من انا بقلم حليمة عدادي ج3

أما “أحمد”، فتركهما ودخل إلى الداخل وحده، بينما “يونس” لفّ ذراعيه حولها، يحتضنها بحنو، كأنه يعالج خوفها بحضنه، وكأن الحياة عادتإليه من جديد.
ابتعدت عنه قليلًا، أمسكت وجهه بين يديها، وبصوت تغلبه الدموع والخوف، قالت:
–يونس، طمني عليك، إنت كويس؟ إنت بخير؟ ليه تخوفني عليك كده؟
أمسك يديها بين كفيه، وقبّلهما بحب، وعيناه لا تفارقان عينيها، كأن فيهما يجد موطنه وسكينته، ثم قال:
– حقك عليا يا قلبي، بس والله ما قدرت أكلمك ولا أطمنك، أنا آسف.
نظرت إليه مطولًا، تتفحص وجهه، تتحقق من أنه بخير، ثم أمسكت بيده وقالت:
–الحمد لله إنك رجعتلي بخير. وبلاش تعمل فيا كده تاني. تعال، نقعد نتكلم… ومرة تانية، رجلي على رجلك… كنت فين؟
أمسك بيدها برفق، وكأنّ يده تستمد منها طمأنينة خافتة، وتقدّما سويًا إلى الداخل، حيث كانت العائلة مجتمعة في الصالة الواسعة.
كانت الأنوار خافتة، وصوت المروحة يتداخل مع همسات القلق التي تسكن المكان. عيونهم اتجهت إليه بمجرد دخوله، وكأنهم ينتظرون منه إجابة لكل ما يدور في عقولهم.
ألقى عليهم التحية بصوت منخفض، ثم جلس بينهم وقد ارتسم على وجهه الإرهاق، وانطفأت في عينيه شرارة لم تكن لتختفي لولا ثقل ما يحمله. تبادلوا النظرات، ثم انهالت عليه الأسئلة:
ـ حصل إيه هناك؟ في أي خبر عن الست يا “يونس”؟
ـ طمّنا يا “أحمد” إنت .
بدأ “أحمد” يسرد ما جرى، وكلماته تخرج بتأنٍ، كأنه يحاول انتقاءها بعناية كي لا يزرع فيهم رعبًا أكبر مما يكفيهم.
وعندما اقترب من ذكر ما طلبته الساحرة، قاطعه “يونس” سريعًا، بصوت حمل توترًا واضحًا:
-خلاص يا بابا، ده اللي حصل بس، والمرة الجاية هنعرف أكتر.
رفع “أحمد” حاجبيه، وأدار وجهه نحوه بحدة، ثم قال بتصميم:
-بلاش نخبي عليهم يا أحمد! مراتك لازم تفهم، وتعرف كل حاجة.
تبدلت ملامح “يونس” في لحظة، وبدا كمن سُحب منه الهواء. أراد الاعتراض، لكن لسانه انعقد، ووسط هذا التوتر، كانت “تقى” تنظر إليه بقلق متزايد. شفتيها ترتعشان، وعيناها متسعتان في ترقّب.
لم تفهم المقصود بكلمات أحمد، لكنها شعرت بأنها تحمل شيئًا خطيرًا.
نظر إليها “يونس”، وكانت عينيه تطلبان المغفرة. تمنى لو يستطيع أن يمنع أحمد، أن يحجب عنها الحقيقة. لكنه لم يفلح، إذ قال أحمد بصوت حازم:



