من انا بقلم حليمة عدادي ج3

لم يرفع عينيه عنها حتى وقفت أمامه. دنا منها بسرعة، كأنه يركض، مدّ يده ليمسك كفها… لكن “حسام” كان أسرع، وقف بينهما!
والدهشة علت وجوه الحاضرين.
ارتفعت همهمات الاستغراب، حتى قال “حسام” بجدية مرحة:
-لأ يا جماعة، مش هينفع يلمس إيدها غير لما نكتب الكتاب! المأذون موجود، يلا نبدأ.
تنفّس “مؤمن” براحة بعدما توتر للحظة، وظن أن شيئًا قد حدث.
ثم توجه الجميع إلى أماكنهم، وبدأت مراسم عقد القران وسط جو مليء بالفرح، والعيون تلمع بالدموع والضحكات.
نُطق الإيجاب والقبول، ووقّع “مؤمن” بخطٍ ثابت، ثم نظرت إليه هي بابتسامة خجولة… لقد أصبحت له.
أمسك بكفها أخيرًا، دون حائل أو حرج، وسط زغاريد الفرح وتصفيق المحبين.
وقبل أن يتعانق الجمع بالتهنئة، صدح صوت المأذون بصوتٍ مهيب:
“بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير.”
كأنّ البركة نزلت على القاعة كلها، فعمّ الهدوء لوهلة، ثم انفجرت الأصوات من جديد بفرح صادق، معلنين بداية حياة جديدة كُتبت بالحلال، وبالحب.
انهالت عليهم التهاني من جميع الحضور، وكانت الفرحة سيدة المكان. نظر “مؤمن” إلى “مريم”، ولأول مرة تأمل ملامحها دون خوف أو قلق، ولأول مرة نظر إلى عينيها، وسقط أسيرًا لنظراتها.
لم يعد يشعر بالعالم من حوله، وكأن المكان أصبح ساكنًا في حضورها. حتى لسانه انعقد، وحشرت الكلمات في حلقه، وكأن حديثها ألقي عليه سحره. طال يتأملها، وهي تكاد تنصهر خجلًا. أصبحت يده ترتعش، وعيونها تكاد تدمع من شدة توترها.
انتبه “مؤمن” لحالتها، فرفع يده، ممسكًا رأسها بين يديه،
ثم طبع قبلة على جبينها، ابتعد عنها قليلاً، ثم قال بصوت يحمل في طياته حبًا لا يعرف كيف يعبر عنه:
-أنتِ عوض تعب سنين، أنتِ دواء بعد داء. مش عارف أعبّر عن اللي في قلبي، لكن اللي عايز أقوله إنك كنتِ دعوة كل ليلة، والله استجاب.
أحنت رأسها خجلًا من كلماتِه، ثم حركت شفتيها ببطء، كأن الكلمات هربت من فمها، ثم قالت بصوت رقيق:
-وأنتَ كنت دعوة مستجابة، يا “مؤمن”.
ابتسم مؤمن من كلماتها التي لامست قلبه. لم يكن يعرف معنى الحب من قبل، لكنه الآن يعيشه بكل معانيه مع عائلته الجديدة، مع زوجته، جوهرته كما أطلق عليها. أمسك كفها بحنو، ثم قال:
-أنا محظوظ إني أسعد إنسان في الدنيا، علشان ربنا رزقني عيله وزوجة صالحة. حاسس إن عوض ربنا جميل جدًا، وأي حاجة مهما كانت صعبة، دايمًا بتتيسر.





