من انا بقلم حليمة عدادي ج3

ترك «يونس» الجميع، خرج تائهاً وباكياً، غير مدركٍ لما يحدث أو لما يشعر به. في وسط أيامه الجميلة، ظهرت له والدته ثم اختفت بسرعة. حتى دموعه التي لم ترغب بالسقوط، بقيت عالقة على جفونه، تعكس ألمه العميق حين ظهرت «فاطمة» فجأة في حياته، لم يكن مستعدًا لمثل هذا اللقاء، ولا لهذه الحقيقة التي نسفت ما كان يظنه يقينًا. عاش عمره كله معتقدًا أن العائلة التي احتضنته هي أهله، لم يشك لحظة في حبهم أو انتمائه إليهم. لم يشعر قط بالغربة بينهم، بل كانوا له السند والمأوى.وحين عرف أن «فاطمة»، المرأة الغريبة التي ظهرت فجأة، هي والدته التي تركته لأجل المال، شعر وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه. لم يعرف بماَ يشعر… أهو الغضب؟ أم الحزن؟ أم الفراغ؟ كانت مريضة، تحتضر، تطلب المغفرة، لكنه لم يعرفها، لم يعش معها، لم يسمع صوتها تناديه يومًا.ورغم كل شيء، حين رحلت، شعر بشيءٍ انكسر بداخله… لم يكن حبًا بقدر ما كان حزنًا على فرصة ضائعة، على أم لم يعرفها، وعلى أسئلة لن يُجاب عنها أبدًا.لكنه لم يستطع البكاء طويلًا، فقد كانت ذكراها عابرة، وظل قلبه مع أولئك الذين أحبوه بصدق دون أن تربطهم به صلة دم.تراجعت دمعة خفيفة عن عينيه، ثم عاد إلى الداخل ليبقى مع والديه حتى الانتهاء من دفن «فاطمة»، التي غادرت الحياة دون أن أتمكن من قضاء يوم واحد مع ابنها. رحلت بمفردها كما عاشَت، ولم يرافقها في رحيلها المال الذي أحبته، ولم تأخذ معها شيئًا من متاع الدنيا سوى أعمالها.

عندما انتهوا من دفنها، عاد «يونس» ووالديه إلى منزلهما، وما إن وصلوا حتى هرع إليهم الجميع بقلق. اقتربت منه «تقى» بلهفة وقلق، ثم سألته بصوت يحمل في طياته مشاعر الخوف:

-يونس أنت كويس أنت بخير طمني عليك.

أخذ بيدها ونظر إليها، وكان التعب واضحاً على ملامحه. ثم قال بتعب:

-عايز بس أستريح شوية يا تقى، انا هكون بخير.

أنهى كلماته وانصرف معها إلى غرفته، فلم يعد لديه طاقة للحديث أو لتوضيح ما حدث. لقد استنزفت قواه، وكان ذلك أصعب يوم في حياته، على الرغم من أنه كان يعتقد أنه سيكون أسعد يوم، إذ كان قد التقى محبوبته في إطار الحلال. لكن كل شيء قد تعكر بقدوم تلك السيدة التي هدمت سعادته. تحرك نحو الخزانة، وأخرج ثيابه، ثم دخل الحمام الملحق بالغرفة، حيث استحم بسرعة، غير ملابسه، وخرج ليجلس بجانب تقى. فمدت يدها لتأخذ بيده، وقالت بحزن من أجله:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *