من انا بقلم حليمة عدادي ج3

ثم تابع مازحًا، محاولًا إخراجها من خجلها وتوترها، قائلاً:
-بس مش هنسى لحظة لما كنتِ فاكرة إني عفريت، لما كنتِ تقعدي تشوفي أفلام رعب وأنا قاعد في الركن أتفرج معاك.
كتمت ضحكتها واتسعت عيناها بدهشة، ثم قالت بصوت متسائل:
-أنت كنت قاعد تشوف معايا أفلام الرعب؟ يا نهار أسود!
ضحك “مؤمن” بخفة، ثم استمر في الحديث معها حتى نسيت خجلها وتوترها.
بينما كانت السعادة تملأ المكان، قدمت أشهى الأطباق للحضور، وأصوات الأناشيد الدينية أضفت على المكان بهجة وسكينة.
على الجانب الآخر، جلست “تقى” بجوار “يونس”، تغمرها سعادة غامرة بعد معاناة طويلة.
بعد فقدان والدها، شعرت باليُتم والوحدة، لكن حين التقت “بيونس”، شعرت وكأن القدر قد أرسل لها سندًا وأمانًا جديدًا، جاء ليملأ حياتها طمأنينة وسكينة.
لم تكن تعرف حينها من تكون، وكان سؤال “من أنا؟” ينهش عقلها دون توقف، لكنها حين نظرت إليه، شعرت أنها وُجدت. لم تتذكر الكثير، لكنه كان أول ذكرى، وأجملها.
نظر “يونس” إليها فوجدها تبتسم ابتسامة صافية نابعة من القلب، يشعّ من عينيها بريق فرح لم يره من قبل.
تنهد في صمت، يشكر الله على هذه النعمة. من دونها، كان تائهًا، يبحث عن نفسه وسط الوجود، يسأل “من أنا؟” ولما وجدها، عرف ذاته، ووجد هويته.
عوّضته عن الكثير، واحتملت لأجله ما لم يحتمله غيرها. أحبته وقت أن نفر منه الجميع، وساندته حين ظن أنه بلا سند.
ابتسم وهو يتذكر تفاصيلهما سويًا، ثم أخذ كفّها بين يديه وطبع عليه قبلة، فالتفتت إليه والبسمة لا تزال مرسومة على شفتيها، ثم قالت:
-عارف يا “يونس”، النهاردة فعلاً صدقت إن ربنا بيعوّض، وإن بعد كل وجع لازم ييجي فرَج.
بادلها الابتسامة، ونظر في عينيها بعمق، ثم قال:
–أيوه، عندك حق. ربنا دايمًا بيبعت العوض اللي يداوي قلوبنا. أنا كنت فاكر هعيش العمر كله لوحدي وحزين عشان شكلي! ومؤمن كان فاكر عمره هيضيع في الشارع، و “حسام” كان فاكر إن “شهيرة” خلاص راحت ومش هترجع له أبدا .. يوم حلو… بس سبحان الله، كان جوا كل واحد فينا نقطة أمل، وربنا عمره ما بينسى حد.
نظرت له “تقى”، ثم ضمّت ذراعها بذراعيها وأسندت رأسها عليه، وقالت بصوت خافت:
–”يونس”، ممكن في يوم تبص لواحدة غيري… لو أنا مبقتش حلوة؟ أو… تبعد عني؟
رفع وجهها براحة كفّيه، ونظر في عينيها وهو يهمس بثبات:
-عيوني عميانة عن الكل… ومابتشوفش غير توته. ولو فكرت تبص على حد تاني، هشيلهم من مكانهم وأبقى أعمى. وقلبي ده، سكنتي فيه من زمان، ولو يوم حب غيرك، هأسكته. أنا حبيت حنية “تقى”، طيبتها، شجاعتها، ونُبل قلبها… وجمال القلب عمره ما بيروح. خليه مطمن، لأنه هو اللي ملكني.



