من انا بقلم حليمة عدادي ج3

لم يمر وقتٌ طويلٌ حتى تمَّ عقد قران كليهما، وقال “المأذون” جملته الشهيرة:
“بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في الخير بالرفاء والبنين إن شاء الله.”

أغلق “المأذون” دفتره، لملم متعلقاته، ثم نهض وبارك لهما مجددًا، وألقى عليهما تحيةً قبل أن يغادر. جمع أشيائه ثم خرج.

نظر “يونس” إلى “تقى”، وسعادةٌ كبيرةٌ تغمره. نظر إلى عينيها طويلًا، وكأنها لأول مرة. كانت نظراتٌ متبادلةٌ بينهما، وكأن عيونهما تبوح بما في قلوبهما. كانت نظراتٌ تحمل كلَّ ما في قلبه.

رفع يديه، وأمسك رأسها بين كفَّيه، ثم قبَّل جفنها قبل أن يبتعد عنها، وقال:

-عشت كل حياتي أهرب وسط الضلمه، ومكنش في مخرجً لغاية ما لقيتك ، وكنتِ بصيص نور وسط عتمتي. وكل ما أقرب منكِ، أشوف النور. كنت بدور علشان أعرف أنا مين وعن نفسي لغاية ما لقيتك، ساعتها لقيت نفسي معاكُ.

رفعت “تقى” رأسها، واحمرَّ وجهها خجلًا، وغطَّت وجنتيها حمرةٌ زادت ملامحها رقةً. شعرت أن لسانها قد أصبح ثقيلًا، ولم تجد كلماتٍ تعبِّر بها عمَّا تشعر به، أو كيف تصف ما تحسُّ به في قلبها. فهم “يونس” ما يدور في ذهنها من خجلٍ أمام الجميع.

تقدَّم الجميع، وانهالت عليهما التهاني من الحضور.

أما “حسام”، فلم يكن يقلُّ سعادةً عن الجميع، فقد احتضنها بين ذراعيه وهي تكاد تذوب خجلًا، ثم ابتعد عنها، وقال:
-يمكن اتوجعت كتير علشان أوصل للحظة دي، بس انتي تستاهلي أكتر. واجهنا صعاب كتير، بس كل حاجة حلوة مش بنوصل لها بسهولة، وحبك مكنش سهل.

احمر وجهها خجلًا، وتلعثمت قبل أن ترد وهي تهرب من عينيه:

-م.. م.. مش سهل، بس ربنا سهل اليوم وخلانا نلتقي مع بعض.

بدأ الاحتفال، وتم تقديم المأكولات والعصائر للمدعوين. وفي وسط هذا الجو المليء بالفرح، شعر “يونس” بحرقةٍ في جسده، واشتدَّت ملامحه، وأصبح لونه يتغيَّر، وكأنما مزيجٌ بين الأسود والأزرق، وعيناه احمرَّت كالنيران.

أصبح لا يرى أمامه شيئًا، ولا يسمع سوى أصواتٍ غريبةٍ تشبه عاصفةً تكاد تأكل عقله. حاول أن يسيطر على نفسه، لكن فجأة، دون أن يشعر، أمسك بالمائدة التي أمامه، ورفعها ثم دفعها! سقطت على الأرض، وبدأ في تحطيم كلِّ شيءٍ أمامه، وسط صدمة الجميع.

اقتربت منه “تقى” بهلع، وقالت:
-“يونس”! مالك؟ إيه اللي حصل؟ أنت كويس؟ “يونس”!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *