من انا بقلم حليمة عدادي ج3

عاش طفولةً مليئةً بالألم، كبر وسط بيئةٍ سيئة، وتحمل سموم الحياة ووجوه البشر القاسية. لم يعرف معنى حنان الأم، ولا سند الأب. كلمة “ابني” لم تكن تعرف طريقها إلى حياته. كم تمنَّى أن يستيقظ يومًا على سريره، وأن يسمع صوت والدته بدلًا من أصوات الكلاب الضالة والقطط في الشوارع. كم تمنَّى لو كانت له عائلةٌ تحتضنه، بدلًا من أن ينام على الأرصفة، تحيط به قسوة الشوارع وبرودة الشتاء القارس.
مسح “مؤمن” تلك الدمعة الخائنة التي سالت على وجنتيه، ورفع رأسه في محاولةٍ لرسم ابتسامةٍ على شفتيه، محاولًا إخفاء الألم، لكنه لم يستطع، فالألم كالمرض، مهما أخفيته، يظهر تأثيره.
رغم تلك الابتسامة الكاذبة، إلا أنهم لاحظوا حزنه عندما بلع لعابه، ثم قال:
-إن شاء الله يا طنط، ادعيلي أتعالج بسرعة من السم ده.
نظرت إليه “زينب” بحزنٍ، وكأنها قرأت ما يدور في ذهنه، وأشفقت على طفولته الضائعة المؤلمة، لكن لا شيء يتغير. الماضي يبقى عالقًا في ذاكرة الإنسان.
-ربنا يشفيك منه، ويفتح لك أبواب الخير يا ابني، ويعوضك بإذن الله. “حسام”.. “يونس” شوية وتعالوا علشان تاخدوا البنات.
أنهت كلماتها بسرعة، ثم خرجت مسرعة. بينما تقدم “يونس” نحو “مؤمن” وسأله قائلاً:
-مالك يا “مؤمن”؟ أنت تعبان، باين عليك الزعل، واتغيرت في الدقائق دي، وشكلك مهموم.
-مفيش يا أخي، بس افتكرت طفولتي وزعلت. بشجد حسيت إني وحيد، من غير أم، ولا أهل.
تكلم” يونس” بصوت محمل بالعتاب قائلاً:
-ليه بتقول كده يا “مؤمن”؟ هو إحنا مش أهلك؟ من يومها بابا اعتبرك واحد منا. إحنا إخواتك يا “مؤمن”، مش لازم تنسى ده. إحنا جنبك، لغاية لما تخف وتوقف على رجليك.
رفع “مؤمن” رأسه، وهو يشعر بالخجل. بعد كل المعاناة، يجد نفسه وسط عائلةٍ دخل منزلهم بنيَّةٍ سيئة، حاول قتل ابنتهم، لكنهم يقفون إلى جانبه.
كم هي غريبةٌ الدنيا! من نظنُّ بهم خيرًا لنا قد يكونون سبب عذابنا، ومن نحاول إيذاءهم، هم شفاءٌ لجروحنا، ونحن لا ندري.
-مش عارف أقولكم إيه، أنا دخلت بيتكم علشان أؤذي آنسة “تقى”، لكن القدر كان له رأي آخر. ماكنتش عارف إنها هتكون بداية لحياتي، وانتو بصيص الأمل اللي كان وسط عتمة حي
اقترب” يونس” من “مؤمن”، وربت على كتفه مبتسمًا، ثم قال:
-إحنا أهلك من اليوم ده، وإن شاء الله أول ما تكمل علاجك هتشتغل معانا.


