من انا بقلم حليمة عدادي ج3

–استأذن يا جماعة… هرتاح شوية لحد وقت العشا.

خرجت كلماته بصعوبة، ثم تحرّك مسرعًا نحو غرفته. تتبعته “تقى” بعينيها، مدركة لقلقه وخوفه عليها، لكنها أيضًا تخشاه عليه؛ من ألمه، ومن حزنه الذي لا يهدأ.
تنهدت بحزن، ثم وقفت من مكانها ولحقت به. فتحت الباب بهدوء، فوجدته جالسًا على إحدى الأرائك، رأسه بين يديه، شاردًا لا يشعر بوجودها.
أغلقت الباب خلفها، ثم جثت على ركبتيها أمامه، ومدّت يدها تمسك يده، فشعر بوجودها. رفع رأسه، وبعينين يملؤهما الرجاء، وبقلب يتوسل، قال بصوت مرتعش:

–بلاش يا تُقى، بلاش تعملي كده وتحرقي قلبي عليك.
أبصرت في عينيه مزيجًا من الخوف والهلع، ذلك الذي كان يعتريه ويطفو على نبرة صوته المتوسلة.
لكنها لم تسمح لنفسها بالتراجع. لا مجال للتوقف الآن. هذه مهمتها التي يحملها قلبها، ولن تتخلى عنها مهما كلّفها الأمر حتى إن أدى ذلك إلى خلاف بينهما.

رغبت في تهدئة الموقف، لا بالصدام بل بالإقناع. اقتربت منه، وأمسكت بيديه بين راحتيها، كأنها تواسيه وتمنحه شيئًا من الطمأنينة، ونظرت إليه بعينين تحملان حبًا كبيرًا وهمست:
-“يونس”، بلاش تعمل في نفسك كده، هو انت عايز تموت نفسك من الزعل؟!

مسح بكفه على شعره، ثم أنزل يده على صدره، الذي كان يعلو ويهبط بتسارعٍ واضح، يعكس قلقًا بات ينهشه من الداخل. أمسك يدها مرة أخرى، لكن هذه المرة بحنو، ثم قال بصوت متحشرج:

-عايزاني أعمل إيه يا “تقى”؟ وأنا مش عايز أضحّي بيكي علشان أتعافى أنا! ليه مش عايزة تسمعي مني؟ بلاش.

لم ترد عليه مباشرة، بل انتقلت إلى جواره وجلست، لتشاركه القرب قبل أن تسأله بهدوء:

-“يونس”، لو أنا إللي كنت مريضة وكنت محتاجة حد يتبرّعلي بدم، وإنت نفس الفصيلة، كنت هتعمل إيه؟

كان سؤالها كالسهم، لا مفرّ منه، ولا مفرّ من جوابه. حاول أن يهرب بعينيه منها، وكأنها تسحبه إلى هاوية يرفض السقوط فيها، لكنه أدرك أن “تقى” مصرّة على وضعه في وجه الحقيقة.
وحين تلاقت نظراتهما، كانت نظراتها تخبرها “أنها تحبه و مستعدة للمخاطرة من أجله، بينما هو يخبرها كيف له أن يسمح لها بالمخاطرة بنفسها؟
تنهد بعمق، وبلع غصته التي خنقته، ثم قال بصوت أقرب للهمس:

–أولًا، بعد الشر عليك ِ. وثاني حاجه، روحي فداكِ، مش بس نقطة دم. بس المستشفى مش زي أي مكان تاني يا “تقى”!.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *