من انا بقلم حليمة عدادي ج3

لكن “يونس” لم يكن يسمع أو يرى شيئًا مما حوله، وراح يكسِّر كلَّ شيءٍ في طريقه. فجأة، سقط على ركبتيه، وانهمرت دموعه، وأصبح نصف وجهه مخيفًا! ثم انهار على الأرض فاقدًا للوعي.
تدافع الجميع حوله في هلعٍ وبكاء، وقد تحوَّلت فرحتهم إلى حزنٍ وذعر. أمسكت “تقى” رأسه بين يديها، وصاحت ببكاء:
-“يونس”! “يونس”! رد عليّ! ماله؟ ماما! حصله إيه؟ ردي عليّ!
فور أن انتهت “تقى” من كلماتها الممزوجة بالبكاء، جاء الرد من شخص خلفها قائلاً:
-أنا عارفة السبب اللي خلا” يونس” كده.
من أنا
25
نزلت كلمات تلك السيدة إلى مسامعهم كقذيفة مفاجئة، فاستداروا نحوها في لحظة واحدة، ملهوفين، يبحثون في حديثها عن بارقة أمل لإنقاذ “يونس”.
كان كلٌّ منهم يتمنّى أن يكون ما تقوله هو الطريقَ الوحيدَ الذي قد يُنقذه. وحين رأوه وبدأوا يتعرّفون على هويّتها، تجمّدت الأنفاس، وتوقّفت اللحظات في أعينهم.
أما العائلة، فقد وقفوا مشدوهين أمام تلك السيدة التي كانت في سن “زينب”، تقف ثابتة بلا تعبير على وجهها، كأنها تمثال.
الأبناء لم يتعرفوا عليها، لكن “زينب” فزعت حين رأتها، وعرفت على الفور من هي!
” أحمد” كذلك، لكن صدمتها لم تدم طويلًا. ابعدوا نظرهم عنها وركضوا بسرعة إلى “يونس”. حملوه في عجلة إلى غرفته وسط نحيب “تقى” الذي كان يمزق القلوب… وضعوه على سريره، فركض “حسام” نحو هاتفه وقال:
-بابا، هكلم الدكتور بسرعة، يجي يلحق أخويا من اللي صابه
-“يونس” مش محتاج دكتور يا ابني، “يونس” محتاج قرآن.
قالت السيدة ذلك وهي تتقدم نحو “يونس” بنظرة جامدة، ثم أضافت:
-حد منكم يقرب منه، ويحط إيده على رأسه، ويقرأ قرآن بسرعة لو عايزين تنقذوه.
لم يعطِها “حسام” فرصة لتكمل، فركض إلى جانب شقيقه بدون تفكير، و جلس بجانبه ووضع يده على جبينه، وبدأ يتلو ما تيسر من القرآن بصوت هادئ، بينما قلبه كان ينبض رعبًا خوفًا من أن يحدث شيء لشقيقه.
كلما ارتفع صوته في التلاوة، بدأ العرق يتصبب من جبين “يونس” كالسيل، وحرارته ارتفعت كأن جسده وسط نيران مشتعلة..
جسده بدأ يتحرك بشكل عشوائي، ودموعه تتساقط بغزارة… كان وجهه شاحبًا، جلده أصبح شبيهًا بجلد الثعابين، ونصف وجهه الآخر بدا مخيفاً….
كلما ساءت حالة “يونس”، زاد صوت “حسام” قوة في تلاوة القرآن. وبعد فترة قصيرة، بدأ “يونس” يسترخي شيئًا فشيئًا، حتى هدأ جسده وعاد إلى طبيعته. ثم فتح عينيه وحرك جفونه بصعوبة، وقال بصوت خافت:
-ميه….ميه…




