من انا بقلم حليمة عدادي ج3

رغم أنها كانت مستعدة للمضي قدمًا مهما كلفها الأمر، إلا أنها لم تشأ أن تزيد قلقه. اكتفت بابتسامة صغيرة وقالت:
في صباح اليوم التالي، وبعدما أنهى الجميع وجبة الإفطار، انصرف كلٌّ إلى وجهته. رافق “يونس” والده في طريقه للساحرة ومعه “تقى”، التي كان كل شغلها الشاغل هو حبيبها فقط وكيف تنقذه.
ساد الصمت بينهما طوال المسافة ، لم يكن هناك حديث، فقط أفكار ثقيلة ومشاعر متضاربة تملأ قلب “يونس”.
كان الخوف ينهش روحه، والانقباض يزداد في صدره. شعور مبهم يثقل كاهله؛ وكأن هذا الطريق ليس بداية، بل نهاية محتملة!
الفكرة وحدها كانت تفتك به في صمت، تضعه بين نارين؛ إما أن يعود “بتقى” رغماً عنها، أو يستسلم لرغبتها ويكمل الطريق معها.
وفي النهاية، لم يجد سوى التوكل على الله ملاذاً له، فراح يدعو في سرّه أن تمرّ الأمور بسلام، وأن تكون هذه الرحلة خيرًا لهما.
أما “تقى”، فكان الترقب يملأها، حماسٌ حذر، يمتزج بشيء من التوتر. لكنها كانت تحمل في قلبها أملاً كبيرًا، أملًا بأن تكون هذه الخطوة التي أقدمت عليها هي الخلاص، وأن يعود زوجها كما كان، سعيدًا، معافى النفس.
لطالما رأت حزنه يتسلل من عينيه، وجرحه يتجدد كلما سمع كلمات الناس. تمنت كثيرًا لو كان بيدها دواء يشفيه، وها هي الفرصة قد أتت، ولن تدعها تفلت من يدها.
رفعت بصرها إليه، فرأته شارداً، كأن ذهنه تائه في عالم لا يعرفه سواها. مدت يدها إليه، وضغطت عليها برفق. انتبه لها، ووضع يده الأخرى فوق كفّها، كما لو أنه يحاول أن يجد فيها طمأنينته، ثم قال:
-“تقى”، بصي، لو إللي هتطلبه السحارة دي هيأذيك، وأنا حسّيت إني مش مرتاح ولازم نمشي. بلاش عناد أدامها ، ماشي؟
رغم أنها كانت مستعدة للمضي قدمًا مهما كلفها الأمر، إلا أنها لم تشأ أن تزيد قلقه. اكتفت بابتسامة صغيرة وقالت:
-ماشي يا “يونس”، إهدى كده، وبلاش تقلق كل حاجة هتبقى تمام إن شاء الله.
اكتفى هو الآخر بابتسامة باهتة، ثم نظر إلى الأمام، غارقًا في صمته حتى وصلا إلى القرية.
توقفا في نفس المكان الذي توقفا فيه سابقًا، ونزلا من السيارة. مدّ يده إليها، وكأنّه يبحث في لمستها عن قوة تساعده على تجاوز هذا الخوف الذي يتملّكه.
تقدما سويًّا، حتى وقفا أمام الأشجار التي يعرفانها جيدًا. كان “أحمد” يسير أمامهم، وهما خلفه، بنفس الخُطى التي سلكوها من قبل.
حين لمحت “تقى” الحديقة، انتابها الذعر، وتشنّج جسدها، وجفّ ريقها. لاحظ “يونس” ارتجافها حين أمسكت بذراعه بشدة، وضغطت عليه بلا وعي. اقترب منها، وهمس بصوت دافئ:


