخافش، بس كنت محتاج أرتاح شويه. -الحمد لله إنك بخير، وخلصنا من "وليد"، خلاص البوليس مسكه. ظهرت الفرحة بوضوح على معالم وجه "يونس"، ورفع نظره نحو والده قائلاً بفرح: -بابا، بجد! خلاص البوليس قبض عليه؟ ابتسم "أحمد" عندما شاهد فرحة ابنه، وعينيه تلمعان من السعادة، وأجاب قائلاً: -أيوه يا حبيبي، خلصنا منه، اطمن. يلا، ندخل جوه ونتكلم شويه." تقدّموا جميعًا إلى الداخل معًا، قلبهم مليء بالبهجة والسعادة، وكان الجو مليئًا بالدفء الأسري. استقبلتهم "زينب" بابتسامة واسعة، وعينيها تشعّ حبًا، بينما كانت تساعدهم بكل اهتمام. عندما رأت "يونس"، ضمّته إلى صدرها بحنان بالغ، ودموع الفرح تنهمر من عينيها. بعد لحظة من العناق، ابتعدت عنه قليلاً، ثم نظرت إليه بحب شديد، وهتفت بصوت يملؤه الدفء والحنان: -أنت كويس يا حبيبي؟ قول لي، ما تشيلش هم، خلاص كله خلص . الفرحة كانت تغمر المكان، وكان ذلك اللقاء بمثابة بداية فصل جديد من الأمل في حياتهم. من أنا البارت 24 في صباح اليوم التالي، جلس الجميع بعد إفطارهم وسط نقاشٍ عائلي، بعدما طلبت الفتيات إقامة حفل زفافٍ صغير في منزلهم، حفلٍ عائلي بسيط يجمعهم، على أن يُوفَّر المال الذي كان يمكن أن يُنفق على الزفاف لتطوير مطعمهم الصغير كي ينمو. لكن "يونس" اعترض، وقاطع نقاشهم قائلًا: -أنا مش موافق على ده. أنتم من حقكم تفرحوا ويتعمل ليكم فرح كبير. ردت عليه "تقى" بهدوء قائلة: -"يونس"، الفرح يوم ويعدي. إحنا عايزين حفل بسيط، وفلوس الفرح نكبر بيها شغلنا. لو سمحت، ده طلبي الوحيد. نطقت "شهيرة" مؤكدة على كلامها قائلة: -أنا كمان موافقه على كلام "تقى". مفيش داعي للفرح الكبير، إحنا هنعمل حفله صغير بس. بعد نقاشٍ طويل بين الجميع، وسط اعتراض "يونس"، استطاعت الفتيات إقناعهم بصعوبة. وحين رأى "يونس" إصرارهم، وافق على كلامهم، ثم تحدث قائلًا: -بابا، أنا أجرت البيت إللي جنب المطعم هناك، هعيش أنا و"تقى"، وجهزت كل حاجة، وبالليل نروح نشوفه بعد كتب الكتاب. رد "أحمد" عليه بسعادة واضحة في نبرة صوته الممزوجة بالفرح: -ألف مبروك يا حبايب قلبي، ربنا يبارك فيكم ويحفظكم. "زينب"، يلا ابدؤا تجهزوا لبليل، نكتب الكتاب ونعمل الحفلة. قام الجميع، حيث خرج "يونس" وشقيقه لجلب كل ما ينقص الحفل، بينما هرعت الأمهات إلى المطبخ لإعداد طعام الاحتفال في بهجةٍ وسرور. أما الفتيات، فقد ذهبن لترتيب مكان الحفل في حديقة المنزل بكل سعادةٍ وحماس، لكي يتمكنَّ من العودة سريعًا لتجهيز أنفسهن. أصبح العمل في أوجه، وكل واحد كان يركض في جهة، وامتلأ البيت بالسرور حتى حلَّ المساء. بعدها، توجهت الفتيات إلى غرفهن، وكل واحدة بدأت في تجهيز نفسها. وقفت "تقى" أمام المرآة بفستانها الوردي، تنظر إلى نفسها بتأملٍ ورضا، وقد لمعت حبّات الدموع في جفونها، بينما ابتسمت ابتسامةً مليئةً بالفرح. دارت حول نفسها كالفراشة التي تحلِّق في السماء، وكأنها لا تستطيع أن تكبح فرحتها. كانت الغرفة صغيرة، لكن لم يكن فيها ما يحدُّ من تحليقها، كانت تحسُّ بأنها في مكانٍ رحب، يليق بمشاعرها التي لا تكاد تسعها. أغمضت عينيها ببطء، مستشعرةً سكينةً هادئة تنساب في أعماقها، ثم فتحت صدرها لتستنشق هواءً عميقًا، وكأنها تستعدُّ لمغامرةٍ جديدة. بعد لحظاتٍ قليلة من هذا الهدوء، توقفت فجأة، حين سمعت صوت "شهيرة" قائلةً بنبرةٍ متوترة: - كفايه دوران يا "تقى"، أنا مش قادرة أتحمل! قلبي بيترعش ومش عارفة مالي؟! حين سمعت "تقى" كلمات "شهيرة" المشبعة بالقلق، انتابها خوفٌ مفاجئ. اقتربت منها بسرعة، وقد تبدَّل وجهها من الفرح إلى الذعر. أمسكت بيدها كنوعٍ من الاطمئنان، وبدأت تربِّت على كتفها باليد الأخرى، ثم قالت بصوتٍ يحمل تساؤلًا: -مالك يا "شهيرة"؟ قلقتيني عليكِ! ده يوم فرحك، إيه إللي مخوفك كده؟! بلعت "شهيرة" ريقها، ولامست الدموع عينيها، بينما كان عقلها مشوشًا بالأفكار السلبية. شعرت وكأنها في دوَّامةٍ لا تعرف كيف تخرج منها. بدا الحزن واضحًا على ملامحها، وأجابت بصوتٍ يحمل نبرةَ خوف: -"تقى" أنا خايفة، ومش عارفة من إيه... كل ما أفكر في إللي حصل قبل كده يوم ما هربت، بترعب... وخايفة يحصل حاجة تاني. لم تتمالك دمعةً من عينيها، ففرت على خدها، معبِّرةً عن مدى الخوف الذي ينخر في قلبها وعقلها، كما لو كان سكينًا يقطع في داخلها. رقَّ قلب "تقى" لحال صديقتها حين رأتها تبكي، فرفعت يدها لتجفف دموعها بلطف، ثم حاولت الابتسام حتى ترفع عنها بعض الحزن، وقالت: -بصي يا شوكي... تفائلي بالخير، متخافيش. الماضي انتهى، وده يوم جديد.. مفيش حاجة هتحصل غير اللي كتبه ربنا لينا. يلا، طلعي ابتسامتك خليني أشوف عروستنا القمر! بينما كانوا يتحدَّثون، فُتح الباب، ودخلت "مريم" ووالدتها برفقة "منة" و"إيلول"، وانطلقت الزغاريد وتصفيق البنات، مما أضفى على الجو حماسًا وفرحة. تقدَّمت "زينب" نحو "شهيرة" وابتسامة بشوشةٌ تزيِّن ثغرها، ثم رفعت يدها وأمسكت وجنتي "شهيرة" بحنانٍ بين كفّيها. تحدثت بفرحةٍ ممزوجةٍ بدموع الفرح، وقالت: -أنتِ كنتِ بنتي قبل مرات ابني، ياما اتمنيت اللحظة دي، اللحظة إللي أشوفكم فيها مبسوطين مع بعض. ربنا يسعدكم ويتمم لكم على خير يا قلب ماما. دمعت عيون "شهيرة" فرحًا، وهي تستمع إلى تلك الكلمات الدافئة التي بثَّت الطمأنينة في روحها وقلبها. لطالما تمنَّت أن تسمع هذه الكلمات من والدتها في هذا اليوم الجميل، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يحدث في حياته. لم يُعوِّض مكان الأم أحد، لكن "زينب" فعلت ما بوسعها لكي تشعر "شهيرة" بوجود أمها إلى جانبها. اندفعت "شهيرة" إلى حضن "زينب"، وعانقتها بقوة، كأنها تستمدُّ الحنان والدفء الذي حُرمت منه. بينما كانت "منة" تحضن ابنتها "تقى" من جانبها، ومن الجهة الأخرى "إيلول"، وكانت "مريم" تقف وسطهم، ضيَّقت عينيها وهي تنتظر دورها، ثم صاحت بصوتٍ مرح قائلة: -أنا بنت البطة السودا! كل واحدة أخدت حضن، أنا فين؟! ماما، يلا بقى، بلاش نكد كده العريس هيطفش. رَجَّت ضحكاتهم المكان عندما نطقت "مريم" بكلماتها، وكان العبوس واضحًا على وجهها وهي تقف وسطهم، واضعةً ساعديها أمام صدرها وتنظر إليهم في صمت. اقتربت منها "زينب"، وأمسكت وجنتيها وهي تضحك، ثم قالت: -عقبال لما أفرح بيكِ إنتِ كمان يا روحي، متزعليش، هي عروسة بقى ولازم تاخد حضن. ردت" مريم"، وهي تضع يدها على خصرها وتحرك عينيها بعشوائية: -أنا مش عايزة أتجوز، ولا إنتوا عايزين تخلصوا مني؟ وقتها شوفي مين هيملأ البيت عليكم فرحة وروحي الجميلة وحسي العالي د؟ قالت "زينب" مبتسمة: -ماشي يا مريومة، نتكلم في موضوعك بعدين. أنا هروح أشوف إخواتك إذا كانوا جهزوا، وإنتِ و"أيلول " شوفوا زينة الحديقة إذا كانت خلصت، علشان الحفلة هتبدأ، والمأذون جاي. أنهت "زينب" كلماتها وخرجت مسرعة، بينما بقيت "مريم" واقفةً في مكانها لدقائق، ثم أمسكت يد "إيلول" وخرجت أيضًا تلحق بها. بقيت الفتيات يُكملن استعداداتهن. في إحدى الغرف، وقف "يونس" أمام المرآة، وكانت بذلته السوداء قد أضفت عليه مظهرًا جذَّابًا، أكثر من مجرد قطعة ملابس؛ بل كانت تجسيدًا لأحلامه التي بدأت تلامس الواقع. بدأ بتمشيط شعره ببطء، حركاته مدروسة بعناية، وكأن كل خصلة شعر تحمل تفاصيل حياته. ثم وضع المشط جانبًا، وأخذ زجاجة العطر بين يديه، قلَّبها برفق، ورشَّ منها رشةً خفيفة، فانتشرت رائحتها في المكان كلمسةِ أمل. كانت البسمة لا تفارق شفتيه، وعيناه مشعتان بأملٍ غريب، كأن السعادة نفسها قد تسلَّلت إليه. لم يكن هذا يومًا عاديًا، بل كان بمثابة يوم ميلاده الجديد. فبعد سنواتٍ من الحزن، هبَّت إليه "تقى" كقطرات المطر، فازدهر قلبه مجددًا، وكأن الزهور كانت تتفتح في أعماقه، معلنةً بداية فصلٍ جديد في حياته. ولكن كانت هناك لمعةُ خوفٍ ممزوجةٌ بسعادته تُعكِّر صفو فرحته. استدار نحو شقيقه، الجالس خلفه على إحدى الأرائك، برفقة "مؤمن"، الذي جاء به والدهما ليحضر حفل زفافهما ثم يعود لإكمال علاجه في المصحَّة: -"حسام"، إذا خلصت، يلا نطلع بسرعة، اتأخرنا عليهم كتير. نظر "حسام" إليه ورفع حاجبه حين لاحظ قلقه وتوتره الظاهر من كلماته، ثم قام من مكانه وهتف بتساؤل: -مالك يا "يونس"؟ مش على بعضك ليه؟، حاسس إنك قلقان رغم الفرحة، في حاجة مخاوفك؟! تنهد "يونس" وأخفى قلقه ببراعة، ثم تحرك من أمامهم بظهره وقال: -مفيش حاجة يا "حسام"، أنا كويس، يلا نطلع، اتأخرنا عليهم. أنهى كلماته، ومدَّ يده ليفتح الباب، ولكن الباب فُتح قبل أن تمتدَّ يده إليه، ودخلت "زينب"، والفرحة تضيء وجهها. كانت البسمة تزيِّن ثغرها، وسعادةٌ لا توصف تلمع في عينيها. تقدَّمت نحو "يونس"، وقالت بصوتٍ ممزوجٍ بالسرور: -ألف مبروك يا قلبي! بجد مش مصدقة. اتمنيت اليوم ده من زمان، وربنا حققه الحمد لله. ربنا يتمم لكم على خير ويسعدكم ويرزقكم الذرية الصالحة، وتملوا البيت عليا عيال .. نظراتها كانت كفيلة بأن يفعل من أجلها أي شيء. كانت نظرات والدته تحمل سعادةً كبيرة، تلك السعادة التي جعلته ينسى كل مخاوفه من المستقبل. ابتسامتها كانت كمرهمٍ لقلقه، ولا شيء في الدنيا يمكن أن يعادل سعادة الأم. ابتسامتها وفرحتها بأبنائها كانتا بالنسبة لها بمثابة إنجازٍ عظيم، حلمٍ تحقَّق، وطموحٍ وصلت إليه. ما يُسعد الإنسان أكثر من رؤية فرحة أبنائه، فلذات كبده؟ يتنهَّد صدرها عندما ترى بهجتهم وسعادتهم. اقترب منها "يونس"، أمسك برأسها بين يديه، وقبَّل جبهتها، ثم ابتعد عنها قليلًا، ونطق قائلًا: -الله يبارك لنا في عمرك ويحفظك لينا. فرحتك دي تساوي الدنيا كلها يا نور عيني. ربتت بيدها على ذراعه، والابتسامة لا تفارق وجهها، ثم قالت بحب وحنان: -ربنا يسعدك يا قلبي. بجد، النهارده فرحتي كبيرة بيكم. قاطع "حسام" حديثهم، كما اعتاد دائمًا، قائلاً بمرح: -مفيش مبروك ليا يا ست الكل؟ ولا أنا مش باين عليا إني عريس؟ بصي على البدله، حلوة صح؟ ضحكت "زينب" بخفة على مرح ابنها الدائم، ثم تقدمت إليه وقالت: -أجمل عريس يا حبيبي، مبروك. ربنا يحفظك ليا ويسعدكم. ثم نظرت إلى "مؤمن"، واسترسلت في حديثها قائلة: -وعقبالِك يا "مؤمن"، إن شاء الله. ربنا يشفيك ويرزقك بالزوجة الصالحة، وتبني بيت وعيلة. المهم إنك ما ترجعش للسم إللي كنت تأخذه تاني. أحنَى "مؤمن" رأسه، يحاول إخفاء تلك الدموع التي خانته، والتي كادت أن تسقط من عينيه. اختنق صوته، وتمنَّى لو كان له أمٌّ تحتضنه، لو كانت له حياةٌ أفضل، لو كان لديه عائلةٌ تحتويه. عاش طفولةً مليئةً بالألم، كبر وسط بيئةٍ سيئة، وتحمل سموم الحياة ووجوه البشر القاسية. لم يعرف معنى حنان الأم، ولا سند الأب. كلمة "ابني" لم تكن تعرف طريقها إلى حياته. كم تمنَّى أن يستيقظ يومًا على سريره، وأن يسمع صوت والدته بدلًا من أصوات الكلاب الضالة والقطط في الشوارع. كم تمنَّى لو كانت له عائلةٌ تحتضنه، بدلًا من أن ينام على الأرصفة، تحيط به قسوة الشوارع وبرودة الشتاء القارس. مسح "مؤمن" تلك الدمعة الخائنة التي سالت على وجنتيه، ورفع رأسه في محاولةٍ لرسم ابتسامةٍ على شفتيه، محاولًا إخفاء الألم، لكنه لم يستطع، فالألم كالمرض، مهما أخفيته، يظهر تأثيره. رغم تلك الابتسامة الكاذبة، إلا أنهم لاحظوا حزنه عندما بلع لعابه، ثم قال: -إن شاء الله يا طنط، ادعيلي أتعالج بسرعة من السم ده. نظرت إليه "زينب" بحزنٍ، وكأنها قرأت ما يدور في ذهنه، وأشفقت على طفولته الضائعة المؤلمة، لكن لا شيء يتغير. الماضي يبقى عالقًا في ذاكرة الإنسان. -ربنا يشفيك منه، ويفتح لك أبواب الخير يا ابني، ويعوضك بإذن الله. "حسام".. "يونس" شوية وتعالوا علشان تاخدوا البنات. أنهت كلماتها بسرعة، ثم خرجت مسرعة. بينما تقدم "يونس" نحو "مؤمن" وسأله قائلاً: -مالك يا "مؤمن"؟ أنت تعبان، باين عليك الزعل، واتغيرت في الدقائق دي، وشكلك مهموم. -مفيش يا أخي، بس افتكرت طفولتي وزعلت. بشجد حسيت إني وحيد، من غير أم، ولا أهل. تكلم" يونس" بصوت محمل بالعتاب قائلاً: -ليه بتقول كده يا "مؤمن"؟ هو إحنا مش أهلك؟ من يومها بابا اعتبرك واحد منا. إحنا إخواتك يا "مؤمن"، مش لازم تنسى ده. إحنا جنبك، لغاية لما تخف وتوقف على رجليك. رفع "مؤمن" رأسه، وهو يشعر بالخجل. بعد كل المعاناة، يجد نفسه وسط عائلةٍ دخل منزلهم بنيَّةٍ سيئة، حاول قتل ابنتهم، لكنهم يقفون إلى جانبه. كم هي غريبةٌ الدنيا! من نظنُّ بهم خيرًا لنا قد يكونون سبب عذابنا، ومن نحاول إيذاءهم، هم شفاءٌ لجروحنا، ونحن لا ندري. -مش عارف أقولكم إيه، أنا دخلت بيتكم علشان أؤذي آنسة "تقى"، لكن القدر كان له رأي آخر. ماكنتش عارف إنها هتكون بداية لحياتي، وانتو بصيص الأمل اللي كان وسط عتمة حي اقترب" يونس" من "مؤمن"، وربت على كتفه مبتسمًا، ثم قال: -إحنا أهلك من اليوم ده، وإن شاء الله أول ما تكمل علاجك هتشتغل معانا. ابتسم "مؤمن"، وعانق "يونس"، وكاد يبكي من فرط سعادته. فقد منحته هذه العائلة الأمان والسعادة، وشعورًا بالأخوَّة. لأول مرة، يشعر بأنه وسط أشخاصٍ يحبونه بصدق، يعاملونه كإنسانٍ بكل لطفٍ وطيبة. أحيانًا، يأتي العوض على شكل أشخاصٍ يقدِّمون لك ما حُرمتَ منه. فصل "مؤمن" العناق عن "يونس"، ثم تقدَّما إلى الخارج. وعندما خرجا، شعر "يونس" بإحساسٍ غريبٍ وألمٍ في جسده، وبدأت يده تتحوَّل إلى اللون الأزرق. شعر بصداعٍ يجتاح رأسه وألمٍ يسري في جسده، لكنه تجاهل الأمر كي لا يُفسد سعادة الجميع، وأخفى ما يشعر به، داس على أوجاعه وكأنها شيءٌ يمكن طيُّه في جيب سرواله، حتى وصلا أمام غرفة الفتيات. وقبل أن يطرقوا الباب، سمعوا صوت "أحمد" من خلفهم وهو يقول: -يلا روحوا على الجنينه، مكان الحفلة. أنا هجيب بناتي. يلا بسرعة، "مؤمن"، خدهم، المأذون وصل. رفع" حسام "إحدى حاجبيه كعادته، ثم قال مستغربًا: -مش كان المفروض العريس ينزل هو والعروسة مع بعض؟ ولا دي عادة جديدة اخترعها بابا؟ مسك "مؤمن" يد "حسام" وسحبه خلفه إلى الخارج قائلاً: -تعالَ يا ابني، سيب أبوك يعمل اللي قال عليه. إحنا ننزل عند الضيوف تحت. خرجوا معًا إلى مكان الاحتفال في حديقة المنزل الصغيرة، التي كانت تبدو وكأنها تحفةٌ فنيةٌ بزينتها وترتيبها، وسط شجيرات الورد وخضرة المكان. هناك، كان عددٌ قليلٌ من ضيوف الجيران والأصدقاء يجلسون في راحة. وفي الجانب الآخر، كانت هناك منصةٌ صغيرةٌ للعروسين، وأمامها "المأذون". جلس كل واحدٍ منهم في مكانه في انتظار العروس، بينما جلس "مؤمن" على إحدى المقاعد يستنشق الهواء، وكأنها المرَّة الأولى. شعر بسكينةٍ وطمأنينة، وكان الهدوء يسكن قلبه لأول مرةٍ في حياته. بعد دقائق قليلة، دخل "أحمد" ومعه "تقى" و"شهيرة"، كل واحدةٍ منهما في جهة، وخلفهم الباقي، وسط تصفيقٍ حارٍّ وجوٍّ مليءٍ بالفرح. جلست كل واحدةٍ منهما بجانب زوجها استعدادًا لعقد القران. لم ترفع "تقى" رأسها من شدَّة خجلها، وكانت تشعر أن دقَّات قلبها أصبحت مسموعةً من شدَّة نبضه. لأول مرة، تشعر بهذا الإحساس بين التوتر والسعادة، وتتساءل كيف ستكون حياتها الجديدة. هي تعرف "يونس" منذ فترةٍ طويلة، ولكنها الآن تشعر وكأنها لأول مرةٍ تجلس بالقرب منه. لم يمر وقتٌ طويلٌ حتى تمَّ عقد قران كليهما، وقال "المأذون" جملته الشهيرة: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في الخير بالرفاء والبنين إن شاء الله." أغلق "المأذون" دفتره، لملم متعلقاته، ثم نهض وبارك لهما مجددًا، وألقى عليهما تحيةً قبل أن يغادر. جمع أشيائه ثم خرج. نظر "يونس" إلى "تقى"، وسعادةٌ كبيرةٌ تغمره. نظر إلى عينيها طويلًا، وكأنها لأول مرة. كانت نظراتٌ متبادلةٌ بينهما، وكأن عيونهما تبوح بما في قلوبهما. كانت نظراتٌ تحمل كلَّ ما في قلبه. رفع يديه، وأمسك رأسها بين كفَّيه، ثم قبَّل جفنها قبل أن يبتعد عنها، وقال: -عشت كل حياتي أهرب وسط الضلمه، ومكنش في مخرجً لغاية ما لقيتك ، وكنتِ بصيص نور وسط عتمتي. وكل ما أقرب منكِ، أشوف النور. كنت بدور علشان أعرف أنا مين وعن نفسي لغاية ما لقيتك، ساعتها لقيت نفسي معاكُ. رفعت "تقى" رأسها، واحمرَّ وجهها خجلًا، وغطَّت وجنتيها حمرةٌ زادت ملامحها رقةً. شعرت أن لسانها قد أصبح ثقيلًا، ولم تجد كلماتٍ تعبِّر بها عمَّا تشعر به، أو كيف تصف ما تحسُّ به في قلبها. فهم "يونس" ما يدور في ذهنها من خجلٍ أمام الجميع. تقدَّم الجميع، وانهالت عليهما التهاني من الحضور. أما "حسام"، فلم يكن يقلُّ سعادةً عن الجميع، فقد احتضنها بين ذراعيه وهي تكاد تذوب خجلًا، ثم ابتعد عنها، وقال: -يمكن اتوجعت كتير علشان أوصل للحظة دي، بس انتي تستاهلي أكتر. واجهنا صعاب كتير، بس كل حاجة حلوة مش بنوصل لها بسهولة، وحبك مكنش سهل. احمر وجهها خجلًا، وتلعثمت قبل أن ترد وهي تهرب من عينيه: -م.. م.. مش سهل، بس ربنا سهل اليوم وخلانا نلتقي مع بعض. بدأ الاحتفال، وتم تقديم المأكولات والعصائر للمدعوين. وفي وسط هذا الجو المليء بالفرح، شعر "يونس" بحرقةٍ في جسده، واشتدَّت ملامحه، وأصبح لونه يتغيَّر، وكأنما مزيجٌ بين الأسود والأزرق، وعيناه احمرَّت كالنيران. أصبح لا يرى أمامه شيئًا، ولا يسمع سوى أصواتٍ غريبةٍ تشبه عاصفةً تكاد تأكل عقله. حاول أن يسيطر على نفسه، لكن فجأة، دون أن يشعر، أمسك بالمائدة التي أمامه، ورفعها ثم دفعها! سقطت على الأرض، وبدأ في تحطيم كلِّ شيءٍ أمامه، وسط صدمة الجميع. اقتربت منه "تقى" بهلع، وقالت: -"يونس"! مالك؟ إيه اللي حصل؟ أنت كويس؟ "يونس"! لكن "يونس" لم يكن يسمع أو يرى شيئًا مما حوله، وراح يكسِّر كلَّ شيءٍ في طريقه. فجأة، سقط على ركبتيه، وانهمرت دموعه، وأصبح نصف وجهه مخيفًا! ثم انهار على الأرض فاقدًا للوعي. تدافع الجميع حوله في هلعٍ وبكاء، وقد تحوَّلت فرحتهم إلى حزنٍ وذعر. أمسكت "تقى" رأسه بين يديها، وصاحت ببكاء: -"يونس"! "يونس"! رد عليّ! ماله؟ ماما! حصله إيه؟ ردي عليّ! فور أن انتهت "تقى" من كلماتها الممزوجة بالبكاء، جاء الرد من شخص خلفها قائلاً: -أنا عارفة السبب اللي خلا" يونس" كده. من أنا 25 نزلت كلمات تلك السيدة إلى مسامعهم كقذيفة مفاجئة، فاستداروا نحوها في لحظة واحدة، ملهوفين، يبحثون في حديثها عن بارقة أمل لإنقاذ "يونس". كان كلٌّ منهم يتمنّى أن يكون ما تقوله هو الطريقَ الوحيدَ الذي قد يُنقذه. وحين رأوه وبدأوا يتعرّفون على هويّتها، تجمّدت الأنفاس، وتوقّفت اللحظات في أعينهم. أما العائلة، فقد وقفوا مشدوهين أمام تلك السيدة التي كانت في سن "زينب"، تقف ثابتة بلا تعبير على وجهها، كأنها تمثال. الأبناء لم يتعرفوا عليها، لكن "زينب" فزعت حين رأتها، وعرفت على الفور من هي! " أحمد" كذلك، لكن صدمتها لم تدم طويلًا. ابعدوا نظرهم عنها وركضوا بسرعة إلى "يونس". حملوه في عجلة إلى غرفته وسط نحيب "تقى" الذي كان يمزق القلوب... وضعوه على سريره، فركض "حسام" نحو هاتفه وقال: -بابا، هكلم الدكتور بسرعة، يجي يلحق أخويا من اللي صابه -"يونس" مش محتاج دكتور يا ابني، "يونس" محتاج قرآن. قالت السيدة ذلك وهي تتقدم نحو "يونس" بنظرة جامدة، ثم أضافت: -حد منكم يقرب منه، ويحط إيده على رأسه، ويقرأ قرآن بسرعة لو عايزين تنقذوه. لم يعطِها "حسام" فرصة لتكمل، فركض إلى جانب شقيقه بدون تفكير، و جلس بجانبه ووضع يده على جبينه، وبدأ يتلو ما تيسر من القرآن بصوت هادئ، بينما قلبه كان ينبض رعبًا خوفًا من أن يحدث شيء لشقيقه. كلما ارتفع صوته في التلاوة، بدأ العرق يتصبب من جبين "يونس" كالسيل، وحرارته ارتفعت كأن جسده وسط نيران مشتعلة.. جسده بدأ يتحرك بشكل عشوائي، ودموعه تتساقط بغزارة... كان وجهه شاحبًا، جلده أصبح شبيهًا بجلد الثعابين، ونصف وجهه الآخر بدا مخيفاً.... كلما ساءت حالة "يونس"، زاد صوت "حسام" قوة في تلاوة القرآن. وبعد فترة قصيرة، بدأ "يونس" يسترخي شيئًا فشيئًا، حتى هدأ جسده وعاد إلى طبيعته. ثم فتح عينيه وحرك جفونه بصعوبة، وقال بصوت خافت: -ميه....ميه... هرعت "تقى" بسرعة إلى الخارج، ولم تمر سوى ثوانٍ حتى عادت تجري وفي يدها كأس من الماء. جلست بجانب "يونس"، ورفعت رأسه قليلاً وساعدته على شرب الماء.. ابتلع الكأس دفعة واحدة وكأنّه لم يشرب الماء منذ وقت طويل. أبعدت الكأس عنه، فبقي يلهث وكأنّه ركض مسافة طويلة، ثم أعاد رأسه إلى المخدة وقال بصوت خافت: -أنا آسف يا "تقى"، أنا آسف. بلهفة، احتضنت "تقى" كفه بين يديها، وابتسمت وهي تحاول تخفي مرارة قلقها، وقالت: -بتتأسف على إيه؟ المهم إنك تكون كويس، ومفيش حاجة تانية تهم. لمعت عينيه، وهو ينظر إليها، وأول مرة يغرق في تفاصيل عينيها ويقرأ ما في قلبها.. فالعين تبوح بما في القلب، وكان يشعر بوحشية الدنيا ومرارة الأيام، وكأن حياته كانت محطمة.... ولكن حين ظهرت هي، كنسمة دافئة، جلبت السكينة إلى حياته، وصارت مرارته حلواً، وحطام حياته ربيعاً مشرقاً. طال التحديق في عينيها وكأنهما مغناطيس يجذبهما، ولم يعد يرى شيئاً سوى تلك الكلمات المتحجرة في صدره، التي كانت تبوح بها عيونه. ازداد احمرار خجلها، وأمسكت بوجنتيه بين راحتي يديها، وقطعت لحظة الصمت قائلة: -ارتاح دلوقتي يا "يونس" علشان تبقى كويس، إنت تعبان. وضع يده على يدها التي كانت على خده، وابتسامة عذبة ظهرت على شفتيه، وقال: -بس إنتِ دواء تعبي ومسكن ألمي. خليكِ معايا علشان يخف ألمي.. احمرت وجنتاها بشدة، ودفء الخجل غمر وجهها حتى كاد يلتهمه.. نظرت إلى الأرض سريعًا، وكأنها تهرب من عيون الجميع التي كانت تترقبها بنظراتها المتسائلة. قلبها كان ينبض بسرعة، وشعرت وكأن الأضواء مسلطة عليها، فكل نظرة من الحضور كانت تجعلها تزداد توترًا. لم تكن تتوقع أن يكون هذا الموقف بهذا الشكل، وكلما حاولت رفع عينيها، شعرت بأن أعينهم تلاحقها أكثر. تنبهت "زينب" إلى الموقف سريعًا، وطلبت من الجميع الخروج ليأخذوا قسطًا من الراحة. لم ينبس أحد منهم بكلمة، وخرجوا تباعًا، تاركين "تقى" مع "يونس". وعندما خرج الجميع، أغلقت "زينب" الباب وراءها ثم توجهت إلى الخارج حيث مكان الجلوس، حيث جلس الجميع في انتظار معرفة هوية تلك السيدة. أما "أحمد" و"زينب"، فقد كانا يعرفان هويتها جيدًا، وقد زادت زيارتها قلقًا بالنسبة لهما. كسر صمت المكان المشحون بالتوتر صوت تلك السيدة، التي بدأت حديثها قائلة: - على فكرة الأستاذ أحمد ومراته أكيد عارفين أنا مين؟ بس، الأولاد لأ. أنا "فاطمة" أم "يونس". نظروا إليها بدهشة وحيرة، متسائلين في أنفسهم: "هل هذه هي أم "يونس"؟ هل هي من تخلت عنه وهو في تلك السن الصغيرة؟ ألم تخشَ عليه من اليتم؟ ألم تخشَ عليه من قسوة الحياة؟ تركته في٨ مصير مجهول؟" كل هذه التساؤلات دارت في أذهانهم، وقد أدركت هي ما يفكرون به، فتركت لهم فرصة للاستفسار عما يدور في عقولهم. كُسر هذا الصمت المتوتر، حين هتف "حسام" متسائلًا: -مستحيل! تكوني أم؟! مش ممكن. إزاي تسيبي "يونس" لوحده كده وترجعي دلوقتي بكل البرود ده؟ سؤال "حسام" لم يُحرّك جفنًا من عينيها أو يُشعرها بالندم، بل على العكس، زادت ملامح وجهها قسوة، واسودّت عيناها كأنها تخبرهم عن قسوة قلبها، وأن لا مكان للحنان في داخله. حدّقت بهم، وهي تشبك يديها ببعضهما البعض، ثم بدأت حديثها بصوت بارد: -كنت أجمل بنت في القرية، وكانوا كتير عايزين يتجوزوني، بس أنا كنت بحب واحد تاني. لكن القدر فرقنا، لما جوزني أبويا غصب عني لراجل أكبر مني بسنين كتير. عشت معاه أيام سودة، وسط حريمه التلاتة، وكل واحدة كانت بتحارب علشان تاخد ممتلكاته، وبيتباروا مين تخلف الولد وقتها، حاولت بكل الطرق علشان أخلف، روحت عند ست كانت دجالة "ساحرة" عشان تساعدني. قالت لي وقتها إن لازم أدفع ثمن مقابل مساعدتيها دي... صمتت لحظة، والجميع كانوا منتظرين تكمل حديثها، ليس بسبب حماسهم لسماع القصة، بل لأنهم كانوا يريدون معرفة سبب اختفائها وتركها ابنها وراءها كأنها رمت قطعة قماش دون قيمة. وكان من المؤكد أن معرفة الحقيقة ستدمرهم. ثم تابعت حديثها بنفس البرود: -طلبت مني إن لو خلفت ولد، تاخد مني ذهب كتير، وإن حد من قرايب جوزي يكون هو القربان بعد ما أخلف..... لكن لو خلفت بنت، كانت هتاخد البنت مني. وافقت وقتها، لأن كان كل همي أخد كل حاجة من ممتلكات جوزي مهما كان الثمن. كنت بنفذ كل طلباتها، وهي كانت منتظرة الخبر لحد ما في يوم اكتشفت إني حامل، فرحتي كانت كبيرة... مش علشان الحمل، لكن علشان هأخد كل حاجة. ثم، بينما كانت تحاول استكمال كلامها، قاطعها "حسام" بنبرة غاضبة مليئة بالكراهية والغضب، وعيناه مليئتان بمشاعر لا توصف تجاه هذه السيدة: -بصي، كملي باختصار، عشان بدأت ازهق من حكاياتك الخيالية بسرعة، قبل ما يصحى "يونس". . رمقته بنظرة غاضبة شديدة بسبب تدخله المتكرر في حديثها. لو كانت النظرات تُحرق، لكان الحريق قد اجتاح المكان من شدة الغضب. كانت مشاعرها ظاهرة على وجهها، والغضب يسيطر على عينيها. ثم، استمرت في سرد قصتها وهي تقول: -بعد الحمل، كنت بروح لها كل يوم لحد ما ولدت ابني. كنت فرحانه أوي، وجوزي وقتها قال لهم إن كل الممتلكات هتبقى ليا، لكن زوجاته ما تقبلوش إللي حصل. زوجته الأولى قتلتُه، وبعد موته دخلت السجن، وأنا بقيت لوحدي مع زوجته الثانية، اللي كانت دايمًا بتقابل واحد اسمه "وليد". ما كنتش فاهمة هو عايز إيه. لحد ما في يوم وأنا ماشية في الجنينه ومعايا ابني، لقيت قدامي الدجالة." فلاش باك: وقفت وسط حديقة منزلها الواسعة، تستنشق هواءً نقيًا، تحتضن ابنها إلى صدرها، والبسمة تعلو وجهها. حصلت على كل ما تمنته: طفل، وكل ممتلكات زوجها بالكامل. خلاص، هي كانت في غاية السعادة. كل شيء كان قد تحقق، وكانت مثل الطير الذي يطير في السماء. لكن كما يحدث دائمًا، لا يدوم الحال على ما يرام. بينما كانت تمشي بين الشجيرات، شعرت بشيء غريب، شخص ما يتتبع خطواتها. في لحظة، أصابتها نوبة من القلق، وبدأ قلبها ينبض بسرعة. استدارت بسرعة، محاولةً اكتشاف من يقترب منها، لكنها لم تجد أحدًا. فجأة، هتفت بقلق: -في حد هنا؟ مين هنا؟ اطلع بسرعة. وفور انتهاء كلماتها، ظهر أمامها آخر شخص كانت تتوقعه. كانت تلك الساحرة العجوز، التي تقدمت إليها بمظهرها المخيف، ثم قالت: -هل نسيتِ اتفاقنا يا أم "يونس"؟ فين حقي؟ فين كل إللي طلبته منك؟ غضبت أم "يونس" من تلك الساحرة، ولم تكن تنوي منحها أي شيء مما حصلت عليه. الطمع كان قد أعمى عينيها، وأصبح لا شيء يوقف رغباتها. لم تعد ترى سوى ما تملكه. نظرت إلى الساحرة باحتقار، وقالت: -روحي من هنا، مالكيش حاجة عندي. بدل ما أطلب لك البوليس، اطلعي من هنا. تجهمت ملامح الساحرة، وتحولت إلى شيء مرعب، كما أصبح لون عينيها أسود، وكأن داخلها حريق يخرج دخانه حتى زاد السواد في عينيها. لم تستطع بلع الخدعة التي نصبته لها "فاطمة"، وتجمع في قلبها كل الحقد والشر في لحظة واحدة وهي تحدق في الرضيع، ثم قالت بصوت قوي يثير الرعب في النفوس: -هيدفع أبنك ثمن غدرك بيا! هتدمره بلعنتي وسحري، وهيعيش بنص وش مشوه، وجلده هيبقى زي التعبان السحر هيفضل ملازمه . مش هيرحمه حد! تفوهت الساحرة بتلك الكلمات التي كانت محملة بالغضب العارم، والتوعد، والإصرار على تنفيذ ما وعدت به. كانت تحترق من الداخل، ولم تستطع تقبل ما فعلته بها "فاطمة". لم تقبل تلك الخدعة التي نُفذت ضدها، فانصرفت غاضبة، حاقدة، ومصممة على هدفها، لن تتوقف قبل أن تنقض على ذلك الصغير الذي كان ضحية طمع والدته. ومنذ ذلك اليوم، بعد اختفاء الساحرة، نسيت أم "يونس" أمرها، وعاشت مع ابنها أيامًا جميلة. وفي إحدى الليالي، بينما سكن الليل ونام الجميع، وهدأت النفوس، كانت أم يونس تغفو في سلام، لكنها استيقظت فجأة على صرخات طفلها التي لم تكن عادية. كان يبكي بصوت عالٍ دون توقف. حاولت احتضانه ليهدأ وينام، لكن دون جدوى. قامت بهلع، مسرعة، وأضاءت الغرفة، ثم هرعت إليه لتكتشف السبب وراء بكائه الشديد. وما إن رأت وجه طفلها حتى صُدمت. لقد أصبح نصف وجهه مشوهًا بشكل مريب ومرعب، وجلد جسده أصبح كالثعبان تجمدت أم يونس في مكانها، قلبها يكاد يتوقف من الصدمة. لم تستطع أن تصدق ما تراه عيناها. نظرت إلى وجه طفلها المشوه، ثم إلى جسده الذي تحول إلى شيء غير طبيعي. أصابها الذعر الشديد، وشعرت كأن العالم كله انهار أمامها. صوت قلبها كان يدق بسرعة غير طبيعية، وعقلها يحاول أن يستوعب ما حدث. كانت تشعر بخوف لا يوصف، وحيرة تلتهم عقلها. كلمات الساحرة كانت كأنها جرس رن في ذهنها، وأيقنت أن الساحرة هي السبب فيما حدث لصغيرها. نظرت إليه لحظة، وهو يصرخ بين يديها. هل تختار صغيرها أم تختار المال الذي تركه زوجها؟ لكن لثانية، طغى الطمع على قلبها، فحملت صغيرها بين يديها وهي تفكر كيف تتخلص منه، وكأنه لم يكن جزءاً منها. بعد عدة أيام، تقبلت شكل ابنها، أو بالأحرى، لم يعد يهمها. تركته على حاله، وكان في كل زيارة يأتي "وليد" إليهم، يطيل النظر إلى الرضيع، ويحمله ويداعبه. ولكن لم تكن نظراته نظرات حب، بل كانت تحمل خبثًا كبيرًا وشرًا ونية سيئة. لم تفهم "فاطمة" سبب زيارته لهم، ولا الصلة التي تربطه بضرتها. لكن حتى سمعت في إحدى الأيام حديثه مع ضرتها خفية، قائلًا: -أنا هأخذ العيل ده لأنه فيه كل المواصفات اللي قال عليها الدجال، وهطلع بيه الكنز. وأنتِ بيعي كل حاجة حتى البيت، وسافري من هنا، واتخلصي منها كده محادش هيعرف حاجة... «باك» انهت كلماتها وهي لا تزال على نفس هدوئها وصلابتها، مع تلك الخطوط القاسية التي تميز ملامحها. أخذت رشفة من الماء، وقبل أن تكمل، قطع "حسام" حديثها مرة أخرى متسائلًا: -إزاي تكوني عملتي كدة؟ مستحيل تكوني بشر زيينا! إزاي ضحيتِ بابنك عشان الفلوس؟! دمرتي حياته! إزاي لسه عندك ضمير تيجيي بيه هنا؟! ردت عليه بكلمات مختصرة، وبكل جمود كما اعتادت: -حتى أبويا باعني عشان الفلوس، وحرق قلبي. مش بقي عندي قلب أحب بيه حتى ابني. -كملي كلامك بسرعة واطلعي من هنا، عشان مستحيل اسمح لك ترجّعي الحزن لقلب أخويا حتى لو كنت هقف قدامك علشانه. رمقته بنظراتها ثابتة، التي تشبه جمود الجليد، ثم اكملت حديثها بنفس نبرة الجمود تلك قائلة: -يومها بقيت بدور على أي عيلة اشتغل عندهم،و اسيب "يونس" عندهم و بعدها أهرب بكل أملاك جوزي و مفيش حد هيدور ورايا، كنت عارفه ان "وليد" مش هسيب "يونس"! بس الفلوس كانت عندي أهم، جيت و اشتغلت كام يوم هنا وبعدين سيبت ليهم "يونس"، و وقتها بعت كل ممتلكات جوزي و هربت بالفلوس و سبت كل حاجه ورايا حتى مراته سيبتها.. توقفت عن الكلام تبتلع لعابها لترطب حلقها الجاف من كثرة الحديث، و تنهدت بعمق ، و كأن ذكريات الماضي تثفل كاهلها، لا ترغب في سرد ما قد حدث سابقاً أو بالأحرى لا يهمها ما مضي كانت تريد الخلاص منه بشتى الطرق، و تضحي بكل شيء مثلما فرطت ب فلذة كبدها و هو لا يدري شيء... دام صمتهم لدقائق كل منهم ينتظر أن يبوح أحد منهم بأسئلته التي تمكث في ذهنه و تزعجه، كسرت "زينب" لحظة صمتهم و أنقذت ادمغتهم من تلك الاسئلة التي تلتهم عقولهم في الداخل وتتحجر الكلمات في أفواههم لا تريد الخروج! -ليه رجعتي دلوقتي؟ و إزاي عرفتي إن "يونس" هتجيه الحالة دي في الوقت ده بالذات و ان القران علاجه؟ اعادت النظر لهم و تدافعت في ذهنها ذكريات مؤلمة و كل ما علمته حين تخلت عن ابنها من دون ان يرف لها جفن او يتحرك لها قلب، و قد تجمدت كل مشاعرها و أصبحت كتلة جليد لا ينصهر، و ذهب ضميرها و استحوذ عليه طمعها، و كأن ما فعله بها والدها يكون ضحيته ابنها البريء، الذي قد اتى لحياة مشبعة بالطمع و يلتف حوله مثل ثعبان الشر، و لكن الله كان به رحيماً،و سخر له عائلته الجديدة عوضاً -أنا رجعت علشان "يونس" يعرف الحقيقة، بعد ما سيبته ليكم رجعت عشت حياة مُرّة مع المرض إللي أخذ مني كل حاجه فلوسي صحتي، بقيت بس بدور إزاي اتعالج و ألقي حل لإبني علشان يتفك من عليه اللعنة دي، بس عرفت أن هيبقى تيجي له الحالة دي كل ما يفرح و مفيش حاجه هتهديه غير القران. نظروا لبعضهم متسائلين و الدهشة أصبحت جالية على ملامحهم، و كأنها ادركت ما يجول في خواطرهم فستطردت قائلة : -عارفه هتقولوا إزاي عرفتي، إن "يونس" هيتعب إنهارده بالذات؟ ،أنا مراقبه "يونس" من زمان و لما عرفت إن انهارده فرحه عرفت انه هتيجي له الحالة دي في أكتر أيامه سعاده. فور انهاء كلماتها، انتفض "حسام" من مكانه واقفاً، و الغضب واضحاً على معالم وجهه ثم قال بانفعال واضحا من صوته: -واستنيتي لغاية يوم فرحه و فكرتي ترجعي له علشان تشوفيه بالحالة دي، و جايه بالبرود ده روحي لفلوسك يمكن تنفعك و ابعدي عن أخويا. نهض "أحمد" أيضاً و وضع يده على كتف ابنه و خاطبه قائلاً: -اطمن إحنا مش هنسمح لها تقرب من "يونس".. ده ابننا. وقفت هي الأخرى، و مازال ذلك الجمود على ملامحها التي تتخللها خيوط الألم و المرض، ثم قالت بنفس نبرتها الباردة قائلة: -أنا رجعت علشان "يونس"، علشان أشوفه في آخر أيامي علشان المرض هدني و الفلوس اللي رميته علشانها لازم يأخذها علشان حقه بمجرد أن أنهت كلماتها، خيم صمتٌ لثوانٍ قليلة، حتى كسره آخر شخصٍ لم يتوقعوه. -حق أيه إللي آخذه أنا .....ومين أنت؟ تملكتهم الصدمة والخوف، واتسعت حدقتا أعينهم خشيةً من أن يكون "يونس" قد سمع ما دار بينهم، سؤاله قد أصابهم برهبةٍ كبيرة. وكان الخوف من اكتشاف الحقيقة يهدد بتدميرهم جميعًا. تزايد قلقهم عندما اقترب منهم ووجه سؤاله إلى "زينب" قائلاً: -مين الست دي، و تعرفني منين، و حق ايه اللي بتتكلم عليه؟! من أنا الفصل 26 ألقى «يونس» كلماته بترقب شديد ليعرف الرد منهم، ونظر إليهم في صمت مشوب بالريبة، مما زاد من قلقه وازدادت ملامحه توتراً. فكلما كان يشعر بالخوف أو القلق، كانت حالته تزداد سوءًا، كما يحدث عندما يكون سعيدًا اقترب من «زينب»وأعاد طرح سؤاله عسى أن يحصل على إجابة مقنعة توضح سبب صمتهم وتوترهم الواضح على وجوههم. -ماما ردي عليا في ايه؟ومين الست دي،و بتتكلم على ايه؟ تألقت الدموع في مقلتي «زينب»، وجفت حنجرتها خوفاً من فقدان «يونس»، إذا علم بأنه تم إخفاء الحقيقة عنه طوال هذه السنوات. ولكن لا مناص من الحقيقة، فمهما طالت الأيام، ستظهر عاجلاً أم أجلاً. نهضت من مكانها وتقدمت نحو «يونس»، ثم أخذت تشد وجنتيه بين كفيها، وقالت بصوت حزين يمزج بين الألم والتوتر: -مش كنت عايزه أخبي عليك بس أنا عملت كل ده علشانك، علشان ما شوفش الحزن في عيونك،و لا تحس في يوم أنك وحيد… بس لازم تعرف الحقيقة دلوقتي. تزايدت مشاعر الخوف والقلق لديه مع رؤية حال والدته، وراجت في خاطره العديد من التساؤلات حول وضعها، وتساءل عن طبيعة الحزن الذي يكتنفها. ثم انطلق لسانه بنبرة تعبر عن القلق، قائلاً: -ماما بالله عليك قولي في إيه بلاش تخوفيني كده. طلب «أحمد»من «يونس” الجلوس، ثم بدأ يسرد له كل التفاصيل منذ أن تخلت عنه والدته. استرسل في رواية القصة منذ بدء زواج والدته كلما سمع «يونس»كيف تخلت عنه والدته، كان يشعر بتمزق في قلبه وداخل روحه، كما لو أن نيران الحزن قد اشتعلت في أعماقه.تدفقت الدموع من عينيه، وأصبح لسانه معقوداً، فلم يستطع النطق. بينما استمر أحمد في حديثه، ظل «يونس» صامتاً، يراقب ما حوله وصدره يعلو ويهبط، كأنه في حالة من عدم التصديق لما سمعه لتوه. استمع إلى كل ما قاله «أحمد» وكأن كلماته تتردد في أذنه، لكن عقله كان في حالة من الاستياء يرفض تصديق ذلك. أصبحت كلمات «أحمد»تطارده كطيفٍ يتعنّت من تصديق الحقيقة. هزّ رأسه عدة مرات، كأنه يحاول التخلص من تلك العبارات التي أثقلت كاهله، وفجأة أصبح سؤال واحد يتكرر في ذهنه: «هل أنا فعلاً ليس ابن هذه العائلة؟ هل كانت مشاعري حقيقية عندما كنت أسأل نفسي من أنا؟ الآن أدركت أنني طفل يتيم، تخلت عنه والدته مقابل المال». نهض من مكانه ونظر إلى والدته، فهتف بصوت يملؤه الحزن والخذلان، وتحمل نبرة قهر تعكس مشاعره الجياشة قائلاً: -ليه رجعتي ليه علشان تكملي اللي فاضل فيا…. زمان رجعتي علشان تشوفيني حزين، أنا مش زعلان علشان الناس دي طلعوا مش أهلي بالعكس أنا لو رجع بيا الزمن لورا هرجع اتمنى أفضل معاهم طول العمر،! بصي أنا أمي ماتت في اليوم إللي سابتني فيه! فاهمه ماتت بنسبة ليَّ،أمي إللي سهرت و أمي إللي طبخت و أمي إللي فرحت معايا و عيطت معايا و عاشت معايا حياتي لحظه بلحظة هي زينب (ماما زينب). قال كلماته وتقدم نحو «زينب» التي كانت تبكي في صمت، وعيونها معلقة به. جذبها إلى حضنه وقبّل رأسها، ثم أضاف قائلاً: -دي ماما إللي عملت كل حاجة علشاني. ليه بتعيطي يا أمي؟ إنتي فاكرة أني هتألم لأنك خبيتي الحقيقة عني؟ لا، أنا سعيد لأني كنت عايز أعرف حقيقة واحدة بس وهي أنك أمي، وأنتي خليتيني أعيش الحقيقة دي. رفعت «زينب» عينيها، ودفقات من الدموع تتساقط منها، ثم قالت بصوت يخالطه البكاء: -أنت ابني، و نور عيني، ومفيش حاجه هتتغير ، هتفضل دايما ابني الغالي حبيبي. ابتعد «يونس» قليلاً عنها ثم جفف دموعها بأنامله. بعد ذلك، ألقى نظرة على والدته وهرع بعيداً، تتبعه «تقى» التي بدت قلقة من صمته رغم الحزن الذي ارتسم على ملامحه. حتى وجدته واقفاً في الخارج، في حديقة المنزل، وقد اتخذ ظهره منحىً متجهاً بعيداً وتوتر جسده واضحاً. اقتربت منه، وعندما نظرت إليه، فزعت وامتلأت عيناها بالدموع لرؤيتها تغيير ملامح وجهه ومعاناته الكبيرة. أمسكت بيده وسحبته خلفها إلى إحدى المقاعد الحديدية، ثم جلسا معاً. نظرت بتأثر عميق إلى عينيه، التي كانت تعكس ألمًا وحزنًا لا يوصف. بينما كانت دموعه محبوسة، أمسكت بيده بين كفيها. نظر لها كأنه، استمد منها القوة التي يحتاجها. ثم مال برأسه على كتفها، تنهد بعمق، وكأن آهات النَفَس تحمل أعباء معاناته. تحدث بصوت مفعم بالألم: -ليه عملت كده؟ ليه سبتني هنا وهجرتني؟ معقول بسبب الفلوس والميراث.. معقول أم تتخلى عن ابنها؟ ليه عانيت كل السنين اللي فاتت دي من التهميش، لما كان كل الناس بتخاف من شكلي ؟ توقفت «تقى» لحظة، تلمس قلبها الذي يعجز عن العثور على الكلمات المناسبة لتهدئته. كانت تشعر بما يمر به، وبالألم الذي يعصر قلبه. نظرت إليه بحب وحنان، ثم قالت بصوت منخفض، ملؤه الشفقة والاطمئنان: -«يونس»، مهما كان الألم إللي حاسس بيه، ومهما كانت الجروح إللي ماخفتش واتقفلت لسه، فأنت مش لوحدك في العالم ده. ساعات بنمر بتجارب قاسية تخلينا نشك في كل حاجه فينا وفي الآخرين. لكن اوعى تفتكر أبدًا أن المعاناة التي عشتها هتحدد إنت مين؟. أنت شخص قوي، وقلبي شافك بكل جمالك الداخلي اللي ماشفهوش الناس التانيين. إللي حصل، مهما كان إيه، مش ممكن أنه يقلل من قيمتك أو من حبنا ليك. المال، أو أي شيء مادي، عمره ما يكون سببًا لتغيير مشاعر الأم، لكن الحياة يمكن تكون قاسية أحيانًا، وإحنا مضطرين للتعامل مع ده. وأنا هنا معاك، وهكون دائمًا جنبك عمري ما هسيبك ابداً. أنت الأهم بالنسبة ليّ. ثم أمسكت يده بقوة أكبر، وكأنها تؤكد له أنها لن تتركه مهما كانت الظروف، وأنه يمتلك القوة لتخطي أي شيء . نظر إليها، وكانت عيونه ككتاب مفتوح أمامها، تقرأ ما يختلج في قلبه وما يدور في خاطره من مشاعر وكلمات لا يستطيع أن يعبر عنها. ثم رفع يدها وقبّلها بحبٍ عميق، قائلاً: -أنا محظوظ في الدنيا دي لأن الله رزقني بأجمل وأحن زوجة. أنتِ خيرُ دعائي واستجابة له، وأنتِ النور إللي أنار حياتي بعد فترة من الظلام. تلونت وجنتاها بتلك الحمرة كلما شعرت بالخجل، وقد نبض قلبها استجابة لكلماته، بينما كانت تضغط على كف يده وتبتلع لعابها لتتحدث، إلا أن الكلمات لم تستطع الخروج من بين شفتيها. وفجأة، سمعوا صرخة مدوية من «زينب»، مما جعلهم ينتفضون من أماكنهم ويهرعون مسرعين، يتملّكهم الجزع والخوف. ولم يشعر «يونس»بنفسه إلا وهو يركض بكل قوته نحو الداخل، منادياً بلهفة وذعر. -ماما ماما مالك أنت كويـ...... توقفت الكلمات في حلقه بينما كانت عيناه تراقبان تلك السيدة، أو ربما والدته، راقدة على الأرض، وحولها من يحاولون فهم ما يحدث. تقدم نحوهم بخطوات بطيئة، وكأن ثقل حزنه يعيق حركته، وكانت عيناها تتلألأ بالدموع. شاهدها ترفع يدها ببطء وتتحرك شفتيها تهمس: يونس، ابني يونـ..... لكن حروفها انقطعت في حلقها وسقطت جفونها، فاغمضت عينيها. في تلك اللحظة، دفعه شيء داخلي للشعور بالقلق، فقفز مسرعاً نحوها وأمسك بيدها يهزها، لعلها تستفيق. لم يستطع لسانه النطق في ذلك الحين. اقترب منه «أحمد» قائلاً: -يونس ابني مش وقت الكلام شيلها بسرعه ناخدها للمستشفى حالتها مش كويسه. حملها «يونس»بين ذراعيه دون تردد، وكأنه استشعر في داخله أن الوقت ليس وقت الحزن، بل يتوجب عليه إنقاذها. قرر أن يتجاوز العاصفة التي كانت تعصف بمشاعره، عازمًا على مواجهة ما قد تؤول إليه الأحداث، سواء بالصمود أو أن يكون مجرد ذكريات ممزقة. بسرعة، خرج من المنزل حاملاً إياها، تبعه أحمد و زينب، اللذان طلبا من الآخرين البقاء في المنزل. انطلقوا جميعًا بسرعة، وفضلاً عن ذلك، وضعها يونس في المقعد الخلفي، بينما تواجدت والدته «زينب»بجانبها، و أحمد في المقدمة،ثم انطلقوا بسرعة . جلس الجميع في المنزل صامتين، كل فرد منهم غارق في أفكاره حول الأحداث التي وقعت والحقائق التي كانت مخفية. كان هناك من يشعر بالقلق على “يونس”، خشية أن تؤثر تلك الحقيقة الصعبة عليه. وبينما كانوا يجلسون، كان أحدهم يجاهد نفسه ليتجنب النظر إليها، لكنه كان يجد نفسه يرفع نظره كلما تحدثت، مما جعل نبض قلبه يتسارع. وعندما يدرك أنه على وشك الانزلاق وراء مشاعره، ويخشى من ارتكاب خطأ، قرر أن يستأذن ويغادر ليستعيد السيطرة على مشاعره ونبضات قلبه التي أصبحت كطبول حرب توشك على الانفجار. نهض من مكانه وقال: -أخي حسام أنا هستأذن علشان اروح دلوقتي و لو مكنش عندي جلسة علاج هاجي اطمئن على يونس. أدلى بكلماته وهو يلتقط النظرات الموجهة نحو «مريم»، التي لاحظت نظراته وقد شعرت بالخجل يتسلل إليها، لتجد نفسها طوال جلوسهم تسدد نظراتها إليه بين الحين والآخر أما «مؤمن»، فقد كانت مشاعره تكاد تُظهر ما يدور في داخله، لكنه وجد في «حسام» طوق نجاة ينقذه من دوامة مشاعره، حين قال: -مؤمن مش هتروح لمكان، هتبات معانا انهارده علشان بكرى عندك آخر جلسة و ان شاء الله هتعيش حياة عادية من غير السم إللي كنت بتاخده. لم يستطع «مؤمن»الاعتراض على الوضع، إذ كان يتمنى البقاء، حتى لو كان ذلك لمجرد مراقبتها من بعيد طوال فترة وجوده في المستشفى. كانت صورتها تراوده باستمرار، كطيف يلازمه؛ فكلما أغمض عينيه، كانت تظهر أمامه كأنها شبح، تلاحقه حتى في أحلامه. تنهد بعمق. عاد مؤمن إلى مجلسه حيث كان يجلس مع حسام، بينما ذهبت «شهيرة» إلى غرفتها لتغيير ثيابها. قامت «مريم» من مكانها وبدأت تتحدث قائلة: - هعمل ليكم قهوة يا حسام عايزين حاجه تانيه؟. -لا هاتي معاك بس عصير ليك وشك شاحب و شكلك تعبانه! ************ جلس «يونس» ووالديه في رواق المستشفى المؤدي إلى غرفة «فاطمة»، حيث كانت تغمرهم مشاعر القلق الممزوج بالحزن. تملّكته تساؤلات عميقة حول مشاعره: «هل هو خائف عليها أم يشعر بالشفقة؟ لكن كيف يشعر بالشفقة تجاهها، وهي والدته؟ لم تكن هي الأم التي عايش معها طفولته، بل كانت مصدراً للعذاب الذي عاشه، مما جعله يشعر بالاغتراب تجاهها. كيف يمكنه أن يحزن لأجلها وهي لم تكن أكثر من غريبة بالنسبة له؟» أخذ يُنهي أنفاسه بعمق، بينما كانت مشاعره في حالة من الفوضى. بدا وكأنه عالق في حلم يرغب في الاستيقاظ منه أو الهروب بعيدًا عنه. كان يشعر بنيران تكوي داخله، وتخبطه في دوامة من المشاعر، كأنه في متاهة بلا مخرج. في لحظة صمت مؤلمة، قطع هذه الشرود، وكأن شعاع الأمل قد امتد لينقذه من هذا العذاب صوت أحمد قائلة: -يونس بلاش ترهق نفسك في التفكير يا ابني و لا حتى تحس نفسك غريب مهما حصل هتفضل في حقيقه واحده أنك ابن أحمد و زينب. بينما كان «يونس»يحاول جمع أفكاره واستجماع نفسه للرد على أبيه، وجدت الكلمات طريقها إلى صمته حين رأى الطبيب يقترب منهما بخطوات متسارعة قائلاً: -حالة المريضة متأخرة، والعلاج ماعملش معاها نتيجه، هي دلوقتي بحاجة إلى دعائكم وعايزة أنها تشوفكم في أقرب وقت. وبعد أن ألقى الطبيب كلماته، انصرف سريعًا، بينما تقدم «يونس» نحو الغرفة، يتصارع داخله شعور بالقلق. كان قلبه يشجعه على رؤيتها في حين أن عقله يعارض ذلك، مدركًا أن هذه المرأة ليست من أنجبته، بل هي التي سهرت ليلًا من أجله، وتمسكت به في كافة مراحل حياته. إنها من بكى على كتفها عندما كان صبيًا وتشاركت معه أحزانه. هي الوحيدة التي أمسكت بيده عندما تعثر في خطواته، وهي من ساعدته على مواجهة مصاعب الحياة. كلما اشتدت قسوة الدنيا عليه، كيف يمكن لمن تدعي أنها والدته أن تنجبه وتلقي به إلى مصير مجهول دون أن يرف لها جفن؟! تخلى عن كل تلك الأفكار وسار نحو غرفة والدته. نظر إليها بحزن، وهي ملقاة على سريرها، لا حول لها ولا قوة، رغم الألم الذي كان واضحًا في ملامح وجهها. اقترب منها ولا يزال صامتًا، ينتظر أن تتفوه بكلمة. حركت رأسها بصعوبة لتنظر إليه، وقد احمرت وجنتاها، ثم قالت بصوت ضعيف: -أنا ديما كنت مش بحبك أنت و ابوك كنت بحس انكم سبب حزني في حياتي فكرت الفلوس هي مصدر سعادة بس طلعت غلطانه و عشت حياتي كلها مريضه، سبت حته مني علشان أعيش حياتي بس،أنا مش استاهل يكون ليا ابن زيك أنت اهلك الحقيقين دول يا يونس أمك زينب و أبوك أحمد. حاول كبح دموعه، ليس بسبب حزنه على ما حدث له، فهو يعيش حياة رائعة مع عائلته، بل لأنه رأى تلك التي كرست حياتها من أجل المال. لكن ما كانت تعتقد أنه دواء، تحول إلى داء، ففقدت كل شيء ولم يعد لديها شيء. وقبل أن يتحدث «يونس»، لاحظ تغير ملامح وجهها التي غمرها الألم، ثم نطقت بصعوبة قائلة: - يونس، أنا حطيت حقك من ميراث والدك باسمك، وهناك كمان فيلا وسيارة. سامحني يا يونس. انتهت من حديثها واشتد سعالها، وبدأ جسدها ينتفض. هرعت زينب لتنادي الطبيب، بينما اقترب «يونس» منها ممسكًا بيدها يهدئ من روعها. فجأة، استكان جسدها، واستراحت يدها بين يديه، وسقط رأسها جانبًا. انتقلت روحها إلى خالقها، بينما وقف «يونس» مصدومًا، ودموعٌ متحجرة في عينيه. ثم نطق بصوت متألم: -ما لها يا بابا؟! نادِ ماما تيجي بالدكتور بسرعة. أنهى حديثه وفي اللحظات التالية حضر الطبيب وتأكد من أنها قد فارقت الحياة. رفع الغطاء عن وجهها وطلب من الجميع الخروج ليبدأ استعداداته للدفن. ترك «يونس» الجميع، خرج تائهاً وباكياً، غير مدركٍ لما يحدث أو لما يشعر به. في وسط أيامه الجميلة، ظهرت له والدته ثم اختفت بسرعة. حتى دموعه التي لم ترغب بالسقوط، بقيت عالقة على جفونه، تعكس ألمه العميق حين ظهرت «فاطمة» فجأة في حياته، لم يكن مستعدًا لمثل هذا اللقاء، ولا لهذه الحقيقة التي نسفت ما كان يظنه يقينًا. عاش عمره كله معتقدًا أن العائلة التي احتضنته هي أهله، لم يشك لحظة في حبهم أو انتمائه إليهم. لم يشعر قط بالغربة بينهم، بل كانوا له السند والمأوى.وحين عرف أن «فاطمة»، المرأة الغريبة التي ظهرت فجأة، هي والدته التي تركته لأجل المال، شعر وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه. لم يعرف بماَ يشعر... أهو الغضب؟ أم الحزن؟ أم الفراغ؟ كانت مريضة، تحتضر، تطلب المغفرة، لكنه لم يعرفها، لم يعش معها، لم يسمع صوتها تناديه يومًا.ورغم كل شيء، حين رحلت، شعر بشيءٍ انكسر بداخله... لم يكن حبًا بقدر ما كان حزنًا على فرصة ضائعة، على أم لم يعرفها، وعلى أسئلة لن يُجاب عنها أبدًا.لكنه لم يستطع البكاء طويلًا، فقد كانت ذكراها عابرة، وظل قلبه مع أولئك الذين أحبوه بصدق دون أن تربطهم به صلة دم.تراجعت دمعة خفيفة عن عينيه، ثم عاد إلى الداخل ليبقى مع والديه حتى الانتهاء من دفن «فاطمة»، التي غادرت الحياة دون أن أتمكن من قضاء يوم واحد مع ابنها. رحلت بمفردها كما عاشَت، ولم يرافقها في رحيلها المال الذي أحبته، ولم تأخذ معها شيئًا من متاع الدنيا سوى أعمالها. عندما انتهوا من دفنها، عاد «يونس» ووالديه إلى منزلهما، وما إن وصلوا حتى هرع إليهم الجميع بقلق. اقتربت منه «تقى» بلهفة وقلق، ثم سألته بصوت يحمل في طياته مشاعر الخوف: -يونس أنت كويس أنت بخير طمني عليك. أخذ بيدها ونظر إليها، وكان التعب واضحاً على ملامحه. ثم قال بتعب: -عايز بس أستريح شوية يا تقى، انا هكون بخير. أنهى كلماته وانصرف معها إلى غرفته، فلم يعد لديه طاقة للحديث أو لتوضيح ما حدث. لقد استنزفت قواه، وكان ذلك أصعب يوم في حياته، على الرغم من أنه كان يعتقد أنه سيكون أسعد يوم، إذ كان قد التقى محبوبته في إطار الحلال. لكن كل شيء قد تعكر بقدوم تلك السيدة التي هدمت سعادته. تحرك نحو الخزانة، وأخرج ثيابه، ثم دخل الحمام الملحق بالغرفة، حيث استحم بسرعة، غير ملابسه، وخرج ليجلس بجانب تقى. فمدت يدها لتأخذ بيده، وقالت بحزن من أجله: -يونس بلاش تضغط على نفسك أكتر،تعالي ارتاح شوية أنا حاسه باللي أنت بتمر فيه بس بلاش توصل للحالة دي. مرر يده على وجهه ثم نظر إليها قائلاً: -أنا مش زعلان علشان حاجه أنا زعلان علشانك أنتِ نظرت إليه بدهشة واستفهام وقالت: -ليه زعلان علشاني يا يونس؟ أنا بخير. تنهد بعمق، وكان ينظر إلى عينيها كما لو كانت ملاذاً يمنحه الراحة. وعندما يغوص فيهما، يشعر وكأنه قد نسي العالم كله، وكأنها عالم سحري يجذبه إليه، إذ يتمنى أن يغمر نفسه في أعماقه. ثم أضاف: -علشان اليوم اللي تتمناه أي بنت اليوم السعيد إللي حرمتك فيه حتى من الفرح و بعدها انحرمتي حتى من سعادتك فيه في الأول كسرت فرحتك وبعدها إللي حصل ما لحقتيش تفرحي من أول يوم شفتيني فيه و أنتِ في مشاكل! . ابتسمت تلك الابتسامة التي كانت بالنسبة له ملاذًا من جميع آلامه، ونورًا في ظلمات حياته. كان بريق عينيها يمثل شعاع أمل له. ثم قالت، وهي تحمل في قلبها حبًا كبيرًا: -أنا مش زعلانه أبداً علشان سعادتي أنت و حياتي أنت المشاكل المره و أنا جنبك تبقى حلوه مش عايزه حاجه في الدنيا غير إني أشوفك مبتسم و فرحان كأن كلماتها قد خففت عن قلبه أحزانه، وداوت جروحه، وأسكنت آلامه. كم هو رائع أن يأتي العوض في شكل شخص يكون لك الملجأ والأمان ودواء في أوقات الشدة.أمسك يديها بين كفيه، وقال بحب: -انتِ الحياة اللي كنت مستنيها أنت الحياة اللي كنت اتمنها سكنتي في القلب و استوطنتي روحي و بكِ قلبي اكتفى... *********** في صحن المنزل، اجتمع الجميع بعد أن علموا بما حدث، ثم توجه كل واحد منهم إلى غرفته لينال قسطًا من الراحة. بينما قاد “أحمد” “مؤمن” إلى إحدى الغرف ليتمكن من الاستراحة حتى موعد العشاء. تمدد «مؤمن» على سريره، وكانت مشاعر متخبطة تعصف به، فهو يرغب في الهروب منها، لكن تلك المشاعر تلازمه ولا يستطيع الفرار. «مريم» قد استحوذت على قلبه، ولا يجد سبيلًا لتحرير نفسه منها. يفكر بها في كل لحظة، وكأن كل أفكاره الأخرى قد تلاشت. «مريم»بالنسبة له حلم بعيد المنال، جوهرة لا سبيل له للوصول إليها. يشعر بأن الفارق بينها وبين متناول يده كالفارق بين السماء والأرض. نهض بضيق يخنقه في صدره، ثم قال مُحدثًا نفسه بصوت مسموع نسبياً: -حصلك إيه يا مؤمن فاكر هتتزوج مريم؟! بينكم فرق كبير حتى لو كانت بتحبك مستحيل تفكر تظلمها معاك… أنا مش ليا بيت و.لا ليا شغل و لسه مستقبلي مجهول مستحيل اظلمها معايا. لم يلاحظ «مؤمن» الشخص الذي كان واقفًا عند الباب المفتوح، واستمع إلى كل ما قاله. نهض من مكانه وهو يتنفس بعمق من الضيق، وعندما رفع رأسه، صُدِم برؤية «أحمد» الذي جاء ليحضر له بعض الملابس ليستريح. لكن عندما سمع كلمات توقف مكانه، انتابت «مؤمن» حالة من التوتر جراء نظرات «أحمد»، فتحدث بارتباك محاولًا ترتيب أفكاره قائلاً: -عمي في حاجه عايزني اساعدك في حاجه ابتلع «مؤمن» ريقه بقلق بعد أن تأكد من أن «أحمد» قد سمع حديثه، فاستشعر التوتر وأحنى رأسه. ولكنه عندما سمع سؤال «أحمد»، رفع رأسه بسرعة: -عايز إيه من مريم؟! من انا الفصل 27 إذا كان تحطيمُ الصخورِ سيُمَهِّدُ لي طريقًا إليك، فلن أتردّد في تحطيمها. وإنْ كانت نيرانُ العذابِ سبيلي إليك، فسأسيرُ فيها ولو احترق قلبي شوقًا. وإنْ كان لقاؤك محفوفًا بالألم، فليكن؛ فذلك الألم بالنسبة إليّ شفاء. حتى لو وقفت الدنيا بأكملها حائلًا بيننا، فلن أستسلم، وسأسعى جاهدًا لتحقيق لقاءٍ يرضاه الله. لا أُؤمن بالمستحيل، وأعلم أنّ ما كتبه الله سيكون، ولا أحدَ قادرٌ على تفريق ما جمعه القدر. انتظريني، فسأُناجي رياحَ الفُراقِ متحديًا كلَّ العقبات. أما "مؤمن"، فكان قد ابتلع ريقَه بتوتّرٍ ظاهر، لا يعرف كيف يبوح لـ"أحمد" بما يعتمل بداخله.يحبّه ويقدّره، لكنه لا يريد أن يُفهمَ أنه يتقرّب طمعًا في شيء.نعم، يحمل في قلبه مشاعرَ صادقة، لكنه حريصٌ ألّا يتجاوز حدوده، خاصةً مع ابنته. -عمي، هو أنا هكون عايز منها إيه؟! آسف بس ما تفهمنيش غلط، انت عارف إني مستحيل أعمل حاجة وحشة، انتوا بقيتوا عيلتي. نظر له "أحمد" بنظرة هادئة، وقال: -تعالى معايا يا "مؤمن" هنطلع نعد في الجنينه، عايز أتكلم معاك شوية. سار "أحمد" نحو الخارج، و"مؤمن" يلحق به وهو يحمل توترًا واضحًا في ملامحه. أفكاراً كثيرة تتصارع في ذهنه، قلقٌ من حديث لا يعلم مضمونه، وخوفٌ من أن يُفهم كلام أحمد بطريقة تُثقل عليه قلبه. وعندما وصل إلى الحديقة، جلس "أحمد" وأشار له أن يجلس بجواره. عمّ الصمت برهة، ثم قال "أحمد" بهدوء: -بص يا "مؤمن"، إنت زي ابني. وأنا عارف إنك اتغيّرت، وإنك إنسان قلبه نضيف ونيّتك سليمة. هسألك سؤال، ورد عليَّ بصراحة وانا زي أبوك. تنفّس "مؤمن" بعمق، وكأن صدره مثقل، ثم قال: -اتفضل يا عمي، أنا سامعك وهرد عليك بصراحة. "أحمد" نظر له مباشرة، ونبرته اتسمت بالجدية: -إنت بتحب "مريم"، وعايز تتجوزها، ولكن بس علشان ظروفك، مش قادر تفتح الموضوع معايا، وبتيجي تبص عليها كده من بعيد من غير ما تتكلم؟ انخفض رأس "مؤمن" خجلاً، وابتلع ريقه بصعوبة، ثم رد بتوتر: -مش قصدي والله إني أبص عليها، ولا إن عيني تترفع على أهل بيتك... بس أنا فعلاً بحبها، ونفسي تبقى مراتي بالحلال. بس قررت إني أشتغل، وأبني نفسي، ولسه قدامي طريق طويل. بخاف أتجوزها وأظلمها، وأنا لا عندي شقة، ولا شغل ثابت. سامحني يا عمي.أنا، هخرج دلوقتي أدور على فرصتي، ولما أبقى راجل أقدر أفتح بيت، هرجعلك واطلبها منك رسمي. أنهى "مؤمن" كلماته ثم رفع رأسه لينظر إلى تعابير "أحمد"، مترقبًا رده، متلهفًا لأي كلمة قد تبعث الطمأنينة في قلبه وتخفف من اضطرابه! لم يشعر بهذا الخوف من قبل، حتى في أقسى أيامه؛ حين كان يبيت في الشوارع وتطارده الكلاب الجائعة، لم يكن يعرف للخوف معنى. حتى عندما واجه الموت وجهًا لوجه بصحبة "وليد"، لم يتملك الرعب قلبه كما فعل الآن. كان يخشى من رفض "أحمد"، أو أن يطلب منه مغادرة منزله، وتفاقم قلقه حين لمح "مريم" تقف خلف إحدى الشجيرات! تراقب بصمت كأنها تسترق السمع إلى حديثهما. همّ بالنهوض والانسحاب، لكن كلمات "أحمد" أوقفته: -من بكرة، هتنزل الشغل، لقيتلك فرصة. وبعدها هشوفلك بيت بسيط تأجره. ولو شُفتك مصمم وبتجتهد وتثبت ، إنك تستاهل بنتي، وهي موافقة؛ هجوّزها لك بنفسي. علشان إنت زي ابني، وأنا معنديش حاجة أهم من سعادتكم... إنت واللي واقفة تسمع... تعالي يا "مريم". خرجت "مريم" بخجل شديد، تكاد تكون كالجمر من الحياء بسبب ما حدث. لم تكن تقصد فعل ذلك، ولكن عندما مرّت بجوار الحديقة، سمعَت اسمها يتردد في حديثها! اقتربت لتستمع لمَ يقولونه عنها، ونبض قلبها بقوة بينما كانت تخطو بخطوات بطيئة نحو والدها. وعندما وقفت أمامه، لم تستطع رفع بصرها. أمسك "أحمد" بيدها ثم قال: -يا مريم، الحب من غير الحلال والصراحة بيبقى وجع مش راحة. بيبدأ بكلام حلو وضحك، بس بينتهي بخيبة وذنب. اللي بيحب بجد بيدخل من الباب، مش من ورا الضهر. الحب اللي من غير قيد وارتباط ، بيخليكم تتعلقوا ببعض وانتوا مش متملكين بعض، وكل يوم بيعدي في العلاقة دي بيزود الجرح. وبعد كده؟ يا هو يبعد وتتحطمي، يا تفضلي تايهة بين شعور الذنب والندم. فلو هو ناوي على الحلال، يبقى يستنى ويستعد، إنما لو مش قدها، يبعد لحد ما يبقى جاهز. وافتكري دايمًا: البداية اللي مش فيها رضا ربنا، نهايتها عمرها ما هتفرّح قلبك. رفعت "مريم" رأسها بسرعة بعد أن استمعت إلى كلمات والدها، وكأنها تبحث عن فرصة لتشرح له أنها لم تُحادث "مؤمن" يومًا، ولم يكن بينهما أي شيء من الأساس!كانت كلمات والدها ثقيلة على قلبها، لا لأنها ظنت أنه يلومها، بل لأنها شعرت أنها موضع شك، وهي بريئة. في ذات اللحظة، كاد "مؤمن" أن يتكلم، أن يصرخ بالحقيقة، أن يُخبر "أحمد" بأنه لم يُحدث ابنته قط، ولم يقم بشيء يغضب الله أو يُحزن أهلها. لكن وقبل أن ينطق أحدهما، وكأن "أحمد" قرأ ما يدور في صدريهما، كسر الصمت وقال بصوته الهادئ الحازم: -عارف إنكم ولا مرة اتكلمتوا مع بعض، وكمان ولا مرة عملتوا حاجة غلط. أنا بس بقول الكلام ده علشان تفضلوا على نفس الطريق، وما تمشوش ورا قلبكم وتضيعوا. القلب وقع ناس كتير في الغلط، ناس كانت نيتها كويسة، بس مشيت ورا إحساسها وضيعت نفسها. حافظوا على بعض... بس من بعيد.ابعدوا، لحد ما ربنا يكتبلكم تكونوا لبعض في الحلال،وساعتها؟ اتكلموا براحتكم... وحبوا وانتم متطمنين. وقف "مؤمن" فجأة، ثم انحنى وقبّل يد "أحمد" بعينين يملأها الإصرار والعزيمة، وقال بصوتٍ ثابت: -بوعدك يا عمي، إني مش هبصلها غير لما تبقى معايا في الحلال.ووعد شرف... هعمل كل اللي أقدر عليه، لآخر نفس فيا، علشان أكون جاهز وأجي أطلبها منك. هكون أعمى عن كل حاجة غير الطريق الصح، وهفتح من تاني بس لما نجتمع في الحلال. ومن اللحظة دي، هعمل المستحيل علشانها... علشان نكون لبعض زي ما ربنا يحب. أنهى "مؤمن" كلماته، وكانت "مريم" لا تزال واقفة، تكاد تختنق من نبضات قلبها التي اشتدت حتى شعرت أنها تسمعها بأذنيها.لم تستيع أن تتحمّل أكثر، فاستدارت مسرعة، تتعثر في خطواتها من شدّة خجلها، وهرعت إلى داخل البيت حتى اختفت عن أنظارهما. أما "مؤمن"، فقد انحنى برأسه، احترامًا وثِقلاً لما نطق به قلبه قبل لسانه.وقف "أحمد"، وربّت على كتف "مؤمن" وقال بابتسامة هادئة: -ربنا يجمعكم في الحلال يا ابني... وتكونوا سند لبعض،وأنا معاكم إن شاء الله، لحد ما أفرح بيكم، و أعمل لكم فرحكم اغرقت عينا "مؤمن" بالدموع، وقد انشرح صدره فرحًا. لم يكن يتخيل يومًا أن يُصبح له عائلة، أو أن يحظى بهذا العِوَض الجميل. دخل هذا البيت غريبًا يحمل ألمه، فوجد فيه الدواء لجروحه، والدفء الذي افتقده، والحنان الذي لطالما تمناه. ما أجمل العِوض حين يأتي من عند الله، في هيئة أهل وقَبول وطمأنينة.نظر إلى "أحمد"، والدموع لا تزال تلمع في عينيه، وقال بصوتٍ متهدج من شدة التأثر: -مش عارف أشكرك إزاي يا عم أحمد إنت فتحتلي بيتك، خليتني أتعالج، وقفت جنبي، وحتى بنتك... وافقت تجوزهالي لو عملتلك ألف حاجة، مش هقدر أوفيك حقك، حتى لو بجزء صغير. ابتسم "أحمد" ابتسامةً دافئة، فيها حنان أبوي لا يُشترى، ثم قال وهو يربت على كتف "مؤمن": -هقولك تشكرني إزاي يا ابني، تحافظ على صلاتك، وتفضل دايمًا قريب من ربنا. أنا ساعدتك علشان شُفت فيك "مؤمن" الصغير... اللي محتاج حد يشده من وسط الدنيا الوحشة. يلا يا ابني، علشان نتعشّى... وبُكره عندك شُغل! ************ في غرفة "شهيرة "و "حسام" حيث يغمرها الهدوء، تفوح منها رائحة السجاد النظيف، ومصحف موضوع بعناية على رف خشبي، جلس "حسام" إلى جوار "شهيرة" بعد صلاة العشاء. كانت سجادتاهما لا تزالان مفروشتين، والمكان مضاء بنور خافت يمنح الجو أولى لياليهما بعد الزواج، وكانت تلك اللحظة أول مرة يجتمعان فيها على تلاوة كتاب الله معًا. إحساس جديد يملأ القلب بالرهبة والامتنان، وقلوبهما تنبض بخشوع صادق، وكأن كل آية تُفتح بها أبواب من الرحمة والسكينة. تناول "حسام" المصحف، وبدأ يتلو بصوته العذب بخشوع، بينما كانت "شهيرة" تتبعه بتركيز، تحاول أن تضبط مخارج الحروف، وتستشعر المعاني. ومع كل آية، شعرت أن شيئًا بداخلها يُروى... كأن القرآن يهمس لقلبها مباشرة، يطمئنها، ويغسل عن صدرها أي أثر لتعب أو قلق.كلما زاد صوت "حسام" هدوءًا وخشوعًا، انهمرت دموع "شهيرة" بهدوء، كالمطر، رقراقًا على وجنتيها. شعرت أن قلبها امتلأ براحة لا تشبه أي شيء عرفته من قبل. وحين انتهيا من التلاوة، أعاد "حسام" المصحف إلى مكانه، ثم اقترب منها، ومسح دموعها بلطف، وأمسك وجنتيها بين كفيه وسألها: – إنتي كويسة يا شوكي؟ في حاجة؟ مالك بتعيطي كده؟ جففت شهيرة تلك الدموع المتساقطة على وجنتيها، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة جعلتها تبدو كقمرٍ مضيء في ليلةٍ حالكةٍ وقالت بصوت خافت: -أنا كويسة يا "حسام"حسيت قلبي اتفتح كده وارتحت لأول مرة. حسيت إني زي الفراشة، طايرة ماكنتش متوقعة إننا هنجتمع تاني يا "حسام"، كنت مرعوبة أرجع ألاقيك اتجوزت وحبيت حد تاني… كانت فكرة بتخوفني أوي. أمسك بيديها بين راحتيه، وعيناه نطقتا بما يسبق الكلمات، ثم قال بحبٍ صادق: -إنتي كان عندك شك إن قلبي ممكن يشوف غيرك؟ ده قلبي لو فكر ينبض لحد غيرك… أقتله، ومش هعيش تاني. ضحكت بخفة، وقلبها يخفق كأن الفراشات تتراقص فيه، ثم قالت ممازحة: -يا ذكي! لو قتلت قلبك… هتعيش إزاي بقى؟ ابتسم وهو ينظر إلى عينيها، ثم اقترب منها، وقبّل جبهتها برقة، وقال: -أنا كنت ميت من غيرك… كنت جسد من غير روح. أنهى كلماته، ثم ضمّها إلى صدره وهو يحمد الله أن جمع بينهما في الحلال، بعد تعبٍ طويل وعذاب فراقٍ مرير. مسح على رأسها بحنان، وهي ساكنة بجواره، يهدأ قلبها المضطرب حيث وجدت فيه وطنًا وسكنًا. لكن ما لبثت أن انتفضت مبتعدة عنه فجأة، ثم قالت: -يا نهار اسود! اتأخرنا! قوم بسرعة، ماما زينب قالتلي ننزل على العشا! وقف مذهولًا، يحاول استيعاب ما حدث. انتفاضتها المفاجئة أقلقته، وظن أن مكروهًا قد أصابها. وقف بصمت، ثم قال بوجهٍ عبوس: -ليه كده يا "شهيرة"؟ وقعتي قلبي، حرام عليكي، فكرت في حاجة! اقتربت منه، وأمسكت بيده، ونظرت إليه بعينيها الواسعتين، تلك النظرات التي كانت تأخذه لعالم آخر، ثم قالت: – معلش آسفة ، والله يا حوس، ما كنش قصدي أخضّك... بس افتكرت إننا اتأخرنا! – ماشي يا ستي بس بلاش تبصيلي وإنتي بتتكلمي. نظرت إليه متعجبة، ثم تساءلت: –ليه يا حسام؟ هو أنا بصيتلك في حاجة؟ ابتسم، وقد ارتسمت علامات الحب على وجهه، وقال: – علشان قدام عيونك بنهزم... ومش بقدر أقاوم سحرهم. ضحكت بخجل، وتحركت أمامه نحو الخارج، وقد تلون وجهها بحمرة الخجل، بينما هو يتبعها مبتسمًا، كأن الدنيا لا تحتوي سواها. وصلوا، حيث اجتمعت العائلة في سرور وسعادة. كل فرد منهم كانت السعادة تغمر قلبه. فقد اجتمع قلب المحبين، واجتمعت العائلة كاملة لأول مرة حول مائدة طعام واحدة، في هدوء وسكينة. اهتز قلب "مؤمن" في داخله بمشاعر مختلطة، بين الحزن الموجع والسعادة المفاجئة. لم يحلم يوماً أن تكون له عائلة، لم يتخيل أن يمتلك بيتاً دافئاً وطعاماً نظيفاً. فقد عاش الألم، وتوقع أن يموت في قلب المعاناة، بلا عائلة، بلا أحد يحبه. لكن ها هو الآن، وسط عائلة تحبه، تدعمه، وتقدم له كل شيء. لم يشعر بهذا الدفء من قبل، فقد كان يعيش ليله ساهراً على الألم، وينام نهاره على خيبة الأمل، يتجرع السم بدلاً من الحلم. بعد انتهاء الطعام، جلس الجميع يتحدثون في شتى المواضيع، حتى قاطعهم صوت طرقات متتالية على الباب. تبادلوا النظرات، متسائلين من القادم في هذا الوقت المتأخر.نهض "حسام" من مكانه، وهو يقول: -أنا هشوف مين جاي في الوقت ده، إن شاء الله خير. فتح الباب، فوجد أمامه رجلاً غريباً لم يره من قبل. نظر إليه وسأله: –حضرتك بتسأل عن حد؟ أو محتاج حد من هنا؟ رد الرجل بجديّة، قائلاً: – ده بيت "يونس الهلالي"؟ بدوّر عليه من بدري هو موجود. -اتفضل "يونس" جوه. تقدّم "حسام"، وخلفه رجل بدا عليه الوقار. وما إن دخل حتى تعرف عليه" يونس وأحمد"؛ إذ لم يكن سوى الطبيب الذي كان المشرف على حالة "فاطمة". ألقى التحية على الجميع، ثم أردف قائلاً: -آسف على الزيارة في الوقت ده، بس معنديش وقت، علشان مسافر بكره. وكان لازم أوصلك الأمانة دي. نظر إليه "يونس" بتعجب وشيء من التوتر، ثم قال: -أمانة إيه اللي تخليك تيجي في الوقت ده؟ فتح الطبيب محفظته وأخرج منها ظرفًا كبيرًا، ثم قدمه "ليونس" قائلاً: -والدتك قبل ما تموت، سلّمتني الظرف ده، وطلبت مني أديهولك. وأنا بصراحة كنت خايف أسافر قبل ما أوصله ليك. تحدث "يونس " بامتنان: -شكرًا ليك بجد يا دكتور، اتفضل اقعد، تحب تشرب إيه؟ -لا، شكرًا يا "يونس". هستأذن، لازم أروّح دلوقتي علشان عندي سفر بكرا الصبح. أنهى كلماته وغادر، بينما جلس الجميع في ترقّب، تملاهم الرغبة في معرفة محتوى الظرف الذي وصل في هذا التوقيت المتأخر. فتح "يونس" الظرف، وبدأ يقرأ ما بداخله بصوتٍ عالٍ. كانت هناك أوراق ملكية لمنزل وعدة ممتلكات أخرى باسمه. وبعدها، وجد رسالة صغيرة كتب عليها: «ابني الغالي، لو بتقرأ المكتوب ده، يبقى أكيد أنا مش موجودة. زي ما كنت سبب اللي حصل لك، وكنت سبب حزنك، هبقى كمان سبب علاجك. ماقدرتش أقولك يومها، وقلتلك علاجك في القرآن بس، علشان ماكنتش متأكدة من اللي هقوله. بس دلوقتي لازم تدور علشان تتخلص من اللعنة دي. روح على قرية اسمها (قرية زهور)، واسأل هناك عن ست اسمها "نيرة". هي اللي هتقولك إزاي تفك اللعنة. يا ابني... سامحني»» بعدما انتهى" يونس" من قراءة رسالة والدته، وضعها أمامه ثم تنهد بضيق، وكأن هذه الرسالة قد فتحت له أبوابًا أخرى من المتاعب، وتحديًا جديدًا في حياته، من أجل البحث والتقصي، ليتخلص من لعنة لازمته ثلاثين عامًا، وسبّبت له ألوانًا من العذاب ربت "أحمد" على كتفه، ثم قال مطمئنًا: –اطمن يا ابني، وافرح علشان أخيرًا هتتخلص من اللعنة دي وتعيش حياتك زي الناس. رد "يونس" بصوت متردد: –إن شاء الله يكون خير يا بابا... بس قبل ما نبتدي ندور على الست دي، عايز أقول حاجة..... البيت اللي سابتهولي... أنا مش عايزه. أنهى كلماته منتظرًا ردّهم، فقد كان لا يرغب بشيء يربطه بالماضي. أراد أن يبقى في منزله الذي وجد فيه سكينته وراحته، فهو، مهما طال به العمر، لن يجد منزلًا يشبهه. قاطع تفكيره صوت "زينب"، قائلة: –بس يا ابني ده بتاعك دلوقتي، مين هيخده؟ ولو مش عايزه، سيبه لحد يعيش فيه. جالت كلمات والدته في ذهنه، وبعد لحظة تفكير، نظر إلى "مؤمن" وابتسم قائلاً: –البيت ده يا ماما، هسيبه لمؤمن... هو يستاهل كل خير، وأكيد محتاجه أكتر من أي حد. يبدأ فيه حياته من أول وجديد. انتفض "مؤمن" واقفًا، وهتف معترضًا: – لا يا "يونس"! ده بتاعك، ومستحيل آخده منك. وحتى لو عايز أعيش فيه، لازم أدفع حقه. اقترب منه "يونس" وربت على كتفه، وقال بنبرة حازمة ومليئة بالمحبة: –أنت أخويا يا "مؤمن"، والبيت ده هيبقى ليك... يا إما هيفضل مقفول طول عمره. عيش فيه، ومش عايز أي مقابل، ماشي؟ وبلاش تعمل كأننا مش إخوات. بعد محاولات عدة، استطاع "يونس" إقناع "مؤمن" بأخذ المنزل، بعد إصرار كبير وجهد متكرر. ثم اتفق "يونس" مع والده على الذهاب صباحًا إلى القرية للبحث عن منزل تلك الساحرة، لعلهم يجدون فيه أملًا ودواءً من ماضيه المؤلم إلى مستقبله الغامض. انصرف كل واحد منهم إلى غرفته للراحة، بينما بقي "أحمد ومؤمن" وحدهما. نهض "أحمد" من مكانه، ثم جلس بجانب "مؤمن" وقال: -اتكلم عايز تقول حاجة من أول ما قعدنا، وأنا حاسس إنك عايز تفتح موضوع." بلع "مؤمن" ريقه بحرج، ثم قال بنبرة متوترة: -في الحقيقة كلامك صح. كنت عايز أتكلم وأسألك عن الشغل إللي قلتلي عليه، علشان أروح من بكرة. ربّت "أحمد" على يد "مؤمن" بلطف، ثم قال: -هتشتغل مع "حسام" في المطعم. هو بدأ يكبر ومحتاج حد يساعده، وأنا هظبطلك مرتب كويس. أحنَى "مؤمن "رأسه، وهتف بشكر وامتنان: - بجد شكرًا ليك، جدًا يا عم "أحمد". إن شاء الله أكون عند حسن ظنك، وهشوف كمان شغل بالليل، علشان أكون جاهز أفتح بيت. رد "أحمد "بابتسامة: -ماشي يا ابني، اللي تشوفه. ولما نرجع، هنروح لبيتك علشان تشوفه وتتعود عليه بقي بس تشتغل و ربنا يسر لك كان "مؤمن" على وشك الرد، لكن الكلمات توقفت في حلقه، وانتفض "أحمد" فزعًا حين سمعا صراخ "يونس" يدوّي في المكان. من انا الفصل 28 صرخات "يونس" لم تقف، بل ازدادت حدّة، كأنها رعبٌ يقطع سكون الليل بسكين باردة. خرج الجميع من غرفهم مذعورين، ووقفوا أمام غرفة "يونس" يطرقون الباب بهلع، والخوف ينهش ملامحهم. أما في الداخل، فكان "يونس" يلتوى على سريره، وقد تغيّر لون جلده تمامًا، واشتعلت عيناه بحمرةٍ كالدم. نصف وجهه تحول بقوة غريبة، حتى صار مرعب الملامح، بينما يتلوّى من ألمٍ يمزق جسده، وشعر باختناق يَطبق على صدره. هرعت ""تقى"" إلى عباءتها، ارتدتها بعَجَلة وهي تبكي، ثم وضعت حجابها على شعرها بإهمال، واندفعت نحو الباب. فتحته وهي تنتحب وتردد بصوت مرتجف: -بابا الحق "يونس"! مش عارفة ماله... بالله عليك، اعمل حاجة! اندفع الجميع إلى الداخل في حالة من الفزع، بينما ركض "حسام" خارجًا. جلست ""تقى"" إلى جانبه، ممسكةً بيده، ودموعها تتساقط.... كان والديه في حالة من الرعب الشديد، ولم يشعروا بالعجز من قبل مثلما شعروا في تلك اللحظة، وهم يرون حالته بهذا الشكل!كان جسده يتلوى في منظر مزق القلوب، فيما كانت خيوط الدموع تسيل من عيني ""تقى"". غير قادر على التحكم في نفسه بسبب شدة الألم. لم يعرفوا كيف يتصرفون، وكل ما كانوا يفعلونه هو محاولة تهدئته حتى دخل "حسام"، راكضًا، وقال: -ابعدوا شوية، هقرأ عليه قرآن، يمكن يهدأ. ابتعد الجميع من أمامه، فقفز "حسام" إلى السرير، جالسًا بجانب "يونس"، ثم أمسك بيده وبدأ في قراءة ما تيسر من القرآن. وفي الجهة الأخرى، كانت ""تقى"" ممسكةً يده بين كفيها، وهي تبكي وقلبها يرتجف خوفًا.و تتمنى لو كان بإمكانها أن تشاركه الألم، وأن تعيش مع وجعه. أما "زينب"، فقد كانت لا تقل حزنًا عنهم، ودموعها تنهمر على وجنتيها، وقلبها ينفطر، تدعو الله بقلق أن يخفف عنه. بعد فترة، بدأ جسد "يونس" يعود إلى طبيعته، وأغمض عينيه، واستكان جسده على السرير.. نظرت إليه ""تقى"" بقلق شديد وقالت بصوت مرتجف: -هو ماله؟ غمض عينيه وما بيتحركش ليه؟ هو كويس يا بابا، هو سامعني؟ قالت كلماتها وهي تبكي، عيناها تراقبان "يونس" حتى شعرت به يحرك يده بين كفيها... ابتسمت وسط دموعها، ثم قبّلت راحة يده، وهتفت بصوت مرتعش: -"يونس"، أنت سامعني؟ أنت كويس؟ رد عليَّ. توقف "حسام" عن القراءة، ثم نظر إليهم وقال: -سيبوه يرتاح شوية، هو إيه إللي خلاه يوصل للحالة دي. والأهم دلوقتي، إنه محتاج يخلص من اللعنة دي قبل ما تضمره. تنهد "أحمد" بضيق وقلق مما هو قادم، تملأه عاصفة من الهلع والخوف، وهو يرى ابنه ساكنًا بلا حراك، ضعيفًا كما لم يره من قبل. لم يرَ دموعه طيلة شبابه، وها هي الآن تنهمر دون إرادة، كأنه فقد السيطرة على نفسه. لقد انهار الجبل، وخارت قواه! خرج الجميع من الغرفة، ولم يتبقَّ سوى "زينب" بجانبه، بينما ""تقى"" لا تزال تبكي بحرقة، وقد غيّر الحزن ملامح وجهها. كانت تراه يتألم، يتعذّب في كل ثانية، وعجزت عن فعل أي شيء. لم تجد في قلبها قوة، ولا في عقلها صبر. لقد انهارت بالكامل، وكاد عقلها أن يُصاب بالجنون. تنهدت تنهيدة باكية، ثم قالت: –هنعمِل إيه يا ماما؟ مش قادرة أشوف "يونس" كده... قلبي بيموت ألف مرة وأنا شيفاه كده... أنا مستعدة أعمل أي حاجة، المهم هو يفضل بخير. ربّتت "زينب" على يدها، وهي تشعر بنفس الألم، هناك ثقل في صدرها، وحزن عميق يغزو قلبها. –ادعيله يا بنتي، يلاقي الست اللي عملت فيه كده... وتقدر تقوله سر فك اللعنة دي. أنهت "زينب" كلماتها، ثم أمسكت يد "يونس" وهي تبكي وتدعو في سرّها. فجأة، سمعته يقول بصوت هامس: –متخافيش يا ماما أنا كويس، بلاش تعيطوا. جففت "زينب" دموعها بسرعة، ثم مسحت بيدها على شعره وقالت: -حبيبي، إنت كويس؟ حاسس بحاجة بتوجعك؟ قول يا حبيبي ماتخبيش علينا؟ ردّ بصوت ضعيف، أقرب للهمس: –حاجة واحدة إللي بتوجعني دموعكم يا ماما. ""تقى""، بلاش تعيطي علشان خاطري. جفّت ""تقى"" دموعها وهي تبتسم ابتسامة باهتة، يترافق معها اضطرابٌ في صدرها، وتلك العَبرة لا تزال محصورة في عينيها. قلبها كالعاصفة لم يهدأ، كأن لهيبًا يتأجج في أعماقها. أمسكت بيده برفق، وقبّلتها بنعومة وهي تنظر في عينيه، ثم قالت بصوتٍ مرتعش: –المهم تبقى كويس يا (ننّوسي)، وأنا مش هعيّط تاني، وعد. ابتسم ابتسامة باهتة، لكنها حملت دفئًا صادقًا، كما لو أن كلماتها تُنعشه وتخفف من ألمه. حرّك شفتيه بتعب، وقال: –طالعة منك زي العسل( ننُّوسي) دي ... طيب يا قلب (ننُّوسك)، امسحي دموعك. أطلقت "زينب" حمحمة خفيفة وهي تبتسم، تخفي داخلها فرحًا بالعلاقة الجميلة بين ابنها وزوجته. في قلبها رجاءٌ صادق بأن يُشفى ابنها، ويحيا مع زوجته حياةً هانئة. انتبه "يونس" و""تقى"" إلى وجودها، فخجلت وقد أطرقت رأسها حياءً. أما "زينب"، فتقدّمت نحوه بخطى هادئة وقالت برقة، وهي تتحرك في اتجاه الباب: –ارتاح يا حبيبي شوية لو احتجت حاجة؛ ناديني علطول. قالت كلماتها بابتسامة دافئة، ثم خرجت من الغرفة وهي تتنهد، تحمل في داخلها قلقًا من القادم، لكن قلبها مملوءٌ بأملٍ كبير في الله. خرجت" زينب" وأغلقت الباب خلفها، بينما سكن "يونس"، وقد بدا الحزن واضحًا على ملامح وجهه.شعر برعشة في يده التي كانت بين يدي "تقى"، التي نظرت إليه بقلق حين رأت الحزن في عينيه، وكأن ذلك الحزن سحابة مظلمة غطت محياه. شعرت برعشة يده، واهتزَّ كفها نتيجة لذلك، فضغطت على كفه بحنان محاولة أن تهدئه.بصوت حزين مصحوب بقلق، تحدثت ""تقى"" قائلة: -"يونس"، بلاش تفكر كتير يا قلبي، وتهلك نفسك. ارتاح دلوقتي، مش وقت التفكير. أنت محتاج راحة. أغمض "يونس" عينيه، مُحاولًا الهروب من نظراتها التي كانت كأمواج لا يستطيع مقاومتها. اغمض جفونه ببعضها بقوة، وشعر بغصة في حلقه، وكأنها قطع زجاج تمزق أحبال صوته. كان ما يريد البوح به عالقًا في حلقه، لا يستطيع إخراجه. لكنه شعر أنَّه لا مفر، ولا بدَّ من البوح. تنهد بعمق، وابتلع ريقه، وكأنه يزيد الغصة في حلقه، ثم قال بحزن عميق: -"تقى"، أنا هكون سبب حزنك.... طول عمري مش هقدر أكون زوج ليكِ، و هحرّمك من إنك تبقي أم. بقيت حاسس إني لعنة، بسبب الحزن اللي أنا جايبه ليكم كلكم... توقفت كلماته حين شعَرَ بأنامل "تقى" على شفتيه، وكأنها تمنعه من أن يواصل. كان هناك غضب في عينيها، فقالت بنبرة حازمة: -يونس، آخر مرة أسمعك تقول كده. أنت عمرُك ما كنت حزن ليَّ. أنت سندي، وعوض ربنا ليا. أنا جنبك في الحلوة والمرة. وإذا كنت فاكر نفسك لعنة، فأنا اللي اخترت أكون معاك. يا إما نعيش سوا، أو نموت سوا، يا "يونس"؟!. لم يستطع "يونس" أن يبوح بأي شيء آخر، فكل كلمة كانت كالسيف يمزق قلبه. كان يموت رعبًا من فكرة أن تبتعد عنه، ويخشى أن تكون حياته سبب تعاستها طوال عمرها. كان يخاف أن يظل هكذا، يعيش في قلقٍ مستمر، ولا يطاوعه قلبه أن يفرط فيها، خوفًا من أن يجلب لها الحزن. يشعر أنه لا يستطيع التنفس دونها، فهي التي أضاءت حياته بعد وحدة عاشها طيلة طفولته. هي التي جاءت وآنست وحدته، وضمدت جروحه. كانت، ولا تزال، مثل مسكن للألم، تريح قلبه وتشفي جروحه لم يعد يريد شيئًا في هذه الحياة سوى سعادتها، وابتسامتها التي تنير حياته. بين كل النقاط السوداء، هي النقطة البيضاء، التي تمنح حياته الأمل من جديد.طال صمته وهو يفكر، مما زاد من قلق "تقى"، فشعرت بجفاف في حلقها، وبدأت الدموع تلمع في عينيها. كان نبض قلبها مسموعًا من شدة توترها وقلقها الذي بلغ ذروته. بصوت مهزوز، قالت: -"يونس"، بالله عليك، بلاش تخوفني عليك. ده وجع... هيمر، كل الصعاب هتمر، وجاي أيام حلوة إن شاء الله. خلي عندك أمل في ربنا. صوتها الحزين جعل قلبه يتألم، فحاول النهوض ببطء حتى جلس، ثم جذبها إلى حضنه بحنان، يمسح على ظهرها حتى شعر بسكونها بين يديه، وصوت أنفاسها يعلو بسبب بكائها. تنهد بعمق، وقال: -خلاص بلاش تعيطي، حبيبتي دموعك غالية عليّ. هكون كويس علشانك. هعمل كل حاجة علشان الكرب ده ينتهي، و أشوف ابتسامتك تاني. مسحت دموعها بأطراف أصابعها، ثم ابتعدت عنه قليلاً وقالت بتساؤل: -"يونس"، فين المكان اللي بنلاقي فيه راحتنا سوا؟ ابتسم ابتسامة هادئة، وقال: -ركن الصلاة والقرآن...... ده المكان اللي جهزته مخصوص علشانك. تبادلا الابتسامة، وعينيها تلمع بالدموع، وكأن ابتسامته كانت مرهمًا لحزنها. ثم قالت: -يلا نتوضئ ونصلي مع بعض علشان نلاقي راحتنا، وندعي ربنا يحقق لنا كل اللي نفسنا فيه. دخل ليتوضأ، بينما "تقى"وقفت تراقبه، استعدادًا لتوضؤها هي الأخرى. قلبها مشغول بالدعاء، تتمنى أن تجد راحة لنفسها ولزوجها، وأن تشكو همومها إلى الله. لم يعد يشغلها شيء سوى أن ترى زوجها بخير. بعد قليل، انتهيا من الوضوء، وقف يونس أمامها وهي خلفه، ثم بدأ كل منهما الصلاة بخشوع. قلبها كان مطمئنًا وعقلها ساكنًا، وعندما سجدت، لم تستطع منع دموعها من السقوط، فقد شعرت بضعفٍ شديد في قلبها، وكأن كل أعباء الحياة تساقطت في تلك اللحظة. كانت تتضرع إلى الله أن يشفي زوجها، وأن يفتح له أبواب الفرج، ويبارك لهما في مستقبلهما معًا. أما يونس، فكان يدعو بقلب مرتجف، ودموعه تتجمع في عينيه. كان يرفع يديه إلى السماء، يتضرع إلى خالقه أن يخفف عنه الألم، وأن يشفِيه ليعيش حياةً خالية من المعاناة. انتهوا من الصلاة، وما زالت دموع"تقى" تذرف، وهي تضع يدها على صدرها، تأخذ نفسًا عميقًا، وعبرتها ترتفع شيئًا فشيئًا. عندما رفعت رأسها، وجدت" يونس " ينظر إليها. جففت دموعها بسرعة حتى لا يشعر بالحزن. ثم قامت، حملت السجادة وضعتها في مكانها، وجلست بجوار "يونس" وقالت: -يونس، قوم علشان تنام شوية، الوقت اتأخر، وبكرة هتسافر. استدار إليها بابتسامة، ثم مسك رأسها بين يديه، ولثم جبينها بقبلة، ثم ابتعد وقال: -يلا، أنت كمان علشان ترتاحي. تعبتك معايا أوي الليلة. مسكت يده، وقاموا معًا متجهين إلى سرير النوم، وكل واحد منهم كان داخله أمل وأمنية أن يمر الغد بسلام، وأن يحصلوا على ما يتمنون. *********** في الصباح، أشرقت الشمس بنور ساطع، تبعث الأمل في القلوب ودفء في النفوس. كانت "زينب" تقف في المطبخ برفقة أم "تقى"، يعدّان طعام الإفطار، وهما يتحدثان معًا، حتى دخلت "تقى" وألقت عليهما التحية، ثم تقدمت منهما وقبّلت وجنتيهما، وقالت: -صباح الفل على أحلى أمهات في الدنيا كلها! ليه ماصحتنيش عشان أعمل الفطار؟ ليه تعبتوا نفسكم؟ ضحكت "زينب" بخفة، وهي تضع إبريق الشاي على الغاز، ثم قالت مازحة: -أمك بتقول إنك كسلانه في الطبخ، قلت أسيبكِ تنامي شوية. أكملت "زينب" كلماتها وضحكت هي ووالدة "تقى"، بينما كانت تقى تنظر إلى والدتها بذهول، وعيونها تكاد تخرج من مكانهما، ثم قالت بصدمه: -أخس عليكِ يا ماما! أنا كده؟ مش تقولي على بنتك شاطرة وتخليني أتعلم! ضحكوا جميعًا بصوت واحد، مليء بالبهجة، بينما تقدمت "تقى" إلى الخارج. وقبل أن تغادر، توقفت عند كلمات "زينب " التي قالت: -تقى هتسافري مع "يونس" للبلد ؟ عادت "تقى" إلى المكان الذي كانت تقف به "زينب"، ثم تحدثت بجدية قائلة: -أكيد يا ماما، إذا وافق طبعًا، علشان مش هكون مطمنة غير لو كنت معاه. تحدثت" زينب" بصوت دافئ: -إن شاء الله يا بنتي. يلا روحي صحيه علشان الفطور جاهز والكل صحي. أجابتها "تقى" بسرعة و تغادر: -ماشي يا ماما، هروح أصحيه علشان ما نتأخرش. انتهت من حديثها وخرجت مسرعة إلى غرفتهما. دخلت بهدوء، وحينما كانت على وشك الدخول، وجدته يقف أمام المرآة يعدل هندامه. وقفت في مكانها، تراقب كل حركة له بإعجاب. عيونها كانت تتابع كل تفصيلة، وكأنها تشيع حبًا في كل ما يفعله. مسك المشط بعناية وصفف شعره، ثم أخذ عطره ورش منه القليل. كان هذا العطر يأخذها إلى عالم آخر. وحين انتهى، توجه ليخرج، ليجدها متكئة على الباب، بابتسامة تزين شفتيها وعينها تلمع بالبريق. وقفا في تلك اللحظة، يتأمل كل منهما الآخر وكأنهم في مشهد من عالم آخر، وكأنها لوحة فنية أبدعها الخالق. شعر "يونس" في تلك اللحظة أن جمالها أصبح ملك قلبه وعقله، وأنه كل يوم يقع في حبها أكثر. تقدمت "تقى" نحو يونس، وما زالت الابتسامة تزين وجهها، ثم وضعت يدها على صدره وهتفت بنبرة مشاكسة: -إيه الجمال ده يا نانوسي؟ كده مش هسمح لك تخرج يا أستاذ! ضحك "يونس" بخفة، كلماتها كانت موسيقى تدغدغ مشاعره. جذبها إلى حضنه بقوة، كأنها جزء منه، وكأن هذا هو المكان الطبيعي لها. وضعت رأسها على كتفه، ثم رفعت رأسها لتلتقي عيونهم. قال لها في هدوء: -الجمال جمال عيونك إللي سحرتني. وليه مش مسموح أخرج يا توته؟ زمت "تقى" شفتيها وضيقت عينيها بشكل طفولي، ثم قالت بعناد: -علشان الكل هيبصلك، وأنت عارف لو بصتلك أي ست مش مسؤولة عن إللي هعمله فيها يا نانوسي. ابتسم "يونس" بحب وقال: -قلبي وعقلي وكل حاجة في حياتي ملك توته، ومستحيل أفكر في حد غير توته. ختم كلماته بقبلة كلها حنية على رأسها، ثم أبعدها عنه قليلًا وقال : -"تقى"، أنا هسافر، خلي بالك من نفسك، وبلاش عياط أو زعل، ماشي يا عيوني؟ نظرت إليه في صمت للحظات، ثم قالت بصوت هادئ، وقد شعرت بالحزن يتسلل إليها: -بس أنا هروح معاك يا "يونس" علشان مش هقدر أبقى مطمئنة عليك لو مكنتش معاك. أمسك بوجنتيها بين راحتيه وهو ينظر في عينيها بعمق، ثم قال بجدية: -بصي يا توته، ده موضوع صعب. إحنا مش عارفين هنتعرض لإيه هناك، وكده ده ممكن يكون خطر عليك. خلينا نعرف الأول إذا كانت لسه عايشة، وبعدها نبقى نفكر. عبست ملامحها وأخفضت رأسها، تنظر للأرض وكأنها تتصارع مع مشاعرها، ثم قالت بقلق: -بس مش هقدر أكون مطمئنة عليك. عايزة أكون جنبك يا "يونس" بص هعد في العربية مش هنزل منها. ابتسم لها ابتسامة دافئة وقال: -أنتِ في قلبي يا توته، معايا في كل مكان. كل اللي محتاجه دلوقتي هو دعواتك. رفعت رأسها مجددًا، وابتسمت ابتسامة هادئة مصحوبة بتنهيدة، ثم قالت: - -هدعيلك يا قلبي، ترجع لي بالسلامة وتحقق كل إللي في قلبك. يلا، علشان تفطر قبل ما تسافر. أمسك يدها، ثم تقدما إلى الخارج. كان الجميع مجتمعين حول المائدة. ألقى عليهم تحية الصباح، ثم جلس بجانب "تقى". بدأو الفطور في هدوء تام حتى انتهوا، ثم نهض "حسام" و"مؤمن" للذهاب إلى المطعم، بينما تجهز "أحمد" و"يونس" للسفر. تقدم "حسام" صوب شقيقه، ثم ربت على كتفه وقال: -هترجع بالبشرى، هترجع بالخبر الحلو باذن الله ، وتلاقي اللي كنت رايح علشانه.... ربنا كبير يا حبيب أخوك لم يكن رد "يونس" سوى ابتسامة، بينما كانت عيناه تراقبان تلك التي تقف بجانبه حزينة، حتى وإن حاولت إخفاء مشاعرها، كان يراها بوضوح في عينيها. مهما حاولت التماسك، كان الحزن يثقل قلبها، ويشعر جسدها بالإرهاق. كان ذهابه كأنه فصل جزءاً منها عن نفسها، لتبقى نصف جسد. مسك يدهَا برفق وضغط عليها بحنان، ثم قال: -"تقى"، بلاش الحزن ده اللي في عيونك، وإلا مش هروح. جاهدت كثيرًا لكي تخفي حزنها، ورسمت بسمة على شفتيها، وهي تهرب من النظر في عينيه، ثم قالت: -مش زعلانة يا "يونس"، إنت بس مكبر الموضوع. يلا، علشان تروح. رغم أنها حاولت إخفاء مشاعرها، إلا أنه كان يعرفها جيدًا. لكنه كان مصممًا على الذهاب لمَ هو عازم عليه، ليعيشوا بسلام بقية حياتهم. تقدم إلى والدته وعانقها، ثم ودع البقية، وخرج مع الجميع إلى السيارة. استقل أحمد مقعده بينما "يونس"، عاد إليها و وضع قبلة على جبينها، ثم همس في أذنها قائلاً: -هرجع ليك يا توتيه، بلاش حزن يا قلبي. أنهى كلماته، ثم ركب جانب والده، وانطلقوا في طريقهم، وكلهم أمل ينبض داخلهم. بينما ذهب "حسام" و"مؤمن" إلى العمل، دخل البقية إلى المنزل. في سيارة "أحمد"، استمر الصمت بينهم سوى صوت أنفاس "يونس" المضطربة، وقلبه الحزين على محبوبته. كان يشعر بالخوف الذي يتراكم داخله من عدم إيجاد علاج لهذه اللعنة، وأنه ربما يعود إليها وقد جرّ خلفه خيباته، ويحرّمها من سعادتها. أخرجه من شروده صوت "أحمد" قائلاً: -اطمئن يا "يونس"، إن شاء الله خير، وبلاش تفكر كتير. تنهد "يونس" بعمق، ثم نظر إلى الطريق يراقب الأشجار الكثيفة التي كانت على جانب الطريق، وكان الطريق المؤدي إلى القرية فارغًا، لا يوجد به سوى الأشجار الكثيفة. بعد مدة من الوقت، وصلوا إلى القرية، وتوقفوا. نظروا إلى المارة، ثم نظر "أحمد" إلى ابنه وقال: -هنزل أسأل حد عن بيت السحارة "نيرة"، يمكن حد يدلنا على مكانها، لأننا مش عارفين هي فين؟. فور أن أنهى كلماته، نزل من السيارة وتوجه صوب مجموعة من الشباب. ألقى عليهم التحية، ثم تحدث متسائلًا: -حد يعرف فين بيت السحارة نيرة أو معاه عنوانها؟ فور أن أنهى كلماته، فر الجميع هاربين، كأنما طرح عليهم قنبلة، وليس مجرد سؤال. وكل من سمع السؤال، هرع بعيدًا. من انا الفصل 29 وقف "أحمد" مذهولًا، وقد ارتسمت على وجهه علامات الدهشة والاستغراب مما حدث. واستمر شعوره بالحيرة كلما سأل أحدًا عن الأمر، فيفرّ هاربًا دون أن يجيبه. شعر بخيبة أمل، وبدأ الحزن يغزو ملامحه. لم يستطع العودة إلى السيارة، بل بقي واقفًا في مكانه، حائرًا في كيفية العثور على منزل تلك الساحرة قبل أن يحلّ الظلام. وبينما كان غارقًا في شروده، سمع خطوات تقترب من خلفه. التفت، فإذا بـ"يونس" يقف خلفه ينظر إليه بتساؤل. وما إن اقترب منه حتى قال: -بابا، في إيه؟ أنا شايف الناس بتجري منك، في إيه؟ تنهد "أحمد"، وأخذ ينظر حوله وكأنه يبحث عن شخص يساعدهم، ثم قال: - ماعرفش يا ابني، بس كلّ ما أقول اسمها لحد، يهرب! شكلهم بيخافوا منها! شعر "يونس" بالإحباط، وتسللت ملامح الحزن إلى وجهه. أخذ يدير بصره في كل اتجاه، باحثًا عن أمل جديد، علّه يجد مَن يدلّهم على الطريق. وبينما هما واقفان، خرجت سيدة عجوز من أحد المنازل القريبة، تستند على عصاها الخشبية وتمشي ببطء؛ يدلّ على كبر سنها. اقتربت منهما، ورفعت بصرها إليهما وقد بدا على وجهها التعجب من مظهرهما الغريب عن أهل القرية، ثم قالت: -بتدوروا على حد؟ شكلكم مش من هنا باين عليكم تايهين. ابتلع "يونس" ريقه، وكأنّه يبتلع قلقه، خائفًا من أن يسألها فتفرّ هاربة مثل الآخرين. لكنّ والده كان أسرع منه، فسألها قائلًا: -أيوه، إحنا فعلاً مش من هنا بندور على بيت (السحارة نيرة)... تبدلت ملامح العجوز سريعًا، وظهر الغضب ممزوجًا بالنفور في عينيها، مما زاد من توتر "يونس" ووالده، إذ كانت أملهما الأخير للوصول إلى تلك الساحرة.. لم يدم صمتها طويلًا، إذ صاحت بغضب: -يا أخي حرام عليكم؟ جايين تأذوا مين؟ ما بتخافوش ربنا؟ بدت علامات الدهشة والحيرة على ملامحهما، إذ لم يدركا بادئ الأمر عن أي أذى تتحدث. غير أن "أحمد" خمّن سريعًا أنها تظن أنهما جاءا لأعمال السحر، فبادر بتوضيح مقصدهما: -بصي، إحنا مش جايين نأذي حد، إحنا جايين نعرف إزاي نفك السحر اللي هي عملته على ابني. نظرت إليهما في شك واستغراب، ثم تساءلت: -إزاي تفك سحر هي إللي عملته علشان تأذيه؟ هي لو أذت حد، معقول هترجع تساعده؟! تنهد "أحمد"، ثم قال بصوت هادئ وقد أدرك أنه لا مفر من قول الحقيقة: -أنا هقولك كل حاجة، وبتمنى تساعديني، علشان مش عايز أسأل حد تاني ويهرب مني. ارتسمت على وجهها ابتسامة باهتة ساخرة، تخفي خلفها قصصًا لا تُروى إلا لمن عاشها. ثم قالت بصوت خافت: -الناس بتخاف منها، ومفيش حد بيقدر حتى يجيب سيرتها أو يقرب من بيتها... تعالى، نتمشى واحكيلي جاي ليه عندها. تحركت العجوز ببطء، وقد أثقلها الزمن، تستند على عصاها التي كانت سندها الوحيد، بينما "أحمد ويونس" يسيران بجانبها على مهل. بدأ "أحمد" يسرد عليها حكاية "يونس" وما حل به، متجنبًا ذكر اسم والدته وبعض التفاصيل. أنصتت إليه العجوز بانتباه، حتى وصلوا إلى مكان تكسوه الأشجار الكثيفة، يخبئ في أعماقه منزلًا خشبيًّا مرتفعًا، تكاد الأشجار تحتضنه من كثافتها. توقفت العجوز أمامه، ونظرت إليه بعينين جامدتين، ثم قالت: –ده بيت "نيرة"... بس دخوله صعب، والخروج منه أصعب. أثارت كلماتها قلقًا شديدًا في نفسيهما، وبثّت الخوف من المجهول. أدركا أن الرحلة لن تكون سهلة، وأن عليهما الاستعداد لكل الاحتمالات. أفاق كلاهما من شروده، واستدار "أحمد" ليشكر العجوز ويسألها، لكن الكلمات اختنقت في حلقه حينما لم يجد لها أثرًا. لقد اختفت تمامًا، واختفى معها كل أثر يدل على وجودها، وكأن الأشجار الكثيفة قد ابتلعتها. تنهد بقلق، ثم استدار نحو ابنه وقال: -"يونس"، ده مش وقت تفكير ولا خوف. يلا بينا ندخل. أنهى "أحمد" حديثه، وتقدّم هو و"يونس" داخل الغابة الكثيفة، يغوصان في عمقها دون أن يعلما ما الذي تخبئه خلف ظلالها، لكنهما كانا على يقين أن ما ينتظرهما هناك ليس إلا جحيمًا. فقد دخلا إلى وكر الشيطان، حيث تُعذَّب الأرواح وتُمارس الطقوس الشيطانية. دخولهم مغامرة خطرة، وخروجهم منها احتمال ضعيف... ولكن لم يكن أمامهم خيار آخر. تقدّما أكثر، تتعثر خطواتهما وسط الأشجار الكثيفة التي تعيق حركتهما. وبعد مشقة، وصلا أخيرًا إلى حديقة المنزل. كانت الحديقة تحوي شجيرات تحمل ثمارًا سوداء، تتوسطها طاولة خشبية صغيرة تحيط بها كراسٍ مهترئة، وعلى الطاولة تمثال أسود مخيف تحيط به شموع دائرية، تفوح منها رائحة كريهة تكاد تقلب المعدة. وعلى أحد المقاعد جلس قط أسود، عيناه مثبتتان عليهما بحدة. وما إن اقتربا من الطاولة، حتى قفز القط فجأة واختفى بين الظلال. فزع (أحمد ويونس) مما حدث، وتيقّنا أن المكان أخطر بكثير مما تخيلا. وقبل أن يكملا خطواتهما، شعرا بشيء يُصوَّب إلى رأسيهما من الخلف، مسدسان. وجاء صوت غليظ من خلفهما يقول: -إزاي عندكم الجرأة تدخلوا بيت ساحرة؟ مش خايفين على نفسكم ولا إيه؟! في منزل أحمد الهلالي، جلست "منة" وحيدة، شاردة الذهن، تضع يدها على خدها، متكئة بمرفقها على فخذها. كانت تفكّر فيما ستفعله. هي تعلم أن وجودها مع ابنتها لن يدوم، وتعلم جيدًا أن "أحمد" يحبهم ولن يطلب منهم الرحيل، لكن له عائلة كبيرة، وحالته المادية صعبة، وظروفه لا تقل قسوة عن حالها. وهي أيضًا تشتاق إلى الاستقرار في منزلها، تهتم بدراسة ابنتها، تحقق لها أحلامها، وتكون لها الأم والأب معًا. زفرت بحزن، متمنية في أعماقها لو أن زوجها مازال حيًا، يخفف عنها تعب الأيام. قطع لحظة صمتها جلوس "زينب" بجوارها، ثم تساءلت بلهجة قلقة: –مالك يا "منة"؟ شارده من الصبح وحالتك مش عجباني... إنتِ كويسة؟ أزاحت "منة" يدها عن خدها، واعتدلت في جلستها، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت: -مفيش حاجة يا "زينب"... بس كنت بفكر أرجع بيتي وأستقر هناك، أحسن. ضيّقت "زينب" عينيها بدهشة، وقالت: -"منة"، هو في حد زعلك؟ أو حد قالك حاجة؟ البيت بيتك، ليه تروحي وتفضلي هناك لوحدِك؟ ربّتت "منة" على يدها بشكر وامتنان، ثم قالت: -مفيش حد قال حاجة، أنا ممتنة ليكم وبشكركم من قلبي، بس محتاجة أقعد في بيتي، البيت إللي اتقفل من يوم وفاة جوزي. أدركت "زينب" أن إقناعها لن يجدي نفعًا، فاختارت أن تترك لها القرار براحتها: -المهم راحتك يا حبيبتي،وبيتنا مفتوح لك دايمًا. وفي أثناء حديثهما، نزلت "تُقى" مع الفتيات، وكان القلق واضحًا على وجهها. كانت تمسك بهاتفها، تنظر إليه كل حين، وتزفر بضيق. جلست بجوار والدتها، وهتفت بقلق: -ليهم كام ساعة ماشيين يا ماما، ومفيش حد رن ولا بعت رسالة ندمت إني سبتّه يروح من غيري. -اهدي يا بنتي أكيد مشغولين في حاجة، وأول ما يلاقي وقت هيتّصل بيكي. زفرت "تُقى" بضيق، وداخلها شعور بانقباض يملأ صدرها، وثقل يجتاح قلبها. لم تعد تحتمل الانتظار، وكأن الوقت جمر يحرقها. كانت تشعر أن هناك أمرًا ما، شيء لا يبدو طبيعيًا.انتفضت من مكانها، وبدأت تتحرك بتوتر، تدور حول نفسها، والقلق ينهشها كوحشٍ خفيّ من الداخل. استدار كلٌّ من (أحمد ويونس) ببطء، حين شعرا ببرودة فُوَّهة سلاحٍ خلف رأسيهما! التفتا ليجدا خلفهما ثلاثة رجالٍ ضخام البنية، طوال القامة، يرتدون ثيابًا سوداء بالكامل، وعلى وجوههم أقنعة سوداء مخيفة تفوح منها رائحة تشبه الدخان! لم يظهر منهم شيء سوى أعينهم اللامعة، وهيئة كلٍّ منهم تبعث في النفس رهبة لا توصف. نظر إليهم "أحمد" بترقّب وحذر، ثم قال: -إحنا عايزين نقابل الساحرة "نيرة" هي فين؟ لم ينطق أيٌّ من الرجال الثلاثة بكلمة. تحرّك أحدهم إلى الداخل، غاب لبضع ثوانٍ، ثم عاد مسرعًا وقال بصوتٍ أجش: -هي جوه يلا بسرعة قبل ما الشمس تغرب. تحرك الرجال الثلاثة بخطوات ثابتة، وتبعهما (أحمد ويونس)، حتى وصلوا إلى بوابة ضخمة سوداء، محفورٌ عليها رموز غريبة كأنها مكتوبة بالدم، وعلى جانبيها جمجمتان معلّقتان بطريقةٍ مُروّعة، يقف أمامها قط أسود بعيون تلمع كالجمر. وما إن وقفوا أمام الباب، حتى انفتح بقوة، وانبعثت منه رائحة كريهة ممزوجة بدخان خانق! تقدموا إلى الداخل، يمشون في ممرٍّ طويل تضيئه شموع على الجدران، وكان الظلام يزداد كلما تعمّقوا، يصاحبه صوت همهمات غريبة تُشبه التعاويذ القديمة. وصلوا إلى غرفة صغيرة، فانحنى أحد الرجال وسحب زربية قديمة، كاشفًا عن بابٍ خشبيّ في الأرض. فتحه بسرعة، وظهر من تحته سلّم خشبيّ ينزل إلى الأسفل. بدأ الرجال النزول واحدًا تلو الآخر، وتبعهم (أحمد ويونس)، وقلب أحمد ينبض بعنف.! كان يشعر وكأنه يقترب من هوةٍ سحيقة، وكان يدعو في داخله أن تمرّ تلك اللحظة دون أذى. هبطوا إلى غرفة واسعة، يغمرها الظلام، لا يُضيئها سوى بعض الشموع المتناثرة هنا وهناك، وعلى أطرافها هياكل عظمية بشرية، وفي المنتصف، كانت تجلس امرأة، مُنحنية الرأس، تلبس السواد كأنها سحابة مظلمة تهبط على المكان. أمامها إناء من المعدن، تتصاعد منه أدخنة كثيفة وشرر جمرٍ متّقد. وقف الجميع في صمتٍ رهيب، والجو مشحون برائحةٍ كريهة تُقزز الأنوف. أشعلت المرأة عددًا من الشموع أمامها، ثم رفعت رأسها ببطء. كانت عجوزًا، ملامحها غائرة، عيناها غائرتان وسط تجاعيد كثيفة، وبشرتها باهتة كأنها من عالم الأموات!. أنفها معقوف وفمها بلا شفتين تقريبًا، وأسنانها صفراء متآكلة... كأنها مخلوق خرج لتوّه من كابوسٍ دفين حركت فمها في حركة بطيئة و قالت: -انتوا مين و ليه جايين و مين ضحيتكم. تقدّم "أحمد" نحوها بخطوتين، ثم قال بنبرة نفي حازمة: –إحنا مش جايين علشان نأذي حد، إحنا جايين علشان تفكي اللعنة اللي عملتيها لابني من سنين طويلة. رفعت رأسها تنظر إليه، تحاول استدعاء أي ذكرى من الماضي، لكن دون جدوى. تناولت شمعة كبيرة بيدها ورفعتها أمامها ثم قالت: –قرّب انتث اللي اتعملك السحر، علشان أفتكر، واقعد قدّامي. تقدّم "يونس" نحوها بحذر، ثم جثا على ركبتيه أمامها، وسط التراب، مختنقًا من الرائحة الكريهة التي ملأت المكان. رفعت الشمعة أمام وجهه، ويدها ترتجف، تحدّق فيه بدقة، تحاول أن تتذكّره. ثم نظرت إلى ذراعه وقالت: –شيل هدومك من فوق، وريني دراعك، عايزه أشوف الجلد علشان أتأكد. رفع يونس كمّ قميصه ليكشف عن ذراعه. وما إن وقعت عيناها عليه، حتى صرخت بغضب، صوتها مخيف تردّد صداه في المكان، ثم صاحت: –إنت ابن فاطمة وماجد! إنت اللي اتعملتلك اللعنة وانت لسه في اللفة صغير! وقبل أن ينطق "يونس" بكلمة، تدخّل "أحمد" برجاء: –هو ملوش ذنب في اللي عملته أمه بالله عليكِ، فكي اللعنة دي عنه. أمسكت الساحرة شيئًا أسود اللون، وألقته في الجمر المشتعل. اشتعلت النار بقوة، وتصاعدت ألسنتها عاليًا، حتى أضاء المكان بالكامل، وانكشف الوسط بوضوح. ثم رفعت يدها، وقد برزت عروقها وتحولت يدها إلى ما يشبه هيكلًا عظميًا، وقالت: –فين "فاطمة" دلوقتي؟ تيجي تشوف عملت إيه في ابنها! تنهد "أحمد"، كأنما يُخرج ضيقه وقلقه مع كل زفير، وأدرك أن الأمور لن تكون سهلة، وأن عليه التحلي بالهدوء للحصول على ما يريد. جلس إلى جوار "يونس"، وبدأ يقص عليها كيف تخلّت "فاطمة" عن ابنها. لكنه لم يذكر عودتها، ولم يفصح عن كل التفاصيل. وحين انتهى، قال متوسلًا: – "يونس" ضحية ومالوش ذنب، وانتي كمان ضحية "فاطمة"، ساعديه بالله عليك. سادت لحظة من الصمت المشحون بالخوف والقلق، قبل أن ترد الساحرة بنبرة حاسمة: –مفيش حاجة من غير مقابل. علشان تفك اللعنة، عايزه فلوسي الأول، المبلغ اللي هطلبه، وبعدها، لازم دم من مراتك. لو مش متجوز، تتجوز، وتيجي ومعاك خصلة من شعرها، وحته من فستانها، وبدلة الفرح بتاعتك. تجيبهم معاك، هنحتاجهم. وقف "يونس" منفعلاً، خوفًا على زوجته، وقال: –مينفعش مراتي تدخل في الموضوع! اطلبي أي حاجة تانيه غير مراتي. وقف "أحمد" هو الآخر، وأمسك بذراعه ليهدّئه، ثم توجّه بالكلام إلى الساحرة: –ممكن توضحي إزاي نجيب الدم من غير ما تتأذي؟ – مش هتتأذي بس هي سر فك اللعنة. لو مش موجودة، هيفضل كده طول حياته. قالت كلماتها وتركت "يونس" في حيرة قاتلة بين حياة طبيعية وفك اللعنة، وبين أن يعرّض زوجته للخطر. هزّ رأسه وكأنه يريد طرد تلك الأفكار، ثم قال بحزم: – مستحيل أكون سبب أذى لمراتي يلا يا بابا، نروح. استدار الاثنان لينصرفا، لكن كلماتها أوقفتهما: – مش هتخرجوا كده يا شباب اعملوا اللي بنعمله. وما إن أنهت عبارتها، وقبل أن يستوعب (يونس وأحمد) ما يحدث، حتى ألقى عليهما أحد رجالها سائلًا غريبًا على وجهيهما وسقطا أرضًا، فاقدين الوعي. البارت 30 من أنا مع غروب الشمس، وتسلّل نسيم الهواء بين الأشجار، وامتزاج أصوات الهمسات غير المفهومة، فتح "يونس" عينيه ببطء، محاولًا استيعاب ما حوله. فتحهما وأغلقهما مرارًا، حتى بدأ يدرك أنه مُلقى على الأرض، وكان مجموعة من الأطفال يلتفون حوله. انتفض فجأة، مستعيدًا ذكرياته عن آخر لحظة قبل أن يُغمى عليه، حين شعر بشيء يُلقى على وجهه! نظر حوله بلهفة، وعيناه مليئتان بالذعر، فعثر على والده مُلقى بالقرب منه، يحاول فتح عينيه. نهض "يونس" بسرعة، وهرع إلى والده، وأمسك بيده ليُعينه على النهوض، ثم هتف بلهفة وهو يتساءل:" -بابا، أنت كويس؟ حصل إيه؟ وإزاي وصلنا هنا؟ ساعد والده على النهوض، بينما كان ينظر حوله بعينيه الواسعتين، يحاول استيعاب ما يحدث. ثم أجاب قائلاً: -أنا كويس، بس شكلهم مش عايزين حد يعرف المكان. بعد ما اغمى علينا ، رمونا هنا بره. يلا نروح. "تفرّق الأطفال الذين كانوا يحيطون بهم، ثم تحرّك "يونس" ووالده في صمتٍ شديد نحو المكان الذي تركا فيه سيارتهما. كان كلٌّ منهما غارقًا في أفكاره. "يونس" كان يفكّر في كيفية التخلّص من هذه اللعنة، وفي الوقت ذاته كان يخشى أن يتسبّب في ضرر لزوجته. بداخله صراعٌ داخليٌّ مرير، لا يعرف إن كان سينتصر فيه أم لا. مجرد فكرة أن يكون سببًا في حزنها كانت تقتله من الداخل. كان يفضّل أن يعيش هكذا طَوال حياته على أن يكون سببًا في ألمها. وحين وصلوا إلى السيارة، قطع شروده صوت والده: -بلاش تفكر كتير يا ابني. احكي لها وهي هتفكر معاك، وتلاقوا حل. جلس "يونس" في مقعده وهو يشعر بثقل كبير في قلبه، ثم رد بحسم: -مش هقول لها حاجه، علشان أنا عارف هي هتعمل أي حاجة علشاني. أجاب والده بحكمة: -بس يا ابني، هي هتديك شويه دم، وأكيد مش هيحصل لها حاجة. فكر كويس. تنهد "يونس" بقلق شديد، و قلبه ينبض بسرعة، بينما كان الألم والصداع يسيطران على رأسه. لا يعرف ما الذي عليه أن يفعله: هل يتبع نصيحة والده ويُخلص نفسه من هذه اللعنة ليعيش هو وعائلته بسعادة، أم يترك "تقى" بعيدة عن كل هذا، مهما كانت التكاليف، ويظل محاطًا بهذه اللعنة، في عالمه المظلم المملوء بالتعقيد؟ عقله مليئًا بالشكوك والتساؤلات التي تلاحقه كالعواصف، وكلما حاول أن يقرر، ازداد التوتر في قلبه. كانت تلك اللحظات بمثابة حافة الجنون التي كان على وشك السقوط فيها. جلست "تقى" بعد صلاة المغرب، والقلق ينهش قلبها، لم تكن قادرة على الجلوس كأن الأرض تضيق بها، وصدرها يزداد ثقلاً. لم يهدأ لها بال، ولم تعرف طمأنينة، حتى تراه أمامها بخير، حتى تسمع صوته. ولكن ما دام لا أثر له، ولا خبر، فلا راحة لها. القلق كان يمزقها، والخوف ينهشها من الداخل، فصارت تتحرك في المنزل بلا هدى، تمسح وجهها بكفها، وهي عادة قديمة عند الخوف. وفي خضم هلعها، أنقذها من حالتها طرقات على الباب. هرعت بلهفة تركض، تكاد تتعثر من شدة العجلة، لكنها لم تهتم، وكأن قلبها يسبقها، يخبرها أنه هو. فتحت الباب بسرعة، وما إن رأته واقفًا أمامها حتى انقضت عليه، تعلقت برقبته واحتضنته، واجهشت بالبكاء. كانت تمسك به بقوة كأنها تخشى أن يفرّ منها. أما "أحمد"، فتركهما ودخل إلى الداخل وحده، بينما "يونس" لفّ ذراعيه حولها، يحتضنها بحنو، كأنه يعالج خوفها بحضنه، وكأن الحياة عادتإليه من جديد. ابتعدت عنه قليلًا، أمسكت وجهه بين يديها، وبصوت تغلبه الدموع والخوف، قالت: –يونس، طمني عليك، إنت كويس؟ إنت بخير؟ ليه تخوفني عليك كده؟ أمسك يديها بين كفيه، وقبّلهما بحب، وعيناه لا تفارقان عينيها، كأن فيهما يجد موطنه وسكينته، ثم قال: – حقك عليا يا قلبي، بس والله ما قدرت أكلمك ولا أطمنك، أنا آسف. نظرت إليه مطولًا، تتفحص وجهه، تتحقق من أنه بخير، ثم أمسكت بيده وقالت: –الحمد لله إنك رجعتلي بخير. وبلاش تعمل فيا كده تاني. تعال، نقعد نتكلم... ومرة تانية، رجلي على رجلك... كنت فين؟ أمسك بيدها برفق، وكأنّ يده تستمد منها طمأنينة خافتة، وتقدّما سويًا إلى الداخل، حيث كانت العائلة مجتمعة في الصالة الواسعة. كانت الأنوار خافتة، وصوت المروحة يتداخل مع همسات القلق التي تسكن المكان. عيونهم اتجهت إليه بمجرد دخوله، وكأنهم ينتظرون منه إجابة لكل ما يدور في عقولهم. ألقى عليهم التحية بصوت منخفض، ثم جلس بينهم وقد ارتسم على وجهه الإرهاق، وانطفأت في عينيه شرارة لم تكن لتختفي لولا ثقل ما يحمله. تبادلوا النظرات، ثم انهالت عليه الأسئلة: ـ حصل إيه هناك؟ في أي خبر عن الست يا "يونس"؟ ـ طمّنا يا "أحمد" إنت . بدأ "أحمد" يسرد ما جرى، وكلماته تخرج بتأنٍ، كأنه يحاول انتقاءها بعناية كي لا يزرع فيهم رعبًا أكبر مما يكفيهم. وعندما اقترب من ذكر ما طلبته الساحرة، قاطعه "يونس" سريعًا، بصوت حمل توترًا واضحًا: -خلاص يا بابا، ده اللي حصل بس، والمرة الجاية هنعرف أكتر. رفع "أحمد" حاجبيه، وأدار وجهه نحوه بحدة، ثم قال بتصميم: -بلاش نخبي عليهم يا أحمد! مراتك لازم تفهم، وتعرف كل حاجة. تبدلت ملامح "يونس" في لحظة، وبدا كمن سُحب منه الهواء. أراد الاعتراض، لكن لسانه انعقد، ووسط هذا التوتر، كانت "تقى" تنظر إليه بقلق متزايد. شفتيها ترتعشان، وعيناها متسعتان في ترقّب. لم تفهم المقصود بكلمات أحمد، لكنها شعرت بأنها تحمل شيئًا خطيرًا. نظر إليها "يونس"، وكانت عينيه تطلبان المغفرة. تمنى لو يستطيع أن يمنع أحمد، أن يحجب عنها الحقيقة. لكنه لم يفلح، إذ قال أحمد بصوت حازم: -علاج يونس وفك اللعنة مرتبط بتقى! هي اللي تقدر تنقذه. تقلّصت المسافة بين الزمن والدهشة داخلها، وامتلأت عيناها ببريق مفاجئ. سعادة ولهفة امتزجتا في قلبها، كأن روحها استعادت نبضها من جديد. لم تتردد، أمسكت بيد "يونس" بقوة، وابتسامة مشرقة ارتسمت على وجهها، ثم قالت: -أنا مستعدة يا بابا، أعمل أي حاجة! قولّي إزاي أساعده؟ في تلك اللحظة، غاص قلب "يونس" بين صراعين. يعلم يقينًا أنها لن تتراجع، لكنه لن يسمح لنفسه بأن يضحي بها. زفر بعمق، وكأن صدره اختنق بثقل القرار، ثم أمسك يديها بين يديه وقال: -مش هتعملي حاجة يا تقى، ماشي؟ ولا هقبل إنك تتعرضي للخطر. شهقت بهدوء، ثم بلعت ريقها بصعوبة. كانت عيناها تتحركان ببطء على وجوه من حولها، كأنها تبحث عن تأييد، أو ربما عن مخرج. لكنها وجدت فقط نظرات القلق، والصمت المطبق. عقدت حاجبيها، وكأنها تستعد لمعركة، ثم قالت بعزم لا يلين: -هعمل يا "يونس" كل حاجة أقدر عليها! بابا، قولّي. طلبت منكم إيه؟ وأنا هعمله. مفهوم؟ -تقى، أنا قلت بلـ... توقفت الكلمات على شفتيه، حين رفع والده يده في هدوء، مشيرًا له بالتوقف. التفت إليها ثم قال بنبرة هادئة، ولكنها محمّلة بالثقل: -بنتي،أنا هقولك، بس بلاش تاخدي قرار وإنتي مستعجلة. الدجالة طلبت شوية دم منك، وخصلة من شعرك، وهدوم فرحكم. وأنك تيجي معانا. ساد صمت قصير. حتى أنفاسهم أصبحت محسوبة. الجميع ينظر "لتقى"، ينتظر ردة فعلها. " أحمد" كان يراقب ملامح وجهها، لعله يجد تردّدًا، أو حتى لمحة خوف. لكنه لم يرَ إلا نظرة حادة، فيها من الإصرار أكثر مما توقع! هي لن تتراجع. ساد الصمت لعدة ثوانٍ، والأنظار كلها تتجه نحو "تُقى". منهم من رأى في عينيها أملاً، ومنهم من ترجّاها بصمت أن تتراجع، وآخرون أظهروا القلق من قرارها المرتقب. لكن لم يدرك أيٌّ منهم أنها قد اتخذت قرارها منذ زمن، ولم تعد بحاجة إلى تفكير. كانت تنظر إليه فقط، تكلّمه بعينيها، تخبره بما يعجز لسانها عن قوله، حتى قطعت لحظة التوتر والترقب بصوت حاسم، قائلة: –عمي.... يونس. من بُكرة تجهّزوا نفسكم، هنروح للدجالة. قالت كلماتها بإصرار وعزيمة لم تترك مجالًا للاعتراض، رغم علمها التام برفض "يونس" القاطع للفكرة. لكنها لم تكن تنوي التراجع، فهي مستعدة أن تفدي من تحب بروحها دون أن يطرف لها جفن. لم يحتمل "يونس" إصرارها؛ إذ شعر كأن كلماتها خنجر يمزق قلبه، وهلع يعصف بروحه كلما فكّر أنها ستذهب معه بقدميها إلى وكر شيطان. كيف سيقبل عقله أو قلبه بذلك؟ لم يرد على كلماتها، بل وقف من مكانه وسط نظرات الجميع القلقة تجاه صمته، وقد احترموا خوفه على زوجته. نظر إليهم بعينين ممتلئتين بالضيق، ثم قال بصوت مخنوق كأن أنفاسه تُثقل صدره: –استأذن يا جماعة… هرتاح شوية لحد وقت العشا. خرجت كلماته بصعوبة، ثم تحرّك مسرعًا نحو غرفته. تتبعته "تقى" بعينيها، مدركة لقلقه وخوفه عليها، لكنها أيضًا تخشاه عليه؛ من ألمه، ومن حزنه الذي لا يهدأ. تنهدت بحزن، ثم وقفت من مكانها ولحقت به. فتحت الباب بهدوء، فوجدته جالسًا على إحدى الأرائك، رأسه بين يديه، شاردًا لا يشعر بوجودها. أغلقت الباب خلفها، ثم جثت على ركبتيها أمامه، ومدّت يدها تمسك يده، فشعر بوجودها. رفع رأسه، وبعينين يملؤهما الرجاء، وبقلب يتوسل، قال بصوت مرتعش: –بلاش يا تُقى، بلاش تعملي كده وتحرقي قلبي عليك. أبصرت في عينيه مزيجًا من الخوف والهلع، ذلك الذي كان يعتريه ويطفو على نبرة صوته المتوسلة. لكنها لم تسمح لنفسها بالتراجع. لا مجال للتوقف الآن. هذه مهمتها التي يحملها قلبها، ولن تتخلى عنها مهما كلّفها الأمر حتى إن أدى ذلك إلى خلاف بينهما. رغبت في تهدئة الموقف، لا بالصدام بل بالإقناع. اقتربت منه، وأمسكت بيديه بين راحتيها، كأنها تواسيه وتمنحه شيئًا من الطمأنينة، ونظرت إليه بعينين تحملان حبًا كبيرًا وهمست: -"يونس"، بلاش تعمل في نفسك كده، هو انت عايز تموت نفسك من الزعل؟! مسح بكفه على شعره، ثم أنزل يده على صدره، الذي كان يعلو ويهبط بتسارعٍ واضح، يعكس قلقًا بات ينهشه من الداخل. أمسك يدها مرة أخرى، لكن هذه المرة بحنو، ثم قال بصوت متحشرج: -عايزاني أعمل إيه يا "تقى"؟ وأنا مش عايز أضحّي بيكي علشان أتعافى أنا! ليه مش عايزة تسمعي مني؟ بلاش. لم ترد عليه مباشرة، بل انتقلت إلى جواره وجلست، لتشاركه القرب قبل أن تسأله بهدوء: -"يونس"، لو أنا إللي كنت مريضة وكنت محتاجة حد يتبرّعلي بدم، وإنت نفس الفصيلة، كنت هتعمل إيه؟ كان سؤالها كالسهم، لا مفرّ منه، ولا مفرّ من جوابه. حاول أن يهرب بعينيه منها، وكأنها تسحبه إلى هاوية يرفض السقوط فيها، لكنه أدرك أن "تقى" مصرّة على وضعه في وجه الحقيقة. وحين تلاقت نظراتهما، كانت نظراتها تخبرها "أنها تحبه و مستعدة للمخاطرة من أجله، بينما هو يخبرها كيف له أن يسمح لها بالمخاطرة بنفسها؟ تنهد بعمق، وبلع غصته التي خنقته، ثم قال بصوت أقرب للهمس: –أولًا، بعد الشر عليك ِ. وثاني حاجه، روحي فداكِ، مش بس نقطة دم. بس المستشفى مش زي أي مكان تاني يا "تقى"!. ظهرت على ملامحها علامات الحزن، لكنها لم تتراجع. عنادها كان أقوى من أي كلمة. وقفت وقالت بإصرارٍ لا يقبل النقاش: -بص يا "يونس"، أنا مش هغير رأيي. لو عرفت إني هموت، هموت وأنا معاك. حتى لو على الموت، ماشي. هقوم أساعد ماما في الطبخ. أنهت كلماتها، واستدارت لتغادر الغرفة، لكن فجأة، أحست بيده تسحبها من ذراعها، فارتطمت بصدره. رفعت رأسها نحوه، فوجدته ينظر إليها بجمودٍ، ملامحه متصلبة لا تبشّر بخير... ظلّت تحدّق فيه لدقائق، تنتظر منه أي رد، حتى تسلل القلق إلى قلبها، وقالت بصوتٍ خافت: -مالك يا "يونس"؟ في إيه؟ إنت كويس؟ زفر الهواء كمن يحاول طرد قلقٍ متجذر، ثم ترك ذراعها، ووضع يده على خدها برفق، وقال: –غلبت معاكِ يا توته، مش عارف أعمل معاكِ إيه... بفكر أحبسك هنا في الأوضة؛ علشان ما تعمليش حاجة مجنونة. ضحكت بخفة، تلك الضحكة التي تسرق قلبه في كل مرة، وأسندت رأسها على كتفه، وقالت وسط ضحكاتها: –عايز تحبسني يا "يونس"؟ بس ما تنساش، حتى لو حبستني لآخر العمر، هطلع، وهعمل اللي أقدر عليه. طبعت قُبلةً خاطفةً على خده، ثم انسحبت بخجل نحو الخارج، تسرع في خطواتها كأنها تفرّ من نفسها، تاركةً إياه واقفًا في مكانه، يضع يده على موضع القبلة، كأن دفئها لا يزال عالقًا على بشرته. شعر بوخزٍ في قلبه، وارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة، تسارعت معها دقات قلبه، ثم همس لنفسه: -مجنونة، بس بحبها، لا دنا بموت فيها... يا رب أقدر أحميها. افاق من شروده على صوت الحديث بالخارج، التقط أنفاسه بعمق ثم خرج حيث يجلس الجميع، وجلس يتحدث معهم في مواضيع شتى، حتى أخبرتهم "منة" بقرارها العودة إلى منزلها. ورغم اعتراض الجميع، خاصةً "تقى" التي بدا الحزن على وجهها، إلا أن أمها كانت مُصرّة على قرارها، مؤكدة أنها ستعود لزيارتهم من حين إلى آخر. استمر الحديث العائلي في جو دافئ، حتى لاحظ "أحمد" غياب "مؤمن" عن المنزل، فتلفّت بنظره في أرجاء المكان ثم سأل: -"حسام"، هو "مؤمن" راح فين؟ شكله طلع اول ما جه من المطعم يرتاح في أوضته. - لا يا بابا، "مؤمن" قال إنه عنده شغل بالليل في مكان تاني، وأول ما خلص معايا ، طلع على هناك على طول. لم يعلّق "أحمد"، لكنه شعر بمزيج من الفرح والحزن في آنٍ واحد؛ سعادته كانت في تأكده من حب "مؤمن" الصادق لابنته، وأنه يعمل ليلًا ونهارًا ليجمع بينهما، يجاهد قسوة الحياة لأجلها، أما الحزن، فكان من أجل تعبه وإرهاقه، وتساؤلاته التي لم تغب عن ذهنه: «أين سينام؟ هل سيعمل الليل بطوله؟ ومتى سيأكل؟» تنهد، ثم رفع نظره نحو ابنه وسأله: –"حسام"، طيب هو ماقلش هيبات فين؟ دا احنأ لسه ما قلناش له على مكان البيت اللي "يونس" أداه له. أجابه "حسام" مطمئنًا: –هو قال هيبات في مكان الشغل، ده إللي رايح يشتغل فيه. انتهوا من الحديث بشأن "مؤمن"، ثم جاءت الفتيات بالعشاء ورتبن الطعام على المائدة. تناولوا وجبتهم سويًا، ثم انصرف كلٌّ منهم إلى غرفته استعدادًا ليوم الغد؛" منة" وابنتها حضرا حقائبهما والسفر إلى منزلهما، و"يونس" ليستعد للذهاب إلى "الساحرة". نام بعضهم نومًا عميقًا، ومنهم من طارد النوم جفونه فجلس قلقًا يراقب الليل في سكون، ومنهم من أنهكه العمل حتى غلبه وعليه النوم، ولكن لم يكن له راحة حقيقية، فعمله لم ينتهِ بعد. في صباح اليوم التالي، وبعدما أنهى الجميع وجبة الإفطار، انصرف كلٌّ إلى وجهته. رافق "يونس" والده في طريقه للساحرة ومعه "تقى"، التي كان كل شغلها الشاغل هو حبيبها فقط وكيف تنقذه. ساد الصمت بينهما طوال المسافة ، لم يكن هناك حديث، فقط أفكار ثقيلة ومشاعر متضاربة تملأ قلب "يونس". كان الخوف ينهش روحه، والانقباض يزداد في صدره. شعور مبهم يثقل كاهله؛ وكأن هذا الطريق ليس بداية، بل نهاية محتملة! الفكرة وحدها كانت تفتك به في صمت، تضعه بين نارين؛ إما أن يعود "بتقى" رغماً عنها، أو يستسلم لرغبتها ويكمل الطريق معها. وفي النهاية، لم يجد سوى التوكل على الله ملاذاً له، فراح يدعو في سرّه أن تمرّ الأمور بسلام، وأن تكون هذه الرحلة خيرًا لهما. أما "تقى"، فكان الترقب يملأها، حماسٌ حذر، يمتزج بشيء من التوتر. لكنها كانت تحمل في قلبها أملاً كبيرًا، أملًا بأن تكون هذه الخطوة التي أقدمت عليها هي الخلاص، وأن يعود زوجها كما كان، سعيدًا، معافى النفس. لطالما رأت حزنه يتسلل من عينيه، وجرحه يتجدد كلما سمع كلمات الناس. تمنت كثيرًا لو كان بيدها دواء يشفيه، وها هي الفرصة قد أتت، ولن تدعها تفلت من يدها. رفعت بصرها إليه، فرأته شارداً، كأن ذهنه تائه في عالم لا يعرفه سواها. مدت يدها إليه، وضغطت عليها برفق. انتبه لها، ووضع يده الأخرى فوق كفّها، كما لو أنه يحاول أن يجد فيها طمأنينته، ثم قال: -"تقى"، بصي، لو إللي هتطلبه السحارة دي هيأذيك، وأنا حسّيت إني مش مرتاح ولازم نمشي. بلاش عناد أدامها ، ماشي؟ رغم أنها كانت مستعدة للمضي قدمًا مهما كلفها الأمر، إلا أنها لم تشأ أن تزيد قلقه. اكتفت بابتسامة صغيرة وقالت: في صباح اليوم التالي، وبعدما أنهى الجميع وجبة الإفطار، انصرف كلٌّ إلى وجهته. رافق "يونس" والده في طريقه للساحرة ومعه "تقى"، التي كان كل شغلها الشاغل هو حبيبها فقط وكيف تنقذه. ساد الصمت بينهما طوال المسافة ، لم يكن هناك حديث، فقط أفكار ثقيلة ومشاعر متضاربة تملأ قلب "يونس". كان الخوف ينهش روحه، والانقباض يزداد في صدره. شعور مبهم يثقل كاهله؛ وكأن هذا الطريق ليس بداية، بل نهاية محتملة! الفكرة وحدها كانت تفتك به في صمت، تضعه بين نارين؛ إما أن يعود "بتقى" رغماً عنها، أو يستسلم لرغبتها ويكمل الطريق معها. وفي النهاية، لم يجد سوى التوكل على الله ملاذاً له، فراح يدعو في سرّه أن تمرّ الأمور بسلام، وأن تكون هذه الرحلة خيرًا لهما. أما "تقى"، فكان الترقب يملأها، حماسٌ حذر، يمتزج بشيء من التوتر. لكنها كانت تحمل في قلبها أملاً كبيرًا، أملًا بأن تكون هذه الخطوة التي أقدمت عليها هي الخلاص، وأن يعود زوجها كما كان، سعيدًا، معافى النفس. لطالما رأت حزنه يتسلل من عينيه، وجرحه يتجدد كلما سمع كلمات الناس. تمنت كثيرًا لو كان بيدها دواء يشفيه، وها هي الفرصة قد أتت، ولن تدعها تفلت من يدها. رفعت بصرها إليه، فرأته شارداً، كأن ذهنه تائه في عالم لا يعرفه سواها. مدت يدها إليه، وضغطت عليها برفق. انتبه لها، ووضع يده الأخرى فوق كفّها، كما لو أنه يحاول أن يجد فيها طمأنينته، ثم قال: -"تقى"، بصي، لو إللي هتطلبه السحارة دي هيأذيك، وأنا حسّيت إني مش مرتاح ولازم نمشي. بلاش عناد أدامها ، ماشي؟ رغم أنها كانت مستعدة للمضي قدمًا مهما كلفها الأمر، إلا أنها لم تشأ أن تزيد قلقه. اكتفت بابتسامة صغيرة وقالت: -ماشي يا "يونس"، إهدى كده، وبلاش تقلق كل حاجة هتبقى تمام إن شاء الله. اكتفى هو الآخر بابتسامة باهتة، ثم نظر إلى الأمام، غارقًا في صمته حتى وصلا إلى القرية. توقفا في نفس المكان الذي توقفا فيه سابقًا، ونزلا من السيارة. مدّ يده إليها، وكأنّه يبحث في لمستها عن قوة تساعده على تجاوز هذا الخوف الذي يتملّكه. تقدما سويًّا، حتى وقفا أمام الأشجار التي يعرفانها جيدًا. كان "أحمد" يسير أمامهم، وهما خلفه، بنفس الخُطى التي سلكوها من قبل. حين لمحت "تقى" الحديقة، انتابها الذعر، وتشنّج جسدها، وجفّ ريقها. لاحظ "يونس" ارتجافها حين أمسكت بذراعه بشدة، وضغطت عليه بلا وعي. اقترب منها، وهمس بصوت دافئ: -"تقى"، لو خايفه، نرجع... بلاش ندخل. أرخَت قبضتها على ذراعه، وأخذت نفسًا عميقًا محاولة التماسك حتى لا تتراجع. ثم سحبت يدها من ذراعه، ووقفت بثبات، مسيطرة على توترها، ثم قالت بصوت هادئ: -أنا بخير يا "يونس"، ياله نكمل اللي جينا علشانه. وما إن أنهت كلماتها، حتى تحركا سويًا نحو تلك البوابة السوداء. وما إن وقف أمامها، حتى خرج ثلاثة رجال أمامهم فجأة. انتفض جسد "تقى" من منظرهم المريب الذي يبعث الرعب في النفوس، فتراجعت خطوة إلى الخلف! لاحظ "يونس" ذلك، ونظر إليها بعينٍ يملأها العتاب، كأنه يقول لها: "لماذا أجبرتِ نفسكِ على المجيء إلى هذا الوكر؟" كلما لمح الخوف في عينيها، انقبض قلبه؛ لم يكن يرغب في أن يرى ذلك الهلع فيها. عاد إليها، وأمسك بيدها، ثم تقدم ليقف إلى جانب والده.. وعندما فتحت البوابة، أدرك أنها ستجزع من المشهد، فرفع ذراعه وضمّها إليه، فهدأت كأنها وجدت سكينتها. دخلوا معًا إلى الداخل، حيث استمر ذلك الهواء العفن الكريه في ملء المكان. واصلوا السير عبر الممر الطويل، حتى وصلوا إلى تلك الغرفة التي دخلوها من قبل، لكنها هذه المرة بدت مختلفة؛ كانت غارقة في ظلام دامس، لا شموع مضيئة، ولا أي ضوء... فقط أصوات مرعبة تملأ الفراغ؟! تشبثت "تقى" بذراع "يونس"، وتعلقت به بقوة حتى كادت تلتصق به، كأنهما جسدٌ واحد! أنفاسها تلفح عنقه، فطوّقها بذراعيه ليطمئنها. حينها، بدأ الرجال بإشعال الشموع في أركان الغرفة وفي مركزها، شيئًا فشيئًا انكشف المشهد أمامهم بوضوح. ظهرت الساحرة أمامهم بوضوح، وبدأت توقد النار التي اشتعلت أمامها بسرعة غير معتادة. ثم هتفت بصوت خشن قائلة: -اقعدوا و هاتوا إللي طلبته. عندما سمعت "تقى" صوتها، انتفض قلبها داخل صدرها، فابتعدت قليلاً عن "يونس" ثم نظرت إلى المكان بتفحص. أطراف أصابعها كانت ترتجف بشدة. جلسوا جميعًا على الأرض الرطبة فوق التراب، وما إن لامست أجسادهم الأرض حتى شعروا بحرارة غير عادية!! التصقت "تقى" بيونس، ممسكة بذراعه، بينما هو قام بإنزال حقيبته الصغيرة من على ظهره. كان ينظر إلى الساحرة، منتظرًا أن تعجل بالأمر لكي يخرج بسرعة قبل أن يستفرغ ما في بطنه بسبب القلق الذي يعتصره، وتلك الروائح التي تفوح من المكان. قطع لحظة السكون صوت الساحرة الذي كان يحمل في طياته الرعب، رغم كبر سنها، قائلة: -هات هدومكم أنت و مراتك، وهات خصلات من شعرها. فتح "يونس" الحقيبة، وأخرج منها ما طلبت، بالإضافة إلى بعض خصلات شعر زوجته التي أخذها من مشطها، ثم قدمها إلى الساحرة. مسكت الساحرة الثياب، ثم نظرت إلى الخصلات. تغيرت ملامحها بشكل واضح، وظهرت بعض العروق على وجهها كما لو كانت ستنفجر من وراء جلدها، ثم قالت: -عايزه خصلات من شعرها مقطوعة بمقص، مش نازلة في المسط. هاتوا حته من شعرها. ختمت كلامها ثم قدمت له مقصًا أسود كبير الحجم. قبض "يونس" على المقص، وكانت يداه ترتجفان من الغضب، فقد كان يشعر بشيء من الانكسار، لكنه لم يستطع أن يرفض. كانت الغضب واضحًا على وجهه، لكنه لم يمسك المقص بقوة كما لو كان يرفض أن يقص شعر زوجته. حين جلست "تقى" أمامه، لم تترك له خيارًا. قالت له بنبرة هادئة لكنها حازمة: -خد يا "يونس"، قص من شعري، مش عايزه أي اعتراض. ثم استدارت، وجعلت وجهها مقابلًا لوجهه، وطلبت منه أن يرفع حجابها قليلاً، حيث لا يرى أحد شعرها، وهي ستقصه. فعل يونس ما طلبته، بيد مرتجفة وعينين مليئتين بالدموع والاعتذار عن ما يحدث لها بسببه. لكن نظراتها كانت تطمئنه، تخبره أنها أسعد إنسانة في العالم، وأنها تفعل هذا من أجله. قصت بعض الخصلات، وضعتها جانبًا، ثم بدأ "يونس" في ترتيب حجابها كما كان من قبل. وما إن انتهى من ذلك حتى طبع قبلة على جفنها، كأنها قد بثت فيه الأمان والدفء. ثم عادت إلى مكانها، بينما قدم "يونس" الشعر للساحرة. مسكت الشعر بيدها، وربطت به الثياب كما لو كان حبلًا، ثم بدأت تتحرك شفتيها بصوت هامس، وتقول بعض الكلمات التي لم يفهمها أحد. عندما انتهت، نظرت إليهم وقالت بصوت منخفض: -فين قطرات الدم من زوجتك، وقطرات منك أنت؟! من انا الفصل 31 ازدرد “يونس” لعابه بصعوبة، وعلقت الكلمات في حلقه؛ كأنها ألسنة اللهب تحيط به، ولا يجد منها مهربًا. لقد حان ما كان يخشاه دومًا ويرتعِد من التفكير فيه. كيف يمكن لزوجته أن تقدم قطرات من دمها؟ كيف يمكن أن تتألم ولو بجرح صغير وهو لا يحتمل رؤيتها تتأذى؟ لن يقبل بذلك، لا يريد أن يكون السبب في دمعة واحدة تنزل من عينيها، أو ألم يهز رأسها. هز رأسه سريعًا كأنه يطرد تلك الأفكار بعيدًا. كان قلبه ينبض بجنون، كأنه محرك آلي فقد السيطرة. نظر إليها، وأمسك بيدها، وهمّ بالكلام، ليوقف ما يحدث. لكن “تقى” كانت أسرع، وكأنها قرأت ما يدور في ذهنه، فبادرت بالكلام: -قولي إزاي نجيب الدم؟ إحنا مش عارفين نعملها إزاي؟. وزعت الساحرة نظراتها بينهم، ثم رفعت يدها وأخرجت سكينًا كبيرًا من تحت الفراش الذي كانت تجلس عليه. بصقت عليه بقطرات من لعابها، ثم أخرجت قطعة قماش ولفّتها حول مقبض السكين. كان كل ذلك تحت أنظار “يونس” القلقة، بينما ابتلعت “تقى” ريقها بقلق واضح. أما “يونس”، فقد نفد صبره، واتسعت عيناه بفزع، وبدأت الوساوس تتزاحم في رأسه، فانتفض واقفًا من مكانه. لكن “تقى” أمسكت بيده قبل أن يستقيم، وأعادته إلى جلسته، وهمست له: -”يونس”، مش باقي كتير... اتحمل، علشان نخلص. أنا معاك. قالت كلمتها الأخيرة بحنان، ثم نظرت إلى الساحرة، تنتظر ما ستفعله. مدت الساحرة يدها، وأخرجت كأسًا فيه ماء، ووضعته أمامهما، ثم قالت: -تعالي إنتي قربي علشان آخد منك الدم وإنت تعالى جنبها. تقدّمت “تقى” برفقة “يونس” نحوها، فرفعت الساحرة يدها وأمسكت بيد “تقى”، ثم وضعت الكأس تحتها، وقالت: -غمّضي عينيكِ وما تفتحيهمش لغاية ما تحسي بالألم. اجتاح قلب “تقى” مزيج غريب من الخوف والرهبة. لم تكن تعرف ما هو بالضبط... هل هو خوف؟ أم شيء آخر؟ لقد تعرضت للتعذيب مرارًا على يد “وليد”، ولم تعد تخشى الألم، لكنها الآن تشعر بشيء يصعب تفسيره. أدركت أنه لا مفر من هذا الإحساس، إلا إذا نظرت في عينيه. حينها فقط، قد تهدأ وتطمئن. رفعت بصرها نحوه، والتقت أعينهما. ويا ليتها لم تفعل! ففي عينيه بريق ألم، ودموع اعتذار عمّا تمر به. الحزن كسا ملامح وجهه، والاختناق ظاهر في تعابيره. شعرت أنها إن أطالت النظر إليه، ستنهار. أبعدت نظرها، وأغلقت عينيها. شعرت به يمسك كفها الآخر، يحتضنه بيده المرتجفة، وهمس لها بكلمات أرادت أن تطمئنها: -أنا معاكِ يا قلبي، اتحملي..حقك عليّا. أمسكت الساحرة يد "تقى" بقوة، ثم وضعت السكين على كفها، وهمهمت بكلمات غامضة غير مفهومة، قبل أن تغرس السكين فجأة في يدها. تناثرت الدماء، وتزامنت مع صرخة حادة خرجت من "تقى"، مليئة بالألم، تتخللها شهقات متلاحقة ودموع غزيرة انهمرت من عينيها وهي تنظر إلى يدها التي تنزف، بينما الساحرة تضغط على الجرح حتى يسيل الدم داخل الكأس المملوء بالماء. في تلك اللحظة، فرت دمعة من عين "يونس" وهو يراها تتألم وتبكي، وقد اعتصر قلبه شعورٌ ثقيل، كأنّه سينفجر من مكانه. تركت الساحرة يد "تقى"، و سحبتها بسرعة، والعبارات تتقطّع من بين شفتيها، وشهقاتها لا تزال مكتومة في صدرها. حاولت التماسك، لكن الألم كان قاسيًا. خلع "يونس" سترته بسرعة، ثم التقط المقص الموضوع أمام الساحرة، ومزق السترة إلى قطع. أمسك بيد "تقى" ولفّ حولها القماش ليوقف النزيف، ثم أخذ يدها بين كفيه، وقبّلها وهمس بصوت يملؤه الحزن والعجز: -حقك عليَّ …حقك عليَّ يا “تقى”، وجعتك كتير،أنا إللي كنت المفروض أحميكِ من الوجع، أنا إللي جبته لك. مسحت دموعها بيدها، وكتمت أنين ألمها، ثم وضعت يدها السليمة على كفه، وقالت بصوت مبحوح بالبكاء: -أنا معاك،في الوجع، وفي كل حاجة، بلاش تحسس نفسك بالذنب. قطع حديثهم صوت الساحرة، غاضبة: -هات إيدك إنت كمان ، بسرعة، لوعايزها تخلص. مد "يونس" يده، وما زال ممسكًا بيد "تقى"، وعيناه لا تفارق عينيها. لم يغمض عينيه حتى حين شعر بحد السكين يخترق جلده، وينغرس بقوة حتى سالت الدماء الساخنة من كفه. استدار نحو الساحرة، فرآها تمسح بيده على ثيابهم، ثم تركت يده. لفّ عليها قطعة من ثوبه، وجلسا في صمت، لا يُسمع سوى أنينهما المختنق. نظرت إليهما الساحرة ببرود، ثم قالت: -ارجعوا مكانكم… يلا، بعيد. أمسك بيدها وساعدها على النهوض، ثم جلس إلى جوار والده الذي كان يتابع كل ما يحدث بعينين يملأهما الحزن. لقد تحملوا الكثير، وصمدوا أكثر مما ينبغي، وربّت الوالد على كتف ابنه في محاولة إلى طمأنته . اقتربت الساحرة وهي تحمل كأسًا يحتوي على ماء ممزوج بدماء “تُقى”، ثم قدمته إلى “يونس”! لم يفهم ما المقصود، لكنه مد يده وأخذ الكأس منها، وبينما كان ينظر بحيرة بين “تُقى” ووالده، سمع الساحرة تقول: -اشربه مرة واحدة، من غير ما تاخد نفس بسرعة. ظل “يونس” في حيرة، تتقاذفه نظراته بين وجه “تُقى” ووجه والده. كيف يمكن له أن يشرب دماء زوجته؟ أليس ما تحمّله من ألم كافٍ؟ أليس سماعه لأنينها كفيلًا بأن يكسره؟ لكن كعادتها، تدخلت “تُقى”، وقالت بصوت حاسم: -اشرب يا “يونس”، بسرعة، مش وقت تفكير. وكأن كلماتها سحرت قلبه، فلم يقدر على مقاومتها. أمسك بالكأس، وارشفه دفعة واحدة دون أن يتذوق طعمه، وهو يشعر بضيق شديد يجتاح صدره! ما إن أنهى الشرب، حتى اجتاحت جسده حرارة رهيبة، وكأنه أُلقي وسط بركة من النار. اشتد جلده، وخدر جسده بالكامل، ورفع عينيه نحو الساحرة، فرأى أنها بدأت تحرق ثيابهم معًا. وكلما التهمت النار الثياب أكثر، اشتد عليه الاحتراق داخليًا، حتى سقط على ظهره، يتلوى من شدة الألم، واضعًا يديه على وجهه، يصرخ بألم لم يختبره من قبل. كان جسده ينتفض بقوة، كأنه صُعق بسلك كهربائي، بينما “تُقى” تمسك بيده وهي تبكي، لا تدري ما عليها فعله، تتألم لرؤيته يتعذب أمامها. استمرت الانتفاضات، وبدأت معالم الحروق والتشوهات على وجهه تختفي تدريجيًا، وظهر وجهه الطبيعي شيئًا فشيئًا. تغير لون عينيه إلى الأسود، وظلت تُقى” تحدّق فيه مذهولة، وقد اتسعت” عيناها من الصدمة، تراه يتحول أمامها. ظهر جمال ملامحه كما لم تره من قبل، وجه خالٍ من أي تشوه، مفعم بالحياة. ثم سكن جسده أخيرًا، وأغمض عينيه. ارتعد قلب “تقى” من الخوف، وجسد “يونس” الملقى على الأرض بدا كصخرة لا تتحرك! وقفت مصدومة، ثم التفتت نحو الساحرة. قبل أن تنطق بأي كلمة، أشارت الساحرة إلى رجالها خلفها، فتقدموا نحو “يونس”، رفعوه عن الأرض و وضعوه أمامها. مدّت يدها إلى صدره، وبدأت تهمس بكلمات غريبة، ارتفعت معها حرارة المكان! ظل صدر “يونس” يهتز، ثم فتح عينيه وتحرّكت بؤبؤيه في كل اتجاه. جلس نصف جَلسة، ثم رفع يده إلى وجهه، ناظرًا إلى كفيه بدهشة، قبل أن ترتسم ابتسامة على شفتيه بينما يفحص جسده المتغير، وكأنه لا يريد أن يصحو من هذا الحلم. حينها، سمع صوت “تقى”، الواقفة بجانبه، تقول: - خلاص يا “يونس”، خلاص.كل حاجة خلصت، وبقيت أحسن. انتفض واقفًا، تغمره السعادة، واحتضنها بقوة غير آبه بألم جرحه. ابتعد عنها قليلًا، ونظر إليها كأنه يخبرها بأنها سبب سعادته، وأنها جوهرته. لكن صوت الساحرة قاطع تأملهما، قائلة: - فين المقابل لفك اللعنة؟ ما تنساش أنا طلبته قبل ما نبدأ، دلوقتي انت بين إيديا، ولو فكرت تهرب، هعمل الأسوأ في مراتك. تحرك “يونس” نحو حقيبته، وأخرج منها المال الذي تركته له والدته من أملاك والده. كان مبلغًا كبيرًا، وقدّمه لها قائلًا: - جبتلك كل الفلوس اللي معايا... وده مبلغ كبير، ومش هتلاقي مقابل أحسن من كده. أخذت الساحرة المال، تقلبه بين يديها، ثم قالت: - هقبل الفلوس، بس علشان إنت ضحية لأفعال أمك. بس لو فكرت تعمل حاجة أو تقول لمخلوق عن مكاني، مش هرحمك. ثم أشارت إلى رجالها ليُخرجوهما لف “يونس” ذراعه حول “تقى”، وتقدّما نحو الخارج من الممر نفسه، حتى وصلا إلى الحديقة. تسللا بين الأشجار، حتى خرجا منها. وقف “يونس”، تنفّس الصعداء، واستنشق الهواء كأنه خرج تواً من الغرق. التفت إلى “تقى”، يشكر الله على نعمة الزوجة الصالحة. فرحت “تقى” بسعادته حتى اغرورقت عيناها بالدموع وهي تراه يبتسم، وقد ازداد وسامة وجمالًا. ثم عانق “يونس” والده بفرحة، يشكره على دعمه، قبل أن يعود إلى تقى”، يحتضنها، ويطبع قبلة على جبهتها، هامسًا: - آسف... حقك عليَّ، رعبتك يا نور عيني. أنتِ الأمان... إذا أرعبني كل الكون- أمسك بيدها وسارا معا نحو السيارة، والسعادة تعكس في عيونهم رغم كل ما مروا به. صعدوا إلى مقاعدهم؛ “أحمد” في الأمام يقود السيارة، بينما”يونس” و”تقى” في الخلف. أسندت “تقى” رأسها على كتفه وتنفست بعمق، متخلصة من كل المخاوف التي كانت تستهلكها. تلك الأفكار السيئة التي كانت تتلاطم في ذهنها كأمواج البحر بدأت تهدأ. أغمضت عينيها وهي تشعر بسكون لم تختبره من قبل، رغم الألم الذي كان يمزق كفها. شعرت “بيونس” يمسك يدها ويزيل عنها القماشة التي كانت تغطي الجرح. فتحت عينيها بتأوه، ثم قالت بألم: -بتعمل إيه يا “يونس”؟ سيبها لحد ما نوصل. أخرج علبة إسعافات أولية من السيارة وقال وهو منشغل: -هُنظف الجرح وأحط لك دواء، وألفه ليك لغاية ما نوصل. اتحملي شوية. هزت رأسها موافقة، ثم أرجعت رأسها على كتفه، تكتم ألمها حتى انتهى “يونس” من تضميد جرحها. لف الجرح بضمادة، ثم فعل الشيء نفسه مع جرح يده. بعد أن انتهى، نظر إليها فوجدها قد غفت على كتفه. الألم كان واضحًا في ملامح وجهها. تنهد بحزن، معاتبًا نفسه. هو السبب في كل هذا الألم الذي تعيشه، وكل ما تحمله معه من هموم وآلام. *********** اشتد ألم رأسه، وأصبح يشعر بالدوار، لكن لم يتوقف. حاول أن يتماسك رغم التعب الشديد الذي يعانيه. كان ينام ساعات قليلة فقط، ثم يستيقظ في الصباح الباكر. بعد يوم طويل في عمله، لا يحصل على راحة. كان كل شيء له هدف واحد: أن يعوض ما فاته من حياته. كان يحلم بفتح منزله، وتكوين أسرة، أن يكون له مكان دافئ وسط أبنائه. الآن، من أجل هذا الحلم، يقاتل بكل ما لديه من قوة. بينما كان يطهو آخر طعام في يده، شعر وكأن جسده على وشك السقوط. لكن يد “حسام” كانت أسرع عندما لاحظ عدم توازنه، وأسرع ممسكًا بيده قائلاً: -”مؤمن”، مالك؟ أنت كويس؟ إذا تعبان، اقعد ارتاح. وضع “مؤمن” ما بيده ومسح عرقه بمعصمه، ثم قال بتعب واضح في صوته: -شوية تعب، معلش. أنا كويس يا “حسام”. لازم أخلص ده علشان أروح للشغل التاني. اتجه نحو إحدى الموائد ليجمع الأواني، لكن يد “حسام” أمسكت بذراعه برفق وقال: -”مؤمن”، أنت مريض.! بلاش عناد. مفيش شغل انهارده هنا أو في شغلك التاني. ارتاح لحد ما أخلص شغلي ونروح البيت. حاول “مؤمن” الاعتراض، لكنه لم يتمكن من الحركة أو فعل أي شيء بفضل إصرار “حسام”. مر أسبوعٌ كامل، مرّت فيه الأيام بحلوها ومرّها، تخللته لحظات من التحديات والفرح، ومع كل صعوبة كانت تأتي لحظات من الدعم والأمل. بفضل الله، وبفضل الحب الذي كان يربطهم ببعض، وبفضل الدعم المتبادل بينهم، استطاعوا أن يتجاوزوا كل الصعاب. قد تكون الأيام قاسية، وقد نرسب أحيانًا في بعض اختباراتها، لكن كما هو الحال دومًا، ومع كل سقوط ننهض من جديد، نستمد قوتنا من الله، ونجد أن الحياة تصبح أجمل عندما نعيشها بسند من العائلة، وأن العوض الحقيقي يأتي حينما يكون هذا السند في شكل عائلة متماسكة، أو شخص نحبهم ويحبوننا. في صباح اليوم التالي، وفي بداية يوم جديد كان يشع بالأمل، اجتمع الجميع على مائدة الإفطار، وكان “مؤمن” بينهم. كانت الوجوه مشرقة، ولكنها كانت مليئة بالكثير من التفكير حول ما قد يحدث في هذا الاجتماع. جلسوا معًا، يتناولون طعامهم في هدوء، وعندما انتهوا من الإفطار، وقف “أحمد” فجأة أمام الجميع. نظر إليهم للحظات، وكأن كل كلمة ستخرج من فمه هي قرار مصيري، ثم قال: -اسمعوا لي كويس. اليوم عايز أتكلّم معاكم في حاجة. شعر البعض بالتوتر، بينما وقف آخرون بفضول، وتراوحت مشاعرهم بين القلق والدهشة، خصوصًا عندما شعروا أن هذا الاجتماع قد يحمل في طياته قرارًا مهمًا. لم يكن أحدهم يعلم بالضبط ما الذي سيقوله “أحمد”. لكن كلماته قطعت حبل أفكارهم عندما استأنف حديثه: -بصوا، “مؤمن” بقى واحد مننا، بقى ابني زيكم، وهو طلب مني أغلى جوهرة عندي. نظر الجميع إلى بعضهم البعض، وتزايدت همساتهم، غير قادرين على استيعاب ما سمعوه، إلا أن “مريم” كانت أول من خجلت. كان وجهها يغطيه خجل شديد، وعينيها تكاد تختبئ وراء حاجبها، بينما كانت وجنتاها تحملان لونًا أحمر كالورد. أما “مؤمن”، فقد شعر بقلبه يخفق بشدة وكأنّه يكاد يخرج من صدره، فهو لم يكن يعرف هل هذا شعور فرحٍ أم توترٍ، أم هو قلقٌ من التغيير الذي يواجهه. كان يعيش لحظة من الاضطراب الداخلي، وعينيه على “مريم”، يحاول أن يقرأ في عينيها شيئًا مما يدور في داخلها. في تلك اللحظة، قطعت كلمات “أحمد” أفكار الجميع عندما قال: -”مؤمن” طلب إيد “مريم”، وأنا ماليش غيرها، وطبعًا مش هلاقي لها أحسن من “مؤمن”، مهما كان ماضيه، هو تغيّر وبدأ حياة جديدة. لكن القرار الأخير يرجع “لمريم”. حل صمتٌ طويل في المكان، وكأن الجميع احتاج لحظة للتفكير. بعضهم كان في حالة من الصدمة، والبعض الآخر كان سعيدًا بهذا القرار، رغم أن ماضي “مؤمن” ليس خاليًا من التحديات. لكن ما كان واضحًا للجميع هو أن “مؤمن” قد أدرك أخطاءه، واختار أن يبدأ حياة جديدة، حياة أفضل. كان الجميع يعرفون أنه بذل جهدًا مضنيًا في تغيير نفسه، وفي سعيه الجاد لتأسيس حياة جديدة. الصمت كان يعكس الحيرة والانتظار، وفي النهاية، جاء صوت “يونس”، الذي كان يجلس بهدوء، ليكسر هذا الصمت، قائلاً: -بابا، أنا قضيت مع مؤمن فترة طويلة، وإحنا كلنا عرفنا أخلاقه، وعرفنا عنه كل حاجة، وأنا شايفه قد إيه بيشتغل ليل ونهار، علشان يفتح بيته. مش هقول غير ربنا يتمم له على خير إذا “مريم” وافقت. اتفق الجميع على رأي “أحمد”، وأصبح من الواضح للجميع أن “مؤمن” قد أصبح فردًا منهم، ليس فقط من خلال التغيير الذي مرّ به، بل أيضًا من خلال جهوده الدائمة وعمله المستمر لبناء مستقبله ومستقبل عائلته. جميعهم قد أحبوا “مؤمن”، وكانوا يشهدون تطوره وجهوده المستمرة ليكون الشخص الأفضل. “مريم”، رغم أنها كانت تخفي مشاعرها لفترة طويلة، كان والدها يعلم تمامًا أنها موافقة على هذا الزواج، فهي لم تكن تستطيع إخفاء حبها “لمؤمن”، فقد كانت تشعر أن هذا هو الوقت المناسب لتبدأ حياتها معه في الحلال. أما “مؤمن”، فقد كان يغمره شعور من السعادة الغامرة، لكنه في نفس الوقت كان يعيش لحظة من القلق، فهو يعلم أن هذه خطوة كبيرة في حياته، وأنه مقبل على مرحلة جديدة، مليئة بالتحديات والمسؤوليات. في تلك اللحظات، شعرت العائلة بأكملها أنها على وشك الدخول في فصل جديد من حياتهم، فصل مليء بالأمل والطموح. في عيونهم كان هناك حب كبير واعتراف بالتغيير، في أيديهم كان هناك دعمٌ متبادل، وكأنهم جميعًا قد قرروا أن يكونوا سندًا لبعضهم البعض في أي خطوة قادمة. تلك اللحظة، كانت لحظة فارقة، حيث التقى الحب بالثقة، والقرار بالنضج، والعائلة بالوحدة. من انا البارت 32 كان لقاؤنا أشبه بالحلم... صعبًا لكنه لم يكن مستحيلاً. كثيرًا ما خشيت الفقد، خشيت أن تمرّ الأيام دون أن أراك. كنت أرفع يدي إلى السماء داعيًا الله، كنت دعائي في سجودي، ورجائي في كل لحظة. كنت الحلم الذي يزورني كل ليلة، وكنت النور حين خيّل إلي أن الظلمة تبتلعني. كنتِ الربيع حين صار خريفي قاسيًا، وكنتِ الحياة حين ظننت أنني انتهيت. حرمت عيني من النوم، وجاهدت وقتي وتعبت جسدي، كل ذلك من أجل لحظة حلال تجمعني بك. واليوم... قد جاء ذلك اليوم، اليوم الذي بكيت من أجله، ودعوت الله ليلًا ونهارًا كي يجمعنا في طاعته. اليوم هو يوم لقائنا في الحلال، يوم نُعلن فيه للعالم أن الدعاء قد استُجيب، أن الأمل لم يُخذل. اليوم أنظر إلى عينيكِ، أرى فيهما ربيعًا لا يزول. اليوم نُتمم وعدنا، وتبدأ رحلتنا. كان الجو مليئًا بالبهجة والفرحة، الجميع يتحرّك بسعادة. من يركض، ومن ينشغل بترتيب المكان ليكون بأبهى صورة. كانوا جميعًا في قلب المزرعة، حيث اختار العروسان أن يكون زفافهما وسط الطبيعة الخلابة، بين الأشجار والزهور. الأطفال يركضون ويضحكون، وأصوات الأهل تعلو بالمباركات. الموائد تُمَد، والكراسي تُصف، وروائح الطعام تتصاعد من داخل البيت الريفي. اليوم ليس يومًا عاديًا... إنه زفاف جوهرة العائلة "مريم"، ورفيق دربها "مؤمن". اجتمع الأحباب من كل مكان ليشهدوا هذا اليوم، حيث الفرح يملأ القلوب. فجأة، خرجت "تقى" تركض من داخل البيت، تبحث بعينيها عن "يونس"! كانت “تقى” خطواتها سريعة، وعيناها تتلفتان في المكان. وفجأة، شعرت بيدٍ تمسك بها من خلف إحدى الأشجار! كادت تصرخ، لكن يدًا أُخرى وضعت برفق على شفتيها. رفعت رأسها بسرعة، فاصطدمت عيناها بعينيه... كان "يونس" يبتسم، يحاول كتم ضحكته وهو يرى ملامح الغضب في عينيها.أبعد يده وقال وهو بيضحك: -بلاش تتعصبي كده، اهدي... أنا عملت كده علشان كنت بدوّر عليكِ. نظرت له بغضب وقالت: –”يونس”؟ كنت هصرخ والله، فكرتك حد غريب! ضحك أكتر وقال: –طب خلاص... حقك عليَّ. بس إنتي فين؟ بدوّر عليكِ من بدري. ارتخت ملامحها، وتلاشى الغضب من عينيها، ثم أخذت تتأمل المكان بشرود، وابتسامة دافئة ترتسم على شفتيها، وهي تنظر في كل ركنٍ من أركان المنزل. وما إن وقع بصرها على المدخل حتى قالت بصوتٍ يحمل الحنين: -فاكر يا “يونس” أول يوم اتقابلنا هنا؟ فاكر لما خبطت على بابك وقلبي كان بيترعش من الخوف؟ ضمّها “يونس” بذراعيه برقة، وابتسامة مشرقة على وجهه، وقال: -كان أحلى لقاء في عمري، و أجمل ليلة... كنت تايه وحزين، ومكنتش أعرف إن "توتيه" هتدخل حياتي وتملّاها حب. ابتسمت وهي ترفع رأسها إليه، تنظر في عينيه نظرةً ملؤها السعادة والبريق والحب، وقالت بصوتٍ خافت: -يومها قلبي اطمن ليك يا “يونس”... مكنتش أعرفك، بس قلبي حس بيك... حسيت معاك بالأمان. طبع قبلة على جبينها، وهمس وهو يضمّها إليه أكثر: -وأنا من يومها ماعرفتش طعم الراحة غير في حضنك... حبك علّمني إن الأمان مش مكان... الأمان هو إنتِ. نظرت إليه، وعيناها تنطقان بما يعجز اللسان عن قوله. كان كلما التقت نظراته بنظراتها، شعر وكأنه يغوص في متاهة لا سبيل للخروج منها، وكأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة. لكن سحر اللحظة انكسر فجأة بصوت “شهيرة”، تصرخ من خلف الشجرة تنادي على “تقى” وهي تفتش عنها بين الأغصان. انتفضت “تقى” من وقع الصوت المفاجئ، واتسعت عيناها بدهشة، وضعت يدها على خدها، وبالأخرى ضربت “يونس” بخفة على صدره وهي تقول بلهجة تحمل عتاباً ممزوجاً بخجل: -آه منك يا “يونس”، بعتوني علشان أسألك العريس و”حسام” هيوصلوا امتى، نسيت نفسي معاك! ضحك “يونس” ضحكة خفيفة، وتقدّم خطوة إلى الأمام كي تراه “شهيرة” بوضوح، ثم رفع صوته قائلاً: -”شهيرة”، تعالي، “تقى” هنا! أنهى كلماته، ثم وقف إلى جانب زوجته، يسند ظهره إلى جذع الشجرة، والضحكة لا تزال ترتسم على ملامحه وهو يراقب ملامحها الطريفة وفمها المفتوح بدهشة لا إرادية. أقبلت الأخرى مسرعة، وما إن وصلت حتى أمسكت بذراع “تقى” وهزّتها برفق، تتصنع الغضب: -”تقى”! كل ده علشان تسأليه بتهرجي والله؟ ساعة واحنا واقفين مستنيين، وانتي قاعدة هنا! دارت “تقى” بعينيها نحو “يونس”، وحدّقت فيه بغضب صامت، ثم تمتمت بغيظ وهي تشير إليه بشفتيها: -مليش دعوة، هو إللي أخرني يا شوشو، يالا نروح! حاول “يونس” أن يخفي ضحكته، ثم قال موضحًا: – هما قرّبوا يوصلوا، جهزوا نفسكم بس. وما إن سمعت “شهيرة” تلك الكلمات، حتى انطلقت مسرعة، فيما نظرت “تقى” إلى فستانها بذهول، ثم عادت بنظراتها إليه وقالت بتوتر: -شفت أنا لسه ما جهزتش نفسي! كله بسببك يا نونوس، حتى الفستان ماغيرتوش لغاية دلوقتي! ضحك يونس وهو يقول: -هو أنا عملت إيه يا توتة؟ مش إنتي شريكة في التأخير! يالا بسرعة، أنا هشوف الضيوف ركضت “تقى” إلى الداخل، حيث كانت الفتيات ملتفّات حول العروس، يضعن آخر لمسات الجمال على هيئتها. كانت تتلألأ كنجمة في سماء صافية، تدور حول نفسها بابتسامة تزين ثغرها، وعيناها تراقبان انعكاسها في المرآة كأنها لا تصدق أن هذه هي. صوت الغناء والتصفيق ملأ الغرفة، والفرحة تنساب بين ضحكاتهم. أمسكت “مريم” طرف فستانها، محاولة الانتهاء من زينتها، بينما “شهيرة” نظرت إليها وضحكت قائلة: -إللي يشوفك وانتي فرحانه كدة مايشفش يوم صويتك أول ما شفتيه؟ انفجر الجميع ضاحكين، بينما “مريم” نظرت لهم بعبوس مصطنع وقالت: -كفاية ضحك بقى! بس والله كان لقاء مميز... أنا كنت فكراه عفريت! انهالت الضحكات حتى دمعت أعينهن، فلم يكن أحد يتوقع أن ذلك اللقاء العفوي سيكون بداية لقصة حب كبيرة تُتوَّج الليلة. مرّ الوقت سريعًا وسط الغناء والمزاح والذكريات، حتى دوّى من الخارج صوت الزغاريد، يليه تصفيق حار، معلنين وصول العريس والمأذون. ارتفعت أصوات الفرح كأنها معزوفة موسيقية خفية. صعد “أحمد”، والد العروس، بخطى ثابتة وابتسامة فخر، واقترب منها، قبّل جبينها ثم أمسك بذراعها برفق، وبدأ معها أولى خطواتها نحو فصلٍ جديد من الحكاية. في الخارج، كان “مؤمن” واقفًا في هدوء أنيق، يرتدي بدلته السوداء التي أضفت عليه هيبة وجاذبية، شعره مصفف بعناية، وعيونه لا تفارق باب المنزل المطل على الحديقة، ينتظرها بنفاد صبر، كأن طلتها وحدها تعيد له الحياة. »والله كنت ميت من غيرها، وبحيا لما بشوفها«، – تمتم لنفسه. ما إن ظهرت، حتى بدت كفراشة بيضاء ترفرف بهدوء، تمسك بذراع والدها، وكل العيون تلاحقها بإعجاب. “مؤمن” تمنى لو يستطيع أن يخفيها عن أنظار الجميع، أن يضع بينها وبين العالم ستارًا، فهي له وحده. يا للعجب! من كان يتسلل إلى غرفتها خلسةً بالأمس، ها هو اليوم واقف منتظرًا اللقاء على سنة الله ورسوله. لم يرفع عينيه عنها حتى وقفت أمامه. دنا منها بسرعة، كأنه يركض، مدّ يده ليمسك كفها... لكن “حسام” كان أسرع، وقف بينهما! والدهشة علت وجوه الحاضرين. ارتفعت همهمات الاستغراب، حتى قال “حسام” بجدية مرحة: -لأ يا جماعة، مش هينفع يلمس إيدها غير لما نكتب الكتاب! المأذون موجود، يلا نبدأ. تنفّس “مؤمن” براحة بعدما توتر للحظة، وظن أن شيئًا قد حدث. ثم توجه الجميع إلى أماكنهم، وبدأت مراسم عقد القران وسط جو مليء بالفرح، والعيون تلمع بالدموع والضحكات. نُطق الإيجاب والقبول، ووقّع “مؤمن” بخطٍ ثابت، ثم نظرت إليه هي بابتسامة خجولة... لقد أصبحت له. أمسك بكفها أخيرًا، دون حائل أو حرج، وسط زغاريد الفرح وتصفيق المحبين. وقبل أن يتعانق الجمع بالتهنئة، صدح صوت المأذون بصوتٍ مهيب: "بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير." كأنّ البركة نزلت على القاعة كلها، فعمّ الهدوء لوهلة، ثم انفجرت الأصوات من جديد بفرح صادق، معلنين بداية حياة جديدة كُتبت بالحلال، وبالحب. انهالت عليهم التهاني من جميع الحضور، وكانت الفرحة سيدة المكان. نظر “مؤمن” إلى “مريم”، ولأول مرة تأمل ملامحها دون خوف أو قلق، ولأول مرة نظر إلى عينيها، وسقط أسيرًا لنظراتها. لم يعد يشعر بالعالم من حوله، وكأن المكان أصبح ساكنًا في حضورها. حتى لسانه انعقد، وحشرت الكلمات في حلقه، وكأن حديثها ألقي عليه سحره. طال يتأملها، وهي تكاد تنصهر خجلًا. أصبحت يده ترتعش، وعيونها تكاد تدمع من شدة توترها. انتبه “مؤمن” لحالتها، فرفع يده، ممسكًا رأسها بين يديه، ثم طبع قبلة على جبينها، ابتعد عنها قليلاً، ثم قال بصوت يحمل في طياته حبًا لا يعرف كيف يعبر عنه: -أنتِ عوض تعب سنين، أنتِ دواء بعد داء. مش عارف أعبّر عن اللي في قلبي، لكن اللي عايز أقوله إنك كنتِ دعوة كل ليلة، والله استجاب. أحنت رأسها خجلًا من كلماتِه، ثم حركت شفتيها ببطء، كأن الكلمات هربت من فمها، ثم قالت بصوت رقيق: -وأنتَ كنت دعوة مستجابة، يا “مؤمن”. ابتسم مؤمن من كلماتها التي لامست قلبه. لم يكن يعرف معنى الحب من قبل، لكنه الآن يعيشه بكل معانيه مع عائلته الجديدة، مع زوجته، جوهرته كما أطلق عليها. أمسك كفها بحنو، ثم قال: -أنا محظوظ إني أسعد إنسان في الدنيا، علشان ربنا رزقني عيله وزوجة صالحة. حاسس إن عوض ربنا جميل جدًا، وأي حاجة مهما كانت صعبة، دايمًا بتتيسر. ثم تابع مازحًا، محاولًا إخراجها من خجلها وتوترها، قائلاً: -بس مش هنسى لحظة لما كنتِ فاكرة إني عفريت، لما كنتِ تقعدي تشوفي أفلام رعب وأنا قاعد في الركن أتفرج معاك. كتمت ضحكتها واتسعت عيناها بدهشة، ثم قالت بصوت متسائل: -أنت كنت قاعد تشوف معايا أفلام الرعب؟ يا نهار أسود! ضحك “مؤمن” بخفة، ثم استمر في الحديث معها حتى نسيت خجلها وتوترها. بينما كانت السعادة تملأ المكان، قدمت أشهى الأطباق للحضور، وأصوات الأناشيد الدينية أضفت على المكان بهجة وسكينة. على الجانب الآخر، جلست “تقى” بجوار “يونس”، تغمرها سعادة غامرة بعد معاناة طويلة. بعد فقدان والدها، شعرت باليُتم والوحدة، لكن حين التقت “بيونس”، شعرت وكأن القدر قد أرسل لها سندًا وأمانًا جديدًا، جاء ليملأ حياتها طمأنينة وسكينة. لم تكن تعرف حينها من تكون، وكان سؤال "من أنا؟" ينهش عقلها دون توقف، لكنها حين نظرت إليه، شعرت أنها وُجدت. لم تتذكر الكثير، لكنه كان أول ذكرى، وأجملها. نظر “يونس” إليها فوجدها تبتسم ابتسامة صافية نابعة من القلب، يشعّ من عينيها بريق فرح لم يره من قبل. تنهد في صمت، يشكر الله على هذه النعمة. من دونها، كان تائهًا، يبحث عن نفسه وسط الوجود، يسأل "من أنا؟" ولما وجدها، عرف ذاته، ووجد هويته. عوّضته عن الكثير، واحتملت لأجله ما لم يحتمله غيرها. أحبته وقت أن نفر منه الجميع، وساندته حين ظن أنه بلا سند. ابتسم وهو يتذكر تفاصيلهما سويًا، ثم أخذ كفّها بين يديه وطبع عليه قبلة، فالتفتت إليه والبسمة لا تزال مرسومة على شفتيها، ثم قالت: -عارف يا “يونس”، النهاردة فعلاً صدقت إن ربنا بيعوّض، وإن بعد كل وجع لازم ييجي فرَج. بادلها الابتسامة، ونظر في عينيها بعمق، ثم قال: –أيوه، عندك حق. ربنا دايمًا بيبعت العوض اللي يداوي قلوبنا. أنا كنت فاكر هعيش العمر كله لوحدي وحزين عشان شكلي! ومؤمن كان فاكر عمره هيضيع في الشارع، و “حسام” كان فاكر إن “شهيرة” خلاص راحت ومش هترجع له أبدا .. يوم حلو... بس سبحان الله، كان جوا كل واحد فينا نقطة أمل، وربنا عمره ما بينسى حد. نظرت له “تقى”، ثم ضمّت ذراعها بذراعيها وأسندت رأسها عليه، وقالت بصوت خافت: –”يونس”، ممكن في يوم تبص لواحدة غيري... لو أنا مبقتش حلوة؟ أو... تبعد عني؟ رفع وجهها براحة كفّيه، ونظر في عينيها وهو يهمس بثبات: -عيوني عميانة عن الكل... ومابتشوفش غير توته. ولو فكرت تبص على حد تاني، هشيلهم من مكانهم وأبقى أعمى. وقلبي ده، سكنتي فيه من زمان، ولو يوم حب غيرك، هأسكته. أنا حبيت حنية “تقى”، طيبتها، شجاعتها، ونُبل قلبها... وجمال القلب عمره ما بيروح. خليه مطمن، لأنه هو اللي ملكني. ابتسمت “تقى” بحب، وهمست وهي تشد ذراعه ناحيتها: – وقلبي مطمّن طول ما أنت جنبه... يا نونوسي: إلى جانب إحدى الشجيرات، جلست “شهيرة” ممسكةً بيد “حسام” وهو عابس الوجه، ثم قالت: -حوسو، أنا نفسي أرقص بجد، مش ده فرح مريومة؟ لازم نفرح بيها. تنفس “حسام” بصوت عميق، ثم نظر إليها بجدية وقال: -”شهيرة”، إنتِ مش شايفة الرجالة اللي هنا؟ معقول عايزه تترقصي والناس تبص عليك!، وبعدين ده فرح ديني مش فرح أغاني للرقص. اقعدي في مكانك قبل ما أكسر دماغك. انفجرت ضاحكة بخفة وهي تتأمل ملامح وجهه الغاضب، وعيناها تدمع. ثم أمسكَت كفه برفق وقالت: -بهزر معاك يا حوس، إنت عارفني كويس. بس حبيت أشوف هتقول إيه، أو لسه بتغيير زي زمان؟ ابتسم بحب، وتدفق في قلبه شعور بالحنين لتلك الذكريات الجميلة. تذكر عندما كانوا صغارًا وكان يغار عليها من أي شيء، حتى من والدها أو شقيقه. كان حبهم ليس كأي حب، بل كان جزءًا من قلبه منذ الطفولة، حافظ عليها كثيرًا حتى من نفسه، كان يريد أن يتجمعا في الحلال، ولكن شاءت الأقدار أن يتفرقا ثم يجتمعا في الحلال. نظرت إليه بعينين مليئتين بالعشق، وكأنها تراه من جديد في كل لحظة. كان حبها له قد تخطى حدود الحب العادي وأصبح عشقًا مكتوبًا في القلب. كان هو سندها منذ طفولتها، ومنبع قوتها. تنفست براحة وقالت وكأنها تقرأ ما في ذهنه: -كانت أجمل أيام، يا “حسام” اتعذبنا واتفرقنا لكن ربنا كتب لينا لقاء جديد. استدار إليها ثم قال: -كان عندي أمل كبير في الله. كنت بزعل وأقول ليه ده بيحصل معايا؟ لكن لما عرفت إن الخير في ما اختاره الله، عرفت إن يمكن لقائنا في اليوم ده كان خير لينا. -صح يا “حسام”، بس أنا كنت خايفة أوي لما رجعت ولقيتك مش عايز تكلمني، لحد ما بصيت لي يومها وطمنتني، وفي يوم جوازنا، اطمأن قلبي. استدار بكامل جسده إليها، ثم أمسك بيدها بين راحتيه ونظر في عيونها وقال: -روحي، تطمئن في وجودك. حتى قلبي كان مات لغاية ما رجعتي، وعاش من جديد. بلاكي كانت الحياة ضلمة، إنتِ بصيص نور رجع لي الحياة. دمعت عيونها وهي تستمع إلى كلماته، ثم قالت بصوت تغلغلت فيه السعادة: -أتمنى نفضل طول العمر مع بعض، جنب بعض، نطمن بعض ونساند بعض في الدنيا دي. ابتسم ثم قال: -استني، هقولك كلام حلو على اسمك. ضحكت “شهيرة” وهي تنتظر كلماته. تنفس “حسام” بعمق ثم قال: -اسمك يحمل في كل حروفه معاني قد أوقعتني أسيرًا. كل حرف فيه، لوحده، كان رسالة حب. -في حرف "ش"، أنتِ الشمعة اللي أنارت حياتي. كنتِ النور في أيام الظلام، كلما شعرت بالضياع، كانت نظرتكِ هي التي ترشدني، مثل الشمس التي تشرق في الصباح وتضيء كل مكان حولها. ثم أضاف: -في حرف "هـ"، عيونك هاوية ساحرة، أوقعتني فيها من أول لحظة. لما بشوفك، بحس إني أغرق في بحر عيونك، بس مع كل غرق، كنتِ دائمًا الطوق الذي أنقذني، مكان الأمان اللي ما لقيته في أي مكان تاني. ثم تابع بحب: -أما في "ي"، فأنتِ "يأوي" إليّك قلبي كلما ضاقت بي الدنيا. لما كانت الحياة صعبة، كنتِ ملجأي وملاذي، أنتِ الأمل في كل يوم. قلبك هو ملاذي الوحيد، هو الأمان اللي ما لقيته في أي مكان تاني. ثم ابتسم وقال: -في "ر"، رهنتُ على قلبك من أول لحظة، وكل يوم كنتِ تملكين فيه جزءًا جديدًا من روحي. ولا يوم حسيت إني خسران، لأنك إنتِ المكسب الحقيقي في حياتي. أخذ نفسًا عميقًا ثم أكمل بحب: -وفي "ة"، خاتمة حبك هي أسطورتنا اللي هتفضل مخلدة في قلبي للأبد. إنتِ بداية ونهاية، إنتِ كل شيء في حياتي. "ة" هي النهاية الوحيدة اللي بحبها، خاتمة ما فيش لها مثيل، خاتمة حبنا اللي مفيش بعد كده. نظر إليها بحب عميق وقال: -كل حرف في اسمك، يا حبيبتي، هو جزء مني، من قلبي، من روحي. في تلك اللحظة، كانت “شهيرة” تنظر إلى “حسام” بعينيها المليئة بالحب، والدموع تلمع في عينيها. كان صوت “مريم” يملأ الأرجاء، حيث اجتمع الجميع لالتقاط صورة تذكارية تعكس حب العائلة ودفئها. كانت تلك الصورة تجمع بين الابتسامات والنظرات اللامعة، وكل الوجوه تحمل ملامح الفرح، وكل القلوب مليئة بالسكينة والاطمئنان. كان كل فرد في تلك اللحظة يشعر بالسعادة الحقيقية، كما لو أن الزمن توقف ليحمل في طياته لحظة نادرة. تجمعوا جميعًا حول “مريم”، وكانت هي في وسط الصورة، ممسكةً بيد “مؤمن” الذي كان يقف إلى جانبها، وعينيها تحكي قصصًا من الفرح، بينما كانت ابتسامتها تضيء المكان، وكأن ضوءها يكتب أسطورة جديدة من السعادة. على الجانب الآخر، كانت “تقى” تقف إلى جانب “يونس”، حيث كان يحتضنها بذراعه، وعينيه تراقبها بحبٍ عميق، لا يلتفتان نحو الكاميرا. أما “شهيرة” فكانت تقف بجانب “حسام”، ممسكةً بيده، وبسمة مشرقة تملأ وجهها، وعينيه تشع بنور الطمأنينة وكأن قلبه وجد راحته بجانبها. أما باقي أفراد العائلة، فقد وقفوا معًا، يشاركون في تلك اللحظة الجميلة، وكأنهم قطعة واحدة. ثم التقطت الكاميرا تلك الصورة، التي لم تكن مجرد صورة عادية، بل كانت ذكرى تحمل في طياتها روحًا من الحب والصفاء. كانت لحظة تجسد الوفاق العائلي والسعادة البسيطة التي لا تقدر بثمن. كان “يونس” يقف هناك، وسط العائلة، يتأمل اللحظة بكل تفاصيلها. تذكر كل تلك اللحظات التي مر بها، وهو يسأل نفسه مرارًا: *"من أنا؟"* كانت الأسئلة تتراكم في قلبه وعقله، يبحث عن إجابة في زوايا الحياة، في تجاربه، في الوجوه التي مر بها، وفي الأماكن التي زارها. لكنه لم يجد جوابًا يُرضي قلبه؛ كان يشعر دائمًا بنقص، وكأن هناك شيئًا ناقصًا في روحه. ثم جاء اليوم الذي وقفت فيه “تقى” بجانبه، فشعر بشيء مختلف. كان ذلك الشعور الذي لا يمكن تفسيره بالكلمات، وكأن شيئًا في قلبه بدأ يكتمل. وعندما اجتمع الجميع حول مريم، وكانت العيون تلمع من الفرح، بدأ يونس يتساءل مجددًا: *"من أنا؟"* لكنه هذه المرة لم يكن يبحث عن إجابة بعيدة أو غامضة، بل وجد نفسه هنا، في وسط عائلته، في لحظة حب لا توصف. في تلك اللحظة، بينما كانت الابتسامات تملأ الوجوه، والقلوب تفيض بالسلام، أدرك “يونس” أنه كان دائمًا يبحث عن نفسه في الأماكن البعيدة، في كل مكان إلا حيث يجب أن يكون. *"لقد كنت أبحث عن نفسي في عالمٍ شاسع، بينما كنتُ أجدها هنا، مع تقى، ومع هذه العائلة التي تشع حبًا ودفئًا."* أغمض عينيه للحظة، وشكر الله في قلبه على تلك النعمة التي وهبها له، على هذا الحب الصادق الذي أراه في عيون من حوله. كان يشعر بسلام داخلي لم يشعر به من قبل، وكأن الله قد أرشده إلى المكان الصحيح، إلى الأشخاص الذين سيكملون مسيرته. قال لنفسه: *"لقد وجدت نفسي، وجدت من أكون. ليس في المال، ولا في الشهرة، ولا في أي شيء من هذا القبيل. بل في حب هؤلاء الذين هم أقرب الناس إليّ. في تقى، في مريم، في شهيرة، حسام، احمد، زينب، في كل واحد منهم."* وابتسم “يونس”، وهو ينظر إلى الجميع حوله، وهو يشعر بعطاء ربنا الجميل، الذي رزقه هذه العائلة، وهذه اللحظة التي تعكس كل ما يحتاجه الإنسان ليشعر بالاكتمال. *"نعم، الآن فهمت... أنا هنا، أحاط بحبهم، في دفء عائلتي، وهكذا أجد نفسي. تمت بحمد الله