من انا بقلم حليمة عدادي ج3

–ده بيت “نيرة”… بس دخوله صعب، والخروج منه أصعب.
أثارت كلماتها قلقًا شديدًا في نفسيهما، وبثّت الخوف من المجهول. أدركا أن الرحلة لن تكون سهلة، وأن عليهما الاستعداد لكل الاحتمالات.
أفاق كلاهما من شروده، واستدار “أحمد” ليشكر العجوز ويسألها، لكن الكلمات اختنقت في حلقه حينما لم يجد لها أثرًا. لقد اختفت تمامًا، واختفى معها كل أثر يدل على وجودها، وكأن الأشجار الكثيفة قد ابتلعتها. تنهد بقلق، ثم استدار نحو ابنه وقال:

-“يونس”، ده مش وقت تفكير ولا خوف. يلا بينا ندخل.

أنهى “أحمد” حديثه، وتقدّم هو و”يونس” داخل الغابة الكثيفة، يغوصان في عمقها دون أن يعلما ما الذي تخبئه خلف ظلالها، لكنهما كانا على يقين أن ما ينتظرهما هناك ليس إلا جحيمًا.
فقد دخلا إلى وكر الشيطان، حيث تُعذَّب الأرواح وتُمارس الطقوس الشيطانية. دخولهم مغامرة خطرة، وخروجهم منها احتمال ضعيف… ولكن لم يكن أمامهم خيار آخر.
تقدّما أكثر، تتعثر خطواتهما وسط الأشجار الكثيفة التي تعيق حركتهما. وبعد مشقة، وصلا أخيرًا إلى حديقة المنزل.
كانت الحديقة تحوي شجيرات تحمل ثمارًا سوداء، تتوسطها طاولة خشبية صغيرة تحيط بها كراسٍ مهترئة، وعلى الطاولة تمثال أسود مخيف تحيط به شموع دائرية، تفوح منها رائحة كريهة تكاد تقلب المعدة.
وعلى أحد المقاعد جلس قط أسود، عيناه مثبتتان عليهما بحدة.
وما إن اقتربا من الطاولة، حتى قفز القط فجأة واختفى بين الظلال. فزع (أحمد ويونس) مما حدث، وتيقّنا أن المكان أخطر بكثير مما تخيلا.
وقبل أن يكملا خطواتهما، شعرا بشيء يُصوَّب إلى رأسيهما من الخلف، مسدسان. وجاء صوت غليظ من خلفهما يقول:

-إزاي عندكم الجرأة تدخلوا بيت ساحرة؟ مش خايفين على نفسكم ولا إيه؟!

في منزل أحمد الهلالي، جلست “منة” وحيدة، شاردة الذهن، تضع يدها على خدها، متكئة بمرفقها على فخذها. كانت تفكّر فيما ستفعله. هي تعلم أن وجودها مع ابنتها لن يدوم، وتعلم جيدًا أن “أحمد” يحبهم ولن يطلب منهم الرحيل، لكن له عائلة كبيرة، وحالته المادية صعبة، وظروفه لا تقل قسوة عن حالها.
وهي أيضًا تشتاق إلى الاستقرار في منزلها، تهتم بدراسة ابنتها، تحقق لها أحلامها، وتكون لها الأم والأب معًا.
زفرت بحزن، متمنية في أعماقها لو أن زوجها مازال حيًا، يخفف عنها تعب الأيام. قطع لحظة صمتها جلوس “زينب”
بجوارها، ثم تساءلت بلهجة قلقة:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *