من انا بقلم حليمة عدادي ج3

رفعت “مريم” رأسها بسرعة بعد أن استمعت إلى كلمات والدها، وكأنها تبحث عن فرصة لتشرح له أنها لم تُحادث “مؤمن” يومًا، ولم يكن بينهما أي شيء من الأساس!كانت كلمات والدها ثقيلة على قلبها، لا لأنها ظنت أنه يلومها، بل لأنها شعرت أنها موضع شك، وهي بريئة.
في ذات اللحظة، كاد “مؤمن” أن يتكلم، أن يصرخ بالحقيقة، أن يُخبر “أحمد” بأنه لم يُحدث ابنته قط، ولم يقم بشيء يغضب الله أو يُحزن أهلها.
لكن وقبل أن ينطق أحدهما، وكأن “أحمد” قرأ ما يدور في صدريهما، كسر الصمت وقال بصوته الهادئ الحازم:
-عارف إنكم ولا مرة اتكلمتوا مع بعض، وكمان ولا مرة عملتوا حاجة غلط.
أنا بس بقول الكلام ده علشان تفضلوا على نفس الطريق، وما تمشوش ورا قلبكم وتضيعوا.
القلب وقع ناس كتير في الغلط، ناس كانت نيتها كويسة، بس مشيت ورا إحساسها وضيعت نفسها.
حافظوا على بعض… بس من بعيد.ابعدوا، لحد ما ربنا يكتبلكم تكونوا لبعض في الحلال،وساعتها؟ اتكلموا براحتكم… وحبوا وانتم متطمنين.
وقف “مؤمن” فجأة، ثم انحنى وقبّل يد “أحمد” بعينين يملأها الإصرار والعزيمة، وقال بصوتٍ ثابت:
-بوعدك يا عمي، إني مش هبصلها غير لما تبقى معايا في الحلال.ووعد شرف… هعمل كل اللي أقدر عليه، لآخر نفس فيا، علشان أكون جاهز وأجي أطلبها منك.
هكون أعمى عن كل حاجة غير الطريق الصح، وهفتح من تاني بس لما نجتمع في الحلال.
ومن اللحظة دي، هعمل المستحيل علشانها… علشان نكون لبعض زي ما ربنا يحب.
أنهى “مؤمن” كلماته، وكانت “مريم” لا تزال واقفة، تكاد تختنق من نبضات قلبها التي اشتدت حتى شعرت أنها تسمعها بأذنيها.لم تستيع أن تتحمّل أكثر، فاستدارت مسرعة، تتعثر في خطواتها من شدّة خجلها، وهرعت إلى داخل البيت حتى اختفت عن أنظارهما.
أما “مؤمن”، فقد انحنى برأسه، احترامًا وثِقلاً لما نطق به قلبه قبل لسانه.وقف “أحمد”، وربّت على كتف “مؤمن” وقال بابتسامة هادئة:
-ربنا يجمعكم في الحلال يا ابني… وتكونوا سند لبعض،وأنا معاكم إن شاء الله، لحد ما أفرح بيكم، و أعمل لكم فرحكم
اغرقت عينا “مؤمن” بالدموع، وقد انشرح صدره فرحًا. لم يكن يتخيل يومًا أن يُصبح له عائلة، أو أن يحظى بهذا العِوَض الجميل. دخل هذا البيت غريبًا يحمل ألمه، فوجد فيه الدواء لجروحه، والدفء الذي افتقده، والحنان الذي لطالما تمناه. ما أجمل العِوض حين يأتي من عند الله، في هيئة أهل وقَبول وطمأنينة.نظر إلى “أحمد”، والدموع لا تزال تلمع في عينيه، وقال بصوتٍ متهدج من شدة التأثر:



