من انا بقلم حليمة عدادي ج3

وصلوا إلى غرفة صغيرة، فانحنى أحد الرجال وسحب زربية قديمة، كاشفًا عن بابٍ خشبيّ في الأرض. فتحه بسرعة، وظهر من تحته سلّم خشبيّ ينزل إلى الأسفل. بدأ الرجال النزول واحدًا تلو الآخر، وتبعهم (أحمد ويونس)، وقلب أحمد ينبض بعنف.!
كان يشعر وكأنه يقترب من هوةٍ سحيقة، وكان يدعو في داخله أن تمرّ تلك اللحظة دون أذى.
هبطوا إلى غرفة واسعة، يغمرها الظلام، لا يُضيئها سوى بعض الشموع المتناثرة هنا وهناك، وعلى أطرافها هياكل عظمية بشرية، وفي المنتصف، كانت تجلس امرأة، مُنحنية الرأس، تلبس السواد كأنها سحابة مظلمة تهبط على المكان.
أمامها إناء من المعدن، تتصاعد منه أدخنة كثيفة وشرر جمرٍ متّقد.
وقف الجميع في صمتٍ رهيب، والجو مشحون برائحةٍ كريهة تُقزز الأنوف.
أشعلت المرأة عددًا من الشموع أمامها، ثم رفعت رأسها ببطء.
كانت عجوزًا، ملامحها غائرة، عيناها غائرتان وسط تجاعيد كثيفة، وبشرتها باهتة كأنها من عالم الأموات!.
أنفها معقوف وفمها بلا شفتين تقريبًا، وأسنانها صفراء متآكلة… كأنها مخلوق خرج لتوّه من كابوسٍ دفين حركت فمها في حركة بطيئة و قالت:
-انتوا مين و ليه جايين و مين ضحيتكم.
تقدّم “أحمد” نحوها بخطوتين، ثم قال بنبرة نفي حازمة:
–إحنا مش جايين علشان نأذي حد، إحنا جايين علشان تفكي اللعنة اللي عملتيها لابني من سنين طويلة.
رفعت رأسها تنظر إليه، تحاول استدعاء أي ذكرى من الماضي، لكن دون جدوى.
تناولت شمعة كبيرة بيدها ورفعتها أمامها ثم قالت:
–قرّب انتث اللي اتعملك السحر، علشان أفتكر، واقعد قدّامي.
تقدّم “يونس” نحوها بحذر، ثم جثا على ركبتيه أمامها، وسط التراب، مختنقًا من الرائحة الكريهة التي ملأت المكان.
رفعت الشمعة أمام وجهه، ويدها ترتجف، تحدّق فيه بدقة، تحاول أن تتذكّره. ثم نظرت إلى ذراعه وقالت:
–شيل هدومك من فوق، وريني دراعك، عايزه أشوف الجلد علشان أتأكد.
رفع يونس كمّ قميصه ليكشف عن ذراعه. وما إن وقعت عيناها عليه، حتى صرخت بغضب، صوتها مخيف تردّد صداه في المكان، ثم صاحت:
–إنت ابن فاطمة وماجد! إنت اللي اتعملتلك اللعنة وانت لسه في اللفة صغير!
وقبل أن ينطق “يونس” بكلمة، تدخّل “أحمد” برجاء:
–هو ملوش ذنب في اللي عملته أمه بالله عليكِ، فكي اللعنة دي عنه.


