من انا بقلم حليمة عدادي ج3

«باك»

انهت كلماتها وهي لا تزال على نفس هدوئها وصلابتها، مع تلك الخطوط القاسية التي تميز ملامحها. أخذت رشفة من الماء، وقبل أن تكمل، قطع “حسام” حديثها مرة أخرى متسائلًا:

-إزاي تكوني عملتي كدة؟ مستحيل تكوني بشر زيينا! إزاي ضحيتِ بابنك عشان الفلوس؟! دمرتي حياته! إزاي لسه عندك ضمير تيجيي بيه هنا؟!

ردت عليه بكلمات مختصرة، وبكل جمود كما اعتادت:

-حتى أبويا باعني عشان الفلوس، وحرق قلبي. مش بقي عندي قلب أحب بيه حتى ابني.

-كملي كلامك بسرعة واطلعي من هنا، عشان مستحيل اسمح لك ترجّعي الحزن لقلب أخويا حتى لو كنت هقف قدامك علشانه.

رمقته بنظراتها ثابتة، التي تشبه جمود الجليد، ثم اكملت حديثها بنفس نبرة الجمود تلك قائلة:

-يومها بقيت بدور على أي عيلة اشتغل عندهم،و اسيب “يونس” عندهم و بعدها أهرب بكل أملاك جوزي و مفيش حد هيدور ورايا، كنت عارفه ان “وليد” مش هسيب “يونس”!
بس الفلوس كانت عندي أهم، جيت و اشتغلت كام يوم هنا وبعدين سيبت ليهم “يونس”، و وقتها بعت كل ممتلكات جوزي و هربت بالفلوس و سبت كل حاجه ورايا حتى مراته سيبتها..

توقفت عن الكلام تبتلع لعابها لترطب حلقها الجاف من كثرة الحديث، و تنهدت بعمق ، و كأن ذكريات الماضي تثفل كاهلها، لا ترغب في سرد ما قد حدث سابقاً أو بالأحرى لا يهمها ما مضي كانت تريد الخلاص منه بشتى الطرق، و تضحي بكل شيء مثلما فرطت ب فلذة كبدها و هو لا يدري شيء…

دام صمتهم لدقائق كل منهم ينتظر أن يبوح أحد منهم بأسئلته التي تمكث في ذهنه و تزعجه، كسرت “زينب” لحظة صمتهم و أنقذت ادمغتهم من تلك الاسئلة التي تلتهم عقولهم في الداخل وتتحجر الكلمات في أفواههم لا تريد الخروج!

-ليه رجعتي دلوقتي؟ و إزاي عرفتي إن “يونس” هتجيه الحالة دي في الوقت ده بالذات و ان القران علاجه؟

اعادت النظر لهم و تدافعت في ذهنها ذكريات مؤلمة و كل ما علمته حين تخلت عن ابنها من دون ان يرف لها جفن او يتحرك لها قلب، و قد تجمدت كل مشاعرها و أصبحت كتلة جليد لا ينصهر، و ذهب ضميرها و استحوذ عليه طمعها، و كأن ما فعله بها والدها يكون ضحيته ابنها البريء، الذي قد اتى لحياة مشبعة بالطمع و يلتف حوله مثل ثعبان الشر، و لكن الله كان به رحيماً،و سخر له عائلته الجديدة عوضاً

-أنا رجعت علشان “يونس” يعرف الحقيقة، بعد ما سيبته ليكم رجعت عشت حياة مُرّة مع المرض إللي أخذ مني كل حاجه فلوسي صحتي، بقيت بس بدور إزاي اتعالج و ألقي حل لإبني علشان يتفك من عليه اللعنة دي، بس عرفت أن هيبقى تيجي له الحالة دي كل ما يفرح و مفيش حاجه هتهديه غير القران.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *