من انا بقلم حليمة عدادي ج3

مهما حاولت التماسك، كان الحزن يثقل قلبها، ويشعر جسدها بالإرهاق. كان ذهابه كأنه فصل جزءاً منها عن نفسها، لتبقى نصف جسد. مسك يدهَا برفق وضغط عليها بحنان، ثم قال:
-“تقى”، بلاش الحزن ده اللي في عيونك، وإلا مش هروح.
جاهدت كثيرًا لكي تخفي حزنها، ورسمت بسمة على شفتيها، وهي تهرب من النظر في عينيه، ثم قالت:
-مش زعلانة يا “يونس”، إنت بس مكبر الموضوع. يلا، علشان تروح.
رغم أنها حاولت إخفاء مشاعرها، إلا أنه كان يعرفها جيدًا. لكنه كان مصممًا على الذهاب لمَ هو عازم عليه، ليعيشوا بسلام بقية حياتهم.
تقدم إلى والدته وعانقها، ثم ودع البقية، وخرج مع الجميع إلى السيارة. استقل أحمد مقعده بينما “يونس”، عاد إليها و وضع قبلة على جبينها، ثم همس في أذنها قائلاً:
-هرجع ليك يا توتيه، بلاش حزن يا قلبي.
أنهى كلماته، ثم ركب جانب والده، وانطلقوا في طريقهم، وكلهم أمل ينبض داخلهم. بينما ذهب “حسام” و”مؤمن” إلى العمل، دخل البقية إلى المنزل.
في سيارة “أحمد”، استمر الصمت بينهم سوى صوت أنفاس “يونس” المضطربة، وقلبه الحزين على محبوبته.
كان يشعر بالخوف الذي يتراكم داخله من عدم إيجاد علاج لهذه اللعنة، وأنه ربما يعود إليها وقد جرّ خلفه خيباته، ويحرّمها من سعادتها. أخرجه من شروده صوت “أحمد” قائلاً:
-اطمئن يا “يونس”، إن شاء الله خير، وبلاش تفكر كتير.
تنهد “يونس” بعمق، ثم نظر إلى الطريق يراقب الأشجار الكثيفة التي كانت على جانب الطريق، وكان الطريق المؤدي إلى القرية فارغًا، لا يوجد به سوى الأشجار الكثيفة.
بعد مدة من الوقت، وصلوا إلى القرية، وتوقفوا. نظروا إلى المارة، ثم نظر “أحمد” إلى ابنه وقال:
-هنزل أسأل حد عن بيت السحارة “نيرة”، يمكن حد يدلنا على مكانها، لأننا مش عارفين هي فين؟.
فور أن أنهى كلماته، نزل من السيارة وتوجه صوب مجموعة من الشباب. ألقى عليهم التحية، ثم تحدث متسائلًا:
-حد يعرف فين بيت السحارة نيرة أو معاه عنوانها؟
فور أن أنهى كلماته، فر الجميع هاربين، كأنما طرح عليهم قنبلة، وليس مجرد سؤال. وكل من سمع السؤال، هرع بعيدًا.
من انا
الفصل 29
وقف “أحمد” مذهولًا، وقد ارتسمت على وجهه علامات الدهشة والاستغراب مما حدث. واستمر شعوره بالحيرة كلما سأل أحدًا عن الأمر، فيفرّ هاربًا دون أن يجيبه. شعر بخيبة أمل، وبدأ الحزن يغزو ملامحه. لم يستطع العودة إلى السيارة، بل بقي واقفًا في مكانه، حائرًا في كيفية العثور على منزل تلك الساحرة قبل أن يحلّ الظلام.




