من انا بقلم حليمة عدادي ج3

رد “يونس” بصوت متردد:
–إن شاء الله يكون خير يا بابا… بس قبل ما نبتدي ندور على الست دي، عايز أقول حاجة….. البيت اللي سابتهولي… أنا مش عايزه.
أنهى كلماته منتظرًا ردّهم، فقد كان لا يرغب بشيء يربطه بالماضي. أراد أن يبقى في منزله الذي وجد فيه سكينته وراحته، فهو، مهما طال به العمر، لن يجد منزلًا يشبهه. قاطع تفكيره صوت “زينب”، قائلة:
–بس يا ابني ده بتاعك دلوقتي، مين هيخده؟ ولو مش عايزه، سيبه لحد يعيش فيه.
جالت كلمات والدته في ذهنه، وبعد لحظة تفكير، نظر إلى “مؤمن” وابتسم قائلاً:
–البيت ده يا ماما، هسيبه لمؤمن… هو يستاهل كل خير، وأكيد محتاجه أكتر من أي حد. يبدأ فيه حياته من أول وجديد.
انتفض “مؤمن” واقفًا، وهتف معترضًا:
– لا يا “يونس”! ده بتاعك، ومستحيل آخده منك. وحتى لو عايز أعيش فيه، لازم أدفع حقه.
اقترب منه “يونس” وربت على كتفه، وقال بنبرة حازمة ومليئة بالمحبة:
–أنت أخويا يا “مؤمن”، والبيت ده هيبقى ليك… يا إما هيفضل مقفول طول عمره. عيش فيه، ومش عايز أي مقابل، ماشي؟ وبلاش تعمل كأننا مش إخوات.
بعد محاولات عدة، استطاع “يونس” إقناع “مؤمن” بأخذ المنزل، بعد إصرار كبير وجهد متكرر. ثم اتفق “يونس” مع والده على الذهاب صباحًا إلى القرية للبحث عن منزل تلك الساحرة، لعلهم يجدون فيه أملًا ودواءً من ماضيه المؤلم إلى مستقبله الغامض.
انصرف كل واحد منهم إلى غرفته للراحة، بينما بقي “أحمد ومؤمن” وحدهما. نهض “أحمد” من مكانه، ثم جلس بجانب “مؤمن” وقال:
-اتكلم عايز تقول حاجة من أول ما قعدنا، وأنا حاسس إنك عايز تفتح موضوع.”
بلع “مؤمن” ريقه بحرج، ثم قال بنبرة متوترة:
-في الحقيقة كلامك صح. كنت عايز أتكلم وأسألك عن الشغل إللي قلتلي عليه، علشان أروح من بكرة.
ربّت “أحمد” على يد “مؤمن” بلطف، ثم قال:
-هتشتغل مع “حسام” في المطعم. هو بدأ يكبر ومحتاج حد يساعده، وأنا هظبطلك مرتب كويس.
أحنَى “مؤمن “رأسه، وهتف بشكر وامتنان:
– بجد شكرًا ليك، جدًا يا عم “أحمد”. إن شاء الله أكون عند حسن ظنك، وهشوف كمان شغل بالليل، علشان أكون جاهز أفتح بيت.
رد “أحمد “بابتسامة:
-ماشي يا ابني، اللي تشوفه. ولما نرجع، هنروح لبيتك علشان تشوفه وتتعود عليه بقي بس تشتغل و ربنا يسر لك
كان “مؤمن” على وشك الرد، لكن الكلمات توقفت في حلقه، وانتفض “أحمد” فزعًا حين سمعا صراخ “يونس” يدوّي في المكان.



