من انا بقلم حليمة عدادي ج3

-عامل إيه دلوقتي؟ فتح عيونه؟ أنا جبت له الدواء، ساعديني علشان ياخده.

قامت “تقى” بسرعة، وكأنها شعرت أن الوقت يمر بسرعة أكبر من قدرتها على التفكير. بيدين مرتجفتين، ساعدته على أن يتناول الدواء بصعوبة، إذ كان جسده غير متوازن، وكلما حاولوا أن يسندوه قليلاً، كان يسقط مرة أخرى. في النهاية، بعد أن تمكنوا من إعطائه الدواء، وضعوا الغطاء عليه بحرص، وغطوه بالكامل.
عندما تأكدت “تقى” أنه قد استقر أخيرًا، قالت بلهجة محملة بالقلق:
-عمي، أنا هقوم أطبخ لكم حاجة، علشان من الصبح ما أكلتوش حاجة.

توجهت “تقى” إلى المطبخ، وتبعتها “مريم” بخطوات سريعة، بينما جلس “أحمد” بجانب “يونس”، يمرر يديه بحنان على شعره الناعم، لكن وجهه كان غارقًا في الحزن، فقد بدا واضحًا أنه يعاني من الألم ويشعر بثقل ما مر به.
مرت دقائق ثقيلة قبل أن تعود الفتيات إلى الطاولة، حامِلتَيْنِ قليلًا من الطعام، حيث وضعوهما على المائدة الصغيرة بشكل منظم.
ثم جلس الجميع حول الطاولة في صمت، بينما كان قلب “تقى” مشغولًا بما يحدث مع “يونس”.
نظرت إليه بعينين مليئتين بالقلق ثم تحدثت بصوت منخفض، محاولًة كسر سكون اللحظة:
-عمي، هو بقى أحسن دلوقتي؟ نقدر نديه شوية أكل؟
تقدم “أحمد” قليلاً من الطاولة وأجابها بصوت هادئ لكنه مليء بالحنو، وكأنّه يحاول طمأنتها:

-سيبيه يا بنتي يرتاح شوية بعد ما أخد دواه، عشان نقدر ناخده بالليل على البيت.

أومأت “تقى” برأسها بصمت، وأعادت النظر إلى “يونس” بقلق، بينما جلسوا جميعًا، يبدأون في تناول وجبتهم في صمت مطبق، كأن الكلمات قد خانتهم في تلك اللحظة.
لم يفارق نظرها “يونس” لحظة، وكانت مشاعرها تتأرجح بين الحزن العميق والقلق المستمر على حالته التي تبدو أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

أما هناك في المطعم
مرت عدة ساعات، وهي تواسيه وتساعده، تحاول تخفيف قلقه المستمر بشأن شقيقه. نجحت في ذلك بشكل كبير، حيث انشغل بالحديث معها، وبدأ ينسى جزءًا من همومه.
حتى حل المساء، وأصبح الوقت قد مر بسرعة. قامت بتنظيف بعض الأواني، ثم نزعت المئزر عن جسدها وجففت يديها. عندما انتهت، التفتت إليه بابتسامة خفيفة وقالت:
-“حسام”، أنا لازم أرجع البيت، اتأخرت، وإنت خلص إللي باقي، مش باقي كتير.

استدار إليها، وفي عينيه كان هناك نظرة من الامتنان والشكر. لقد خففت عنه الكثير من الهموم والأعباء، وأحس بشيء من الراحة بعد يوم طويل. تقدم نحوها وقال، وهو يحاول العثور على الكلمات:
-مش عارف أقولك إيه يا “شهيرة”، بجد، خفّفتي عنّي كتير. تعبتك معايا أوي انهارده.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *