من انا بقلم حليمة عدادي ج3

انتبه “يونس” و””تقى”” إلى وجودها، فخجلت وقد أطرقت رأسها حياءً. أما “زينب”، فتقدّمت نحوه بخطى هادئة وقالت برقة، وهي تتحرك في اتجاه الباب:
–ارتاح يا حبيبي شوية لو احتجت حاجة؛ ناديني علطول.
قالت كلماتها بابتسامة دافئة، ثم خرجت من الغرفة وهي تتنهد، تحمل في داخلها قلقًا من القادم، لكن قلبها مملوءٌ بأملٍ كبير في الله.
خرجت” زينب” وأغلقت الباب خلفها، بينما سكن “يونس”، وقد بدا الحزن واضحًا على ملامح وجهه.شعر برعشة في يده التي كانت بين يدي “تقى”، التي نظرت إليه بقلق حين رأت الحزن في عينيه، وكأن ذلك الحزن سحابة مظلمة غطت محياه. شعرت برعشة يده، واهتزَّ كفها نتيجة لذلك، فضغطت على كفه بحنان محاولة أن تهدئه.بصوت حزين مصحوب بقلق، تحدثت “”تقى”” قائلة:
-“يونس”، بلاش تفكر كتير يا قلبي، وتهلك نفسك. ارتاح دلوقتي، مش وقت التفكير. أنت محتاج راحة.
أغمض “يونس” عينيه، مُحاولًا الهروب من نظراتها التي كانت كأمواج لا يستطيع مقاومتها.
اغمض جفونه ببعضها بقوة، وشعر بغصة في حلقه، وكأنها قطع زجاج تمزق أحبال صوته.
كان ما يريد البوح به عالقًا في حلقه، لا يستطيع إخراجه. لكنه شعر أنَّه لا مفر، ولا بدَّ من البوح. تنهد بعمق، وابتلع ريقه، وكأنه يزيد الغصة في حلقه، ثم قال بحزن عميق:
-“تقى”، أنا هكون سبب حزنك…. طول عمري مش هقدر أكون زوج ليكِ، و هحرّمك من إنك تبقي أم. بقيت حاسس إني لعنة، بسبب الحزن اللي أنا جايبه ليكم كلكم…
توقفت كلماته حين شعَرَ بأنامل “تقى” على شفتيه، وكأنها تمنعه من أن يواصل. كان هناك غضب في عينيها، فقالت بنبرة حازمة:
-يونس، آخر مرة أسمعك تقول كده. أنت عمرُك ما كنت حزن ليَّ. أنت سندي، وعوض ربنا ليا. أنا جنبك في الحلوة والمرة. وإذا كنت فاكر نفسك لعنة، فأنا اللي اخترت أكون معاك. يا إما نعيش سوا، أو نموت سوا، يا “يونس”؟!.
لم يستطع “يونس” أن يبوح بأي شيء آخر، فكل كلمة كانت كالسيف يمزق قلبه. كان يموت رعبًا من فكرة أن تبتعد عنه، ويخشى أن تكون حياته سبب تعاستها طوال عمرها.
كان يخاف أن يظل هكذا، يعيش في قلقٍ مستمر، ولا يطاوعه قلبه أن يفرط فيها، خوفًا من أن يجلب لها الحزن.
يشعر أنه لا يستطيع التنفس دونها، فهي التي أضاءت حياته بعد وحدة عاشها طيلة طفولته. هي التي جاءت وآنست وحدته، وضمدت جروحه. كانت، ولا تزال، مثل مسكن للألم، تريح قلبه وتشفي جروحه لم يعد يريد شيئًا في هذه الحياة سوى سعادتها، وابتسامتها التي تنير حياته. بين كل النقاط السوداء، هي النقطة البيضاء، التي تمنح حياته الأمل من جديد.طال صمته وهو يفكر، مما زاد من قلق “تقى”، فشعرت بجفاف في حلقها، وبدأت الدموع تلمع في عينيها. كان نبض قلبها مسموعًا من شدة توترها وقلقها الذي بلغ ذروته. بصوت مهزوز، قالت:

