من انا بقلم حليمة عدادي ج3

رفعت «زينب» عينيها، ودفقات من الدموع تتساقط منها، ثم قالت بصوت يخالطه البكاء:
-أنت ابني، و نور عيني، ومفيش حاجه هتتغير ، هتفضل دايما ابني الغالي حبيبي.
ابتعد «يونس» قليلاً عنها ثم جفف دموعها بأنامله. بعد ذلك، ألقى نظرة على والدته وهرع بعيداً، تتبعه «تقى» التي بدت قلقة من صمته رغم الحزن الذي ارتسم على ملامحه. حتى وجدته واقفاً في الخارج، في حديقة المنزل، وقد اتخذ ظهره منحىً متجهاً بعيداً وتوتر جسده واضحاً.
اقتربت منه، وعندما نظرت إليه، فزعت وامتلأت عيناها بالدموع لرؤيتها تغيير ملامح وجهه ومعاناته الكبيرة. أمسكت بيده وسحبته خلفها إلى إحدى المقاعد الحديدية، ثم جلسا معاً.
نظرت بتأثر عميق إلى عينيه، التي كانت تعكس ألمًا وحزنًا لا يوصف. بينما كانت دموعه محبوسة، أمسكت بيده بين كفيها. نظر لها كأنه، استمد منها القوة التي يحتاجها. ثم مال برأسه على كتفها، تنهد بعمق، وكأن آهات النَفَس تحمل أعباء معاناته. تحدث بصوت مفعم بالألم:
-ليه عملت كده؟ ليه سبتني هنا وهجرتني؟ معقول بسبب الفلوس والميراث.. معقول أم تتخلى عن ابنها؟ ليه عانيت كل السنين اللي فاتت دي من التهميش، لما كان كل الناس بتخاف من شكلي ؟
توقفت «تقى» لحظة، تلمس قلبها الذي يعجز عن العثور على الكلمات المناسبة لتهدئته. كانت تشعر بما يمر به، وبالألم الذي يعصر قلبه. نظرت إليه بحب وحنان، ثم قالت بصوت منخفض، ملؤه الشفقة والاطمئنان:
-«يونس»، مهما كان الألم إللي حاسس بيه، ومهما كانت الجروح إللي ماخفتش واتقفلت لسه، فأنت مش لوحدك في العالم ده. ساعات بنمر بتجارب قاسية تخلينا نشك في كل حاجه فينا وفي الآخرين. لكن اوعى تفتكر أبدًا أن المعاناة التي عشتها هتحدد إنت مين؟. أنت شخص قوي، وقلبي شافك بكل جمالك الداخلي اللي ماشفهوش الناس التانيين.
إللي حصل، مهما كان إيه، مش ممكن أنه يقلل من قيمتك أو من حبنا ليك. المال، أو أي شيء مادي، عمره ما يكون سببًا لتغيير مشاعر الأم، لكن الحياة يمكن تكون قاسية أحيانًا، وإحنا مضطرين للتعامل مع ده. وأنا هنا معاك، وهكون دائمًا جنبك عمري ما هسيبك ابداً. أنت الأهم بالنسبة ليّ.
ثم أمسكت يده بقوة أكبر، وكأنها تؤكد له أنها لن تتركه مهما كانت الظروف، وأنه يمتلك القوة لتخطي أي شيء
.
نظر إليها، وكانت عيونه ككتاب مفتوح أمامها، تقرأ ما يختلج في قلبه وما يدور في خاطره من مشاعر وكلمات لا يستطيع أن يعبر عنها. ثم رفع يدها وقبّلها بحبٍ عميق، قائلاً:



