من انا بقلم حليمة عدادي ج3

أمسكت الساحرة شيئًا أسود اللون، وألقته في الجمر المشتعل. اشتعلت النار بقوة، وتصاعدت ألسنتها عاليًا، حتى أضاء المكان بالكامل، وانكشف الوسط بوضوح.
ثم رفعت يدها، وقد برزت عروقها وتحولت يدها إلى ما يشبه هيكلًا عظميًا، وقالت:
–فين “فاطمة” دلوقتي؟ تيجي تشوف عملت إيه في ابنها!
تنهد “أحمد”، كأنما يُخرج ضيقه وقلقه مع كل زفير، وأدرك أن الأمور لن تكون سهلة، وأن عليه التحلي بالهدوء للحصول على ما يريد.
جلس إلى جوار “يونس”، وبدأ يقص عليها كيف تخلّت “فاطمة” عن ابنها. لكنه لم يذكر عودتها، ولم يفصح عن كل التفاصيل. وحين انتهى، قال متوسلًا:
– “يونس” ضحية ومالوش ذنب، وانتي كمان ضحية “فاطمة”، ساعديه بالله عليك.
سادت لحظة من الصمت المشحون بالخوف والقلق، قبل أن ترد الساحرة بنبرة حاسمة:
–مفيش حاجة من غير مقابل. علشان تفك اللعنة، عايزه فلوسي الأول، المبلغ اللي هطلبه، وبعدها، لازم دم من مراتك.
لو مش متجوز، تتجوز، وتيجي ومعاك خصلة من شعرها، وحته من فستانها، وبدلة الفرح بتاعتك. تجيبهم معاك، هنحتاجهم.
وقف “يونس” منفعلاً، خوفًا على زوجته، وقال:
–مينفعش مراتي تدخل في الموضوع! اطلبي أي حاجة تانيه غير مراتي.
وقف “أحمد” هو الآخر، وأمسك بذراعه ليهدّئه، ثم توجّه بالكلام إلى الساحرة:
–ممكن توضحي إزاي نجيب الدم من غير ما تتأذي؟
– مش هتتأذي بس هي سر فك اللعنة. لو مش موجودة، هيفضل كده طول حياته.
قالت كلماتها وتركت “يونس” في حيرة قاتلة بين حياة طبيعية وفك اللعنة، وبين أن يعرّض زوجته للخطر. هزّ رأسه وكأنه يريد طرد تلك الأفكار، ثم قال بحزم:
– مستحيل أكون سبب أذى لمراتي يلا يا بابا، نروح.
استدار الاثنان لينصرفا، لكن كلماتها أوقفتهما:
– مش هتخرجوا كده يا شباب اعملوا اللي بنعمله.
وما إن أنهت عبارتها، وقبل أن يستوعب (يونس وأحمد) ما يحدث، حتى ألقى عليهما أحد رجالها سائلًا غريبًا على وجهيهما وسقطا أرضًا، فاقدين الوعي.
البارت 30
من أنا
مع غروب الشمس، وتسلّل نسيم الهواء بين الأشجار، وامتزاج أصوات الهمسات غير المفهومة، فتح “يونس” عينيه ببطء، محاولًا استيعاب ما حوله.
فتحهما وأغلقهما مرارًا، حتى بدأ يدرك أنه مُلقى على الأرض، وكان مجموعة من الأطفال يلتفون حوله. انتفض فجأة، مستعيدًا ذكرياته عن آخر لحظة قبل أن يُغمى عليه، حين شعر بشيء يُلقى على وجهه!
نظر حوله بلهفة، وعيناه مليئتان بالذعر، فعثر على والده مُلقى بالقرب منه، يحاول فتح عينيه.
نهض “يونس” بسرعة، وهرع إلى والده، وأمسك بيده ليُعينه على النهوض، ثم هتف بلهفة وهو يتساءل:”
-بابا، أنت كويس؟ حصل إيه؟ وإزاي وصلنا هنا؟


