من انا بقلم حليمة عدادي ج3

-يوووووونس… يوووونسس!

من أنا
البارت 23
اتسعت عيونهم وامتلأت قلوبهم بالصدمة عندما رأوا “يونس” ملقًى على الأرض. هرعوا نحوه في حالة من الذعر، وتقدمت “تقى” نحوه والدموع تتساقط من عينيها. ركعت بجانبه، وضعت رأسه على فخذها، ونادت بصوت مخنوق بالبكاء:

-“يونس”، “يونس”، رد عليا!

لكنها لم تتلقَّ سوى همسات غير مفهومة، وعرق يتصبب من جبينه بسبب ارتفاع درجة حرارته. وضعت يدها على رأسه وصرخت بصوت عالٍ:

-عمي حرارته مرتفعة! تعالوا بسرعة، شيلوه وحطوه على السرير، نعمل له كمدات بسرعة، وروح جيب له دواء!

حملوه بسرعة ووضعوه على سريره، حيث غطته “مريم” ببطانية ثقيلة لتحميه من البرد القارس الذي كان يخيم على المكان.
في تلك اللحظة، هرعت “تقى” إلى المطبخ، وهي تسرع الخطى، لتحضر بعض الماء وقطعة قماش نظيفة.
بعد ثوانٍ معدودة، عادت مسرعة، وألقت نظرة على وجه “يونس” الذي بدا شاحبًا، ثم جلست بجانبه.
بقلق بالغ، بدأت تطبق الكمادات على رأسه بحذر، في محاولة لتخفيف حرارته المرتفعة.

بينما كان “أحمد” يقف في زاوية الغرفة يراقب المشهد بحزن عميق، كان قلبه ينفطر لرؤية حالته.
شعر بالعجز، وكأن الزمن قد توقف، فلم يكن هناك شيء يستطيع فعله إلا الانتظار.
ثم تنهد بعمق وقال بصوت متألم:
-أنا هروح أجيب له شوية أدويه، شكله أخذ برد. وإنتوا خليكم معاه لحد ما أرجع.
عقب انتهاء حديثه، خرج مسرعًا، بينما “مريم”، التي كانت تراقب الوضع، لم تجد ما تفعله سوى التوجه إلى المطبخ لإحضار بعض الحساء لشقيقها.
وبينما كانت هناك، في المطبخ، كان صوت “تقى” يشق الصمت في الغرفة المجاورة، حيث بقيت بالقرب من “يونس”، تجلس بجواره وتهمس إليه كما لو كان يسمعها، وقلبها مليء بالحزن والهموم.

– ما كفاية عمال كل شوية تخوفني عليك يا “يونس” كده، إنت مش هترتاح غير لما تموتّني؟ ليه بتعذب نفسك و تعذبني معاك؟ مصر تزعل نفسك دايمًا، كده مفيش فايدة! بص وصلت حالتك لفين؟

كانت كلماتها تتسلل برقة، لكن الألم كان يلوح في صوتها. في تلك اللحظات، كان الحزن يسيطر عليها، وهي تشعر وكأنها عاجزة عن فعل شيء لمساعدة “يونس”، الذي بدا ضائعًا في همومه.

كان مشغولًا في عمله، لكن أفكاره كانت تائهة في هموم شقيقه، الذي كان يعاني من أمرٍ ما، وكان يشعر بحزن عميق تجاهه. فهو ليس فقط شقيقه، بل صديقه المقرب وسنده في الحياة، رابط قوي يجمع بينهما يتجاوز مجرد صلة الدم. وفجأة، انتزعت رائحة احتراق الطعام انتباهه وأخرجته من دوامة أفكاره، فانتفض من مكانه سريعًا ورفع القدر عن النار، لكن للأسف كان المقبض قد اقترب من اللهب، فتعرّض لحروق بسيطة في يده. وضع القدر جانبًا وهو يشعر بضيق شديد، وفجأة، سمع صوتًا مألوفًا يقطع الصمت، قائلًا:
-الشيف بتاعنا زهق من الطبخ ولا إيه؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *