من انا بقلم حليمة عدادي ج3

وبينما كان غارقًا في شروده، سمع خطوات تقترب من خلفه. التفت، فإذا بـ”يونس” يقف خلفه ينظر إليه بتساؤل. وما إن اقترب منه حتى قال:
-بابا، في إيه؟ أنا شايف الناس بتجري منك، في إيه؟
تنهد “أحمد”، وأخذ ينظر حوله وكأنه يبحث عن شخص يساعدهم، ثم قال:
– ماعرفش يا ابني، بس كلّ ما أقول اسمها لحد، يهرب! شكلهم بيخافوا منها!
شعر “يونس” بالإحباط، وتسللت ملامح الحزن إلى وجهه. أخذ يدير بصره في كل اتجاه، باحثًا عن أمل جديد، علّه يجد مَن يدلّهم على الطريق. وبينما هما واقفان، خرجت سيدة عجوز من أحد المنازل القريبة، تستند على عصاها الخشبية وتمشي ببطء؛ يدلّ على كبر سنها. اقتربت منهما، ورفعت بصرها إليهما وقد بدا على وجهها التعجب من مظهرهما الغريب عن أهل القرية، ثم قالت:
-بتدوروا على حد؟ شكلكم مش من هنا باين عليكم تايهين.
ابتلع “يونس” ريقه، وكأنّه يبتلع قلقه، خائفًا من أن يسألها فتفرّ هاربة مثل الآخرين. لكنّ والده كان أسرع منه، فسألها قائلًا:
-أيوه، إحنا فعلاً مش من هنا بندور على بيت (السحارة نيرة)…
تبدلت ملامح العجوز سريعًا، وظهر الغضب ممزوجًا بالنفور في عينيها، مما زاد من توتر “يونس” ووالده، إذ كانت أملهما الأخير للوصول إلى تلك الساحرة.. لم يدم صمتها طويلًا، إذ صاحت بغضب:
-يا أخي حرام عليكم؟ جايين تأذوا مين؟ ما بتخافوش ربنا؟
بدت علامات الدهشة والحيرة على ملامحهما، إذ لم يدركا بادئ الأمر عن أي أذى تتحدث. غير أن “أحمد” خمّن سريعًا أنها تظن أنهما جاءا لأعمال السحر، فبادر بتوضيح مقصدهما:
-بصي، إحنا مش جايين نأذي حد، إحنا جايين نعرف إزاي نفك السحر اللي هي عملته على ابني.
نظرت إليهما في شك واستغراب، ثم تساءلت:
-إزاي تفك سحر هي إللي عملته علشان تأذيه؟ هي لو أذت حد، معقول هترجع تساعده؟!
تنهد “أحمد”، ثم قال بصوت هادئ وقد أدرك أنه لا مفر من قول الحقيقة:
-أنا هقولك كل حاجة، وبتمنى تساعديني، علشان مش عايز أسأل حد تاني ويهرب مني.
ارتسمت على وجهها ابتسامة باهتة ساخرة، تخفي خلفها قصصًا لا تُروى إلا لمن عاشها. ثم قالت بصوت خافت:
-الناس بتخاف منها، ومفيش حد بيقدر حتى يجيب سيرتها أو يقرب من بيتها… تعالى، نتمشى واحكيلي جاي ليه عندها.
تحركت العجوز ببطء، وقد أثقلها الزمن، تستند على عصاها التي كانت سندها الوحيد، بينما “أحمد ويونس” يسيران بجانبها على مهل.
بدأ “أحمد” يسرد عليها حكاية “يونس” وما حل به، متجنبًا ذكر اسم والدته وبعض التفاصيل.
أنصتت إليه العجوز بانتباه، حتى وصلوا إلى مكان تكسوه الأشجار الكثيفة، يخبئ في أعماقه منزلًا خشبيًّا مرتفعًا، تكاد الأشجار تحتضنه من كثافتها. توقفت العجوز أمامه، ونظرت إليه بعينين جامدتين، ثم قالت:




