من انا بقلم حليمة عدادي ج3

اندفعت “شهيرة” إلى حضن “زينب”، وعانقتها بقوة، كأنها تستمدُّ الحنان والدفء الذي حُرمت منه. بينما كانت “منة” تحضن ابنتها “تقى” من جانبها، ومن الجهة الأخرى “إيلول”، وكانت “مريم” تقف وسطهم، ضيَّقت عينيها وهي تنتظر دورها، ثم صاحت بصوتٍ مرح قائلة:
-أنا بنت البطة السودا! كل واحدة أخدت حضن، أنا فين؟! ماما، يلا بقى، بلاش نكد كده العريس هيطفش.

رَجَّت ضحكاتهم المكان عندما نطقت “مريم” بكلماتها، وكان العبوس واضحًا على وجهها وهي تقف وسطهم، واضعةً ساعديها أمام صدرها وتنظر إليهم في صمت.

اقتربت منها “زينب”، وأمسكت وجنتيها وهي تضحك، ثم قالت:

-عقبال لما أفرح بيكِ إنتِ كمان يا روحي، متزعليش، هي عروسة بقى ولازم تاخد حضن.

ردت” مريم”، وهي تضع يدها على خصرها وتحرك عينيها بعشوائية:

-أنا مش عايزة أتجوز، ولا إنتوا عايزين تخلصوا مني؟ وقتها شوفي مين هيملأ البيت عليكم فرحة وروحي الجميلة وحسي العالي د؟

قالت “زينب” مبتسمة:

-ماشي يا مريومة، نتكلم في موضوعك بعدين. أنا هروح أشوف إخواتك إذا كانوا جهزوا، وإنتِ و”أيلول ” شوفوا زينة الحديقة إذا كانت خلصت، علشان الحفلة هتبدأ، والمأذون جاي.

أنهت “زينب” كلماتها وخرجت مسرعة، بينما بقيت “مريم” واقفةً في مكانها لدقائق، ثم أمسكت يد “إيلول” وخرجت أيضًا تلحق بها. بقيت الفتيات يُكملن استعداداتهن.

في إحدى الغرف، وقف “يونس” أمام المرآة، وكانت بذلته السوداء قد أضفت عليه مظهرًا جذَّابًا، أكثر من مجرد قطعة ملابس؛ بل كانت تجسيدًا لأحلامه التي بدأت تلامس الواقع. بدأ بتمشيط شعره ببطء، حركاته مدروسة بعناية، وكأن كل خصلة شعر تحمل تفاصيل حياته. ثم وضع المشط جانبًا، وأخذ زجاجة العطر بين يديه، قلَّبها برفق، ورشَّ منها رشةً خفيفة، فانتشرت رائحتها في المكان كلمسةِ أمل.

كانت البسمة لا تفارق شفتيه، وعيناه مشعتان بأملٍ غريب، كأن السعادة نفسها قد تسلَّلت إليه. لم يكن هذا يومًا عاديًا، بل كان بمثابة يوم ميلاده الجديد. فبعد سنواتٍ من الحزن، هبَّت إليه “تقى” كقطرات المطر، فازدهر قلبه مجددًا، وكأن الزهور كانت تتفتح في أعماقه، معلنةً بداية فصلٍ جديد في حياته.

ولكن كانت هناك لمعةُ خوفٍ ممزوجةٌ بسعادته تُعكِّر صفو فرحته. استدار نحو شقيقه، الجالس خلفه على إحدى الأرائك، برفقة “مؤمن”، الذي جاء به والدهما ليحضر حفل زفافهما ثم يعود لإكمال علاجه في المصحَّة:
-“حسام”، إذا خلصت، يلا نطلع بسرعة، اتأخرنا عليهم كتير.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *