من انا بقلم حليمة عدادي ج3

-مش كنت عايزه أخبي عليك بس أنا عملت كل ده علشانك، علشان ما شوفش الحزن في عيونك،و لا تحس في يوم أنك وحيد… بس لازم تعرف الحقيقة دلوقتي.
تزايدت مشاعر الخوف والقلق لديه مع رؤية حال والدته، وراجت في خاطره العديد من التساؤلات حول وضعها، وتساءل عن طبيعة الحزن الذي يكتنفها. ثم انطلق لسانه بنبرة تعبر عن القلق، قائلاً:
-ماما بالله عليك قولي في إيه بلاش تخوفيني كده.
طلب «أحمد»من «يونس” الجلوس، ثم بدأ يسرد له كل التفاصيل منذ أن تخلت عنه والدته. استرسل في رواية القصة منذ بدء زواج والدته كلما سمع «يونس»كيف تخلت عنه والدته، كان يشعر بتمزق في قلبه وداخل روحه، كما لو أن نيران الحزن قد اشتعلت في أعماقه.تدفقت الدموع من عينيه، وأصبح لسانه معقوداً، فلم يستطع النطق. بينما استمر أحمد في حديثه، ظل «يونس» صامتاً، يراقب ما حوله وصدره يعلو ويهبط، كأنه في حالة من عدم التصديق لما سمعه لتوه. استمع إلى كل ما قاله «أحمد» وكأن كلماته تتردد في أذنه، لكن عقله كان في حالة من الاستياء يرفض تصديق ذلك. أصبحت كلمات «أحمد»تطارده كطيفٍ يتعنّت من تصديق الحقيقة. هزّ رأسه عدة مرات، كأنه يحاول التخلص من تلك العبارات التي أثقلت كاهله، وفجأة أصبح سؤال واحد يتكرر في ذهنه:
«هل أنا فعلاً ليس ابن هذه العائلة؟ هل كانت مشاعري حقيقية عندما كنت أسأل نفسي من أنا؟ الآن أدركت أنني طفل يتيم، تخلت عنه والدته مقابل المال».
نهض من مكانه ونظر إلى والدته، فهتف بصوت يملؤه الحزن والخذلان، وتحمل نبرة قهر تعكس مشاعره الجياشة قائلاً:
-ليه رجعتي ليه علشان تكملي اللي فاضل فيا…. زمان رجعتي علشان تشوفيني حزين، أنا مش زعلان علشان الناس دي طلعوا مش أهلي بالعكس أنا لو رجع بيا الزمن لورا هرجع اتمنى أفضل معاهم طول العمر،! بصي أنا أمي ماتت في اليوم إللي سابتني فيه! فاهمه ماتت بنسبة ليَّ،أمي إللي سهرت و أمي إللي طبخت و أمي إللي فرحت معايا و عيطت معايا و عاشت معايا حياتي لحظه بلحظة هي زينب (ماما زينب).
قال كلماته وتقدم نحو «زينب» التي كانت تبكي في صمت، وعيونها معلقة به. جذبها إلى حضنه وقبّل رأسها، ثم أضاف قائلاً:
-دي ماما إللي عملت كل حاجة علشاني. ليه بتعيطي يا أمي؟ إنتي فاكرة أني هتألم لأنك خبيتي الحقيقة عني؟ لا، أنا سعيد لأني كنت عايز أعرف حقيقة واحدة بس وهي أنك أمي، وأنتي خليتيني أعيش الحقيقة دي.



