من انا بقلم حليمة عدادي ج3

ظهرت على ملامحها علامات الحزن، لكنها لم تتراجع. عنادها كان أقوى من أي كلمة. وقفت وقالت بإصرارٍ لا يقبل النقاش:
-بص يا “يونس”، أنا مش هغير رأيي. لو عرفت إني هموت، هموت وأنا معاك. حتى لو على الموت، ماشي. هقوم أساعد ماما في الطبخ.

أنهت كلماتها، واستدارت لتغادر الغرفة، لكن فجأة، أحست بيده تسحبها من ذراعها، فارتطمت بصدره.
رفعت رأسها نحوه، فوجدته ينظر إليها بجمودٍ، ملامحه متصلبة لا تبشّر بخير… ظلّت تحدّق فيه لدقائق، تنتظر منه أي رد، حتى تسلل القلق إلى قلبها، وقالت بصوتٍ خافت:
-مالك يا “يونس”؟ في إيه؟ إنت كويس؟

زفر الهواء كمن يحاول طرد قلقٍ متجذر، ثم ترك ذراعها، ووضع يده على خدها برفق، وقال:

–غلبت معاكِ يا توته، مش عارف أعمل معاكِ إيه… بفكر أحبسك هنا في الأوضة؛ علشان ما تعمليش حاجة مجنونة.

ضحكت بخفة، تلك الضحكة التي تسرق قلبه في كل مرة، وأسندت رأسها على كتفه، وقالت وسط ضحكاتها:

–عايز تحبسني يا “يونس”؟ بس ما تنساش، حتى لو حبستني لآخر العمر، هطلع، وهعمل اللي أقدر عليه.

طبعت قُبلةً خاطفةً على خده، ثم انسحبت بخجل نحو الخارج، تسرع في خطواتها كأنها تفرّ من نفسها، تاركةً إياه واقفًا في مكانه، يضع يده على موضع القبلة، كأن دفئها لا يزال عالقًا على بشرته. شعر بوخزٍ في قلبه، وارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة، تسارعت معها دقات قلبه، ثم همس لنفسه:
-مجنونة، بس بحبها، لا دنا بموت فيها… يا رب أقدر أحميها.

افاق من شروده على صوت الحديث بالخارج، التقط أنفاسه بعمق ثم خرج حيث يجلس الجميع، وجلس يتحدث معهم في مواضيع شتى، حتى أخبرتهم “منة” بقرارها العودة إلى منزلها.
ورغم اعتراض الجميع، خاصةً “تقى” التي بدا الحزن على وجهها، إلا أن أمها كانت مُصرّة على قرارها، مؤكدة أنها ستعود لزيارتهم من حين إلى آخر.

استمر الحديث العائلي في جو دافئ، حتى لاحظ “أحمد” غياب “مؤمن” عن المنزل، فتلفّت بنظره في أرجاء المكان ثم سأل:
-“حسام”، هو “مؤمن” راح فين؟ شكله طلع اول ما جه من المطعم يرتاح في أوضته.

– لا يا بابا، “مؤمن” قال إنه عنده شغل بالليل في مكان تاني، وأول ما خلص معايا ، طلع على هناك على طول.

لم يعلّق “أحمد”، لكنه شعر بمزيج من الفرح والحزن في آنٍ واحد؛ سعادته كانت في تأكده من حب “مؤمن” الصادق لابنته، وأنه يعمل ليلًا ونهارًا ليجمع بينهما، يجاهد قسوة الحياة لأجلها، أما الحزن، فكان من أجل تعبه وإرهاقه، وتساؤلاته التي لم تغب عن ذهنه: «أين سينام؟ هل سيعمل الليل بطوله؟ ومتى سيأكل؟»
تنهد، ثم رفع نظره نحو ابنه وسأله:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *